المجتمع المدني في الجزائر يندد بـ«حملات تشويه» من باريس

قبل أيام من زيارة وزير الخارجية الفرنسي لخفض التوترات

الرئيس الجزائري خلال استقباله مستشارة الرئيس الفرنسي لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط يوم 11 سبتمبر 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقباله مستشارة الرئيس الفرنسي لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط يوم 11 سبتمبر 2024 (الرئاسة الجزائرية)
TT

المجتمع المدني في الجزائر يندد بـ«حملات تشويه» من باريس

الرئيس الجزائري خلال استقباله مستشارة الرئيس الفرنسي لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط يوم 11 سبتمبر 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقباله مستشارة الرئيس الفرنسي لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط يوم 11 سبتمبر 2024 (الرئاسة الجزائرية)

بينما ينتظر متابعون لتوتر العلاقات بين الجزائر وباريس الزيارة التي يعتزم إجراءها وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، إلى الجزائر قبل منتصف أبريل (نيسان) 2025 لخفض التوترات، ندد عدد كبير من منظمات المجتمع المدني في الجزائر بـ«حملات التشويه في الإعلام وخطاب الكراهية الصادر عن المتطرفين في فرنسا ضد الجزائر».

واجتمع ناشطون من 26 جمعية في بسكرة (450 كيلومتراً جنوب العاصمة)، السبت، في إطار التفاعل مع تطورات الأزمة الدبلوماسية مع فرنسا، وأصدروا بياناً مشتركاً أكدوا فيه استنكارهم «تصاعد عداء اليمين الفرنسي المتطرف بحق الجزائر وجاليتها في فرنسا، التي باتت هدفاً من خلال التضييق على أعضائها»، في إشارة إلى خطة وضعها وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، بشأن ترحيل مهاجرين مقيمين بطريقة غير قانونية، بحجة «نشر العنف»، ورفضت الجزائر استقبالهم. وعرفت القضية بـ«إبعاد مؤثرين جزائريين من التراب الفرنسيين لاتهامهم بالترويج للعنف والكراهية».

وينتمي ناشطو المجتمع المدني إلى ولايات بسكرة وباتنة وأولاد جلال والمغير. وجاء في بيانهم أن «خصومة اليمين الفرنسي المتطرف للجزائر لم تكن يوماً مجرّد تصريحات فردية أو مواقف معزولة، بل هي سياسة مدروسة تهدف إلى تشويه صورة الجزائر لدى الرأي العام الفرنسي وإضعاف علاقاتها بالدولة الفرنسية، والتضييق على كل من له جذور جزائرية في فرنسا».

«تنكّر لحقائق تاريخية»

ويظهر ذلك، وفق أصحاب البيان، في «تصريحات تنكر حقائق تاريخية؛ الهدف منها طمس ذاكرة الاستعمار، وتمجيد الاحتلال، ورفض الاعتراف بجرائمه، والافتخار بالماضي الاستعماري».

ويحيل الناشطون إلى تصريحات لرئيسة نواب «التجمع الوطني» اليميني المتشدد في البرلمان، مارين لوبن، التي رفضت القول إن استعمار الجزائر (1830 - 1962) «لم يخلف إلا الأشياء السلبية»، وزعمت أن «قول ذلك مجانب للحقيقة، فقد تركت فرنسا للجزائريين بنى تحتية، مثل الطرقات والمستشفيات». كما يشيرون إلى رئيس «حزب الاسترداد» اليميني، إيريك زمور، الذي شكر فرنسا؛ «لأنها استعمرت الجزائر لمّا كان آبائي وأجدادي من سكانها». ويتحدر زمور من عائلة يهودية عاشت في بلدة شرق الجزائر وغادرتها قبيل اندلاع ثورة التحرير عام 1954. وعرف زمور بمنافسته الشديدة لـ«التجمع الوطني» في قيادة حملات استهداف المهاجرين الجزائريين في فرنسا والتحريض على إلغاء «اتفاقية عام 1968» التي تنظم مسائل الهجرة والتجارة والدراسة و«لمّ الشمل العائلي» بالنسبة إلى الجزائريين في فرنسا.

