ليبيا: حصيلة قتلى اشتباكات طرابلس تتجاوز 56 شخصاً... ودعوات دولية للتهدئة

مصر تحذر من تفاقم الأوضاع... والبعثة الأممية تطالب بخفض التصعيد

قوات تعزز وجودها لفرض الأمن في شوارع طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)
قوات تعزز وجودها لفرض الأمن في شوارع طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا: حصيلة قتلى اشتباكات طرابلس تتجاوز 56 شخصاً... ودعوات دولية للتهدئة

قوات تعزز وجودها لفرض الأمن في شوارع طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)
قوات تعزز وجودها لفرض الأمن في شوارع طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)

عادت الاشتباكات المسلحة إلى العاصمة الليبية طرابلس، بعدما تصاعدت حدة القتال بين ميلشيات «اللواء 444 قتال»، التابعة لحكومة الوحدة «المؤقتة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، و«جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، إثر محاولات القوات الحكومية مد نطاق نفوذها على حساب «الجهاز»، الذي أصدر الدبيبة قراراً بحله، ما أدى إلى تعطيل حركة الطيران والدراسة، وتعليق العمل في مقرات حكومية، وهو ما دفع مصر ودولاً أخرى للتحذير من تفاقم الأوضاع في ليبيا، فيما دعت البعثة الأممية إلى «خفض التصعيد».

سيارة محترفة في طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)

وأفادت وسائل إعلام ليبية، اليوم الأربعاء، بأن إجمالي عدد قتلى الاشتباكات التي اندلعت في العاصمة طرابلس بلغ 58 قتيلاً منذ بدايتها، مشيرة إلى أن هناك ستة مدنيين بين القتلى. ونقل تلفزيون «المسار» الليبي عن مصادر طبية القول إن اشتباكات طرابلس أسفرت أيضاً عن إصابة 93 شخصاً، لافتاً إلى أن هذه الحصيلة أولية.

وطالب «جهاز الإسعاف والطوارئ» كافة أطراف النزاع إعلان هدنة إنسانية فورية، وفتح ممرات آمنة لإجلاء المواطنين العالقين في مناطق الاشتباكات، استجابة لنداءاتهم المتكررة، لافتاً إلى مواجهة فرقه الميدانية تحديات كبيرة في الوصول إلى المدنيين المتضررين.

من مخلفات الاشتباكات المسلحة في طرابلس (إ.ب.أ)

ورصدت وسائل إعلام محلية، الأربعاء، حدوث دمار واسع وتضرر ممتلكات المواطنين جراء «حرب الشوارع»، والمطاردات بين عناصر التشكيلات المسـلحة داخل أحياء طرابلس، واستمرار الاشتبـاكات في كافة مناطقها بعد فشل الهدنة التي أعلنت عنها قوات حكومة «الوحدة»، التي تحدثت وزارة دفاعها عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في محور الغيران - جنزور، بعد تنسيق مباشر مع الجهات المعنية، بما يضمن تثبيت التهدئة، والحفاظ على سلامة المدنيين، وقالت إنه «تم تكليف اللواء 52 بتأمين بوابة جنزور، وتعزيز الاستقرار في المنطقة، ومنع أي خروقات، أو تحركات غير منسقة إطار تنفيذ هذا الاتفاق».

مدخل بناية تعرض للقصف خلال الاشتباكات (أ. ف. ب)

وأكدت وزارة الدفاع استمرار متابعتها الميدانية لكل التطورات، وحرصها على دعم كل الجهود الرامية إلى إنهاء التوتر وبسط سلطة الدولة، وأعلنت إشرافها المباشر على التمركزات الحالية للقوى النظامية العازلة في محاور الاحتكاك داخل العاصمة، بهدف ضمان التهدئة وحماية المدنيين، وحذرت من أي تحركات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة استعدادها للتعامل الحازم مع أي خروقات.

كما أعلنت وزارة الدفاع، الأربعاء، بدء تنفيذ وقف إطلاق النار في جميع محاور التوتر داخل العاصمة طرابلس، مشيرة إلى مباشرة القوات النظامية، بالتنسيق مع الجهات الأمنية المختصة، باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان التهدئة، بما في ذلك نشر وحدات محايدة في عدد من نقاط التماس، لضمان استقرار الوضع ومنع أي احتكاك ميداني.

