طرابلس تترقب بقلق «معركة مؤجلة» بين الدبيبة وميليشيا «الردع»

المنفي يشدد على عودة الآليات العسكرية إلى ثكناتها

لقاء سابق يجمع بين الدبيبة وكارة إلى (اليسار) ووزير العدل والنائب العام (حكومة الوحدة)
لقاء سابق يجمع بين الدبيبة وكارة إلى (اليسار) ووزير العدل والنائب العام (حكومة الوحدة)
TT

طرابلس تترقب بقلق «معركة مؤجلة» بين الدبيبة وميليشيا «الردع»

لقاء سابق يجمع بين الدبيبة وكارة إلى (اليسار) ووزير العدل والنائب العام (حكومة الوحدة)
لقاء سابق يجمع بين الدبيبة وكارة إلى (اليسار) ووزير العدل والنائب العام (حكومة الوحدة)

تترقب الأوساط الليبية بـ«قلق شديد» حالة متسارعة من التحشيد و«الاجتماعات السرية» لقيادات مسلّحة استعداداً لـ«معركة مؤجلة» على ما يبدو بين عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، وعبد الرؤوف كارة آمر ميليشيا «قوة الردع الخاصة».

ومنذ إخفاق الدبيبة في عزل كارة وتفكيك «قوة الردع الخاصة»، والعاصمة تشهد حالة من الاستقطاب المسلّح بين الطرفين، فيما يراه متابعون «إعادة ترتيب للأوراق بقصد إجهاز أحدهما على الآخر، عندما تحين اللحظة».

ويلجأ الدبيبة إلى مصراتة مسقط رأسه لمزيد من التحصّن ببعض القيادات المسلحة هناك، بينما يتجه كارة إلى الزاوية التي تحتضن تشكيلات قوية مناوئة لـ«الوحدة»، وما بين المدينتين الواقعتين غربي ليبيا باتت تتصاعد التحذيرات من «اندلاع فتنة في قادم الأيام».

يصعّد الدبيبة ضد بعض التشكيلات المسلحة التي ازداد نفوذها في مواجهة حكومته (الوحدة)

اجتماع الخميس

وقال مصدر أمني بطرابلس لـ«الشرق الأوسط» إن «شخصيات من مصراتة التقت قيادات لتشكيلات مسلحة من الزاوية في اجتماع عقد مساء الخميس، وذلك بغرض دفعها إلى عدم الوقوف ضد الدبيبة في معركته مع (قوة الردع)، لكن الأخيرة رفضت، واشترطت انسحاب قوات من مدينة الزنتان من مواقع تتبع الدبيبة».

ويتحدث أبو القاسم قزيط، عضو المجلس الأعلى للدولة، عن «تحضيرات متسارعة لعملية عسكرية خاصة في طرابلس»، وقال في تصريح صحافي: «يبدو أن هناك ضوءاً أخضر، أو برتقالياً على الأقل، من جهة ما؛ ليس لأن هذه العملية ضرورية أو مشروعة أو مأمونة العواقب، بل فقط لأن دماءنا رخيصة».

وبسطت قوات الدبيبة نفوذها نسبياً على العاصمة، بعدما فكّت ارتباطها بتشكيلات مسلّحة، من بينها جهاز «دعم الاستقرار» برئاسة عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة» الذي قُتل في عملية وُصفت بأنها «أمنية معقّدة».

ويسعى الدبيبة إلى التخلص من كارة، الذي يُلقّبه أتباعه بـ(الشيخ)، ويتخذ من منطقة سوق الجمعة في طرابلس معقلاً له، ويتمتع بشعبية واسعة نظراً لمرجعيته السلفية.

المنفي يلتقي أعضاء اللجنة المؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية بطرابلس (المجلس الرئاسي)

التحركات الميدانية

على هامش هذه الأجواء، قدّم أعضاء اللجنة المؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس، لرئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، إحاطة «حول مجمل التحركات الميدانية والإجراءات المتخذة لإعادة ضبط المشهد الأمني، بما يسهم في إعادة الحياة العامة إلى طبيعتها».

