نواب فرنسيون في الجزائر لفتح نافذة حوار بين البلدين

يشاركون بإحياء ذكرى «مجازر 8 مايو 1945»

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في 6 أبريل 2025 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في 6 أبريل 2025 (الرئاسة الجزائرية)
TT

نواب فرنسيون في الجزائر لفتح نافذة حوار بين البلدين

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في 6 أبريل 2025 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في 6 أبريل 2025 (الرئاسة الجزائرية)

لا يعوِّل المتشائمون إزاء العلاقات الجزائرية - الفرنسية على أن تُفضي زيارةُ برلمانيين فرنسيين الجزائر حالياً إلى بوادر إنهاء القطيعة الدبلوماسية بين البلدين، بالنظر إلى حدة التوتر التي تطبع علاقاتهما. لكن في المقابل، لا يستبعد بعض المراقبين أن تكون هذه الزيارة مدخلاً لاستئناف الحوار بين العاصمتين، خصوصاً أن الجزائر وافقت على منح تأشيرات دخول للنواب.

ووصل إلى الجزائر مساء الأربعاء 30 عضواً من «الجمعية الوطنية» ومجلس الشيوخ الفرنسيَّين؛ لحضور ذكرى مرور 80 سنة على «مجازر 8 مايو (أيار) 1945» في الشرق الجزائري، حيث قتل البوليس الاستعماري الفرنسي آلاف الجزائريين، عندما خرجوا في مظاهرات للمطالبة بالاستقلال؛ نظير انخراط عدد كبير من أبنائهم في جيش فرنسا ضد النازية في الحرب العالمية الثانية.

البرلمان الفرنسي (أرشيفية لجلسة عامة بالجمعية الوطنية)

ما يلفت الانتباه في تشكيلة الوفد هو غيابُ نواب اليمين واليمين التقليدي الفرنسي؛ إذ يضم أعضاء من اليسار والوسط فقط، وهم معروفون منذ اندلاع التوترات بين البلدين في الصيف الماضي، بمواقفهم المعتدلة وخطابهم الداعي إلى التهدئة.

وقال برلماني جزائري، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن سلطات بلاده «ما كانت لتوافق على دخول أي نائب يميني متطرف لو طلب التأشيرة... فهذا أمر محسوم بالنسبة إلينا؛ لأن رموز اليمين الفرنسي عموماً، والمتطرف منه على وجه الخصوص، صبّوا مزيداً من الزيت على نار الأزمة».

واللافت أيضاً أن كثيراً من أعضاء الوفد البرلماني يتحدرون من أصول جزائرية، وينتمون، في أغلبهم، إلى عائلات مهاجرين في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. وأكد البرلماني الجزائري نفسه أن غرفتَي برلمان بلاده «لا علاقة لهما بتنظيم هذه الزيارة... ويبدو أنه جرى ترتيبها على مستوى عالٍ»، في تلميح إلى رئاسة الجمهورية.

البرلماني الاشتراكي لوران لارديت ضمن الوفد الذي يزور الجزائر (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وبدأت الخلافات بين البلدين في نهاية يوليو (تموز) الماضي، عندما عبّرت الجزائر عن سخط شديد من بلاغ تلقته من قصر «الإليزيه» يفيد بأن فرنسا قررت «الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية». ثارت ثائرة الجزائريين، فسحبوا سفيرهم من باريس ولم يعد إلى اليوم. كما دفعتهم الخطوة الفرنسية إلى إلغاء زيارة كانت مقررة من الرئيس عبد المجيد تبون إلى باريس في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ومع مرور الوقت، تصاعد الخلاف ليُفجّر معه مشكلات قديمة متصلة بالهجرة النظامية وغير النظامية، وبالعنصرية الموجّهة ضد المهاجرين الجزائريين في فرنسا، إضافة إلى «قضية الذاكرة» ومطالب الجزائر باعتراف فرنسي صريح بأن الاحتلال، الذي استمر قرناً و32 سنة (1830 - 1962)، كان «جريمة ضد الإنسانية».

وقد بلغت التوترات ذروتها الشهر الماضي بعد سجن 3 موظفين قنصليين جزائريين في فرنسا، بتهمة اختطاف واحتجاز الـ«يوتيوبر» المعارض المعروف أمير بوخرص. وردّت الجزائر بطرد 12 دبلوماسياً فرنسياً، لتُقابلها باريس بالمثل، بل واستدعت أيضاً سفيرها من الجزائر. وهكذا باتت العلاقات الثنائية مجمّدة فعلياً، في ظل غياب سفيري البلدين عن العاصمتين.

