«هدنة غزة»: هل يُبدد «تعهد ترمب» بشأن الاتفاق مخاوف «حماس»؟

وسط توجّس الحركة من «عدم التزام إسرائيل بإنهاء الحرب»

أطفال يجمعون أغراضهم بينما يتفقد فلسطينيون موقع غارة إسرائيلية ليلية بجباليا وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يجمعون أغراضهم بينما يتفقد فلسطينيون موقع غارة إسرائيلية ليلية بجباليا وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: هل يُبدد «تعهد ترمب» بشأن الاتفاق مخاوف «حماس»؟

أطفال يجمعون أغراضهم بينما يتفقد فلسطينيون موقع غارة إسرائيلية ليلية بجباليا وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يجمعون أغراضهم بينما يتفقد فلسطينيون موقع غارة إسرائيلية ليلية بجباليا وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

حملت وثيقة المقترح الأميركي بشأن مسوّدة اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ضمانة من الرئيس دونالد ترمب بتنفيذه، غير أن هذا لا يزال يثير مخاوف لدى «حماس» من انهيار الصفقة مجدداً، كما حدث في مارس (آذار) الماضي، وكانت واشنطن أيضاً ضِمن الوسطاء.

تلك التطورات التي لا تخلو من مخاوف عدم التزام إسرائيل بإنهاء الحرب، كما ترغب «حماس»، يراها خبراء، تحدّثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها لن تقود لاتفاق سريع، وقد نرى طلباً من الحركة الفلسطينية بتعديلات لمزيد من الضمانات، حتى لا تكرر إسرائيل ما فعلته من قبل مع اتفاق يناير (كانون الثاني) الماضي. وأشاروا إلى أن الأمر برُمّته متوقف على أن تُظهر واشنطن جدية وتضغط على إسرائيل لتقديم مقترح متوازن، وليس منحازاً لطلبات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

واقترحت وثيقة خطة أميركية بشأن غزة وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، وإطلاق سراح 28 من الرهائن الإسرائيليين (10 أحياء و18 متوفين)، خلال الأسبوع الأول، مقابل الإفراج عن 125 سجيناً فلسطينياً محكومين بالمؤبد، وتسليم رفات 180 من الفلسطينيين، على أن يكون ترمب ومصر وقطر ضامنين للتنفيذ، وفق ما نشرته «رويترز»، الجمعة.

وتنصّ «الخطة الأميركية» على أن تُطلق «حماس» سراح آخِر 30 من 58 من الرهائن الإسرائيليين الباقين لديها، بمجرد إعلان وقف دائم لإطلاق النار، وستُوقف إسرائيل أيضاً جميع العمليات العسكرية في غزة، بمجرد سَريان الهدنة.

فلسطيني داخل مبنى تعرّض لقصف إسرائيلي في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وغداةَ كشف البيت الأبيض أن إسرائيل قبلت الاتفاق الذي قدّمه مبعوث الرئيس ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أفاد القيادي بـ«حماس»، باسم نعيم، في تصريحات، الجمعة، بأن الحركة تلقَّت رد إسرائيل على الاقتراح الأميركي لوقف إطلاق النار في غزة، وتقوم بمراجعته بدقة، «على الرغم من أن الرد لا يلبي أياً من المطالب العادلة والمشروعة للفلسطينيين».

وأوضح القيادي في «حماس»، سامي أبو زهري، لـ«رويترز»، أن بنود الخطة تتبنى الموقف الإسرائيلي، ولا تتضمن التزامات بإنهاء الحرب أو سحب القوات الإسرائيلية أو السماح بدخول المساعدات، كما تطالب «حماس»، في حين قالت الوكالة إن الحركة ستردُّ عليها، الجمعة أو السبت.

وسبق أن انهار اتفاق هدنة يناير التي كانت تضمنه واشنطن مع مصر وقطر، بعد انتهاء المرحلة الأولى (42 يوماً)، واستئناف إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة ورفضها الدخول في المرحلة الثانية التي كانت تمهد لإنهاء الحرب.