وتطرّق الاجتماع، حسب مكتب المنفي، إلى «تنفيذ التعليمات الصادرة عن المجلس الرئاسي بشأن عودة الآليات العسكرية إلى ثكناتها؛ ووقف أي تحركات غير قانونية؛ إلى جانب الإفراج عن جميع الموقوفين خلال الأحداث الأمنية الأخيرة التي شهدتها المدينة».

المنفي، الذي يسعى للسيطرة على مجريات الأمور بالعاصمة، ثمن «الجهود المبذولة» من قبل اللجنة، مؤكداً على ضرورة مواصلة العمل بوتيرة عالية، وبروح المسؤولية الوطنية، لتحقيق الأمن المستدام في ربوع ليبيا كافة.

سياسيون ليبيون عديدون ومؤسسات وجمعيات حقوقية «تتخوف من القادم»، وتدعو لإخراج العاصمة من الحسابات الشخصية للساسة، مشيرين إلى أن مواطنيها لم يطيقوا الحرب والقتل والتدمير.

ورصدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، «بقلقٍ بالغ» التحشيدات والتحركات العسكرية في مدينة طرابلس ومحيطها، وقالت إن «هذه الإجراءات من شأنها تقويض الاستقرار الهش الذي تعيشه العاصمة؛ وتُنذر بتجدّد الاشتباكات التي تُشكّل تهديداً وخطراً كبيرين على سلامة المدنيين».

وحمّلت المؤسسة، حكومة «الوحدة»، ورئيسها بصفته وزيراً للدفاع، «كامل المسؤولية القانونية حيال أي خرق للهدنة وتعطيل الترتيبات الأمنية التي أقرها المجلس الرئاسي».

وفي مواجهة تصاعد الانتقادات والمطالب برحيلها عن السلطة، قالت حكومة «الوحدة» إن الوكيل العام لوزارة الصحة المكلّف بمهام الوزير محمد الغوج، بحث مع المدير العام لـ«المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي»، مخرجات مشاريع إصلاح وتطوير النظام الصحي التي نفذها المجلس خلال السنوات الماضية.

لجنة حكومية تعمل على فتح مسارات لطرق جديدة في طرابلس (حكومة الوحدة)

الخدمات الصحية

وتضمنت المخرجات، حسب الحكومة، إعداد اللائحة التنظيمية لتعزيز الخدمات الصحية، وإطلاق مبادرة التغطية الصحية الشاملة، وإعداد مصفوفة لإنقاذ قطاع الدواء، مقترح إنشاء هيئة الدواء، بالإضافة إلى تطوير التشريعات الخاصة بالتأمين الصحي.

وأكد الغوج أهمية تحويل المخرجات إلى خطوات تنفيذية بالتعاون مع الجهات المختصة، لافتاً إلى أنه «تم الاتفاق على عقد اجتماع موسع وورش عمل تخصصية لتسريع وتيرة التنفيذ».

وتحدثت الحكومة عن أن اللجنة المعنية بـ«فتح المسارات وتوسيع الطرق» باشرت أعمال الرفع المساحي وإخطار المنازل والمباني بالإزالة في طريق حي الأندلس البحري بطرابلس، وذلك ضمن المرحلة الجديدة من مشروع فتح وتوسعة المسارات في المنطقة.

وأوضحت الحكومة أن هذه الإجراءات تأتي «تمهيداً لاستكمال عمليات الإزالة وفقاً للمخططات المعتمدة، في إطار جهود تطوير البنية التحتية وتحسين الحركة المرورية وتنظيم التخطيط الحضري في مدينة طرابلس».

جانب من دورة لرفع كفاءة منتسبي وزارة الداخلية بغرب ليبيا (المكتب الإعلامي للوزارة)

كما أشارت وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة» إلى أن جهاز المباحث الجنائية يواصل جهوده لرفع كفاءة منتسبيه من خلال تنفيذ دورات تدريبية متخصصة؛ وفي هذا الإطار انطلقت دورة تدريبية في مجال تفكيك المتفجرات بالتعاون مع فريق تدريبي متخصص.

