تمدد الإرهاب غرب مالي يثير مخاوف بشأن حدود السنغال وموريتانيا

عقب توسع عمليات «جماعة نصرة الإسلام» في منطقة الساحل

عناصر من الجيش المالي في حراسة إحدى المنشآت بالعاصمة (رويترز)
عناصر من الجيش المالي في حراسة إحدى المنشآت بالعاصمة (رويترز)
TT

تمدد الإرهاب غرب مالي يثير مخاوف بشأن حدود السنغال وموريتانيا

عناصر من الجيش المالي في حراسة إحدى المنشآت بالعاصمة (رويترز)
عناصر من الجيش المالي في حراسة إحدى المنشآت بالعاصمة (رويترز)

تتصاعد نُذر الخطر في قلب الساحل الأفريقي مع تمدّد الجماعات الإرهابية غرب مالي، واقترابها من الحدود المشتركة مع السنغال وموريتانيا، مستغلة «هشاشة الأوضاع الأمنية وتراجع الدعم الدولي عقب الانسحاب الفرنسي».

وحذّر خبير في الشؤون الأفريقية من «تهديد أمني متزايد سيواجه موريتانيا والسنغال في ظل تراجع الحضور الدولي الفاعل، وانسحاب قوى كبرى مثل فرنسا، وغياب بدائل إقليمية قوية قادرة على فرض الاستقرار»، مؤكداً أنه «إذا لم يُواكب هذا التمدد الإرهابي برد فعل إقليمي سريع وحازم، فإن حدود السنغال وموريتانيا قد تشهد تحولات درامية، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى التوازنات الاجتماعية والسياسية».

بينما قلّل محلل سياسي نيجري من تأثير الإرهاب على السنغال وموريتانيا، مؤكداً «تركيز الجماعات المتطرفة حالياً وبشكل أساسي على دول تحالف الساحل الثلاث، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ولن تضطر إلى فتح جبهات جديدة».

واستهدفت جماعة «نصرة الإسلام» الموالية لـ«القاعدة»، عبر هجمات متزامنة، منشآت عسكرية في 7 بلدات غرب مالي، حسب بيان للجيش المالي أخيراً، حيث تم الاستيلاء على «ترسانة حرب حقيقية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، في حين أعلنت الجماعة وقتها مسؤوليتها عن الهجمات و«سيطرتها الكاملة على ثلاث ثكنات وعشرات نقاط التفتيش العسكرية في هجمات منسّقة» في نيونو وديبولو وساندري وغوغي وكاييس ونيورو، بالإضافة إلى «قصف مدفعي على ثكنة» مولودو.

وأفادت «إذاعة فرنسا الدولية» أيضاً بأن البلدات التي استُهدفت بشكل متزامن تقع على طول الحدود مع السنغال وموريتانيا، البلدَيْن الأفريقييْن اللذَيْن تسعى جماعة «نصرة الإسلام»، من موقعها في مالي، إلى التوسع فيهما، حسب دراسة نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن معهد تمبكتو، وهو مركز أبحاث يتخذ من دكار مقراً له.

وتأتي هذه الهجمات بعد نحو شهر من هجومَيْن كبيرَيْن ضد الجيش المالي، أولهما في 2 يونيو (حزيران) الماضي، على معسكر في مدينة تمبكتو التاريخية شمال مالي، بالإضافة إلى مطار المدينة، وذلك بعد يوم من غارة دموية أودت بحياة ما لا يقل عن 30 جندياً في وسط البلاد.

وبعد سلسلة من الهجمات المنسقة على الحدود مع السنغال وموريتانيا، أعلنت الجماعة الإرهابية فرض حصار على مدينة ونيورو دو الساحل، وكذلك مدينة كايس التي تُعد عصباً تجارياً بين مالي والسنغال وموريتانيا، وحال «نجاح الإرهابيين في تنفيذ ذلك يعني خنق التجارة الإقليمية وقطع الإمدادات الغذائية والوقود، وتعطيل الاقتصاد المحلي»، حسب «إذاعة فرنسا الدولية».

المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، يرى أن «تمدّد الجماعة في غرب مالي يهدّد بتقويض المنجزات الأمنية التي حقّقتها دول مثل موريتانيا، ويضع السنغال في اختبار لم تواجهه منذ أكثر من عقد، في ظل تراجع الحضور الدولي الفعّال، وانسحاب قوى كبرى مثل فرنسا، وغياب بدائل إقليمية قوية قادرة على فرض الاستقرار».