وتُصر إسرائيل على نزع سلاح «حماس» بالكامل، وتفكيك قوتها العسكرية، وإنهاء إدارتها في غزة، إضافة إلى ضرورة إطلاح سراح جميع الرهائن المتبقين في القطاع، وعددهم 58 رهينة، قبل أن توافق على إنهاء الحرب. وترفض «حماس» التخلي عن سلاحها وتقول إن على إسرائيل سحب قواتها من غزة، والالتزام بإنهاء الحرب.

تصاعد الدخان في الأفق شرق مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين خلال وقت سابق (أ.ف.ب)

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يقلل من تأثيرات أي تعهد لترمب، قائلاً: «من قبل أصدرت بلاده تعهدات في اتفاق يناير الماضي، وتراجعت عنه إسرائيل»، لافتاً إلى أن «ردود (حماس) تبدو معبرة عن أن هناك خللاً كبيراً في الوثيقة، ولا سيما مع عدم تأكيد ضمانات وقف استئناف القتال، والانسحاب الإسرائيلي».

ويتوقع أن تتشاور «حماس» مع الوسطاء مجدداً، وتبحث الأمر بشكل جاد، مشيراً إلى أن الوثيقة التي أمامنا خطة إسرائيلية، ويجب أن تسمى مبادرة نتنياهو وليس مقترح ويتكوف.

وهو ما يؤكده المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، قائلاً: «ليس هناك تعهدات واضحة ومباشرة من ترمب وويتكوف لإنهاء الحرب، وإذا تعهدوا، كما يتردد، فلماذا لم ينص على ذلك صراحة في وثيقة ويتكوف، التي تعطي الفرصة لإسرائيل في العودة للقتال مرة أخرى؟!»، مضيفاً: «نحن إزاء وثيقة إسرائيلية وفخ جديد لـ(حماس) لوضعها في الزاوية لإزالة الضغوط عن ظهر نتنياهو ليقولوا إن الحركة هي من لا تريد الانخراط في هذا المسار».

ويرى أن المخطط الواضح للجميع هو «تجريد (حماس) من الورقة الثقيلة والذهبية المتعلقة بالرهائن، وأن تفقد الحركة قوتها، ومن ثم يكون من السهل استهداف كل قطاع غزة؛ لأنه سيعطي الجيش الإسرائيلي أريحية أكثر في الاستهداف دون خوف من وجود رهائن».

ردود فعل نساء فلسطينيات في موقع غارة إسرائيلية ليلية بجباليا وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تأتي تلك التطورات مع تواصل محادثات بشأن وقف إطلاق النار بغزة، في الدوحة، منذ 25 مايو (أيار) الحالي. وقال ويتكوف، الأربعاء، إنه يشعر بتفاؤل حيال إمكانية التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، يمهد لحل سلمي طويل الأمد للنزاع، تزامناً مع إعلان «حماس»، في بيان صحافي، التوصل إلى اتفاق مع ويتكوف، على «إطار عام يحقق وقفاً دائماً لإطلاق النار، وانسحاباً كاملاً للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة وتدفق المساعدات، وإطلاق سراح عشرة من المحتجَزين الإسرائيليين وعدد من الجثث، مقابل إطلاق سراح عدد متفَق عليه من الأسرى الفلسطينيين، على أن يكون الاتفاق بضمان الوسطاء».

جاء ذلك قبل أن يؤكد مصدر إسرائيلي بمكتب نتنياهو، في تعميم على وسائل الإعلام، الأربعاء، أن «(حماس) تُواصل حملتها الدعائية وحربها النفسية»، لافتاً إلى أن «إسرائيل وافقت على مقترح ويتكوف، بينما تُصرّ (حماس) على رفضه، واقتراح الحركة غير مقبول لإسرائيل ولا للإدارة الأميركية».

ويتوقع رخا أن «حماس» لن ترفض مباشرةً الوثيقة، لكنها ستعلن موافقتها المشروطة بطلب تعديلات لتحسين البنود وتأكيد الضمانات، مشيراً إلى أنه إذا كانت واشنطن جادة في إنهاء حرب غزة، فستتجاوب مع الطرح، خاصة وهو مشروع، وإذا لم تتحرك واتهمت الحركة بتعطيل الاتفاق فهذا يعني أن ثمة اتفاقاً بينها وبين إسرائيل؛ أن تسمح لها بضرب غزة مقابل عدم استهداف طهران حفاظاً على مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران بشأن البرنامج النووي حالياً.

