«كرسي الدبيبة المُهدَّد» قد يُحيي العملية السياسية «الميتة» في ليبيا

قراراته فتحت شهية خصومه لجهة التشجيع على عزله

يرى كثير من الليبيين أن قرارات الدبيبة أفقدته الكثير من تحكّمه في المشهد الأمني بالعاصمة (الوحدة)
يرى كثير من الليبيين أن قرارات الدبيبة أفقدته الكثير من تحكّمه في المشهد الأمني بالعاصمة (الوحدة)
TT

«كرسي الدبيبة المُهدَّد» قد يُحيي العملية السياسية «الميتة» في ليبيا

يرى كثير من الليبيين أن قرارات الدبيبة أفقدته الكثير من تحكّمه في المشهد الأمني بالعاصمة (الوحدة)
يرى كثير من الليبيين أن قرارات الدبيبة أفقدته الكثير من تحكّمه في المشهد الأمني بالعاصمة (الوحدة)

انتشى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، عقب مقتل القيادي الميليشياوي، عبد الغني الككلي، فسارع إلى تفكيك جهاز «قوة الردع الخاصة»، الذي يترأسه عبد الرؤوف كارة، ليوسّع رقعة الاقتتال في العاصمة ويهز أركان حكمه، فاتحاً بذلك الباب على المجهول.

ويُنظر إلى قرارات الدبيبة، التي أفقدته - حسب مراقبين - الكثير من تحكّمه في المشهد الأمني بالعاصمة، على أنها فتحت شهية خصومه في غرب ليبيا وشرقها لجهة التشجيع على عزله؛ ما يمكن أن يسمح بتحريك العملية السياسية «الميتة».

أطراف ليبية عدّة ترى أن إخماد لهيب الاشتباكات في طرابلس لا يتأتى إلا بترك الدبيبة كرسي الحكم (أ.ب)

والدبيبة، الذي وجدها فرصة بعد مقتل الككلي للتخلص من «شوكة» تشكيلات مسلحة ظلت تساومه على «مزيد من المكاسب»، وضع ظهره للمجهول، بعد أن فقد جزءاً من قوته الضاربة، لكنه الآن يبحث عن كيانات مسلحة أخرى بجانب قوات من مصراتة لمساندته، خصوصاً وأن المعركة مع أنصار الككلي وكارة لا تزال مفتوحة.

وبسبب تعاظم المخاوف، ترى أطراف ليبية عدّة أن إخماد لهيب الاشتباكات التي اندلعت في طرابلس، لا يتأتى إلا بترك الدبيبة كرسي الحكم، الذي تراه بات «مهدداً»، مؤكدة أهمية «نقل السلطة فوراً»، مخافة وقوع فراغ أمني وفوضى.

* انتقاد حكومة الدبيبة

كثيرون في ليبيا، ومن بينهم أبو القاسم قزيط، عضو المجلس الأعلى للدولة، يعتقد أن حكومة الدبيبة «فقدت شرعيتها القانونية والسياسة والأخلاقية بإشعال حرب شوارع في طرابلس، وأخد 3 ملايين مواطن - هم سكان العاصمة تقريباً - رهينة لوهم الخلود والبقاء في السلطة».

وسبق أن سعت حكومة الدبيبة إلى إخراج التشكيلات المسلحة من العاصمة، بعد مطالب اجتماعية وأممية عدة، عددت منها على وجه الخصوص سبع ميليشيات. وفي فبراير (شباط) 2024، أوضح عماد الطرابلسي، وزير داخلية «الوحدة»، وابن مدينة الزنتان، أنه جرى الاتفاق على إخراجها. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث حتى قُبيل اندلاع الاشتباكات.

ليبيون يحتجون في شوارع طرابلس بعد الاشتباكات الدامية التي شهدتها العاصمة وخلّفت عشرات القتلى (أ.ف.ب)

بعدها، خرج إلى العلن خلاف بين الدبيبة والككلي، الشهير بـ«غنّيوة»، إثر ما وصفته مصادر مقربة منهما برغبة الأخير في «توسيع نفوذه داخل الحكومة»، فضلاً عن رفضه «الخضوع للترتيبات الأمنية» بإخلاء العاصمة من التشكيلات المسلحة. ومن بين هذه التشكيلات التي كان مقرراً إخراجها من طرابلس جهاز «قوة الردع الخاصة»، و«جهاز الأمن العام»، و«الشرطة القضائية»، و«جهاز دعم الاستقرار»، و«اللواء 111»، بالإضافة إلى «قوة دعم المديريات».