وأوضح عيسى لـ«الشرق الأوسط» أن «السنغال رغم استقرارها النسبي تعاني من تهميش بعض المناطق الحدودية مثل كيدوغو وكولدا، وهو ما يشكّل ثغرة يمكن أن تُستغل بسهولة من قِبل عناصر متسللة، وموريتانيا، التي راكمت خبرة أمنية معتبرة في مكافحة الإرهاب، قد تواجه تحدياً من نوع جديد إذا ما اتجهت الجماعات الإرهابية إلى استثمار النزعات العرقية أو القبلية لبناء حاضنة محلية ولو محدودة».

ولم يعد مجرد الإرهاب في الساحل مشكلة محلية، بل صار أزمة إقليمية ذات انعكاسات استراتيجية عميقة، وفق عيسى، الذي أكد أنه إذا لم يُواكَب هذا التمدد الإرهابي برد فعل إقليمي سريع وحازم، فإن حدود السنغال وموريتانيا قد تشهد تحولات درامية، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى التوازنات الاجتماعية والسياسية، خصوصاً في المناطق الحدودية التي لطالما ظلّت مهمّشة، مما يُنذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار في غرب أفريقيا.

جنود ماليون في أثناء دورية بالقرب من حدود النيجر (رويترز)

وكثّفت «نصرة الإسلام» كذلك هجماتها في منطقة الساحل الكبرى خلال الأسابيع الأخيرة، مستهدفة ليس فقط مالي، بل أيضاً بوركينا فاسو والنيجر، المجاورتَيْن، اللتيْن تحكمهما أنظمة عسكرية قطعت تحالفها القديم مع فرنسا، القوة المهيمنة السابقة، منذ 2020، والتفتت عسكرياً وسياسياً إلى روسيا، وشكّلت تحالف دول الساحل في نوفمبر (تشرين الثاني)، وأعلنت انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.

وتتفرع جماعة «نصرة الإسلام» الموالية «لتنظيم (القاعدة)، التي تعدّ الأقوى نفوذاً وأكبر تهديد لمنطقة الساحل» حسب الأمم المتحدة، إلى استراتيجيات عسكرية وسياسية لتقويض مصداقية حكومات المنطقة، وتقديم نفسها على أنها بديل موثوق، وليس في مقدور الجماعة إرساء حكمها في المدن الكبرى مثل العواصم، لكنها تحكم البلدات بطريقة غير مباشرة عبر اتفاقات محلية تسمح لها بفرض الشريعة الإسلامية على السكان ومنعهم من التعاون مع الجيش وجباية إتاوات، حسب تقرير مطلع الشهر الحالي نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أصدرت الجماعة بياناً دعت فيه إلى «إقامة حكومة شرعية» يتولّى تشكيلها الماليون أنفسهم بعيداً عن الجيش وروسيا.

بينما يرى المحلل السياسي النيجري، السنوسي حامد، أن تركيز الجماعات الإرهابية منصب بشكل أساسي على دول الساحل الثلاث، ولا سيما في السنوات الثلاث الأخيرة، فهذه الدول قد أخلت قرى كاملة من سكانها وانعدمت فيها الحياة بسبب الإرهاب، ورأينا في الأيام الماضية اشتداد العمليات الإرهابية في وسط وغرب مالي.

ولن تتأثر الحدود الموريتانية والسنغالية بهذه التداعيات؛ إلا إذا أثارت حفيظة الإرهابيين عبر مساندة عسكرية لمالي أو غيرها، فعندئذ قد تدخل في مواجهة مع الإرهاب بشكل مباشر، وفق حامد، الذي لفت إلى أن السنغال وموريتانيا تعدّان من الدول الخالية من الجماعات الإرهابية.

عودة إلى صالح إسحاق عيسى الذي يرى أن «هناك ارتباطاً وثيقاً بين الخروج الفرنسي من مالي وتنامي نفوذ الجماعات الإرهابية في المنطقة، وإعادة ترتيب صفوفها وتنظيم عملياتها وظهور خلايا نائمة، خصوصاً أن باريس كانت تشكل القوة الرئيسية التي تحارب الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل على مدار عقود، ونجحت في ذلك. وحالياً الوجود الروسي يواجه تحديات أدت إلى اتساع نطاق الهجمات».