ولا يرى نزال جدية من جانب ويتكوف أو إسرائيل، وثمة تبادل أدوار بينهما، مرجحاً أن «(حماس) سترفض هذا المسار على هذا النحو وستصدر رأياً أنها ستوافق على الوثيقة حال تضمنت بنوداً صريحة بوقف الحرب مستقبلاً وانسحاب إسرائيل، وهذا قد تستغله إسرائيل لأي تصعيد مستقبلي».


مقالات ذات صلة

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

الخليج وزراء خارجية المجموعة الرباعية يناقشون في إسطنبول عدداً من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك (واس) p-circle 00:26

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

أدانت السعودية وتركيا ومصر وباكستان التصعيد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، بما في ذلك هجماتها على المملكة واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

«الخوف دافعهم الأكبر»... ارتفاع التصويت بين فلسطينيي إسرائيل قد يهدد بقاء نتنياهو

تستعد إسرائيل لتنظيم انتخابات يوم الثلاثاء المقبل، ويبرز دور أصوات فلسطينيي الداخل، الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مزرعة يديرها مستوطنون إسرائيليون بالقرب من قرية دوما الفلسطينية في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الصين تحث إسرائيل على وقف «البناء القسري» للمستوطنات بالضفة الغربية

قالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان، إن الوزير وانغ يي أبلغ الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ بضرورة وقف «البناء القسري» للمستوطنات في الضفة الغربية والتراجع عنه.

«الشرق الأوسط» (بكين)
المشرق العربي مجموعة من المستوطنين خلال مهاجمتهم قاطفي الزيتون بقرية بيتا جنوب نابلس (أرشيفية-إ.ب.أ)

مستوطنون إسرائيليون يضرمون النار في مسجد بالضفة الغربية المحتلة

أضرم مستوطنون إسرائيليون النار، الأربعاء، في مسجد بالضفة الغربية المحتلة، وكتبوا شعارات على جدرانه الخارجية، وفق ما أفادت مصادر فلسطينية

«الشرق الأوسط» (مخماس (فلسطين))

باكستان تعزّز حضورها الدبلوماسي والعسكري في شرق ليبيا

مبنى القنصلية الباكستانية في بنغازي (وزارة الخارجية المكلفة من البرلمان الليبي)
مبنى القنصلية الباكستانية في بنغازي (وزارة الخارجية المكلفة من البرلمان الليبي)
TT

باكستان تعزّز حضورها الدبلوماسي والعسكري في شرق ليبيا

مبنى القنصلية الباكستانية في بنغازي (وزارة الخارجية المكلفة من البرلمان الليبي)
مبنى القنصلية الباكستانية في بنغازي (وزارة الخارجية المكلفة من البرلمان الليبي)

فتحت باكستان مساراً دبلوماسياً جديداً في شرق ليبيا إثر افتتاح قنصلية عامة لها في بنغازي، بعد نحو عشرة أشهر من تقارب متنامٍ مع قيادة «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، بدأ باتفاق للتعاون العسكري والأمني تزامن مع «صفقة تسليح»، ثم امتد إلى اتصالات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى.

وجاء افتتاح القنصلية، مساء الجمعة، امتداداً لهذا التقارب، الذي يتجاوز التعاون الدفاعي إلى توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، في خطوة عدّها مراقبون «تعزيزاً للتواصل المؤسسي بين إسلام آباد والسلطات في شرق ليبيا، وتفتح المجال أمام مسارات جديدة للتعاون الثنائي».

ووضع السفير الباكستاني ممتاز حسين سكرت افتتاح القنصلية في إطار تطوير العلاقات الثنائية، وتعزيز التواصل المؤسسي، وتقديم الخدمات القنصلية لأبناء الجالية الباكستانية، إلى جانب توسيع مجالات التعاون بين البلدين، في تصريحات خلال حفل أقيم بهذه المناسبة.

لقاء حفتر وقائد الجيش الباكستاني ببنغازي في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)

من جهته، ربط وزير الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب، عبد الهادي الحويج، الخطوة بمرحلة جديدة من التعاون الثنائي، تشمل تعزيز التواصل الدبلوماسي والقنصلي، وتيسير الخدمات المقدمة للمواطنين، وفتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري.