وزارة الدفاع أعلنت إشرافها المباشر على تمركزات القوى النظامية العازلة في محاور الاحتكاك داخل العاصمة (أ.ب)

وبعدما شددت على أن وحدة الصف، وتعزيز سلطة القانون، وتفكيك مظاهر التسلح العشوائي، ستظل أولوية ثابتة، وأنها لن تسمح بفرض أي واقع بقوة السلاح، أو خارج الأطر الرسمية، دعت الوزارة جميع الأطراف إلى الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، والابتعاد عن التصريحات التحريضية، أو أي تحركات ميدانية من شأنها إعادة التوتر.

ووفقاً لما أعلنته حكومة «الوحدة»، فقد وصلت قوة أمنية مشتركة من إدارة إنفاذ القانون الأمنية، ودوريات شرطة النجدة إلى مناطق التماس داخل العاصمة طرابلس لتنفيذ وقف إطلاق النار.

وكان «حراك أبناء سوق الجمعة» قد أعلن استرجاع أغلب المقرات، بعدما قرر الأهالي رفع السلاح ضد أي تشكيل مسـلح، يحاول الدخول لمناطقهم، وطالبت بلدية المنطقة مقاتليها المشاركين في صفوف «اللواء 444 قتال» بالانسحاب الفوري، ورفض أوامر المشاركة في القتال، رداً على قرار أصدره الدبيبة بحل جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ونقل كافة اختصاصاته وأصوله إلى وزارة الداخلية، مع استحداث إدارة جديدة، تحت مسمى «الإدارة العامة لمكافحة الجريمة المنظمة».

دخان يندلع من أماكن شهدت اشتباكات مسلحة خلفت عشرات القتلى والجرحى (أ.ب)

وهاجمت تشكيلات مسلحة، قدمت من مدينة الزاوية لدعم جهاز الردع، قوات الدبيبة غرب طرابلس، وحاصرت مقر «اللواء 444» بـمعسكر التكبالي، كما اندلعت معارك كر وفر بين اللواء والقوات المساندة له، وميليشيات جهاز الردع، التي استعادت أغلب مقراتها، وأعادت انتشارها في عدة مواقع بعد هجوم على سوق الجمعة، قوبل بدعم من مواطنين أغلقوا الطرقات لدعم قوة الردع.

وسيطرت عناصر الجهاز على مقر المخابرات الليبية، بينما انسحب «اللواء 444» من حي الأندلس، بعد اشتباكات بالأسلحة الثقيلة في جزيرة سوق الثلاثاء، وشارع عمر المختار.

من جانبه، أعلن جهاز الشرطة القضائية هروب عدد كبير من نزلاء سجن الجديدة، ومعظمهم من ذوي الأحكام الكبيرة والقضايا الجنائية الخطيرة، نتيجة لما وصفه بحالة الرعب والفزع جراء اشتباكات العنيفة بمحيط السجن، وحذر من أن استمرار هذه الاشتباكات العنيفة سيؤدي لعواقب وخيمة وكارثية، تهدد أمن واستقرار مدينة طرابلس وليبيا كافة.

كما علقت المؤسسة الوطنية للنفط وشركة الزويتينة للنفط العمل، الأربعاء، في كافة مواقعهما بطرابلس، حرصاً على سلامة موظفيها، وحذرتهم من الخروج إلا للضرورة، ودعتهم للالتزام بتعليمات السلطات الرسمية. فيما أعلن «مجلس طرابلس البلدي» تعليق الدراسة، ووقف العمل، نظراً لما وصفه بالظروف القاهرة. وانتقد تحول «وسط العاصمة إلى ساحة قتال، نتيجة غياب الحكمة في التعاطي مع الوضع، وعدم وضوح سياسة الحكومة في قضية السلاح».