ويرجح عيسى أن «يكون هناك تدخل ضروري من دول الجوار» لمواجهة هذه الأزمة، خصوصاً أن التهديدات الإرهابية تتجاوز حدود مالي لتصل إلى دول مثل موريتانيا، والسنغال، والنيجر، وبوركينا فاسو، مقترحاً أنه «يمكن تشكيل قوات مشتركة» تقوم بمراقبة الحدود بشكل مكثف، وتنسّق العمليات العسكرية والاستخباراتية لمواجهة التنظيمات الإرهابية، لكن هذا التعاون يجب ألا يقتصر فقط على الجانب العسكري، بل يجب أن يتضمّن أيضاً الجوانب التنموية والاجتماعية لمكافحة الأسباب التي تؤدي إلى انتشار التطرف وفق نهج شامل.

ويتفق معه السنوسي حامد في أن من يستقرئ الماضي والأحداث فسوف يستنتج أن الحل العسكري لن يكون كافياً لدحر الإرهاب، في «ظل انتشار الفقر والجهل والفساد»، فهذه العوامل كفيلة بتنامي الإرهاب؛ حيث إن «المنظمات والجماعات المتطرفة تستغل تلك العوامل لتجنيد الشباب، مستخدمة في ذلك العواطف الدينية ومشاعر الغضب لدى الشباب والأحوال الاقتصادية السيئة».


مقالات ذات صلة

السنغال تحظر سفر مسؤولي الحكومة بسبب ارتفاع أسعار النفط

الاقتصاد شاحنة محمّلة بأكياس سكر بجانب سفينة شحن في ميناء داكار بالسنغال (رويترز)

السنغال تحظر سفر مسؤولي الحكومة بسبب ارتفاع أسعار النفط

أوقفت الحكومة السنغالية جميع الرحلات الخارجية غير الضرورية للوزراء، وكبار المسؤولين، محذرة من أوقات «صعبة للغاية» مستقبلاً، في ظل ارتفاع أسعار النفط العالمية.

«الشرق الأوسط» (داكار)
أفريقيا جانب من المشاركين في «منتدى التشاور» بأديس أبابا بين إقليم تيغراي والحكومة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

حوار حكومة إثيوبيا وتيغراي... خطوة للمصالحة لا تخلو من عقبات

مناقشات لم تخل من اختلافات شهدتها الجولة الأولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا، بحضور معنيين من إقليم تيغراي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا تأكيد مصري-أوغندي على الارتقاء بالشراكة بين البلدين (الخارجية المصرية)

مصر تعزز التقارب مع دول حوض النيل الجنوبي بمشروعات تنموية

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «أهمية التعاون والتكامل في نهر النيل لتحقيق المنفعة المشتركة، والمصالح المتبادلة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد سيارة تُزود بالوقود في محطة بنزين في روزبانك - جوهانسبرغ (أ.ف.ب)

أفريقيا ترفع أسعار الوقود لمستويات قياسية لمواجهة تعطل الإمدادات

فرضت الحكومات الأفريقية زيادات حادة في أسعار الوقود مع تسبب الحرب الإيرانية في ارتفاع أسعار النفط العالمية.

«الشرق الأوسط» (أكرا)
رياضة عالمية لاعبو الكونغو يحتفلون بالتأهل (إ.ب.أ)

الملحق العالمي: الكونغو الديمقراطية تُنهي انتظار 52 عاماً… وتبلغ كأس العالم

انتزع منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية بطاقة التأهل قبل الأخيرة إلى كأس العالم 2026، بعد فوزه على منتخب جامايكا بهدف دون رد.

«الشرق الأوسط» (مونتيري)

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
TT

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

هزّ انفجار عنيف، ليل الجمعة، وسط العاصمة السودانية الخرطوم، وأثار حالة من الذعر والترقب بين السكان، بعدما ارتجّت على أثره حوائط المنازل في عدد من الأحياء، فيما سُمع دويه في مناطق بعيدة داخل ولاية الخرطوم وخارجها.

ووقع الانفجار في ضاحية «البراري» القريبة من مبنى القيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي، في وقت متأخر من ليل الجمعة، وفقاً لشهود عيان، قالوا إن جسماً مجهولاً انفجر داخل المنطقة، مخلفاً ألسنة لهب كثيفة وسحابة من الدخان، إلى جانب حفرة عميقة في موقع الحادث.

وقال سكان إن صوت الانفجار سُمع في أنحاء واسعة من ولاية الخرطوم، ووصل كذلك إلى أطراف ولاية الجزيرة المجاورة، الأمر الذي أثار تكهنات واسعة بشأن طبيعته، في ظل وقوعه بالقرب من مواقع استراتيجية وحساسة.