وتعود أبرز محطات التقارب بين البلدين إلى نهاية العام الماضي، حين زار قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير بنغازي، والتقى خليفة حفتر ونجله صدام، نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا، ووقّع الجانبان آنذاك اتفاقاً للتعاون العسكري والأمني.

وتزامنت هذه الخطوة مع صفقة تسليح تتجاوز قيمتها أربعة مليارات دولار، وفق مسؤولين باكستانيين نقلت عنهم وكالة «رويترز»، تشمل مقاتلات «JF-17» وطائرات التدريب «سوبر مشاق»، إلى جانب معدات للقوات البرية والبحرية والجوية، وترتيبات للتدريب والتصنيع المشترك.

وتواصلت الاتصالات العسكرية خلال العام الحالي؛ حيث التقى في فبراير (شباط) الماضي حفتر ونجله صدام قائد الجيش الباكستاني في إسلام آباد، لبحث التعاون الدفاعي والأمني، قبل أن تتجدد المحادثات في يونيو (حزيران) الماضي خلال لقاء صدام حفتر بعاصم منير في مدينة روالبندي الباكستانية.

وفي قراءة لهذه التحركات، يرى المحلل السياسي، عمرو بوسعيدة، أن التعاون مع باكستان وتعزيز حضورها يمنحان قيادة شرق ليبيا «الملاذ الآمن من الفيتوات الدولية».

وأوضح بوسعيدة لـ«الشرق الأوسط» أن «التعاون مع دولة بحجم وقدرات باكستان العسكرية يتيح توريد وتطوير المعدات والتدريب، مثل صفقات المقاتلات وطائرات التدريب وبرامج التأهيل المشتركة، بعيداً عن تعقيدات العقوبات الأممية الحادة أو التجاذبات الحادة بين المعسكرين الغربي والشرقي، التي غالباً ما تقيدها حسابات الناتو وروسيا».

ويخضع توريد الأسلحة إلى ليبيا لحظر أممي، فرضه مجلس الأمن عام 2011، في قرار صدر بعد ثورة السابع عشر من فبراير 2011، ويُلزم الدول بمنع بيع الأسلحة ونقلها إلى البلاد، مع استثناءات تخضع لموافقة لجنة العقوبات الأممية.

وعلى المسار الدبلوماسي، سبق أن بحث خليفة حفتر خلال زيارته باكستان في فبراير الماضي، افتتاح قنصلية باكستانية في بنغازي، قبل أن تتقدم الترتيبات نحو تدشينها رسمياً.

ويضيف افتتاح هذه القنصلية قناة مؤسسية إلى الاتصالات السياسية والعسكرية القائمة، ويهيئ المجال لتوسيع العلاقات خارج الإطار الدفاعي.

ويقرأ بوسعيدة الخطوة باعتبارها تتجاوز وظيفتها البروتوكولية، وتقديم الخدمات القنصلية للجالية الباكستانية، لتعكس اهتمام إسلام آباد بتعزيز علاقاتها مع مركز سياسي وعسكري مؤثر في شرق ليبيا. ومن شأن ذلك وفق تقديره «فتح المجال أمام الشركات الباكستانية للوصول إلى السوق الليبية، والاستفادة من الفرص المرتبطة بمشروعات الإعمار والتنمية».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

ويطرح المحلل السياسي الليبي إمكانية تطوير برامج للتدريب العسكري والأكاديمي، وتبادل الخبرات في تأمين الحدود ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، إلى جانب التعاون في الصيانة الفنية ونقل التكنولوجيا، وفقاً لما تسمح به التفاهمات بين الطرفين والالتزامات الدولية.

وقد يمتد هذا التصور إلى المجالات الاقتصادية والهندسية، مع فرص محتملة أمام الشركات الباكستانية للمشاركة في مشروعات البنية التحتية والإعمار، التي يقودها صندوق إعمار وتنمية ليبيا، الذي يقوده بلقاسم حفتر والجهاز الوطني للتنمية، بحسب بوسعيدة.

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومتين، الأولى في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهي حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وتستند أمنياً إلى مجموعات مسلحة في غرب ليبيا، فيما تحظى الحكومة الثانية، برئاسة أسامة حماد، بدعم مجلس النواب في شرق البلاد و«الجيش الوطني» بقيادة حفتر.