وأكد ناشطو المجتمع المدني، بهذا الخصوص، رفضهم «تشديد القيود على إجراءات تجديد الإقامة للجزائريين، والتضييق على حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، والتعامل مع مزدوجي الجنسية كمواطنين من درجة دنيا». كما نددوا بـ«حملات الترحيل القسري غير القانونية التي تُستخدم فيها أساليب غير إنسانية، في انتهاك صارخ للاتفاقيات بين البلدين». وسبق للسلطات الجزائرية أن اتهمت فرنسا بعدم احترام بنود اتفاقية تعود إلى عام 1993، تشترط تراخيص من قنصلياتها في فرنسا قبل إبعاد أي مهاجر جزائري غير نظامي. ومنذ أسبوعين، سلّمت الحكومة الفرنسية الجزائر قائمة تضم 60 جزائرياً يقيمون بطريقة سرية في 3 مناطق بالجنوب الفرنسي، وقد رفضتها وقطعت علاقاتها القنصلية بسلطات هذه المحافظات؛ مما زاد من تفاقم التوترات.

وحمل ناشطو الجمعيات الجزائرية على «خطط منظمة في الإعلام الموالي لليمين المتطرف ضد الجزائر»، وعلى ربط الجزائريين في فرنسا «زوراً بكل أشكال الجريمة والإرهاب؛ لتأليب الرأي العام الفرنسي عليهم».

ومعروف أن انحياز فرنسا إلى المغرب في نزاع الصحراء الغربية هو سبب التوتر الذي شهدته العلاقات مع الجزائر منذ الصيف الماضي. ومع الوقت، تصاعدت حدته بإثارة مشكلات بين البلدين مرتبطة بالهجرة وسجن الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال.

وزير الداخلية الفرنسي (حسابه الشخصي)

«لست ماكرونياً»

وتبدي الجزائر، في تعاطيها مع هذه الأزمة، حرصاً على التفريق بين الرئيس إيمانويل ماكرون، ورموز اليمين في الحكومة الذين يمثلهم، وفق ما تقول، ريتايو. فبينما يميل ماكرون إلى التهدئة، يلجأ وزير داخليته إلى التصعيد. وسئل ريتايو في مقابلة صحافية عن «الاختلاف» مع الرئيس بشأن تسيير التوترات مع الجزائر، فقال: «لكل منا طريقته، وفيما يخصني، لم ألتحق بالحكومة لأصبح ماكرونياً»، مشدداً على أنه يعتزم «الرد تدريجياً على الجزائر بسبب رفض استعادة رعاياها الذين يشكلون خطراً على أمن الفرنسيين». وفي وقت سابق، صرح بأنه سيستقيل إن عرقل ماكرون منهجيته في التعامل مع الجزائر.

وزير خارجية فرنسا مع عميد «مسجد باريس» خلال إفطار رمضاني (مسجد باريس)

ومع ظهور تطورات إيجابية من الجانبين لحل الأزمة، يرتقب أن يزور وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، الجزائر في 11 أبريل (نيسان) 2025، حيث سيلتقي نظيره أحمد عطاف، كما سيستقبله الرئيس عبد المجيد تبون، وفق ما أفادت به صحيفة «لوبينيون» الفرنسية.

وبحث الجانبان مشروع هذه الزيارة خلال لقاءات أجرتها آن كلير لوجندر، مستشارة الرئيس الفرنسي المكلفة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، مع مسؤولين جزائريين في زيارة قصيرة قادتها إلى الجزائر الأسبوع الماضي، حيث بُحثت كل الخلافات، خصوصاً الاتفاقات التي تنظم الهجرة وترحيل المطلوبين من طرف القضاء، وأيضاً «أزمة الكاتب المسجون بوعلام صنصال»، وفق مصادر جزائرية موثوقة أوضحت أن «هناك اتفاقاً مبدئياً على خفض التوترات تدريجياً تمهيداً لعودة العلاقات إلى ما كانت عليه».