وأشارت إلى العمل على دورة تدريبية أخرى بالتوازي في مجال التحكم بالطائرات دون طيار «بهدف تأهيل العناصر الأمنية وتزويدهم بالمهارات التقنية الحديثة لمواجهة التحديات الأمنية».


مقالات ذات صلة

انتقاد المنفي لإدارة ملف النفط يثير مخاوف الليبيين

شمال افريقيا المنفي يلقي كلمة خلال زيارته إلى مدينة الزاوية (المجلس الرئاسي)

انتقاد المنفي لإدارة ملف النفط يثير مخاوف الليبيين

جاءت تصريحات رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي حول ملف النفط مفاجئة في توقيتها ولافتة في لغتها، خصوصاً أنها بدت موجهة بشكل غير مباشر إلى الوحدة.

جاكلين زاهر (القاهرة )
شمال افريقيا صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)

ليبيا: سباق البحث عن «دعم عسكري» يطغى على «مسارات التسوية»

تعمل الولايات المتحدة ودول إقليمية عدة على مساعدة طرفَي النزاع في ليبيا على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، لكن دون إحداث تغيير بالمشهد المحتقن.

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)

بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

رغم تعدد اللجان التي شكّلها رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، لمواجهة أزمات الاقتصاد والأمن، يرى مراقبون أن نتائجها بقيت محدودة على الأرض.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر مستقبلاً بولس في القيادة العامة 25 يناير (القيادة العامة)

«الاجتماعات السرية»... مسارات موازية لأفرقاء الأزمة السياسية الليبية

منذ بداية الأزمة السياسية، عرفت ليبيا «الاجتماعات السرية» التي احتضنتها عواصم دولية وإقليمية عديدة، خاصة بين قيادات تشكيلات مسلحة، ثم سياسيين وعسكريين نظاميين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أعضاء الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس (المكتب الإعلامي للمحكمة)

حكم بـ«عدم دستورية» 4 قوانين برلمانية يُربك المشهد السياسي الليبي

ينظر ليبيون إلى الحكم بـ«عدم دستورية» 4 قوانين برلمانية الصادر عن المحكمة العليا بطرابلس على أنه سيزيد الوضع السياسي تأزماً وإرباكاً ويضع القضاء في مفترق طرق

«الشرق الأوسط»

مصر تجدد دعمها لـ«التعافي» وإعادة الإعمار في سوريا

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (وزارة الخارجية المصرية)
لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تجدد دعمها لـ«التعافي» وإعادة الإعمار في سوريا

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (وزارة الخارجية المصرية)
لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (وزارة الخارجية المصرية)

رحبت مصر بإعلان الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وأكدت دعمها لجميع المساعي الهادفة لتلبية تطلعات الشعب السوري، والتمهيد لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وأوضحت الخارجية المصرية، في بيان السبت، أن أملها في أن يشكّل الاتفاق خطوة مهمة نحو إطلاق عملية سياسية شاملة تضم جميع المكونات السورية دون إقصاء، بما يسهم في دعم وحدة الدولة السورية، وتعزيز أمنها واستقرارها، وصون سيادتها وسلامة أراضيها.

وأكدت مصر موقفها الثابت القائم على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، مشددةً على أهمية توفير الأمن والاستقرار المستدام لجميع مكونات الشعب السوري، بما يضمن صون حقوق المواطنين، وتعزيز التماسك الوطني وحماية مقدراتهم.

وذكرت الخارجية المصرية أن استمرار الجهود لمكافحة الإرهاب بكل أشكاله يشكّل ركيزة أساسية لاستعادة الاستقرار، وتحسين الأوضاع الإنسانية والمعيشية في سوريا، مؤكدةً في الوقت نفسه الرفض الكامل لأي تدخلات أو اعتداءات خارجية تستهدف وحدة وسلامة الأراضي السورية.