السودان... الهدنة تسابق مسيرات الحرب

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن السودان في جنيف 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن السودان في جنيف 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
TT

السودان... الهدنة تسابق مسيرات الحرب

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن السودان في جنيف 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن السودان في جنيف 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)

بين قاعات الاجتماعات الدولية وسماء المدن السودانية، يتسارع سباق غير متكافئ... وساطات تحاول انتزاع هدنة تفتح طريقاً لإنهاء الحرب... ومسيّرات توسّع رقعة القصف، وتضاعف تكلفته على المدنيين.

وبينما تسعى الولايات المتحدة وشركاؤها إلى توحيد جهود السلام، لا يزال طرفا الحرب يراهنان على الميدان، وسط تحذيرات من امتداد الصراع إقليمياً. فأيهما أقرب إلى الواقع... هدنة تنجح الدبلوماسية في انتزاعها، أم استمرار حرب تتسع جبهاتها وتتجدد أدواتها؟

الاجتماع التشاوري السادس بشأن السودان، الذي استضافته جنيف في 21 أكتوبر (تشرين الأول)، قدم صورة مكبرة لحجم الحشد الدبلوماسي حول الأزمة؛ إذ جمع دول الرباعية والخماسية والقوى الكبرى ودول الجوار ورعاة مبادرات السلام. وانفضّ الاجتماع، وبقي السؤال عن قدرة المشاركين على تحويل هذا التوافق إلى إجراءات تغيّر سلوك المتحاربين وداعميهم.

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، اختصر الرسالة الأميركية في منشور على حسابه بمنصة «إكس»، عقب الاجتماع، يقوله إن «حرب السودان يجب أن تنتهي، ولا يوجد حل عسكري للصراع»، محذراً من أن استمرارها يضاعف التكلفة المدمرة على المدنيين، وينذر بامتداد مزيد من عدم الاستقرار إلى المنطقة. وأوضح أن دعم واشنطن لجهود الخماسية (الأمم المتحدة والاتحادين الأفريقي والأوروبي، وهيئة «إيغاد»، والجامعة العربية) في تيسير عملية سياسية شاملة وذات مصداقية وبملكية سودانية، يتكامل مع عملها ضمن الرباعية (الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر) للدفع نحو هدنة إنسانية تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار. تكشف هذه الصيغة محاولة لربط وقف القتال بالتسوية السياسية، بدلاً من ترك كل مسار يتحرك بمعزل عن الآخر، لكنها تبرز أيضاً حجم الهوة بين توحيد موقف الوسطاء، وانتزاع التزامات من المتحاربين؛ هذا التقارب الدبلوماسي لم يتحول بعد إلى اتفاق معلن بجدول للتنفيذ وآلية للمراقبة، في مواجهة رهانات الحسم، واستمرار تدفق السلاح.

ويأتي حراك جنيف امتداداً لجهود متراكمة، بينها مؤتمرات باريس ولندن وبرلين، واجتماعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن في نيويورك والمشاورات الإقليمية. وتختلف وظائف هذه المحطات بين التعبئة الإنسانية، وتنسيق المواقف، وتيسير الحوار؛ غير أنها تلتقي عند نقطة مهمة وهي محاولة وقف الانهيار وتهيئة تسوية سياسية تحفظ وحدة السودان.

الميدان يحتفظ بالأولوية

في الجانب الآخر من المشهد، تكشف تصريحات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان استمرار الرهان على الحسم. ففي خطابه الأخير بوادي حلفا، جدّد رفض التفاوض مع «الدعم السريع»، واضعاً نزع سلاحها واستسلامها في مواجهة استمرار العمليات العسكرية.