وامتنعت حكومة الوحدة، والناطق الرسمي باسمها، عن الرد على معلومات تفيد بأن الهجوم على قوة الردع جاء بتعليمات من الدبيبة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، والتخلص من خصومه، مشيرة إلى رفض رئيس أركان القوات الموالية للحكومة، محمد الحداد، المشاركة في العمليات بسبب اعتراضه أيضاً على سياسة إقصاء الخصوم السياسيين باستخدام القوة والعنف.

ورداً على هذا التصعيد، دعت مصر كافة الأطراف الليبية إلى إعلاء المصالح الوطنية، وإنهاء حالة التصعيد القائمة، والاحتكام لصوت العقل حفاظاً على مقدرات الدولة الليبية.

وقالت في بيان لوزارة الخارجية، الأربعاء، إنها تتابع ببالغ القلق التطورات الجارية في ليبيا، والاشتباكات العسكرية القائمة في العاصمة طرابلس، وما قد تؤدي إليه من تصعيد مفتوح وتهدد مقدرات وأرواح الشعب الليبي.

كما أدانت بعثة الأمم المتحدة ما وصفته بـ«التصعيد المتسارع لأعمال العنف في طرابلس، وحشد القوات في مناطق أخرى من البلاد»، وحذرت من احتمال خروج الوضع عن السيطرة بسرعة. وكررت البعثة، التي أبدت قلقها إزاء التقارير التي تفيد بوقوع ضحايا من المدنيين، دعوتها إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في جميع المناطق، بما يتيح فتح ممرات آمنة لإجلاء المدنيين العالقين في مناطق النزاع الشديد.

وقالت البعثة الأممية إنها على تواصل مستمر مع الأطراف المعنية على الأرض والشركاء، سعياً لاحتواء الوضع، وتدعم جميع الجهود الجارية للوساطة وخفض التصعيد، وجددت استعدادها لتقديم مساعيها الحميدة لتيسير الحوار ووضع حد للقتال قبل أن يتفاقم الوضع أكثر.

من جانبها، عبرت وزارة الخارجية الإماراتية، اليوم الأربعاء، عن قلقها إزاء تطورات الأوضاع في العاصمة الليبية طرابلس، ودعت كافة الأطراف إلى خفض التصعيد ووقف الاقتتال، واللجوء إلى الحوار والطرق السلمية لحل الخلافات.

كما أعربت السفارة الفرنسية في ليبيا، اليوم الأربعاء، عن تأييدها بيان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في الدعوة إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في جميع مناطق طرابلس، وذلك بعد تصاعد العنف لليلة الثانية.


مقالات ذات صلة

خطة مسعد بولس لإعادة توحيد ليبيا... «رهان محفوف بالمخاطر»

شمال افريقيا مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)

خطة مسعد بولس لإعادة توحيد ليبيا... «رهان محفوف بالمخاطر»

يكثّف مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، جهوده للتقريب بين شرق ليبيا وغربها في محاولة تسوية بين رجال نافذين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تكالة في لقاء سابق مع مشايخ وأعيان قبائل الأشراف (المجلس الأعلى الليبي)

«صراع التيارات» يهيمن على انتخابات «الأعلى للدولة» الليبي

وسط انقسام داخلي، يعتزم المجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية طرابلس عقد انتخابات على رئاسته نهاية الشهر الحالي، في ظل منافسة وصراع بين تيارات متباينة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي ونائبه اللافي في اجتماع بالعاصمة طرابلس (مكتب المنفي)

زخم جديد لملف توحيد الجيش الليبي بدفع أميركي

بدفع أميركي، تعيش العاصمة الليبية طرابلس مزيداً من الزخم بشأن ملف توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، في ظل مواجهات يخوضها «الجيش الوطني في الجنوب ضد (متمردين)».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)

50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

أسفر انقلاب قارب يقل نحو 60 مهاجراً قبالة سواحل شرق ليبيا عن مقتل أو فقدان 50 شخصاً، بينما يواصل خفر السواحل عمليات البحث عن مفقودين.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في اجتماع مع القادة العسكريين والأمنيين في الجنوب الليبي أبريل الماضي (رئاسة الأركان)

«الوطني الليبي» يشن عملية عسكرية ضد متمردي الجنوب

شهد الجنوب الليبي تصعيداً ميدانياً جديداً، بعدما أطلق «الجيش الوطني» الليبي عملية عسكرية واسعة لتعقب مجموعات مسلحة متمردة يقودها محمد وردقو.

