بقاء الكاتب صنصال في السجن يمدد الأزمة بين الجزائر وفرنسا

باريس ما زالت تأمل في عفو «فردي» يصدره الرئيس تبون

الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)
الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)
TT

بقاء الكاتب صنصال في السجن يمدد الأزمة بين الجزائر وفرنسا

الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)
الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)

خيبة كبرى ألمت بالسلطات الفرنسية، التي كانت تراهن على صدور عفو عن بوعلام صنصال، الكاتب مزدوج الجنسية الجزائرية والفرنسية، بمناسبة العيد الوطني الـ63. فبعد الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف، يوم الثلاثاء الماضي، الذي ثبّت حكم البداية (5 سنوات نافذة من السجن مقرونة بغرامة مالية)، سدّت السبل في وجه باريس التي لم يبقَ أمامها سوى قيام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بـ«لفتة» تجاه فرنسا التي تطالب منذ الخريف الماضي بإطلاق سراح الكاتب البالغ من العمر 80 عاماً والمصاب بسرطان البروستات.

ولم يتردد فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة الفرنسية، في الإعراب عن «تمني» باريس صدور العفو الذي ربطت به تحسن العلاقات الفرنسية - الجزائرية المتأزمة، وربما تطبيعها، التي زادها حكم الثلاثاء الماضي تفاقماً. ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى الحكم الثقيل (7 سنوات من السجن النافذ) الذي صدر بحقّ الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، لإدانته بتهم خطيرة، منها «تمجيد الإرهاب» و«حيازة منشورات دعائية تضرّ بالمصلحة الوطنية» والتواصل مع أشخاص متهمين بالإرهاب.

أسباب الخيبة الفرنسية

ماكرون يترأس قمة كاليدونيا الجديدة في الإليزيه 2 يوليو (رويترز)

تظهر خيبة باريس من خلال غياب ردود الفعل الرسمية، التي رافقت صدور قرار العفو الرئاسي الجزائري. وتفيد معلومات متوافرة، فرنسياً، أن ثمة اتصالات بعيدة عن الأضواء جرت بين باريس والجزائر بخصوص صنصال. وكانت التوقعات الفرنسية تقوم على مجموعة اعتبارات؛ أولها أن السلطات الجزائرية «لا يمكنها تحمل أعباء وفاة صنصال في السجن للانعكاسات السلبية التي يثيرها أمر كهذا». كذلك، رجّحت باريس أن يعمد الرئيس تبون إلى الاستفادة من فرصة الاحتفال بالعيد الوطني الجزائري لتمرير العفو عن صنصال الذي سيكون واحداً من عدة آلاف حظوا بالعفو.

فضلاً عن ذلك، لم يعمد صنصال ولا محاميه الفرنسي إلى الإعلان عن نقل الملف إلى محكمة التمييز، وهي الهيئة القضائية العليا، إذ لا استئناف بعدها. وثمة من قرأ هذا الامتناع على أنه «تحضير» للقرار الذي لا يمكن أن يصدر قانوناً إلا إذا كان الحكم مبرماً ولا طلب استئناف قدّم لإلغائه، وذلك بعكس ما فعله غليز ومحاميه اللذان قررا نقل الملف إلى محكمة الاستئناف.

عفو لأسباب «إنسانية»

آخر مرجع فرنسي تحدث عن العفو كان بايرو، الذي قال، يوم الثلاثاء، معلقاً على حكم السجن لـ5 سنوات: «إن ما يتعرض له بوعلام صنصال وضعٌ لا يُطاق في نظر الفرنسيين والحكومة الفرنسية. والآن، بعد صدور الحكم، يُمكننا أن نتصور صدور عفو عنه، خصوصاً بالنظر إلى صحة مواطننا».

وبكلام آخر، إن ما توقعه بايرو هو عفو لأسباب «إنسانية». وكان الرئيس ماكرون شخصياً قد طالب أكثر من مرة بالإفراج عن صنصال. وخلال الفترة الفاصلة بين صدور الحكم وغياب العفو، لزمت فرنسا الرسمية الصمت، وهو النهج الذي تمسكت به بشكل صارم.