روايات متضاربة

وتباينت الروايات الرسمية والفنية بشأن سبب الانفجار. ففي حين أعلنت الشرطة أن الحادث نجم عن انفجار «لغم أرضي» من مخلفات الحرب، أشعل مواطنون النار بالقرب منه أثناء حرق نفايات، نفى المركز القومي لمكافحة الألغام أن يكون الجسم المتفجر لغماً أرضياً. فيما رجحت مصادر أخرى أن ما حدث كان بسبب هجوم بمسيّرة كانت تستهدف القيادة العامة أو المطار، وتم التشويش عليها فأخطأت الهدف.

وقالت الشرطة، في بيان، إن عدداً من المواطنين أشعلوا النيران لحرق النفايات في الموقع، ما أدى إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض، بالقرب من القيادة العامة ومطار الخرطوم.

لكن المركز القومي لمكافحة الألغام رجّح، في تقرير فني، أن يكون الجسم المتفجر عبارة عن مقذوف مدفعي من عيار 130 أو 155 ملليمتراً، أو صاروخ تابع لطائرة مسيّرة كان مدفوناً تحت الأرض، مشيراً إلى أن الحرارة الناتجة عن حرق جذع نخلة مع النفايات قرب الموقع تسببت في تفجيره.

وأكد المركز، في بيان صحافي، أن معاينته الميدانية وفحص الشظايا والحفرة الناجمة عن الانفجار لا يدعمان فرضية أنه «لغم أرضي»، مضيفاً أن وصف الجسم المتفجر بهذه الصفة غير دقيق.

وأشار إلى أن فرق المركز تواصل عمليات المسح الميداني في المنطقة، بهدف إزالة مخلفات الحرب وتأمين الموقع، بالتنسيق مع السكان المحليين، داعياً إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء المعلومات غير المؤكدة.

صورة متداولة لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة

من جانبه، قال والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، خلال تفقده موقع الحادث، إن الصوت الذي سمعه سكان الولاية أثار كثيراً من التساؤلات، ورافقته معلومات غير دقيقة. وأوضح أن فرقاً فنية من المركز القومي لمكافحة الألغام، والدفاع المدني، والشرطة الجنائية، والأجهزة الفنية في القوات النظامية، إضافة إلى جهاز المخابرات العامة، باشرت التحقيق في الموقع، وعثرت على حفرة في مكان الانفجار.

وأضاف الوالي أن الحادث، على الرغم من قوة الانفجار، لم يسفر عن خسائر في الأرواح أو الممتلكات، ناقلاً عن مدير المركز القومي لمكافحة الألغام، اللواء خالد حمدان، أن الجسم الذي انفجر كان مدفوناً تحت الأرض ولم يكن مرئياً.

وفي المقابل، تداولت منصات التواصل الاجتماعي روايات تحدثت عن احتمال أن يكون الانفجار ناجماً عن قصف بطائرة مسيّرة مجهولة كانت تستهدف مطار الخرطوم أو مبنى القيادة العامة، قبل أن تخطئ هدفها نتيجة التشويش وتسقط داخل الحي السكني. غير أن والي الخرطوم نفى هذه الفرضية، مؤكداً أن الانفجار لا يرتبط بأي عملية عسكرية أو استهداف جوي أو تدخل من الدفاعات الأرضية، ومشدداً على أن سببه يعود إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض. ورغم النفي الرسمي، فإن تضارب الروايات بين الجهات المختصة، إلى جانب شدة الانفجار واتساع نطاق سماع دويه، أبقى على حالة من الشك والتساؤل في أذهان كثير من السكان.


رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
TT

رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)

تبدأ إثيوبيا، الثلاثاء، رئاسة مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لشهر أبريل (نيسان) الحالي، وسط خلافات عميقة مع مصر وإريتريا في ملف السد الإثيوبي، والمنفذ البحري على البحر الأحمر، وصراعات معقدة بالقارة.

وتتولى إثيوبيا رئاسة «مجلس السلام» للمرة الأولى منذ انضمامها إليه، ومن المقرر أن تبدأ رسمياً رئاسة جدول أعمال المجلس في 7 أبريل الحالي، بحسب ما ذكرت وكالة «الأنباء الإثيوبية».