كانت الحكومة السورية قد وقَّعت في وقت سابق الجمعة، اتفاقاً لوقف إطلاق النار مع «قسد» ضمن اتفاق شامل، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، ودخول قوات الأمن إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، وتسلّم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ.

وأكدت الخبيرة في الشأن السوري بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، رابحة علام، أن مصر حريصة على وحدة الأراضي السورية، وترى أن مرحلة الصراع العسكري لا بد أن تنتهي لتفرض السلطة سيطرتها على الأراضي كافة، وهو ما يعيد الاعتبار لوحدة الدولة السورية، مشيراً إلى أن الاتفاق الأخير يحمل بادرة إيجابية، إذ إنه رسَّخ لتفاهمات سياسية عبر التفاوض بين الحكومة و«قسد،» وليس من خلال الحسم العسكري.

وأوضحت الخبيرة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة كانت قلقة بشأن الصدامات العسكرية، التي وقعت الشهر الماضي، ومن انعكاس ذلك على استقرار الدولة السورية، مع تعريض حياة المدنيين للخطر، موضحةً أن استمراره سيضاعف خسائر البنية التحتية السورية، مشيرةً إلى أن تجنب الصراع المفتوح يساعد سوريا الجديدة على إعادة بناء السلم المجتمعي.

وأشارت رابحة علام إلى أن التوجه المصري لفكرة إعادة البناء والإعمار تعد استراتيجية راسخة للدولة المصرية لإعادة الاستقرار في الدول، التي شهدت صراعات، بما يهدف إلى تثبيت الاستقرار على المستوى السياسي، ودعمه بتغيير الواقع من خلال إعادة البناء وتطوير البنية التحتية، وهو أمر يسهم في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة المستقلة، التي يكون لديها القدرة على تبني إقامة مشاريع مختلفة وجذب الاستثمارات، ويعد ذلك جزءاً من المنهج المصري لإنهاء الصراعات، والاتجاه نحو النهوض الاقتصادي.

وشهدت العلاقات المصرية - السورية تقارباً تمخض عنه انعقاد «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري الأول»، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، الشهر الماضي في دمشق، واستهدف الملتقى «تعزيز التعاون التجاري والاستثماري وإقامة مشروعات مشتركة بين البلدين، وتطوير الشراكات التجارية بين البلدين».

وفي ذلك الحين التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، وفد الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية الذي شارك في الملتقى، وتحدّث الشرع بإيجابية عن العلاقات المصرية - السورية، موجهاً الشكر إلى القاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، مؤكداً جاهزية بلاده للدخول في مرحلة الاستثمار والبناء.

وأكد الشرع خلال لقائه وفد رجال الأعمال المصريين أن «سوريا تجاوزت مراحل كثيرة، خصوصاً بعد رفع العقوبات عنها، وهذا الأمر فتح أبواباً عديدة، ومنها الفرص الاستثمارية»، مشيراً إلى أن «من أولى الجهات التي ينبغي أن تكون حاضرة هي الشركات المصرية للإسهام في إعادة الإعمار بسوريا».

وقبل أسبوع تقريباً زار وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السوري، عبد السلام هيكل، القاهرة والتقى رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية أحمد الوكيل، وجرى التوافق على تنظيم «ملتقى مصري - سوري» لشركات تكنولوجيا المعلومات لتعزيز التعاون في هذا القطاع، بوصفه أحد القطاعات الحيوية الداعمة للنمو الاقتصادي، ومن المقرر أن تستضيفه العاصمة السورية دمشق.

وأكدت رابحة علام أن الشركات المصرية، التي تملك خبرات في المشروعات القومية المصرية، يمكن أن يتم فتح أسواق جديدة لها في سوريا، وهو أمر مرشح بكثافة خلال الفترة المقبلة في ظل حرض دول الإقليم على طي صفحة الصراع، وما يدعم ذلك التقارب السياسي بين البلدين، بعد عام تقريباً من التغيير السياسي في سوريا.