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا ملصق نشرته وزارة الدفاع الجزائرية في ذكرى «الحراك» السابعة

«الحراك الجزائري» بعد 7 سنوات: بين مطالب الحرية واستمرار السيطرة السياسية

في الذكرى السابعة لانطلاق «الحراك الشعبي»في الجزائر، تباينت آراء المعارضة والموالاة حول مدى تحقق مطالبه.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الداخلية الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي يوم الاثنين (وزارة الداخلية الجزائرية)

زيارة وزير داخلية فرنسا إلى الجزائر... «جس نبض» لاستئناف الحوار

قَدِم وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز إلى الجزائر يوم الاثنين، في زيارة من المتوقع أن تتناول إعادة إطلاق الحوار حول ملفات حساسة بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً رئيس النيجر عبد الرحمن تياني يوم الأحد (الرئاسة الجزائرية)

زيارة رئيس النيجر للجزائر... تتويج لمسعى طي صفحة توتر إقليمي

بدأ رئيس النيجر عبد الرحمن تياني، الأحد، زيارة رسمية إلى الجزائر تدوم يومين، في خطوة تعكس حراكاً دبلوماسياً لافتاً في منطقة الساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)

الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

تباينت ردود الفعل إزاء «تدابير تهدئة» أصدرتها الرئاسة الجزائرية لصالح معارضين في الخارج، بين ترحيب وتوجس.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)
TT

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)

أصدر قاضٍ بالقطب القضائي المالي في تونس، الثلاثاء، حكماً يقضي بسجن المحامي والرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب، لاتهامه بارتكاب مخالفات إدارية، وفق ما ذكره محامون ووسائل إعلام محلية لوكالة الصحافة الألمانية.

وشوقي الطبيب هو عميد سابق للمحامين بتونس، وكان قد شغل منصب رئيس هيئة مكافحة الفساد في 2016 حتى تاريخ تجميد أعمالها، بعد إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية في البلاد في 25 من يوليوز (تموز)2021.

ويحقق القضاء معه في جرائم ترتبط بالإدارة والتزوير في أثناء توليه منصبه في الهيئة، كما يلاحَق أيضاً في قضية أخرى منفصلة لاتهامات بفساد مالي.

كان الطبيب قد خضع للإقامة الجبرية لمدة 40 يوماً بين شهري سبتمبر (أيلول) وأغسطس (آب) 2021. في المقابل، تقول هيئة الدفاع عنه إنه يواجه «قضايا كيدية وسياسية» بسبب انتقاداته حكم الرئيس قيس سعيد. كما أعلنت في وقت سابق أنّه تمت مجدداً إحالة الطبيب إلى التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي من أجل تهم «التدليس من موظف عمومي، ومسك واستعمال مدلس، وإذاعة مضمون مكتوب للغير من دون رخصة من صاحبه».

وأضافت الهيئة، في بيان لها، أنه «بالاطلاع على الملف، اتضح أنّه يتعلق بشكاية كيدية تقدم بها سنة 2020 وكيل شركات مساهم فيها رئيس حكومة أسبق، تعهد العميد الطبيب خلال اضطلاعه بمسؤولية رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالتقصي في شبهات تضارب مصالح، واستغلال نفوذ تعلقت به»، معقبةً بأنّ هذا الملف هو الثالث الذي تتم فيه إحالة شوقي الطبيب إلى القضاء خلال المدة الأخيرة.

كما ذكرت هيئة الدفاع أنه «تم منع السفر على شوقي الطبيب من طرف قاضي التحقيق في ملف مشابه منذ 8 يناير (كانون الثاني) 2024، لكن لم يتم إلى اليوم سماعه وتلقي دفاعه»، مشيرةً إلى أنه «في المقابل صدر قرار آخر بالتحقيق في مكاسبه، فضلاً عن إخضاعه خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2021 للإقامة الجبرية، مما ألحق ضرراً كبيراً بمصالحه المهنية، نتيجة الوصم الذي نتج عن ذلك»، حسبما جاء في نص البيان.