وفي مجلس الأمن، عرض مندوب السودان الدائم، الحارث إدريس، السلام بوصفه خياراً استراتيجياً لحكومته، لكنه ربط نجاح الهدنة بإنهاء سيطرة «الدعم السريع» على المرافق المدنية ومنازل السكان. وطالب أيضاً بإخراج المرتزقة، ووقف إمدادات السلاح والتمويل إليها. وقال إن هذه الترتيبات تستهدف منع استغلال الهدنة لإعادة التسليح والحيلولة دون تقسيم البلاد. ولا يكفي ترحيب «قوات الدعم السريع» المعلن بمقترحات التهدئة لإثبات استعدادها لتنفيذها؛ فقد سبق أن تزامن هذا الترحيب مع استمرار عملياتها العسكرية؛ ولذلك يبقى معيار الالتزام هو سلوك القوات على الأرض، وحماية المدنيين، وتسهيل الإغاثة، وقبول ترتيبات قابلة للمراقبة. ويتيح هذا التباعد قراءة تعثّر الهدنة بوصفه خلافاً على وظيفتها: هل تكون مدخلاً لتسوية وتنازلات متبادلة، أم يسعى كل طرف إلى جعلها تثبيتاً لمكاسبه أو خطوة نحو إضعاف خصمه؟

ويرى القيادي في حزب «البعث العربي» وقوى إعلان نيروبي، وجدي صالح، أن التصعيد العسكري الراهن، وتكثيف هجمات المسيّرات على المدن يعكسان محاولة كل طرف تعزيز مواقعه، وتوسيع سيطرته قبل التوصل إلى هدنة، انطلاقاً من حسابات تفترض أن ترتيباتها ستستند إلى الوجود الفعلي للقوات على الأرض. وقال صالح إن هذه التكتيكات قد تؤخر إقرار الهدنة؛ إذ يسعى كل طرف إلى إرجاء الاتفاق على التهدئة، ووقف العدائيات إلى حين تحسين وضعه العسكري، في ظل موازين ميدانية غير مستقرة وقابلة للتغير لصالح أحد الطرفين.

وشدّد على أن الهدنة ضرورة إنسانية لوقف الحرب وحماية المدنيين، وأن القوى المدنية المناهضة للحرب ظلت تطالب بها منذ اندلاع القتال في أبريل (نيسان) 2023. وأضاف أن هذه القوى لا تعوّل على تكتيكات إطالة الحرب، معرباً عن اعتقاده أن الجهود الدولية يمكن أن تسهم في الضغط على المتحاربين للوصول إلى هدنة.

ويتفق معه القيادي في حزب «المؤتمر السوداني» وتحالف «صمود»، شريف، في ربط التصعيد بالتحركات الإقليمية والدولية الرامية إلى إقرار هدنة تتيح إيصال المساعدات الإنسانية، وتمهّد للمسار السياسي. ويرى أن تكثيف هجمات المسيّرات يستهدف فرض واقع جديد قبل الاتفاق، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تحسين الوضع العسكري على الأرض، خصوصاً مع استهداف مناطق مدنية وقوافل إنسانية. ورأى شريف أن الضغوط الدولية بلغت مستويات مرتفعة، رابطاً مهلة الستين يوماً في ملف توسيع حظر السلاح ليشمل عموم السودان والمسيّرات، بترتيبات ومشاورات بين القوى الإقليمية والدولية وأطراف الحرب.

جغرافيا ترسمها المسيّرات

في غضون ذلك، يتغير معنى الحرب، فلم يعد مرتبطاً فقط بالمدن التي تتبدل السيطرة عليها؛ إذ باتت المسيّرات تتيح نقل القصف إلى مناطق بعيدة عن خطوط الاشتباك. وقد وصفت المبعوثة الأوروبية للقرن الأفريقي، أنيت ويبر، هذا التحول بقولها إن «حرب المسيّرات توسّع جغرافية الصراع». وتكشف الهجمات الأخيرة في الخرطوم وكردفان ودارفور وأبيي، التكلفة البشرية لهذا النمط من القتال، الذي أوقع أعداداً كبيرة من الضحايا. وتزيد المخاوف من اتساع رقعة الحرب إقليمياً، خصوصاً بعد وصول المسيرات إلى مناطق حدودية حساسة مع جنوب السودان، ومناطق أخرى محاذية للحدود الإثيوبية وتشاد.

آثار الحريق الذي استهدف شاحنة مدنية بمسيّرة في أبيي وقتل العشرات (الأمم المتحدة - «فيسبوك»)

وتعكس مداولات مجلس الأمن إدراكاً متزايداً لهذه المخاطر، لكنها تكشف أيضاً صعوبة الاتفاق على إجراءات لاحتوائها؛ ففي جلسة 16 أكتوبر (تشرين الأول)، ربطت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة روزماري ديكارلو احتمال التصعيد باستمرار تدفق الأسلحة، وتجنيد المقاتلين، وأن طرفي النزاع لا يُظهران التزاماً موثوقاً بالتسوية، ويعتقدان أن الدعم الخارجي يتيح لهما تحقيق مزيد من المكاسب بالقوة.