خالد محمود (القاهرة)

اتهامات إثيوبية لمصر بشأن «سد النهضة» تعمّق الأزمة

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)
TT

اتهامات إثيوبية لمصر بشأن «سد النهضة» تعمّق الأزمة

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وجهت إثيوبيااتهامات جديدة لمصر بشأن حديث القاهرة المستمر عن «أحادية الإجراءات» التي تتخذها أديس أبابا حول تشغيل «سد النهضة» وملئه، مع مخاوف مصرية من تضرر حصتها المائية المقدرة بنحو 55.5 مليار متر مكعب.

تلك الاتهامات الإثيوبية التي تأتي وسط مساعٍ أميركية لإحياء المفاوضات المجمدة بشأن «سد النهضة» بين القاهرة وأديس أبابا منذ 2024 يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ضمن «محاولات إثيوبية لتحسين صورتها دولياً وإشغال الداخل بوجود خطر خارجي». وتوقعوا أن «تزيد الأزمة بين البلدين دون أن تعطل ضغوط واشنطن لإحياء المفاوضات الفنية».

وكثفت «وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية من نشر انتقادات لمصر بشأن موقفها الرافض لاستمرار تشغيل «سد النهضة» المقام على نهر النيل، المسار الوجودي لحياة المصريين، دون تنسيق مسبق.

ونقلت الوكالة، الخميس، عن عضو مجلس النواب الإثيوبي محمد العروسي، قوله إن «الاتهامات المصرية المتكررة لإثيوبيا بالتصرف بشكل أحادي في بناء وتشغيل سد النهضة الكبير تتجاهل الحقائق التاريخية، والمبادئ الراسخة للقانون الدولي، والحقوق التنموية لدول المنابع في حوض النيل، وتعبر عن حنين مستمر إلى مرحلة كانت تقوم على الهيمنة الحصرية على نهر النيل».

كما نقلت الوكالة، الأربعاء، مقال رأي لمحام يدعى آل مريم، اعتبر فيه أن «مصر استخدمت مصطلح الأحادية إلى جانب أوصاف أخرى لتشويه صورة إثيوبيا، ليس فقط في وسائل الإعلام العالمية، بل وأمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مناسبات عديدة»، مؤكداً أن «تكرار هذه الرواية لا يعكس واقعاً قانونياً».

وحاولت «الشرق الأوسط»، الخميس، الحصول على إفادة رسمية من السلطات المصرية بشأن الاتهامات الإثيوبية، ولم يتسن لها ذلك.

وكانت القاهرة قد أعلنت توقف مسار التفاوض مع أديس أبابا بشأن «السد» عام 2024 بعد جولات استمرت لسنوات، وأرجعت ذلك إلى «غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات سابقة لوزارة الموارد المائية والري.

الرئيس السيسي يلتقي نظيره الأميركي على هامش «قمة السبع» الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

وعقب افتتاح الحكومة الإثيوبية مشروع «السد» في سبتمبر (أيلول) الماضي، نددت القاهرة بتلك الخطوة، وأرسلت خطاباً إلى مجلس الأمن الدولي أكدت فيه أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل».

نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، يرى أن «إثيوبيا تقوم بتصرفات أحادية وفرض الأمر الواقع منذ عمليات التشييد والملء والتشغيل بشكل مخالف للقانون الدولي الذي يؤكد أن السيادة على نهر النيل الأزرق سيادة مشتركة للدول الثلاث مصر والسودان (المصب) وإثيوبيا (المنبع) وليست سيادة أحادية».

وشدد على أنه «لا بد من تعاون وثيق وإدارة مشتركة، وتصرفات مشتركة، وليست أحادية».

خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، يشير إلى أن «الاتهامات الإثيوبية ليست الأولى من نوعها في إطار الحملات السياسية الدعائية التي تنتهجها الحكومة الإثيوبية لتحقيق مجموعة من الأهداف».