وكان لافتاً أن برونو روتايو، وزير الداخلية الفرنسي، المعروف بمواقفه المتشددة إزاء الجزائر، كان إلى جانب بايرو عند إدلاء الأخير بتصريحه. وعندما سُئل عن رأيه بالحكم، ردّ بما يشبه اللغز قائلاً: «لا أريد إضاعة أي فرصة، وعلى الأخص من الآن حتى نهاية الأسبوع، لإطلاق سراح بوعلام صنصال». وكان بذلك يشير إلى موعد صدور قرارات العفو الرئاسية الجزائرية.

تبون لا يخضع للضغوط

الرئيسان الجزائري تبون والفرنسي ماكرون على هامش قمة «السبع» في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

بيد أن القراءة الجزائرية كانت، وفق ما يبدو، مختلفة تماماً عن قراءة باريس. والسبب أن تجاوب تبون مع ما يطلبه الطرف الفرنسي ويشدد عليه، كان سيفسر على أنه «خضوع» لما تريده القوة المستعمرة السابقة، ما يمكن أن يثير كثيراً من التساؤلات في الجزائر، خصوصاً أن «الخطيئة الكبرى» التي ارتكبها صنصال قوله لمجلة «فرونتيير» الفرنسية اليمينية إن قسماً من الأراضي المغربية، بما فيها مدينة وهران، سلخ زمن الاستعمار الفرنسي من المغرب، وضم إلى الجزائر. ما يشكل، وفق القضاء الجزائري، تهديداً لوحدة التراب الوطني.

رغم الخيبة الأخيرة، التي مردها بشكل رئيسي تواصل مناخ التوتر المسيطر على العلاقات بين العاصمتين، تناقصت الخيارات المتوافرة للجانب الفرنسي لإرجاع صنصال إلى فرنسا. وبحسب مصادر متابعة للملف، فإن الحقيقة المجردة من الأوهام تفيد بأن الخيار الوحيد الممكن أن يعمد الرئيس تبون «في لحظة ما، وفي إطار ظروف مساعدة، بعيداً عن الضغوط» إلى إصدار عفو فردي عن صنصال لأسباب «صحية» إنسانية، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء بايرو.

ولا شك أن ثمة عملاً دبلوماسياً يتم بين الطرفين في الخفاء، ولا مصلحة لأحد منهما في الإعلان عنه، خصوصاً الطرف الجزائري. الأمر الذي من شأنه أن يفسر غياب ردّ الفعل الفرنسي. وكانت صوفي بريماس، الناطقة باسم الحكومة الفرنسية، قد قالت، في حديث للقناة الإخبارية اليمينية، الخميس، إن فرنسا «تلجأ إلى القنوات الدبلوماسية للطلب من الرئيس تبون الإفراج عن صنصال».

«الفرنسي منذ 6 أشهر»

والثابت، حتى اليوم، أنه لا شيء مؤكد بهذا الخصوص، إذ ما تسعى إليه باريس قد لا يتحقق طالما تواصلت الحملات الإعلامية بين الطرفين، وبسبب تحول الملف إلى مادة للاستغلال السياسي الداخلي لديهما. وتساءلت صحيفة «لو سوار» الجزائرية الناطقة بالفرنسية عن الأسباب التي تجعل فرنسا تركز على حالة صنصال، وتنسى الـ1700 فرنسي الآخرين المعتقلين خارج البلاد، فيما تهكمت صحيفة «الخبر» على صنصال «الفرنسي منذ 6 أشهر».

إذا كانت فرنسا الرسمية صامتة، فإن رئيسة لجنة الدفاع عن صنصال، الوزيرة السابقة نويل لونوار، تحدثت يوم السبت لإذاعة «فرانس أنتير» العمومية، مشيرة إلى أنه «قد تم استثناء جميع السجناء السياسيين وسجناء الرأي في الجزائر من العفو الرئاسي السنوي».