بهذا المعنى، لا تتوقف فرص الهدنة على تقريب مواقف المتحاربين وحدهما؛ بل ترتبط أيضاً بالتأثير في الجهات التي تمنحهما القدرة على مواصلة القتال. وهي النقطة التي أبرزتها نائبة المندوب البريطاني الدائم، كيت فوستر، حين ربطت تطور قدرات المسيّرات بشبكات خارج السودان تتولى شراءها وتمويلها ونقلها وإدامتها.

ويصطدم هذا التوجه، بالانقسام داخل المجلس؛ فبينما دعا السفير الأميركي جيفري بارتوس ومندوب فرنسا الدائم جيروم بونافون إلى توسيع حظر السلاح، عارضت روسيا توسيع النطاق الجغرافي للعقوبات، معتبرة أن القيود القائمة كافية، وأن توسيعها قد يضر بالحكومة السودانية. وبذلك، يظل التوافق على إنهاء الحرب أبعد من الاتفاق على الوسائل الكفيلة بدفع أطرافها إلى وقفها.

ويضع هذا الانقسام جهود الوساطة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع توفير ضمانات تجعل الهدنة قابلة للتنفيذ، وممارسة ضغط يجعل مواصلة الحرب أكثر تكلفة؟ وكسر هذه الحلقة يتطلب ضغطاً يغيّر حسابات الطرفين وداعميهما، ويبدّد الرهان على مكاسب جولة عسكرية أخرى. وما لم يحدث ذلك، سيظل المدنيون يدفعون ثمن انتظار الهدنة، بينما تسبق المسيّرات الوسطاء إلى رسم الوقائع على الأرض.


مصر: شروط جديدة لقيد الأطباء تصطدم بخطط الحكومة لزيادة عدد الخريجين

شروط جديدة لقيد خريجي كليات الطب في «نقابة الأطباء» (وزارة الصحة المصرية)
شروط جديدة لقيد خريجي كليات الطب في «نقابة الأطباء» (وزارة الصحة المصرية)
TT

مصر: شروط جديدة لقيد الأطباء تصطدم بخطط الحكومة لزيادة عدد الخريجين

شروط جديدة لقيد خريجي كليات الطب في «نقابة الأطباء» (وزارة الصحة المصرية)
شروط جديدة لقيد خريجي كليات الطب في «نقابة الأطباء» (وزارة الصحة المصرية)

عقب انتقادات قبول طلاب «ضعيفي المستوى» بالكليات الطبية، وتحذيرات من مخاطر وجود خريجين غير مؤهلين على القطاع الصحي، برزت شروط نقابية جديدة لقيد الأطباء، لكنها قد تصطدم مع خطط الحكومة لزيادة أعداد الخريجين.

واتخذت الجمعية العمومية لـ«النقابة العامة لأطباء مصر»، مساء الجمعة، عدداً من القرارات التي تتعلق بالقيد النقابي، ومعايير قبول طلاب كليات الطب، منها إعداد «تعديل تشريعي» لتقديمه إلى مجلس النواب والحكومة في البند الثالث من القانون رقم 162 لسنة 2018 والخاص بفروع الجامعات الدولية لينص على «خضوع قواعد قبول الطلاب بهذه الفروع للقواعد الوطنية المعمول بها في مصر»، من حيث «المواد الدراسية المؤهلة لدخول كليات الطب»، وألا «يقل مجموع الدرجات عن الحد الأدنى الذي تحدده وزارة التعليم العالي للكليات الحكومية أو الأهلية أو الخاصة».

وتبنت «الأطباء» قراراً بالمطالبة بوقف «قبول أي طلاب جدد في كليات الطب التي لم تنشئ مستشفى جامعياً، وفق القرار الجمهوري الصادر بإنشائها والذي منحها مهلة 3 سنوات لذلك».

