بعد 8 أيام من «المهلة»، التي حددها الوزير الأول الفرنسي فرنسوا بايرو للجزائر لاستعادة رعاياها المرحلين، وإلا سيتم نقض كل الاتفاقات المشتركة المتعلقة بتسيير الهجرة، نفذت الجزائر على الأرض رفضها الذي أعلنت عنه فيما يتعلق بـ«إنذار» بايرو، وذلك بإعادة 3 من رعاياها إلى باريس على نفس الطائرة التي جاءوا منها، الأربعاء والخميس، وفي اليوم نفسه (الخميس) حكم القضاء الفرنسي على المؤثّر الجزائري، المعروف باسم «دوالمن»، بالسجن 5 أشهر مع وقف التنفيذ، إثر نشر شريط فيديو على «تيك توك» دعا فيه إلى معاقبة أحد معارضي النظام الجزائري بصرامة، ما أسهم في توتّر العلاقات أكثر بين باريس والجزائر.

يحمل كل يوم مزيداً من التوتر في العلاقات بين الجزائر وفرنسا، التي نشأت نتيجة اعتراف باريس بالحكم الذاتي المغربي للصحراء الصيف الماضي. لكن ما فاقم الأزمة أكثر مع الوقت هي قضية الهجرة غير النظامية، وذلك بعد أن أصدرت وزارة الداخلية الفرنسية قرارات بطرد عشرات الجزائريين في وضع غير قانوني، بعضهم أتم عقوبة السجن بتهمة «المس بالنظام العام»، وبدأت بترحيلهم مطلع العام. لكن الجزائر رفضت دخولهم، وأعادتهم من حيث أتوا، الأمر الذي أثار حفيظة الوزير برونو ريتايو، ودفعه إلى تصعيد الخلاف مع الجزائر. كما هدد شركتها الحكومية للطيران بـ«عقوبات» إذا رفضت نقل المرحلين من المطارات الفرنسية.

وأكدت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية أن السلطات الجزائرية أعادت، الخميس، أربعينياً يدعى «عبد القادر» إلى فرنسا، بعد أن رفضت استقباله، مشيرة إلى أنه «خرج للتو من السجن»، وأنه «دخل إلى التراب الفرنسي من إسبانيا، وقدم طلب لجوء إلى المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية، لكنه رُفض في نوفمبر (تشرين الثاني) 1996». كما رفضت الجزائر دخول شخص آخر في اليوم نفسه معروف حسب الصحيفة نفسها لدى القضاء الفرنسي «بتورطه في اضطرابات في النظام العام، وهو خاضع لأمر بمغادرة الأراضي الفرنسية مع حظر العودة». وبررت الجزائر رفضها استقبال الشخصين بـ«غياب تصريح المرور القنصلي»، الذي تشترط الحصول عليه من إحدى قنصلياتها الـ26 في فرنسا، والذي يتم إصداره لإثبات هوية المهاجر في حال عدم حيازته جواز سفر. وفي وقت سابق، قال مسؤولون جزائريون إن هذا الشرط تشمله اتفاقية بين البلدين. ويوم الأربعاء، رفضت السلطات الجزائرية إعادة جزائري آخر يبلغ من العمر 26 عاماً، وكان كما يشير الإعلام الفرنسي «يحمل جواز سفر يثبت جنسيته الجزائرية».

وبدأت «مشكلة المرحلين» في يناير (كانون الثاني) الماضي، عندما رفضت الجزائر استقبال «مؤثر» يكنى «دوالمن» طردته فرنسا بسبب نشره فيديو «يحرِّض على قتل معارضين للنظام في الجزائر». ومنذ هذه الحادثة، حاول وزير الداخلية ريتايو إبعاد عشرات المهاجرين السريين، لكنه اصطدم برفض الجزائر مع كل محاولة، مما زاد من تعقيد الأزمة.
وفي خطوة تصعيدية جديدة، صرح الوزير الأول فرنسوا بايرو في 26 من فبراير (شباط) الماضي بأن الجزائر «ترفض التعاون بخصوص إعادة مواطنيها المرحَّلين»، موضحاً أن حكومته «ستحتاج إلى مدة تتراوح بين شهر و6 أسابيع لدراسة الوضع»، داعياً الجزائر إلى «إعادة النظر في اتفاقيات الهجرة» في غضون هذه المدة. وردت الجزائر بحدة على المسؤول الفرنسي، مؤكدة أنها «ترفض رفضاً قاطعاً مخاطبتها بالمهل والإنذارات والتهديدات».
وفي سياق استمرار التراشق بين ضفتي المتوسط عبر البيانات والصحافة والإعلام الاجتماعي، قررت فرنسا نقض اتفاق يعود إلى 2007 يتعلق بإصدار جواز سفر دبلوماسي، يعفي مسؤولي البلدين من طلب التأشيرة. وفي تقدير الفرنسيين، قد يدفع حرمان مئات الشخصيات الجزائرية من هذه الوثيقة «الثمينة»، إلى التراجع في «ملف المبعدين».
وبينما ظلت المشكلة محصورة في إطار ثنائي طيلة الأشهر الماضية، عادت، الخميس، نسبياً إلى بدايتها بإثارة العلاقات بين فرنسا والرباط من جديد؛ حيث استدعت وزارة الخارجية الجزائرية السفير الفرنسي «بهدف لفت انتباهه إلى خطورة مشروع المناورات العسكرية الفرنسية - المغربية، المقرر إجراؤها في سبتمبر (أيلول) المقبل في منطقة الراشيدية بالقرب من الحدود الجزائرية»، وفق بيان لها.

وأشار البيان نفسه إلى أن عنوان الأنشطة العسكرية المشتركة المنتظرة، «شرقي 2025»، يحمل «الكثير من الدلالات»، دون توضيح المقصود بذلك. ويُفهم من البيان أن الاسم قد يشير إلى مناطق نزاع حدودي قديم بين الجزائر والمغرب.
وأضاف البيان نفسه أن الجزائر تعد هذا التمرين «عملاً استفزازياً ضدها»، وأن «مثل هذا التصرف سيسهم في تأجيج الأزمة الحالية في العلاقات الجزائرية - الفرنسية، ويزيد حدة التوتر بين البلدين إلى مستوى أكثر خطورة».