الـ«يوتيوبر» المعارض أمير بوخرص (متداولة)

وبخصوص زيارة البرلمانيين الفرنسيين واحتمال أن تفتح عهداً جديداً في علاقات البلدين، قال الصحافي الجزائري المستقل علي بوخلاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب التوضيح أن الزيارة كانت مبرمجة منذ مدة، وقد وافقت السلطات الجزائرية على منح التأشيرة للوفد الفرنسي للتأكيد على أنها تملك نية حسنة لإنهاء التوترات، خصوصاً أن الوفد يضم أعضاء من مجلس الشيوخ الفرنسي».

وأضاف: «من المعروف أن هناك قطيعة كاملة بين مجلس الشيوخ الفرنسي ونظيره الجزائري، أي مجلس الأمة، وهي قطيعة جاءت في سياق التوترات الدبلوماسية بين البلدين. وفي تقديري، فإن وجود أعضاء من مجلس الشيوخ ضمن الوفد يمثل مؤشراً على أن الجزائر مستعدة لإنهاء الأزمة».

وتابع بوخلاف، الذي يُعدّ من أبرز متابعي الخلافات بين البلدين: «أظن أن هذه الخطوة، أي قبول استقبال وفد من السياسيين الفرنسيين، تمثل رسالة من الجزائر بأنها لا تمانع في المصالحة مع باريس. وفي رأيي، تسعى السلطات الجزائرية إلى إيصال رسالة مفادها بأنها لا تعارض كامل الطيف السياسي الفرنسي، وإنما ترفض التعامل مع جزء معين منه فقط، وتحديداً اليمين المتطرف. والدليل على ذلك أن الوفد البرلماني الزائر لا يضم نواباً من الأحزاب اليمينية».

البرلمانية صابرينا صبايحي ضمن الوفد الفرنسي الذي يزور الجزائر (حسابها بالإعلام الاجتماعي)

وواصل الصحافي: «مع ذلك، لا أظن أن ما تسمى (الدبلوماسية البرلمانية) يمكنها أن تُحدث تغييراً فعلياً، أو أن يزعم النواب أنهم قادرون على أن يكونوا بديلاً للدبلوماسية التقليدية. فالعلاقات الثنائية تعوقها حالياً قضية الموظفين القنصليين الجزائريين الذين سجنهم القضاء الفرنسي... وطلبت الجزائر من باريس إطلاق سراحهم، إلا إن فرنسا أكدت أنها ترفض التدخل في عمل القضاء أو تلقي أي إملاءات في هذا الشأن».

وأبرز أنه «من الجانب الفرنسي، أصبحت قضية بوعلام صنصال هي الملف الأساسي والشرط الرئيسي لتطبيع العلاقات؛ إذ تطالب باريس بإطلاق سراحه، وهو ما ترفضه الجزائر».

ومن المعروف أن توقيف الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال، في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، والحكم عليه بالسجن 5 سنوات بتهمة «المس بالوحدة الترابية للبلاد»، فاقم الأزمة بين البلدين بشكل كبير.

من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي (متداولة)

وختم بوخلاف تصريحه بالقول: «الزيارة يمكن وصفها بـ(عربون نية حسنة)، إن جاز التعبير، لدفع العلاقات نحو إعادة ترميمها، والعودة على الأقل إلى الوضع الذي كانت عليه خلال زيارة وزير الخارجية جان نويل بارو إلى الجزائر في 6 أبريل (نيسان) الماضي».

وكان وزير الخارجية الفرنسي قد أعلن، خلال تلك الزيارة، عن طيّ صفحة الخلافات، غير أن قضية اعتقال الموظفين القنصليين أعادت الأزمة إلى نقطة الصفر.


مقالات ذات صلة

العالم العربي الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

اختتم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا والتي وصفها بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

تصاعد الخلافات القضائية والسياسية بين الجزائر وفرنسا رغم القنوات المفتوحة

هاجمت وكالة الأنباء الجزائرية ممثل النيابة الفرنسية، مؤكدة وفق «مصدر مأذون من وزارة الخارجية الجزائرية» أن اتهاماته «اعتداء عبثي على الجزائر».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزيرا خارجية الجزائر وسويسرا (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وسويسرا لتسريع إجراءات استرداد الأصول الناتجة عن جرائم الفساد

صعّدت الجزائر من ضغوطها على عواصم غربية لتسليمها شخصيات نافذة صدرت بحقها أحكام في قضايا غسل أموال وتهريبها إلى ملاذات ضريبية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركَّبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

الجزائر: تعديل قانون الجنسية قد يؤدي لسحبها من الكاتب صنصال

استعاد صنصال حريته في 12 نوفمبر بموجب عفو رئاسي من الرئيس عبد المجيد تبون وأعلنت الرئاسة الجزائرية أنها استجابت لطلب بذلك، من الرئيس الألماني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.