وحذرت من أنه «في حال قبول هذه الكليات لطلاب جدد العام المقبل، لن يُقبل قيد هؤلاء الطلاب في النقابة»، كما أقرت «تقديم شهادة الثانوية العامة (المرحلة التي تسبق الجامعة) أو ما يعادلها، ضمن المستندات المطلوبة للقيد في نقابة الأطباء بدءاً من العام المقبل».

وأكد نقيب الأطباء أسامة عبد الحي أن «القطاع الطبي يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها التوسع العشوائي في إنشاء كليات الطب»، محذراً من أن ذلك «يمثل مؤشراً خطيراً على المهنة والمرضى».

وطالبت «نقابة الأطباء» بـ«تقليل أعداد الملتحقين بكليات الطب، وربط أي زيادة في أعداد المقبولين بزيادة أماكن التدريب والتعليم في أثناء التعليم وبعد التخرج»، وكذا «مخاطبة الحكومة بضرورة ألا تزيد نسبة الوافدين في كليات الطب الحكومية على 5 في المائة والباقي يوجَّه إلى الجامعات الأهلية والخاصة».

وتثير مشكلة قبول طلاب بكليات الطب الخاصة والدولية، بمجموع أقل كثيراً من الجامعات الحكومية، قلق «نقابة الأطباء»، في حين تصطدم مع خطط الحكومة لزيادة أعداد الخريجين.

نقيب الأطباء في مصر ينتقد وجود كليات طب من دون مستشفى تعليمي (وزارة الصحة المصرية)

وقال عبد الحي إن«كلية الطب من أكثر الكليات اعتماداً على التدريب العملي، ولذلك لا يجوز إنشاء كلية طب من دون مستشفى جامعي تعليمي يتيح للطلاب اكتساب المهارات والخبرات اللازمة لممارسة المهنة».

وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد أكد «ضرورة التزام الجامعات الخاصة التي تضم كليات للطب بتوفير مستشفى تعليمي وتدريبي، بما يضمن توفير البيئة المناسبة للتدريب العملي للطلاب، ويسهم في الارتقاء بمستوى خريجي كليات الطب».

وتقدمت عضو مجلس النواب إيرين سعيد، بطلب إحاطة، السبت، موجه لكل من وزير التعليم العالي، ووزير الصحة بشأن «عدم وجود معايير لقبول طلبة الكليات الصحية في الجامعات الخاصة والدولية، وتأثير ذلك على الصحة العامة وجودة الخدمات الطبية والصحية المقدمة للمصريين خلال الأعوام المقبلة».

إحاطة برلمانية السبت بشأن عدم وجود معايير للالتحاق بالكليات الطبية (وزارة الصحة المصرية)

وأكدت سعيد لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض كليات الطب في الجامعات الدولية تقبل الطلاب بمجموع 50 في المائة، وهو ما يشكل خطورة على المنظومة الصحية»، مؤكدةً أنه «يجب تحديد شروط للقبول بالكليات الصحية، ومنها مجموع الدرجات، بحيث لا تكون الفجوة كبيرة بين المجموع المطلوب للالتحاق بالجامعات الدولية والحكومية».

ويبلغ إجمالي عدد الأطباء في مصر نحو 230 ألف طبيب بينهم نحو 100 ألف طبيب مهاجر و130 ألفاً يعملون داخل البلاد»، وفق تصريحات تلفزيونية لنقيب الأطباء في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وحسب منسق «لجنة الحق في الصحة» (أهلية)، محمد حسن خليل، يشكل قبول طلاب في كليات الطب بمجموع صغير «خطراً على المنظومة الصحية»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاتجاه الحكومي لزيادة أعداد خريجي كليات الطب ليست له علاقة بالرغبة في تخرج عدد أكبر، وإنما يرتبط بالاستثمارات في الجامعات الخاصة والدولية، والتي تتوسع في قبول طلاب يدفعون مبالغ كبيرة، دون النظر إلى المتطلبات الأخرى».

وأكد خليل أن «عدم وجود مستشفيات تعليمية بهذه الكليات سيؤدي إلى تخرج أطباء دون المستوى اللازم، والنتيجة تدهور التعليم الطبي، وتراجع مستوى وكفاءة الطبيب المصري، وضعف الخدمة الصحية، بما سيؤثر على حياة المرضى».