وخلال فترة رئاستها «ستقود إثيوبيا المداولات حول مجموعة واسعة من قضايا السلام والأمن الحاسمة في جميع أنحاء القارة، وستغطي هذه المناقشات كلاً من الأوضاع الخاصة بكل دولة والقضايا الأوسع التي تؤثر على أفريقيا»، وفق الوكالة. وتأتي قيادة إثيوبيا في «وقتٍ لا تزال فيه الجهود الإقليمية المنسقة ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة وتعزيز السلام المستدام في جميع أنحاء أفريقيا»، بحسب الوكالة الإثيوبية.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن «إثيوبيا ستبدأ اختباراً صعباً لإدارة (قضايا حاسمة)، خصوصاً وهي ستواجه مجموعة من التحديات والمشكلات التي تقتضي أن تبدي مواقف مغايرة لما سلكته في معظم القضايا السابقة بالقارة».

ويوضح حليمة لـ«الشرق الأوسط» أن «التوجهات الإثيوبية تخرج عن إطار المواثيق والاتفاقية الدولية مثل التصرفات الأحادية في السد الإثيوبي، ونهجها في الوجود على البحر الأحمر رغم أنها دولة غير مشاطئة بخلاف خلافاتها العميقة مع مصر وإريتريا». ويتوقع أنها ستواجَه عند تناول هذه القضايا وغيرها بموقف صعب، وعليها أن تتغير في مواقفها لترعى مصالح الدول كافة باعتبار أن المصالح المشتركة هي أساس عمل مجلس السلم وغيره، وليس المصالح الذاتية.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، ما جعلها تعتمد على موانئ جيرانها، ولا سيما ميناء جيبوتي الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية، وسط رفض مصري - إريتري - صومالي لمساعي الحصول على منفذ باعتبارها دولة غير مشاطئة على البحر الأحمر.

وأشار نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» إلى أن الأوضاع المشتعلة في الصومال، وإثيوبيا طرف فيها، ومحاولتها إيجاد منفذ بحري وتهديداتها لإريتريا باستخدام القوة، ومطالب إقليم تيغراي الإثيوبي التي تتنصل منها أديس أبابا، بخلاف انغماسها في تطورات السودان، تعد قضايا ذات أهمية بالغة، مثل السد الإثيوبي، ولن تستطيع إثيوبيا طرحها بأسلوب يعبر عن مصالح الجميع.

وفي 2 مارس (آذار) الماضي، اتهمت الحكومة السودانية، إثيوبيا، بانتهاك سيادتها، قائلة إنها «ظلت تتابع خلال الشهر الأخير دخول طائرات من جانب الأراضي الإثيوبية تتعامل مع أهداف داخل السودان»، مؤكدة حينها أن «هذا السلوك العدائي مستنكر ومرفوض، ويمثل انتهاكاً سافراً وعدواناً صريحاً لسيادة السودان».

في المقابل، قال المحلل الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، إن اختيار الدول لهذه الرئاسة تكليف ومسؤولية، وعادة الدول لا توظف أجندتها الخاصة بهذه الفترة، وبالتالي «لا يتوقع أن تستغل أديس أبابا هذا الظرف ضد دول الجوار أو القارة بشكل نهائي».

وأوضح عبد الصمد لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون بين الدول في «مجلس السلم» يتم وفق آليات وضوابط، ومصر سبق أن ترأست هذا المجلس ولم يحدث شيء، وإثيوبيا أيضاً لن تقوم بموقف أو إجراء يحسب عليها، خاصة وهي حريصة على نجاح الاتحاد الأفريقي الذي تستضيفه.

ويُعد مجلس السلام والأمن، الذي تأسس عام 2004 في إطار الاتحاد الأفريقي، الهيئة المركزية للاتحاد الأفريقي المعنية بمنع النزاعات وإدارتها وحلها، وانضمت إثيوبيا إلى المجلس منذ تأسيسه، وشغلت عضوية المجلس لأربع دورات سابقة قبل انتخابها مجدداً عام 2025.


أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

عاد شبح الانقسام ليخيّم مجدداً على المؤسسة القضائية في ليبيا، منذراً بأزمة جديدة، على وقع تحذير أحد الطرفين المتنازعين على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء مما وصفه بتداول قرارات تتعلق بنقل وإنهاء انتداب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، مؤكداً أنها صادرة عمّن لا يملك حق إصدارها قانوناً، وتُعد منعدمة ولا يترتب عليها أي أثر.