انتقاد المنفي لإدارة ملف النفط يثير مخاوف الليبيين

المنفي يلقي كلمة خلال زيارته إلى مدينة الزاوية (المجلس الرئاسي)
المنفي يلقي كلمة خلال زيارته إلى مدينة الزاوية (المجلس الرئاسي)
TT

انتقاد المنفي لإدارة ملف النفط يثير مخاوف الليبيين

المنفي يلقي كلمة خلال زيارته إلى مدينة الزاوية (المجلس الرئاسي)
المنفي يلقي كلمة خلال زيارته إلى مدينة الزاوية (المجلس الرئاسي)

جاءت تصريحات رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي حول ملف النفط مفاجئة في توقيتها ولافتة في لغتها، خصوصاً أنها بدت موجهة بشكل غير مباشر إلى حليفته حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، على خلفية الاتفاقيات طويلة الأمد، التي أبرمتها الأخيرة مؤخراً مع شركات فرنسية وأميركية كبرى، باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار.

وتضمن خطاب المنفي، الذي اتسم في أغلبه بتوصيفات حادة، تحذيراً من رهن النفط لما وصفه بـ«صفقات غير شفافة» و«ترتيبات غامضة»، مع التأكيد على ضرورة إدارة هذا الملف «بعقل الدولة لا بعقل الغنيمة، وبما يضمن الشفافية والحوكمة وحماية حقوق الليبيين».

تضمن خطاب المنفي تحذيراً من رهن النفط لما وصفه بـ«صفقات غير شفافة» (د.ب.أ)

وعكست تصريحات المنفي صدى لمخاوف شعبية متزايدة بشأن إدارة الثروة النفطية، وخلفت شكوكاً وجدلاً في ظل أزمة اقتصادية وتوسع ملحوظ في الإنفاق العام من قبل الحكومتين المتنازعتين على السلطة، ما جعل «الاتفاقيات النفطية» الأخيرة محل تدقيق وحساسية مضاعفة.

غير أن قراءات أخرى رأت في هذا التصعيد «رسالة سياسية»، تندرج ضمن محاولة المجلس الرئاسي إعادة تموضعه داخل معادلة الشراكات الاقتصادية والسياسية الجارية في طرابلس، وكذلك ضمن المعادلة السياسية الأوسع، وتحديداً فيما يتردد عن تفاهمات عُقدت بين مستشار «الوحدة» إبراهيم الدبيبة، وصدام حفتر في باريس برعاية أميركية.

في هذا السياق، يرى الباحث القانوني الليبي هشام سالم الحاراتي أن خطاب المنفي بدا وكأنه محاولة غير مباشرة «لشيطنة الاتفاقيات التي وقعتها حكومة الوحدة على هامش قمة ليبيا للطاقة بالعاصمة طرابلس الأسبوع الماضي، وإثارة الرأي العام حولها بإيحاءات توحي بانحيازها لمصلحة الشركات الأجنبية».

ويعتقد الحاراتي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الاتفاقيات «جاءت في توقيت يعاني فيه قطاع النفط من تدهور حاد في البنية التحتية، ما يجعل تطوير الحقول، ورفع معدلات الإنتاج ضرورة اقتصادية، بينما تحتفظ ليبيا بملكية مواردها وتمارس دورها السيادي عليها».

ومن بين جملة الاتفاقيات التي وقعتها حكومة «الوحدة»، يبرز عقد تطوير حقول شركة الواحة للنفط مع شركتي «توتال إنيرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأميركية، بوصفه أحد أكبر العقود الاستثمارية في القطاع خلال السنوات الأخيرة.

وأشار الحاراتي إلى وجود ما سمّاها «بعض المخاوف المشروعة» بشأن تلك الاتفاقيات، مثل «غياب الإفصاح عن آلية واضحة لمراجعة الأسعار من فترة لأخرى، إضافة إلى ضعف الموقف التفاوضي للدولة، بالنظر إلى هشاشة وضعها السياسي، مما قد يؤثر على نسب تقاسم الإنتاج»، مبرزاً أن المجلس الرئاسي، الذي طالما عُد حليفاً سياسياً قريباً من «الوحدة»، لم يكن حاضراً في مؤتمر الطاقة في طرابلس، الذي أُبرمت على هامشه الاتفاقيات، واعتبر أن تصعيد المنفي يندرج في إطار «توجيه رسالة مفادها رفض أي ترتيبات كبرى تتم بمعزل عن مجلسه».