ودار الاقتتال المتوقف في طرابلس بين قوات عدة، من بينها «اللواء 444 قتال» التابع لـ«الوحدة»، بقيادة محمود حمزة، وعناصر من الاستخبارات العسكرية، بالإضافة إلى «اللواء 111» التابع لعبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة الدبيبة، ودعم من كتائب مصراتة، من بينها «اللواء 63»، وذلك في مواجهة «جهاز الردع».

ويتخذ جهاز «قوة الردع»، بإمرة عبد الرؤوف كارة، من قاعدة معيتيقة وسوق الجمعة في طرابلس مستقراً له، كما أن له الكثير من المريدين على خلفية سلفية ترسخت منذ إطاحة نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

* قرارات «عبثية»

مناوئو الدبيبة في العاصمة، مثل خالد المشري المتنازع على رئاسة مجلس الدولة، وفتحي باشاغا رئيس حكومة شرق ليبيا السابق، وحتى محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، كلهم رفضوا قرارته وعدُّوها «عبثية».

خالد المشري عبر عن رفضه قرارات الدبيبة وعدّها «عبثية» (متداولة)

كما أن «قوة الردع الخاصة»، التي يترأسها السلفي الشيخ كارة، كما كان يحلو للدبيبة أن يطلق عليه، رفضت قرار حل الجهاز، وبعد جولة من حرب الشوارع علم الدبيبة أن بأسها شديد، وأن التمكن منها ليس بالأمر اليسير، كما فعل بـ«دعم الاستقرار» في أبو سليم.

لذلك؛ يظل السؤال الذي تفرضه الأحداث الملتهبة في العاصمة مطروحاً وبقوة: ما الذي سيفعله الدبيبة لكسر شوكة «قوة الردع»؟ وماذا لو خسر أمامها؟ وهل هذه الأوضاع الملتهبة التي شغلت عواصم عدة، من بينها القاهرة وروما وباريس، ستدفع قوات من خارج طرابلس لمؤازرة هذا أو ذاك؟

معارضو الدبيبة، كمجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، يعتقدون أن الفرصة باتت سانحة لتشكيل «حكومة جديدة»، كما أن أعداءه، في الزاوية وغيرها، يرون أن ساعة إخراج «الدبيبات» - نسبة إلى عائلة الدبيبة - من المشهد قد حانت، لذا اصطفت قوات من الزاوية والزنتان مع «قوة الردع».

بينما تواصلت الاشتباكات واصلت البعثة الأممية مشاورات مع الأطراف المختلفة لإحياء العملية السياسية (غيتي)

كما أن البعثة الأممية تجري مشاورات مع الأطراف المختلفة للعودة إلى الحوار بشأن إحياء العملية السياسية «الميتة»، منذ تأجيل الانتخابات نهاية 2021، وذلك من خلال تفعيل مخرجات لجنتها الاستشارية.

لكن مع تصاعد التوتر، وفك الارتباط بين الكثير من التشكيلات المسلحة، في ظل إعادة تشكّل خريطة المواليين والمعارضين للدبيبة، دعا «حراك مصراتة ضد الظلم» إلى إخراج المدينة مما أسماه «صراع سياسي - عسكري على النفوذ والسلطة لا علاقة لمصراته به». كما رفض الحراك أيضاً «محاولات بعض الأطراف الزج باسم مصراتة في الصراع»؛ وقال إن من يقاتل اليوم في طرابلس «لا يمثل إلا نفسه أو الجهة السياسية التي يتبعها».

* «هدم المعبد على الجميع»

اللافت، أن إخراج التشكيلات المسلحة من طرابلس كان مطلباً ملحاً لجُل الأطراف، لكن مع تصاعد وتيرة الاشتباكات، أدرك البعض راهناً خطورة الخطوة التي أقدم عليها الدبيبة «من دون ترتيبات أو تفاوض يجنّب العاصمة وأهلها الدمار والموت».

لذا؛ جاء تعبير قزيط عن فداحة ما أقدم عليه الدبيبة، منتقداً «علاج داء الميليشيات على طريقة (شمشون) بهدم المعبد على الجميع»، وقال بهذا الخصوص: «لم يجرؤ أي زعيم في العالم على حرق عاصمة بلده منذ أيام حرق روما على يد نيرون؛ مهما كانت الذرائع».