وبعد أن عدّدت بعض المؤشرات الإيجابية، منها السماح لمحامي فرنسا بيار كورنو - جنتيل، بالسفر إلى الجزائر، وحضور جلسة المحكمة بجانب موكله، وسحب اقتراح قانون إلغاء الاتفاقيات السابقة مع الجزائر، فإن الأمل انهار مع صدور الحكم المتشدد بحقّ الصحافي كريستوفر غليز. بيد أن لونوار عبّرت عن نوع من التفاؤل لجهة إطلاق سراحه، «لأنه من المستحيل أن تتحمل الجزائر مسؤولية وفاته في السجن».


مقالات ذات صلة

الجزائر: ضربة رمزية ثانية في أقل من شهر ضد «دولة القبائل المستقلة»

شمال افريقيا أغور مهني نجل زعيم انفصاليي القبائل (التلفزيون الجزائري)

الجزائر: ضربة رمزية ثانية في أقل من شهر ضد «دولة القبائل المستقلة»

وجهت الحكومة الجزائرية «ضربة رمزية» ثانية للتنظيم الانفصالي «ماك»؛ وذلك من خلال إدراج أغور مهني، نجل زعيم الحركة فرحات مهني، ضمن «تدابير التهدئة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مهاجرون يقفون على سطح سفينة إنقاذ في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا... 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الجزائر طردت عدداً قياسياً من المهاجرين إلى النيجر

رحّلت الجزائر أكثر من 34 ألف مهاجر إلى النيجر المجاورة عام 2025، وهو رقم قياسي، بحسب ما أفادت منظمة نيجرية غير حكومية الاثنين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الخليج الرئيس عبد المجيد تبون لدى لقائه الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف (الداخلية السعودية)

السعودية والجزائر تستعرضان أوجه التعاون الأمني

استعرض الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزير الداخلية السعودي، العلاقات الثنائية، وأوجه التعاون الأمني القائم بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)

هل تنهي «إجراءات 11 يناير» أزمة الهجرة والمعارضة في الجزائر؟

تعالت الدعوات الموجهة إلى الحكومة من أجل رفع التضييق عن النشطاء في الداخل، وفتح الفضاء الإعلامي أمام الآراء المخالفة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الجماهير الجزائرية احتفلت بفوز السنغال (رويترز)

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

احتفلت جماهير جزائرية بتتويج منتخب السنغال بلقب بطولة كأس أمم أفريقيا 2025، عقب تغلبه على نظيره منتخب المغرب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مخفض جوي يضرب مناطق عدة في ليبيا

متطوعو «الهلال الأحمر» الليبي يجلون عائلة بعد تساقط الأشجار على منزلها (الهلال الأحمر)
متطوعو «الهلال الأحمر» الليبي يجلون عائلة بعد تساقط الأشجار على منزلها (الهلال الأحمر)
TT

مخفض جوي يضرب مناطق عدة في ليبيا

متطوعو «الهلال الأحمر» الليبي يجلون عائلة بعد تساقط الأشجار على منزلها (الهلال الأحمر)
متطوعو «الهلال الأحمر» الليبي يجلون عائلة بعد تساقط الأشجار على منزلها (الهلال الأحمر)

اجتاح منخفض جوي شرق ليبيا وجنوبها؛ ما دفع السلطات إلى اتخاذ مزيد من إجراءات الطوارئ، شملت تعليق حركة الطيران، وإغلاق الأنشطة والمحال التجارية، ووقف الأنشطة التعليمية، وإلزام السكان بالبقاء في منازلهم، وفرض حظر تجوّل مؤقت.

وقرَّر اللواء فرج قعيم، رئيس لجنة الطوارئ والاستجابة السريعة التابعة لحكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب، وقف رحلات الطيران من وإلى المطارات الواقعة ضمن النطاق الجغرافي لمناطق شرق ليبيا وجنوبها، الخاضعة لنفوذ حكومة حماد، حتى انتهاء المنخفض الجوي.