وتتنازع حكومتان في ليبيا؛ الأولى «الوحدة» التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، والأخرى برئاسة أسامة حماد، المكلفة من البرلمان والمدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب، وهو ما يعمق حالة الانقسام، ويجعل أي قرارات اقتصادية كبرى محاطة بحساسيات سياسية.

في المقابل، تساءل الناشط السياسي الليبي أسامة الشحومي عن سبب «عدم انخراط المجلس الرئاسي لسنوات في قطاع النفط، وما يشهده من تراجع بذات المستوى من الاهتمام، خاصة في ظل ما يتردد حول وجود شبهات فساد تتعلق بعقود نفطية»، معتبراً أن التصعيد الأخير «لا يعكس بالضرورة استشعاراً حقيقياً للقلق على قوت الليبيين، بقدر ما يعزز الشكوك بأنه تحرك انتقائي فرضته اللحظة السياسية».

ويرى الشحومي أن المجلس الرئاسي «يسعى لإيجاد دور له في مشهد التفاهمات الجارية، عبر تبني خطاب الشارع وإحراج خصومه، في محاولة لوقف تمرير الصفقات دون إشراكه، رغم افتقاده فعلياً لأدوات التعطيل، ما دفعه إلى التصعيد السياسي والإعلامي»، مشيراً إلى إعلان المنفي تشكيل لجنة مختصة بملفات الطاقة والإنفاق والحوكمة، بهدف إغلاق منافذ الهدر وتقديم توصيات عملية ملزمة، غير أن صلاحيات المجلس الرئاسي «لا تمتد قانونياً لتعديل الاتفاقيات أو إلغائها، ما يجعل هذا التحرك أقرب إلى ضغط سياسي منه إلى إجراء تنفيذي».

ورغم إقراره بأن تصريحات الرئاسي «تعكس توتراً في العلاقة» مع حكومة «الوحدة»، فقد أكد الشحومي «إمكانية احتواء هذا التوتر وعدم تحوله إلى قطيعة دائمة»، لافتاً إلى أن العلاقة بين الطرفين لم تمل تاريخياً إلى الصدام المباشر، بل اتسمت غالباً بالتنافس الصامت، ومحاولات تسجيل النقاط السياسية.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)

من جانبه، رأى المحلل السياسي الليبي عبد الله الكبير أن «استبعاد المنفي من المشاركة في قمة الطاقة ليس الدافع الوحيد وراء هذه التصريحات»، مشيراً إلى «وجود شكوك واسعة لدى قطاع من الليبيين حول جدوى العقود النفطية الأخيرة الموقعة مع شركات أميركية».

وقال الكبير لـ«الشرق الأوسط» إن هذه العقود، ورغم ما قد تحققه من تطوير للبنية التحتية ورفع معدلات الإنتاج، «افتقرت إلى الشفافية الكافية لطمأنة الشارع بشأن المصدر الوحيد للدخل القومي»، معتبراً أن «الحكومة كان يتعين عليها تقديم توضيحات أوسع حول عوائد هذه الاتفاقيات وآليات الرقابة عليها».

وأكد الكبير أن المنفي «إذا كان جاداً في ضبط الإنفاق وحماية النفط، فإنه يستطيع بحكم موقعه القيام بدور مؤثر، شرط توحيد المجلس الرئاسي أولاً، وإنهاء الخلافات مع نائبيه».