«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
TT

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية، تتهمه فيها بممارسة العنف، وإطلاق النار، وأعمال قرصنة في البحر، داعية إلى إنهاء التعاون الأوروبي معه، بحسب أوردته تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية». وتستند دعاوى المنظمة إلى حادثة اعتراض عنيفة تعرضت لها سفينة الإنقاذ التابعة لها «سي ووتش5»، في 26 من سبتمبر (أيلول) الماضي، أثناء عملية إنقاذ لـ66 شخصاً بسبب مناورات خطيرة، وإطلاق نار من قبل زورق ليبي، رغم أن العملية جرت في المياه الدولية، وبموجب القانون الدولي، وفق ما أشارت إليه. وتابعت المنظمة موضحة أن الزورق المهاجم لم ينسحب إلا بعد وصول طائرة تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، وأشارت في بيان نشرته على موقعها الرسمي إلى حادثة أخرى، وقعت يوم 24 أغسطس (آب) الماضي أيضاً 2025، كاشفة عن أن خفر السواحل الليبي أطلق النار على سفينة الإنقاذ «أوشن فايكنج»، التابعة لمنظمة «إس أو إس ميديتيراني» غير الحكومية لمدة 20 دقيقة. وتطالب «سي ووتش»، ضمن الدعاوى المرفوعة، السلطات في إيطاليا وألمانيا بإنهاء جميع أشكال التعاون مع خفر السواحل الليبي، لأنه يتحمل في تقديرها مسؤولية مباشرة، من خلال إضفاء الشرعية على القوات المتورطة في العنف، ودعمها. وبحسب المنظمة أيضاً، فقد قررت الحكومة الألمانية في 2025 السماح للجيش الألماني بتدريب خفر السواحل الليبي، بينما قدمت الحكومة الإيطالية زورقاً جرى استخدامه في إحدى حوادث الاعتراض ضد سفن الإنقاذ. وأودعت المنظمة الشكاوى في الوقت الذي تحتجز فيه سفينتا إنقاذ تابعتان لها، «سي ووتش 5» و«أورورا» في إيطاليا لرفضهما التواصل مع خفر السواحل الليبي في عمليات الإنقاذ في البحر.


موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

رفض حزب «الإنصاف»، الحاكم في موريتانيا، اتهامه من طرف حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)» المعارض بعرقلة الحوار الوطني، بعد عقد جلسات تحضيرية لإطلاقه. وقال الحزبُ الحاكم إن الجلسات جرى تعليقها بطلب من حزب «تواصل».

ويأتي تبادل الاتهامات بين أكبر حزبين في البلاد ليثير الشكوك حول إمكانية تنظيم حوار وطني، سبق أن دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني من أجل تهدئة الساحة الداخلية، في ظلِّ تصاعد التوتر في المحيط الإقليمي، والتقلبات في الساحة الدولية.

ويعد حزب «الإنصاف» الحاكم، أكبر حزب في البلاد، حيث يسيطر وحده على قرابة ثلثي مقاعد البرلمان، ويهيمن بذلك على النسبة الكبرى من مقاعد الحكومة، أما حزب «تواصل»، الذي يرتبط بحركة الإخوان المسلمين، فهو أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، ويتولَّى زعامة مؤسسة المعارضة الديمقراطية.

عرقلة الحوار

خلال الأسابيع الماضية عقد ممثلون عن الطيف السياسي في موريتانيا جلسات مغلقة؛ بهدف تحديد النقاط التي ستناقَش في الحوار، وتحديد موعد ثابت له، ثم آلية لتنفيذ النتائج التي سيسفر عنها، لكن هذه الجلسات سرعان ما توقفت؛ بسبب خلاف حاد حول نقطة تتعلق بالولايات الرئاسية.

من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)

واتهمت المعارضة معسكر الأغلبية الرئاسية بالسعي إلى نقاش تعديل دستوري، سيفضي إلى منح الرئيس الحالي إمكانية الترشُّح لولاية رئاسية ثالثة عام 2029، وهو ما عدّته خطاً أحمر، أما أحزاب الأغلبية فقد رفضت هذه التهمة، وشدَّدت على أنَّ المأموريات تأتي على هامش الإصلاح المؤسسي، وقالت إن المعارضة تسعى للتأويل من أجل عرقلة الحوار.

وعقد المكتب السياسي لحزب «تواصل» المعارض، الاثنين اجتماعاً، أكد في ختامه أنَّ موريتانيا تعيش «ظرفاً وطنياً بالغ الحساسية»؛ بسبب ما سماه «تفاقم أزمة المحروقات، وتعاظم الضغوط المعيشية على المواطنين، في ظلِّ عجز حكومي وفشل في إدارة الأزمة».

وأدان الحزب «الطريقة المرتبكة والمرتجلة التي أدارت بها السلطة أزمة المحروقات»، وحمَّل الحكومة «المسؤولية الكاملة عن موجة الغلاء، التي تضرب البلاد»، داعياً إلى «التراجع الفوري عن السياسات التي أثقلت كاهل المواطنين، وجعلتهم يتحملون وحدهم النصيب الأوفر من تبعات الأزمة».