وتَقرَّر فرض حظر تجوّل كامل وإغلاق المحال والأنشطة التجارية داخل المدن والمناطق التابعة لها، اعتباراً من أولى ساعات الثلاثاء، باستثناء المرافق الطبية والجهات الأمنية العاملة، حتى اعتدال أوضاع الطقس المتقلبة.

وتأثرت مناطق في غرب ليبيا بالطقس السيئ، حيث تعذّر إقلاع طائرة تابعة للخطوط الجوية الليبية من مطار معيتيقة في العاصمة طرابلس، في طريقها إلى مطار القاهرة. كما أعلنت إدارة المطار إغلاقه مؤقتاً؛ بسبب التقلبات الجوية وانعدام الرؤية، على أن تُستأنف الرحلات فور تحسّن الأحوال الجوية.

وتَقرَّر أيضاً، وفق مصلحة الطيران المدني، إغلاق مطار بنينا الدولي بمدينة بنغازي مؤقتاً، بينما أفاد شهود عيان بوقوع أضرار في صالة الركاب بالمطار جراء الرياح القوية التي تجتاح المنطقة الشرقية، ضمن موجة من الطقس العاصف المصحوبة بالغبار وانعدام الرؤية.

اندلع حريق داخل مول تجاري بمنطقة قاريونس في بنغازي يوم الثلاثاء (الهلال الأحمر الليبي)

وكان «المركز الوطني للأرصاد الجوية» قد توقَّع طقساً متقلباً على أغلب مناطق البلاد؛ نتيجة تأثير منخفض جوي عميق مصحوب برياح جنوبية شرقية نشطة، إلى قوية السرعة، على مناطق شرق البلاد، تتراوح بين 50 و80 كيلومتراً في الساعة، وتتجاوز في بعض هباتها 90 كيلومتراً، مشيراً إلى أنها ستكون مثيرة للأتربة والغبار وتتسبب في هبوط الرؤية الأفقية وانعدامها في بعض الأماكن.

وأظهرت صور، بثتها وسائل إعلام محلية، سقوط أشجار وتحطم زجاج منازل، وحدوث بعض الأضرار في ممتلكات المواطنين بمدينة بنغازي.

وقرَّرت مراقبة التعليم ببلدية بنغازي تمديد تعطيل الدراسة يومَي الأربعاء والخميس؛ بسبب سوء الأحوال الجوية.

وأعلنت وزارة الموارد المائية، في حكومة حماد، انقطاع التيار الكهربائي المغذي لعدد من السدود في مناطق شرق البلاد؛ نتيجة العاصفة المصحوبة برياح شديدة السرعة، مشيرة إلى متابعة تأثيرات العاصفة على السدود، ورفع درجة الجاهزية القصوى، والتنسيق المستمر بين الإدارات المختصة ولجان الطوارئ، بما يضمن سلامة المنشآت المائية وحماية المناطق الواقعة في نطاقها.

صورة لأحد السدود في شرق ليبيا (وكالة الأنباء الليبية)

وأكد عبد الله الديفار، مدير إدارة السدود بالوزارة، اتخاذ جميع الإجراءات الفنية والاحترازية اللازمة لضمان سلامة السدود في ظل الظروف الجوية الاستثنائية، مشيراً إلى مباشرة الفرق الفنية أعمال الصيانة والإصلاح فور وقوع العطل، والعمل على إعادة التيار الكهربائي في أقرب وقت ممكن.

وأكدت شركة «راس لانوف» غرق القاطرة «إنقاذ 6» بميناء «راس لانوف» لسوء الأحوال الجوية، لافتة إلى سلامة الطاقم.