ومن أبرز هذه الأهداف بحسب البحيري «محاولة لتبرير ما تتبناه وما تقوم به من سياسات وإجراءات أحادية الجانب بخلاف أن استخدام هذه التصريحات للاستهلاك المحلي داخل إثيوبيا ومحاولة إظهار وجود خطر خارجي للفت الأنظار عن الأزمات الداخلية، ولا سيما على صعيد العنف الإثني والعرقي المستمر في أقاليم التيغراي شمالاً وأمهرا».

وتأتي الاتهامات الإثيوبية للقاهرة بعد نحو شهر من حديث رئاسي مصري - أميركي بشأن السد الإثيوبي.

وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي مجدداً خلال لقائه نظيره الأميركي دونالد ترمب في يونيو (حزيران) الماضي على «الأهمية القصوى لقضية نهر النيل باعتبارها قضية أمن قومي لمصر». ووقتها أشار ترمب إلى «تفهمه كل الشواغل المصرية في هذا الصدد»، وشدد على أنه «سوف يولي هذا الملف الأولوية القصوى لتسويته بشكل عادل»، بحسب بيان للرئاسة المصرية حينها.

القاهرة أعلنت توقف مسار التفاوض مع أديس أبابا بشأن «سد النهضة» في 2024 (الشرق الأوسط)

وشهدت الآونة الأخيرة حراكاً أميركياً بعد نحو عامين من توقف مفاوضات مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»... ففي مايو (أيار) الماضي تطرق اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس لنزاع السد الإثيوبي والأمن المائي المصري.

وخلال الشهر نفسه قال بولس عبر حسابه على منصة «إكس» إنه تم عقد «اجتماعات مثمرة وشاملة» مع وفد إثيوبي بقيادة وزير الخارجية جدعون تيموثيوس، حول نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي الكبير.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية؛ وذلك بعد ثلاثة أحاديث حول الأمر ذاته في يونيو ويوليو (تموز) 2025 أكد فيها أن «واشنطن موَّلت السد، ويجب أن يكون هناك حلٌّ سريع لتلك الأزمة».

ويرجع حلمية الحملة الإثيوبية ضد مصر إلى «مواجهة التحركات الأميركية لإحياء للمفاوضات»، ويؤكد أنها «تزيد التوتر وتعمق الأزمة بين البلدين».

فيما يعتقد البحيري أن «هذه الاتهامات تؤدي إلى التصعيد بين مصر وإثيوبيا والمزيد من التوتر السياسي، وليس حل هذه الأزمات أو حل الخلافات القائمة».


منظمات حقوقية تدعو لتعليق الدعم المقدّم لتونس في مجال الهجرة

مهاجرون خلال وقفة احتجاجية سابقة وسط تونس العاصمة للمطالبة بترحليهم بدعوى تعرضهم للعنصرية والاعتداءات في تونس (أ.ف.ب)
مهاجرون خلال وقفة احتجاجية سابقة وسط تونس العاصمة للمطالبة بترحليهم بدعوى تعرضهم للعنصرية والاعتداءات في تونس (أ.ف.ب)
TT

منظمات حقوقية تدعو لتعليق الدعم المقدّم لتونس في مجال الهجرة

مهاجرون خلال وقفة احتجاجية سابقة وسط تونس العاصمة للمطالبة بترحليهم بدعوى تعرضهم للعنصرية والاعتداءات في تونس (أ.ف.ب)
مهاجرون خلال وقفة احتجاجية سابقة وسط تونس العاصمة للمطالبة بترحليهم بدعوى تعرضهم للعنصرية والاعتداءات في تونس (أ.ف.ب)

حضّت عشرات منظمات حقوق الإنسان، اليوم الخميس، الاتحاد الأوروبي على تعليق الدعم المقدّم لتونس في مجال الهجرة، بموجب اتفاق أُبرم قبل ثلاث سنوات، قالوا إنه يؤدي إلى انتهاكات حقوقية.