وفيما يتعلق بالوضع السياسي، قال الحزب المعارض إنه «يحمِّل أحزاب الموالاة المسؤولية المباشرة عن تعطيل الحوار، وافتعال مطبات؛ بغية إفشال أي فرصة لبناء مسار سياسي توافقي، يخدم المصلحة الوطنية»، مشدداً على أنَّ «أي حوار لا تتوفر له ضمانات الجدية والالتزام المسبق بمخرجاته، لن يكون سوى مضيعة للوقت، وتكريس للأزمة القائمة»، داعياً في السياق ذاته إلى «الارتقاء بالتنسيق بين قوى المعارضة إلى مستوى الفعل المشترك، وبناء موقف موحد قادر على فرض التوازن المطلوب في المشهد السياسي».

رد التهمة

رداً على تصريحات حزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» الحاكم، (الاثنين)، إنه «متمسك بخيار الحوار الوطني»، وأكد أنَّ «تعليق الحوار تمَّ بطلب من حزب (تواصل)، ولأسباب تفتقر إلى الوجاهة»، مشيراً إلى أنَّ هذا الطلب جاء «خلافاً لما عبَّر عنه داخل قاعة النقاش عددٌ من قادة أحزاب المعارضة، الذين دعوا إلى مواصلة المسار الحواري».

الرئيس الموريتاني حسم الجدل بخصوص ترشُّحه لولاية ثالثة (الرئاسة)

وبخصوص اتهامه بالسعي لتعديل الدستور ونقاش مواد الولايات الرئاسية خلال الحوار، قال الحزب الحاكم إن الأغلبية الرئاسية «قدَّمت ورقةً سياسيةً اتسمت بالجدية والانفتاح والمسؤولية، واضعةً المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار».

في السياق ذاته، قال الحزب إنه «يرفض بشكل قاطع التأويلات المغلوطة، التي استند إليها البعض، بخصوص الرسالة الموجهة إلى منسِّق الحوار»، في إشارة إلى الفقرة المتعلقة بالإصلاح المؤسسي، والتي تضمَّنت عبارة «المأموريات».

وأشار الحزب الحاكم إلى أنَّه «يثمن المقاربة الشاملة، التي اعتمدها صاحب الفخامة، من خلال إتاحة حوار لا يستثني طرفاً ولا يقصي موضوعاً». وشدَّد على أنَّ الرئيس ولد الغزواني «ليس طرفاً في هذا الحوار، بل ضامن له وميسر لمساره». وذلك في إشارة إلى سعي أطراف في المعارضة لتدخل الرئيس من أجل إزالة العقبات المتعلقة بجدول أعمال الحوار، خصوصاً النقطة المتعلقة بالمأموريات الرئاسية، ورغم أنَّ ولد الغزواني حسم الجدل بخصوص ترشحه شخصياً لولاية رئاسية ثالثة، فإنه رفض التدخل في جدول أعمال الحوار ليضيف أو يحذف أي نقطة.

مستعدون للعودة

وأكد حزب «الإنصاف» أن «محاولات تعطيل الحوار أو التشكيك فيه ليست وليدة اللحظة، بل تندرج ضمن ممارسات معروفة، تسعى من خلالها بعض الأطراف إلى عرقلة أي مسار توافقي، خدمةً لحسابات ضيقة لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية».

وفي اتهام ضمني لحزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» في بيانه: «من غير المقبول أن تنخرط بعض التشكيلات السياسية في أدوار لا تنسجم مع طبيعتها، من خلال توفير غطاء لمثل هذه السلوكيات»، وذلك في إشارة إلى مساعي تعطيل الحوار.

ودعا حزب «الإنصاف» الأقطاب والتشكيلات السياسية كافة إلى «الاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في هذه المرحلة الدقيقة، من خلال العمل على تشجيع شركائها وحلفائها على الانخراط الإيجابي في مسار الحوار، بدل الانجرار وراء مواقف التعطيل أو التردد».

وخلص الحزب إلى تأكيد أنه «من غير المنطقي محاولة إقناع الرأي العام بأنَّ الأغلبية الرئاسية يمكن أن تكون عائقاً أمام حوار دعا إليه رئيس الجمهورية»، وجدَّد الحزب «استعداده الكامل للدخول في أي مشاورات جادة، واستئناف الجلسات التحضيرية للحوار».