وكان قعيم قد ترأس اجتماع لجنة الطوارئ والاستجابة السريعة المكلّفة من حماد، بخصوص تقلب الأحوال الجوية، حيث أصدر تعليماته لغرفة العمليات الرئيسية بوزارة الداخلية لتقديم مديريات الأمن بالمناطق تقارير ومواقف أمنية كل ساعتين بشأن الأوضاع داخل نطاق اختصاصها، علاوة على الحد من التنقل وحركة السير، خصوصاً بين المدن؛ حفاظاً على سلامة وأرواح المواطنين.

كما بحثت اللجنة الإجراءات والتدابير العاجلة التي تم اتخاذها على مختلف الأصعدة، مع التركيز على الجوانب الأمنية والصحية والاتصالات.

وأعلنت إدارة أمن بنغازي الكبرى تكثيف دورياتها الأمنية والمرورية وتعزيز انتشارها في مختلف مفترقات وشوارع المدينة، في إطار إعلان حالة الطوارئ ورفع درجة الجاهزية، تحسباً لأي طارئ قد يحدث في ظل الظروف الجوية الراهنة.

وأُدرجت هذه الإجراءات ضمن خطتها لضمان الاستجابة السريعة والتعامل الفوري مع أي مستجدات ميدانية، حيث تم التأكيد على جاهزية الآليات والمعدات الفنية واللوجيستية، واستمرار العمل الميداني على مدار الساعة، بما يضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات.


انتقادات في مصر بسبب إنهاء الإعفاء الاستثنائي للجوال الوارد من الخارج

قرار الحكومة المصرية بإنهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف الجوالة الواردة من الخارج أثار غضباً (أرشيفية - رويترز)
قرار الحكومة المصرية بإنهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف الجوالة الواردة من الخارج أثار غضباً (أرشيفية - رويترز)
TT

انتقادات في مصر بسبب إنهاء الإعفاء الاستثنائي للجوال الوارد من الخارج

قرار الحكومة المصرية بإنهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف الجوالة الواردة من الخارج أثار غضباً (أرشيفية - رويترز)
قرار الحكومة المصرية بإنهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف الجوالة الواردة من الخارج أثار غضباً (أرشيفية - رويترز)

أثار قرار الحكومة المصرية إنهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف الجوالة الواردة من الخارج موجة انتقادات بين المواطنين، الذين اعتبروا أن «الخطوة سوف تزيد الأعباء المالية عليهم، وتحد كذلك من خياراتهم في اقتناء الأجهزة الحديثة».

وأعلنت مصلحة الجمارك المصرية، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، انتهاء فترة الإعفاء الاستثنائي لأجهزة الهاتف الجوال الواردة من الخارج بصحبة راكب، اعتباراً من الأربعاء، مع استمرار إعفاء أجهزة الهاتف الجوال الخاصة بالمصريين المقيمين في الخارج والسائحين لمدة 90 يوماً.

وأفاد بيان لمصلحة الجمارك، الثلاثاء، بأن الإجراء يأتي في إطار تطبيق منظومة حوكمة أجهزة الهاتف الجوال الواردة من الخارج، بدءاً من يناير (كانون الثاني) 2025، التي صاحبها قرار استثنائي بالإعفاء الجمركي لجهاز هاتف جوال واحد بصحبة راكب لحين توفير هواتف محمولة مصنعة محلياً غير خاضعة للجمارك.

وحسب البيان، أسهم تطبيق المنظومة بالفعل في «دخول 15 شركة عالمية لتصنيع أجهزة الهاتف الجوال إلى السوق المصرية، بطاقة إنتاجية 20 مليون جهاز سنوياً، وهو ما يجاوز احتياجات السوق المحلية، وانعكس إيجاباً على توافر أحدث الطرازات العالمية المصنعة محلياً بمختلف خصائصها ومواصفاتها».