رويال تقود وساطة للإفراج عن صحافي فرنسي معتقل في الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية (الرئاسة الجزائرية)
TT

رويال تقود وساطة للإفراج عن صحافي فرنسي معتقل في الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية (الرئاسة الجزائرية)

ترك انتهاء زيارة المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية الفرنسية عن الحزب الاشتراكي، سيغولين رويال، للجزائر، انطباعاً بإمكانية إطلاق مؤشرات تهدئة بين البلدين، بالأخص استعداد الجزائر لإطلاق سراح الصحافي كريستوف غليز، الذي تعتبره باريس «رهينة لدى نظام الحكم الجزائري»، في سياق انقطاع قنوات التواصل بين البلدين، منذ اندلاع «أزمة الاعتراف بمغربية الصحراء».

سيغولين رويال خلال مؤتمر صحافي عقدته بالجزائر (صحيفة المجاهد الجزائرية)

في تصريحات صحافية أدلت بها أمس الجمعة، كشفت الوزيرة الفرنسية السابقة، ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، عن لقائها بالصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، المحتجز في الجزائر منذ سبعة أشهر. وقد التقت به صباح اليوم نفسه في أحد سجون الجزائر العاصمة، بعدما نُقل إليه في اليوم السابق من سجن تيزي وزو (100 كلم شرق العاصمة).

وقالت سيغولين: «استمر لقائي به ما بين 35 و40 دقيقة». ورغم صعوبة تقييم حالته بدقة، فقد شددت على «قوته الداخلية وهدوئه في مواجهة هذه المحنة». كما أوضحت أن كريستوف غليز «يستمد توازنه من تواصله مع العالم الخارجي، لا سيما عائلته»، مشيرةً إلى أن نقله إلى العاصمة من شأنه أن يسهّل هذه الاتصالات مستقبلاً، قبل أن تختم بوصف الشاب الثلاثيني بأنه «إنسان طيب».

الصحافي كريستوف غليز (منظمة مراسلون بلا حدود)

وحسب مرشحة انتخابات الرئاسة 2007، التي فاز بها اليميني نيكولا ساركوزي، «يدرك الصحافي جيداً حجم التضامن المتصاعد في فرنسا للمطالبة بإطلاق سراحه، غير أنه يتجنب التحول إلى أيقونة إعلامية»، مبرزة أنه «لا يريد أن يُحوّل إلى نجم». كما تصفه بأنه «رجل صادق، شديد التعلق بمهنته، ويتطلع إلى مواصلة ممارستها... وهو لم يكن يتوقع الصعوبات المرتبطة بسفره إلى الجزائر»، مؤكدة أنها تحرص على «عدم التحدث باسمه».

* عفو رئاسي اقتداء بصنصال

خلال فترة احتجازه، يعتمد كريستوف غليز على موارده الذاتية، حسب رويال، «فهو يقرأ كثيراً ويشاهد التلفزيون، ويمارس الرياضة. ولم يكتف بمواجهة عزلته، بل جعل من زنزانته فصلاً دراسياً حين أخذ على عاتقه مهمة تعليم زميله في السجن، وهو من الجنسية المالية، مبادئ القراءة والكتابة».

ووفق سيغولين رويال، فإن الصحافي «ليس في موقف نقدي تجاه الجزائر التي يقدرها». ووصفت لقاءها به بأنه «بادرة إنسانية وأخوية تجاه مواطن فرنسي». عادَة أن السماح بهذا اللقاء ونقله إلى الجزائر العاصمة يشكلان إشارات إيجابية. أما فيما يخص احتمال الإفراج عنه، فقد تحدثت عن طعون قانونية جارية ومهل قانونية، معربة عن أملها في «صدور قرار عفو».

الكاتب بوعلام صنصال (متداولة)

وكانت رويال قدمت طلباتها بخصوص الصحافي عندما استقبلها الرئيس عبد المجيد تبون، الثلاثاء الماضي، حيث نقلت مصادر سياسية عنها أنه «يستحق عفواً خاصاً مثل الكاتب بوعلام صنصال»، وهو الروائي المثير للجدل الذي غادر السجن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مستفيداً من عفو رئاسي خاص، بناءً على تدخل من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير لدى تبون، ملتمساً «بادرة إنسانية» لصالحه، علماً بأن صنصال شكل أحد أبرز عناصر التصعيد الذي شهدته العلاقات الثنائية.