الآن، وبعد أن فرغ الطرفان من الاقتتال مؤقتاً، لا تزال التحشيدات المسلحة على تخوم العاصمة، في حين توجه الانتقادات الحادة للدبيبة بسبب «فشله» في توحيد المؤسسة العسكرية، و«رعاية الميليشيات والإغداق عليها»، لدرجة أنها أضحت «دولة داخل الدولة».

بعد أن فرغ الطرفان من الاقتتال مؤقتاً لا تزال التحشيدات المسلحة على تخوم العاصمة (أ.ب)

في موازاة ذلك، استفادة الشيخ عبد الرؤوف من هذه المعركة باللجوء إلى حاضنته الشعبية في منطقة (سوق الجمعة) شرقي طرابلس، التي هبّت لنصرته، مخافة أن تتعرض للسلب والنهب كما وقع في «أبو سليم»، معقل المغدور به الككلي.

وبذلك تكون «قوة الردع» قد نجحت في قلب الموازين، بعد أن اصطفت عليها قوات «دعم الاستقرار»، كما صدّرت لجمهورها أن المعركة ليست بين مجموعات تدعم الدبيبة وأخرى ضده، بقدر ما هي معركة جهوية بين «سوق الجمعة» ومصراتة، مسقط رأسه.

لكن نائب رئيس المجلس الانتقالي السابق، عبد الحفيظ غوقة، يرى أن ما حدث في طرابلس لن تجدي معه معالجات ما أسماه بـ«الضحك على الذقون»، كتشكيل لجنة تحقيق، أو بيانات أو تجميد قرارات. وقال إن ما حدث «لا حل له إلاّ رحيل الحكومة الفاشلة؛ ومحاسبة رئيسها ومساءلته جنائياً؛ وسيكون من العار استمراره ولو ليوم واحد رئيساً للوزراء، بعد الذي حدث في طرابلس».

ويبقى أمام الدبيبة، الذي تسلم السلطة في فبراير 2021، كي يظل متماسكاً في مواجهة استنفار قوة «دعم الاستقرار»، واستدعائها قوات مساندة من خارج العاصمة، إلاّ تقديم تنازلات كي لا يحترق سياسياً، ويتعرى أمام خصومه بعد أن بات كرسي سلطته قلقاً ومُهدداً.

يبقى الرهان لإخماد النيران على تدخل الوساطات المحلية، قبيل تسعير آلة الحرب وسقوط مزيد من القتلى (إ.ب.أ)

كما يبقى الرهان - كالعادة - لإخماد النيران، وعدم تجددها، على تدخل الوساطات المحلية، قبيل تسعير آلة الحرب، وسقوط مزيد من القتلى مجدداً. وفي ذلك فرصة أمام الدبيبة وقواته لإعادة ترتيب الأوراق، والتقاط الأنفاس من خلال الدخول في تحالفات تمكّن من القضاء على كارة، أو إضعافه عن طريق تجفيف تمويله.


مقالات ذات صلة

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

شمال افريقيا جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس إن أزمة اللاعبين الخمسة المسجونين في إيطاليا تنتظر موافقة روما على طلبات نقلهم إلى ليبيا، لاستكمال مدة محكوميتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع صدام حفتر وخوري في القيادة العامة للجيش (القيادة العامة)

ترحيب أممي بـ«خطوة مشتركة» نحو توحيد الجيش الليبي

رحبت البعثة الأممية لدى ليبيا بالخطوات المشتركة المتخذة بين شرق البلاد وغربها «لإرساء القواعد اللازمة لتوحيد المؤسسة العسكرية، من بينها تشكيل الغرفة «3+3».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

قال المصرف المركزي الليبي إن عيسى استعرض مع مسؤولين أميركيين في واشنطن جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي خلال ترؤسه اجتماعاً عسكرياً موسعاً في طرابلس (مكتب المنفي)

انقسام مسلحي غرب ليبيا حيال «مبادرة بولس» لتوحيد الجيش والحكومة

بدت التشكيلات المسلحة الموالية لعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية والمعارضة له في حالة ما بين «الاستنفار والغضب» منذ مناورة «فلينتلوك 2026».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.