ووفقاً لمصلحة الجمارك: «يعكس هذا الحراك الأثر الإيجابي المباشر للسياسات التنظيمية التي أدت إلى توفير حوالى 10 آلاف فرصة عمل للشباب المصري، فضلاً عن تلبية احتياجات السوق المحلية، بالتالي عدم الحاجة إلى شراء أجهزة جوالة مصنعة في الخارج أو استمرار الإعفاء الاستثنائي لتلك الأجهزة». وأشار البيان كذلك إلى إتاحة مهلة زمنية تصل إلى 90 يوماً من تاريخ أول تفعيل لتوفيق أوضاع الأجهزة قبل اتخاذ أي إجراءات تنظيمية، كما أنه سيتم إتاحة إمكانية تقسيط تلك الضرائب والرسوم خلال الفترة المقبلة.

وكانت مصر بدأت في تفعيل الرسوم الجمركية على الهواتف الجوالة المقبلة من الخارج من بداية العام الماضي لمواجهة «ظاهرة تهريب تلك الأجهزة إليها»، حيث إن «95 في المائة من واردات الهواتف الجوالة تدخل مصر بشكل غير قانوني، وتتجاوز قيمتها 60 مليار جنيه سنوياً (الدولار يساوي 47.5 جنيه)، ما يمثل تحدياً خطيراً للاقتصاد الوطني والخزانة العامة»، وفقاً لتقديرات سابقة لوزارة المالية.

مصر تؤكد نجاحها في توطين صناعة الهواتف محلياً (أرشيفية - رويترز)

إلا أنه مع قرار إنهاء الإعفاء الاستثنائي للجوال، ثار غضب واسع بين المصريين، خاصة أن الهواتف الجوالة أصبحت سلعة أساسية لا غنى عنها.

واستقبل رواد منصات التواصل الاجتماعي في مصر القرار بحالة من الانتقاد والنقاش، حيث عدّه كثيرون «إجراءً مفاجئاً يزيد من الضغوط الاقتصادية على المستهلك، وفرض الرسوم الجمركية سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الهواتف بشكل كبير».

كما رأى آخرون فيه تقييداً لحرية الاختيار، خصوصاً أن كثيرين يعتمدون على شراء هواتف حديثة من الخارج بأسعار أقل أو بمواصفات غير متوفرة محلياً.

الخبير الاقتصادي والمالي المصري، الدكتور ياسر حسين، عدّ قرار إنهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف الواردة مع المسافرين «يأتي في سياق محاولات الحكومة لتعظيم مواردها المالية»، لكنه يرى أن «حصر الإعفاء في مدة 90 يوماً فقط للمقيمين بالخارج والسياح قد يؤدي إلى حالة من الارتباك التشغيلي»، مطالباً بـ«ضرورة توحيد معايير التطبيق على كافة القادمين إلى البلاد لتجنب أي خلل تنظيمي».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن القرار قُوبل بموجة من التساؤلات حول جدواه الاقتصادية، كما أثار ردود فعل غاضبة وانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يراه طبيعياً، لا سيما أن القرار يفتقر للمنطقية في حال تطبيقه على الأجهزة ذات الاستخدام الشخصي أو العائلي، فبينما يمكن تبرير الإجراء إذا استهدف حالات الاتجار بالكميات الكبيرة، فإن الاستخدام الفردي بالتكلفة الجديدة يضع أعباء إضافية على المواطنين.

وتبنت بعض الآراء المتفاعلة مع القرار أنه بمثابة تضييق على المصريين المقيمين بالخارج، الذين يعتمدون على إدخال هواتف حديثة عند عودتهم إلى البلاد.

وانتقد آخرون توقيت إعلان القرار، كونه يأتي في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة عن وصول تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى مستويات غير مسبوقة.

وكان البنك المركزي المصري أعلن قبل أسبوعين أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أعلى قيمة تاريخية بلغت نحو 37.5 مليار دولار.

ويرى حسين أن «هذا القرار يخلق حالة من النفور والاستياء لدى 3 فئات رئيسية، المواطن المقيم، والمصري المغترب، والسائح الأجنبي، فالمسافر القادم إلى مصر سيصطدم بتكاليف غير معمول بها في معظم الوجهات التنافسية الأخرى، مما قد يؤثر سلباً على مناخ الجذب السياحي، حيث يحتاج السائح إلى بيئة تنافسية مرنة لا تثقل كاهله بإجراءات تقنية مكلفة لأجهزته الشخصية».

وأضاف: «سيُواجه القرار بصعوبات عملية، خاصة مع المسافرين والمغتربين المطالبين باستثناءات لأجهزتهم الشخصية ولأسرهم»، مرجحاً أن تضطر الحكومة مستقبلاً لتعديل هذه المنظومة بعد انتهاء المهلة المحددة، وذلك لتفادي الآثار السلبية المترتبة عليه.

ورغم حالة الغضب، ظهرت في المقابل بعض التعليقات التي دافعت عن القرار، باعتباره «خطوة ضرورية لدعم التصنيع المحلي وضبط السوق» خاصة بعد دخول شركات عالمية لإنتاج الجوال إلى مصر، ومع ما أكدته مصلحة الجمارك، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، من عدم تطبيق هذه الضرائب والرسوم بأثر رجعى على الأجهزة التي أُعفيت قبل بدء تطبيق هذا القرار.


خالد حفتر يتهم «الإخوان» بعرقلة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

المشير خليفة حفتر يتوسط رئيس الأركان العامة ورؤساء أركان الجيش يوم 12 يناير 2026 (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر يتوسط رئيس الأركان العامة ورؤساء أركان الجيش يوم 12 يناير 2026 (القيادة العامة)
TT

خالد حفتر يتهم «الإخوان» بعرقلة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

المشير خليفة حفتر يتوسط رئيس الأركان العامة ورؤساء أركان الجيش يوم 12 يناير 2026 (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر يتوسط رئيس الأركان العامة ورؤساء أركان الجيش يوم 12 يناير 2026 (القيادة العامة)

اتهم الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الليبي، تنظيم «الإخوان» بالعمل على عرقلة الحلول التي تسعى إليها القيادة العامة لتوحيد المؤسسة العسكرية، نافياً «تدخل الجيش في الصراع السوداني»؛ وذلك في أول لقاء تلفزيوني منذ أُسندت إليه رئاسة أركان الجيش الذي يتولى والده المشير خليفة حفتر قيادته، ويسيطر على شرق وغالبية مناطق جنوب ليبيا.

صدام حفتر (إلى اليمين) وشقيقه خالد مطلع يناير 2026 (القيادة العامة)

ورُقّي خالد حفتر من رئاسة أركان الوحدات البرية بالجيش إلى رئاسة الأركان العامة في أغسطس (آب) 2025، كما عُيّن شقيقه صدام نائباً للقائد العام للقوات المسلحة.

وقال خالد حفتر في حوار لقناة «الحدث الليبي»، بُث مساء الاثنين، إن جماعة «الإخوان» تحاول بقدر الإمكان «ألّا يكون في ليبيا جيش؛ لأنه عندما تكون هناك مؤسسة عسكرية قوية فهذا لا يخدم مصالحها؛ وبالتالي ليس لها مكان داخل ليبيا».

وأضاف: «القوات المسلحة و(الإخوان المسلمون) مستحيل أن يلتقيا في مكان واحد؛ كما أن المؤسسة العسكرية تتوحد مع ضباط وعسكريين نظاميين فقط».

صفقة مع باكستان

وعَدَّ الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد امطيريد، اتهامات خالد حفتر لتنظيم «الإخوان» توصيفاً لمسار طويل من «التعطيل المقصود؛ وليس حديثاً مرسلاً».

وقال امطيريد لـ«الشرق الأوسط» إن توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا «يعني نهاية مرحلة استثمار الانقسام، ونهاية توظيف السلاح في الصراع السياسي، وهذا بطبيعته يصطدم مع مشاريع تنظيمات قائمة على بقاء الدولة ضعيفة ومفككة».