ووقّعت بروكسل الاتفاق في عام 2023 لتقديم تمويل لتونس يهدف إلى المساعدة في الحد من عمليات عبور القوارب الصغيرة إلى أوروبا.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد أفادت 46 منظمة حقوقية؛ بينها منظمة العفو الدولية، و«هيومن رايتس ووتش»، بأن «الاتفاق لم يفشل في ضمان احترام حقوق اللاجئين والمهاجرين فحسب، بل غذّى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وحوّلها إلى أمر طبيعي».

وأضاف البيان موضحاً: «ندعو المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى تعليق الدعم المقدّم من أجل ضبط الحدود والهجرة لتونس، خصوصاً قوات الأمن التونسية المسؤولة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان».

وقالت المنظمات إن غياب الضمانات في الاتفاق أدى إلى «عمليات اعتراض متهورة وعنيفة في البحر»، و«عمليات طرد فورية».

ويُعد الاتفاق مع تونس واحداً من اتفاقات عدة وقّعها الاتحاد الأوروبي مع حكومات في شمال أفريقيا، بما فيها ليبيا ومصر، الساعية للحد من الهجرة غير النظامية في القارّة.


خطة مسعد بولس لإعادة توحيد ليبيا... «رهان محفوف بالمخاطر»

مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)
مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)
TT

خطة مسعد بولس لإعادة توحيد ليبيا... «رهان محفوف بالمخاطر»

مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)
مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)

يكثّف مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، جهوده للتقريب بين شرق ليبيا وغربها المحكومين من سلطات متوازية، في محاولة تسوية بين رجال نافذين، على حساب عملية انتخابية ينتظرها الليبيون بـ«شغف»، وفق محللين.

وتشهد ليبيا انقساماً وفوضى منذ عام 2011، تاريخ إسقاط حكم العقيد معمّر القذافي في انتفاضة شعبية مدعومة من حلف شمال الأطلسي، ثم قتله بعد ذلك.

وبدأ بولس منذ سنة سلسلة من الاجتماعات مع قادة ليبيين سياسيين وعسكريين واقتصاديين، في ليبيا وفي الخارج.

وقد التقى، الأسبوع الماضي، رئيس وزراء الحكومة المعترف بها دولياً عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وقائد القوات الليبية في الشرق، المشير خليفة حفتر في بنغازي، حيث توجد حكومة موازية مدعومة من حفتر.

وصرّح بولس مؤخراً أن هدف الخطة هو «إنهاء الانقسام»، وبينما يلتزم الصمت حيال التفاصيل، يعلن رغبته في تسهيل «التواصل بين الجانبين»، مؤكداً أن الخطة «ليبية - ليبية».

تنص الخطة المقترحة على أن يحتفظ رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة بمنصبه (الوحدة)

ووفقاً لسيناريو يتم تداوله في وسائل الإعلام والأوساط الدبلوماسية، تنص الخطة على أن يحتفظ رئيس الوزراء الدبيبة بمنصبه، بينما يتولّى صدام حفتر، نجل المشير حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي. ورفض بولس التعليق على هذه التقارير، مشيراً إلى أن «هذه التفاصيل شأن يخصّ الليبيين أنفسهم». كما لم يردّ على استفسارات «وكالة الصحافة الفرنسية» حول الموضوع.

السيناريو المقترح يقضي بأن يتولّى صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي بدل محمد المنفي (أ.ف.ب)

النفط والاستقرار

في يونيو (حزيران) الماضي، رحّبت قوات خليفة حفتر بـ«خطة بولس»، واصفة إياها بالمبادرة «الواقعية»، في رفض ضمني لإعلان خريطة طريق في اليوم نفسه من جانب ثلاث مؤسسات، هي مجلسا النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، تحدّد موعداً للانتخابات البرلمانية والرئاسية بحلول 17 فبراير (شباط) 2027.

رفض مجلس النواب و«الأعلى للدولة» و«الرئاسي» تحديد موعد للانتخابات البرلمانية والرئاسية بحلول 17 فبراير المقبل (مفوضية الانتخابات)

ويؤكد بولس أن مبادرته «مكمّلة تماماً» لجهود الأمم المتحدة. لكن محللين ومتابعين يتساءلون ما إذا كان التوصل إلى تسوية بين الشخصيات المهيمنة على المشهد السياسي سيؤدي إلى «تأجيل الانتخابات»، التي دعت إليها الأمم المتحدة مرة أخرى، عقب فشل إجرائها في نهاية عام 2021؛ لأسباب سياسية وأمنية.