ويعكس هذا السجال حالة من الارتباك المؤسسي، في ظل تبادل جهتين متنازعتين على تمثيل المجلس الأعلى للقضاء في كل من طرابلس وبنغازي قرارات وبيانات متعارضة، مما يفاقم المخاوف من انقسام الجهاز القضائي، على غرار ما شهدته مؤسسات سيادية أخرى خلال السنوات الماضية.

وأصدر «المجلس الأعلى للقضاء» بياناً شديد اللهجة، مساء الجمعة، من مدينة بنغازي، جاء فيه أن القرارات المتعلقة بنقل وإنهاء انتداب أعضاء الهيئات القضائية «وصلت إلى مستوى غير مسبوق من العبث، وتعد دعوة صريحة للمساس بوحدة الجهاز القضائي، وتقسيمه والإساءة إلى سمعته».

وأوضح المجلس أنه كان عازماً على عدم الرد بقرارات مضادة، لكنه اضطر إلى التحذير «للمرة الأخيرة»، مطالباً بوقف هذه القرارات، التي تهدف فقط إلى الإرباك والتقسيم.

يأتي هذا البيان في سياق أزمة قضائية حادة تعصف بليبيا منذ نهاية العام الماضي، تعكس الانقسام السياسي العميق بين الشرق والغرب، في بلد يعاني تشظّياً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وبدأت الشرارة الأولى للأزمة القضائية العام الماضي، حين أصدر مجلس النواب سابقاً عدة قوانين لإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، ومنح نفسه صلاحية تعيين رئيسه، وإنشاء محكمة دستورية مستقلة في بنغازي، في حين عدَّت طرابلس هذه الخطوات محاولة للسيطرة على القضاء، مما أدى إلى إصدار أحكام بإبطال عدة قوانين تتعلق بالسلطة القضائية، أثارت ردود فعل غاضبة من السلطات في الشرق.

وازداد المشهد القضائي الليبي تأزماً مع محاولات اقتحام مقر المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، من جهات مرتبطة بالمحكمة العليا، التي يرأسها عبد الله بورزيزة، فيما أعلن المجلس برئاسة مفتاح القوي، المدعوم من مجلس النواب، نقل بعض الإدارات مؤقتاً إلى بنغازي لما وصفها بالظروف القاهرة، وأدان الاقتحام.

وقاد هذا الوضع، حسب مراقبين، إلى ازدواجية مؤسسية، وصدور قرارات متضاربة، ومخاوف من انقسام الجهاز القضائي، الذي ظل موحداً نسبياً طوال سنوات الصراع السياسي منذ 2014. وحذرت الأمم المتحدة وجهات قضائية ونقابية من أن أي انقسام قد يُفقد الأحكام القضائية مصداقيتها، ويهدد وحدة الدولة.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (مكتب المنفي)

في ملف آخر، تواصلت تداعيات تقرير مسرّب للجنة الخبراء الأممية، تحدث عن «وقائع فساد» طالت مسؤولين سابقين وحاليين وقيادات عسكرية، وزعماء كتائب مسلحة، في ملف مرتبط بجدل حول شركة «أركنو» النفطية الخاصة.

وفي هذا السياق، وجّه رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، بعدم إبرام أي اتفاقيات تقاسم إنتاج، أو ترتيبات مماثلة للحقول المنتجة حالياً، مع طلب تزويده بجميع التفاصيل القانونية والفنية والاقتصادية لاتخاذ القرارات المناسبة، حسب رسالة تداولتها وسائل إعلام محلية.

وسبق أن وجه رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، بإنهاء ما سمّاها «اتفاقية التطوير» مع شركة «أركنو»، بعد أن كشف التقرير عن أن الشركة حوَّلت نحو 3 مليارات دولار إلى حسابات بنكية خارج ليبيا، بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)

على صعيد آخر، شددت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على أن الألغام ومخلفات الحروب تشكل تهديداً مستمراً للمدنيين، مع تسجيل 63 ضحية عام 2025، بينهم 21 طفلاً. وأوضحت البعثة أن الصراعات السابقة، والانفجارات العرضية في المخازن، تزيد من خطورة التلوث، مما يعوق التعافي والتنمية.

وبمناسبة «اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام»، جددت البعثة الأممية، السبت، التزامها بدعم جهود السلطات الليبية في إدارة المخزونات، وتطهير المخلفات المتفجرة، داعيةً المجتمع الدولي والمدني إلى تكثيف الدعم المنسق والمستدام، حمايةً للمدنيين، وتعزيزاً للأمن والسلام في مختلف أنحاء ليبيا.