وتحدث خالد حفتر عن التطور الحاصل في الجيش الذي عمل والده على لملمة شتاته عقب اندلاع الثورة التي أسقطت نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، وقال إن الجيش «سيشهد نقلة نوعية في السنوات المقبلة»، وذهب إلى القول إن الجيش الليبي أصبح من أقوى الجيوش في المنطقة، ويسيطر على نسبة كبيرة من البلاد.

المشير خليفة حفتر مستقبلاً المشير عاصم منير قائد الجيش الباكستاني 17 ديسمبر 2025 (القيادة العامة)

وأبرم «الجيش الوطني» اتفاقاً مع وزارة الدفاع الباكستانية يتم بموجبه تزويد الجيش الليبي بصفقة أسلحة تتضمن 16 طائرة مقاتلة من طراز JF - 17، و12 طائرة أخرى تستخدم للتدريب الأساسي للطيارين.

وجرى إبرام الصفقة بعد اجتماع جرى نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025 بين قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، وصدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» في مدينة بنغازي.

يُذكر أن ليبيا لا تزال خاضعة لحظر أممي على توريد السلاح، تجدد في منتصف العام الماضي لمدة عام.

ويعتقد امطيريد أن «الإخوان» ومن يدور في فلكهم، على حد قوله، «يعرفون أن الجيش الموحد هو العمود الفقري لأي دولة، والحاجز الحقيقي لمنع فرض الأمر الواقع بالقوة أو عبر الميليشيات»، ويرى أن «عرقلة توحيد الجيش ليست خوفاً على المسار المدني كما تروج بعض الأطراف، لكنه خوف من فقدان أوراق ضغط استُخدمت لسنوات داخل المشهد الليبي».

الصراع في السودان

وفيما يتعلق بالوضع في السودان، قال خالد حفتر إن الجيش «لا يتدخل في الصراع الداخلي بالسودان، كما لا نتدخل فيما يجري بالدول المجاورة. مهمتنا هي تأمين الحدود فقط».

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

ويواجه «الجيش الوطني» اتهامات متزايدة من الجيش السوداني بمساندة «قوات الدعم السريع» بالوقود والسلاح، لكنه يتجاهل الرد عليها عادة.

وكانت وكالة «رويترز» قد نشرت تقريراً في 22 ديسمبر 2025 يستند إلى «أكثر من 12 مسؤولاً عسكرياً واستخباراتياً ودبلوماسياً»، يفيد باستخدام مهبط للطائرات في مطار الكفرة، بجنوب شرقي ليبيا، منصةً لوجيستية لتعزيز السيطرة على مدينة الفاشر.

وتحدث خالد حفتر عن الصراع على الحدود، وقال إنه «يؤثر على الجيش الوطني، وعلى الاستقرار الليبي». وفيما لفت إلى «وجود مخاوف من اختراق الجماعات الإرهابية للحدود»، شدد على ضرورة تكثيف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية من جهودها في هذا الشأن.

وقال امطيريد: «ليبيا اليوم أمام مفترق طرق واضح: إما استكمال سياسة الهروب إلى الأمام والدوران في ذات الحلقة، وإما مواجهة الحقيقة والعمل على استكمال مسار توحيد الجيش، بعيداً عن الحسابات الحزبية والأجندات الضيقة. ومن يعطّل هذا المسار، مهما كانت شعاراته، يتحمل مسؤولية تاريخية أمام الشعب».

ويتموضع «الجيش الوطني» في شرق ليبيا، منذ إعادة تشكيله في عام 2014، من عناصر وقيادات الجيش الذي تفكك عقب سقوط القذافي؛ لكنه منذ ذلك التاريخ بدأ يتوسع من خلال أذرعه في أنحاء مختلفة باتجاه وسط البلاد وجنوبها.

وقطعت ليبيا خطوات على طريق توحيد الجيش، المنقسم بين غرب البلاد وشرقها منذ سقوط نظام القذافي.

يُذكر أن الجيش الليبي أُسس قبل 85 عاماً عقب دعوة الأمير إدريس السنوسي الزعماء الليبيين إلى اجتماع بالقاهرة في التاسع من أغسطس (آب) 1940.