ويكرّر بولس أن هدف المبادرة «حلّ قصير لا يتعدّى العامين إلى ثلاث سنوات» كمرحلة انتقالية، بهدف «إنهاء الانقسام السياسي»، و«توحيد المؤسسات» في ليبيا.

ولم ترد السلطات في غرب ليبيا، ولا بعثة الأمم المتحدة التي نظّمت حواراً مكثفاً على مدى أشهر بين الشرق والغرب، على اتصالات «وكالة الصحافة الفرنسية» للتعليق على مبادرة بولس.

وترى الولايات المتحدة في استقرار البلاد فرصة اقتصادية. وفي هذا السياق صرّح مسعد بولس لصحيفة «فايننشال تايمز» بأن واشنطن تشجّع الشركات الأميركية الكبرى على الاستثمار في ليبيا، مبرزاً أنه يمكن مضاعفة إنتاج البلاد من النفط ليصل إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد. وسيمكّن ذلك ليبيا من الانضمام إلى «مصاف الدول الكبرى المنتجة للنفط في العالم».

في غضون ذلك، أفاد مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الولايات المتحدة تعمل في ليبيا «بحذر وتدريجياً، ما أسفر عن تقدّم ملحوظ» منذ صيف عام 2025. ففي أبريل (نيسان) الماضي، أقرّت أول ميزانية «إنفاق موحّدة» في ليبيا منذ 13 عاماً. كما استضافت مدينة سرت مناورات «فلينتلوك 2026»، التي نظمتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، وجمعت وحدات عسكرية من الشرق والغرب.

وفي نهاية يونيو الماضي، استضافت العاصمة واشنطن صدام حفتر الذي التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بينما التقى وكيل وزارة الدفاع بحكومة الدبيبة، عبد السلام الزوبي، نائب قائد القيادة الأميركي لأفريقيا.

«رهان ينطوي على مخاطر»

يرى أستاذ العلاقات الدولية، خالد المنتصر، أن الخطة الأميركية تستند إلى من يمسكون بزمام السلطة فعلياً. ويوضح ذلك بقوله: «تعرف واشنطن أن نجاح الحلّ في ليبيا يتحكّم بزمامه اللاعبون المسيطرون على الأرض»، مشيراً إلى وجود «فرصة نجاح كبيرة، مع هامش مخاطرة». لكن المحلل السياسي فرج الدالي يبدو مشكّكاً؛ إذ يرى أن خطة بولس ستواجه «عقبات ومشاكل كبيرة، كونها تعتمد على تعويم شخصيات مثيرة للجدل، ولا تحظى بالتأييد الواسع من غالبية الأطراف المتصارعة»، ويؤكد أنها «ستصطدم بخليط غير متجانس من اللاعبين المؤثرين تحديداً في غرب ليبيا، الذين لديهم تحفظات على شخصية نجل حفتر».

من الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن التي خصصت لمناقشة تطورات الأزمة السياسية الليبية (المجلس)

وأقرّ بولس بأن الوضع «معقّد أكثر في غرب ليبيا»، لكنه رحّب بكل «الشخصيات والمجموعات»، داعياً إياها إلى أن تكون جزءاً من «أي تفاهم».

من جهته، رأى كريم مزران، من مركز أبحاث المجلس الأطلسي للشؤون الدولية، أن الخطة الأميركية ليست «وصفة للاستقرار»، بل هي «انفجار مؤجل».

وقال في مقال نشره المركز: «عبر دعم اتفاق بين نخب لا تحظى بأي دعم شعبي (...) تخوض واشنطن رهاناً ينطوي على مخاطر»، مضيفاً أنه حتى لو صمدت التسوية لبعض الوقت، فإن «التناقضات الهيكلية الكثيرة لن تتأخر في الظهور، وقد تؤدي إلى انهيارها تحت تأثير العنف».