ويعمل غليز مع عدة مجلات فرنسية، من بينها «So Foot» و«Society»، وقد سافر إلى الجزائر في 2024 لإعداد تقرير صحافي عن نادي شبيبة القبائل، أكثر الأندية تتويجاً في البلاد، ومقره مدينة تيزي وزو. وفي 28 مايو (أيار) 2024، أوقِف غليز في تيزي وزو، وُضع تحت الرقابة القضائية، قبل أن يتابع بتهم «دخول البلاد بتأشيرة سياحية، وتمجيد الإرهاب، وحيازة منشورات بغرض الدعاية تضر بالمصلحة الوطنية». ولاحقاً صدر في حقه حكم ابتدائي بالسجن سبع سنوات.

الطبيبة المعارضة الجزائرية أميرة بوراوي (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وتتهم السلطات الجزائرية، غليز، بإجراء اتصالات مع أحد مسؤولي نادي شبيبة القبائل، الذي كان أيضاً أحد قياديي «حركة الحكم الذاتي في القبائل»، المصنفة جماعةً إرهابيةً بموجب قانون العقوبات الجزائري. وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، نظرت محكمة الاستئناف في قضيته، وقررت تثبيت التهمة والحكم الصادر ابتدائياً، ما أبقى على عقوبة السجن لمدة سبع سنوات.

«حظوة» رويال لدى الرئاسة الجزائرية

رأت أوساط سياسية وإعلامية في الجزائر أن تلبية رغبة رويال بلقاء غليز، ونقل سجنه إلى العاصمة يشكل بوادر تمهد لانفراجة في العلاقات الثنائية، التي تضررت في يوليو (تموز) 2024، عندما أعلنت باريس دعمها مقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء. وجرت هذه الأزمة مشكلات قديمة مع الجزائر مرتبطة بـ«الذاكرة» والاستعمار، وأوضاع المهاجرين الجزائريين النظاميين وغير النظاميين في فرنسا.

سيغولين رويال مع رئيس أكبر منظمة لأرباب العمل الجزائريين (منظمة رجال الأعمال)

وتباينت المواقف حيال دور «الدبلوماسية الموازية»، الذي أدته رويال في الجزائر، بين الترحيب والانتقاد. فبينما لاقى استحساناً في الأوساط المقربة من الرئاسة في الجزائر، تعرضت لهجوم حاد من طرف قطاع من الإعلام والسياسيين في فرنسا، خصوصاً من معسكر اليمين واليمين المتشدد.

وعبرت المعارضة الجزائرية، المقيمة في فرنسا، الطبيبة أميرة بوراوي بحسابها بالإعلام الاجتماعي، عن «استغرابها من الحماسة التي أبداها اليسار الفرنسي في دعم أنظمة يرى الجزائريون أنها فاقدة للشرعية»، عادةً أن هذا الدعم «كان يخدم مصالح سياسية ومادية محدودة على حساب طموحات الشعب الجزائري في التغيير والإصلاح»، منتقدةً بشدة التصريحات الإيجابية لرويال عن حكومة الجزائر.

وغادرت بوراوي البلاد عبر الحدود التونسية في فبراير (شباط) 2023، بينما كانت مقيدة بإجراءات منع السفر على خلفية اتهامها بنشاطها المعارض للسلطة. واتهمت الجزائر حينها المخابرات الفرنسية بـ«اختراق ترابها لإجلاء بوراوي سراً» إلى تونس ومنها إلى فرنسا.

كما استدعت سفيرها بباريس لـ«التشاور»، وقالت إن القرار «جاء على خلفية مشاركة دبلوماسيين وقنصليين ورجال أمن فرنسيين في تهريب المواطنة الجزائرية أميرة بوراوي بطريقة غير قانونية، في حين يفترض أن تكون موجودة في الجزائر بناء على أوامر القضاء».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended