السودان: تعديلات دستورية تُكرس سلطة مطلقة للبرهان

قانونيون: هاجر بالدستور من المدنية لاسترضاء حلفائه الإسلاميين

قائد الجيش السوداني الجنرال عبد الفتاح البرهان خلال مؤتمر في بورتسودان (أ.ف.ب)
قائد الجيش السوداني الجنرال عبد الفتاح البرهان خلال مؤتمر في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

السودان: تعديلات دستورية تُكرس سلطة مطلقة للبرهان

قائد الجيش السوداني الجنرال عبد الفتاح البرهان خلال مؤتمر في بورتسودان (أ.ف.ب)
قائد الجيش السوداني الجنرال عبد الفتاح البرهان خلال مؤتمر في بورتسودان (أ.ف.ب)

عزَّز رئيس «مجلس السيادة»، القائد العام للجيش السوداني، من قبضته على الحكم، ليصبح صاحب سلطة سيادية مطلقة بإقراره تعديلات على الوثيقة الدستورية لعام 2019، وذلك بعد ساعات من توقيع قوى سياسية وعسكرية، من بينها «الدعم السريع» في نيروبي، على ميثاق سياسي لتأسيس سلطة موازية لحكومة بورتسودان في البلاد.

واعترض مختصون في مجالات القانون الدستوري، على إطلاق مسمى تعديلات على هذه الإجراءات المتخذة من قِبَل البرهان، لأنها -حسب رأيهم- «أجندة سياسية تُعبر عن توجه واضح من حكومة بورتسودان للتحالف مع الإسلاميين وتمكينهم من السلطة في الفترة المقبلة».

ومنحت التعديلات الجديدة البرهان حقَ تعيين رئيس الوزراء وإعفائه بعد توصية من السلطة التشريعية الانتقالية، وجرى تمديد الفترة الانتقالية لمدة لا تتجاوز 39 شهراً ما لم يتم التوصل لتوافق وطني أو إجراء انتخابات، ما يعني فعلياً استمراره في الحكم لفترة أطول، وفق القانونين.

وأصبحت هذه «التعديلات» سارية بعد نشرها ليل الأحد-الاثنين الماضي في الجريدة الرسمية (الغازيتا).

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة سابقة لقاعدة «فلامنغو» البحرية في بورتسودان (أ.ف.ب)

كما نصّت على تشكيل «مجلس السيادة» من 11 عضواً، 6 منهم تُعينهم القوات المسلحة السودانية، و3 ترشحهم الأطراف الموقعة على «اتفاق جوبا» للسلام، مع تمثيل المرأة وأقاليم السودان.

كما منحت رئيس المجلس، عبد الفتاح البرهان، تعيين وإعفاء حكام الأقاليم وولاة الولايات، وتعيين وإعفاء رئيس القضاء ونوابه، ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية بعد ترشيحهم من مجلس القضاء العالي، (الذي يُعينه البرهان)، ومن ضمن سلطاته تعيين وإعفاء المراجع العام وفق القانون.

وأيضاً، يرأس البرهان جميع القوات النظامية الأخرى، بالإضافة إلى تعيين وإعفاء مدير الشرطة وهيئة قيادة الشرطة بناءً على توصية من وزير الداخلية، وتعيين وإعفاء مدير المخابرات العامة ونوابه.

كما منحت الإجراءات رئيس «مجلس السيادة»، البرهان، وضع السياسة الخارجية والإشراف على تنفيذها، وإعلان الحرب بناءً على توصية من «مجلس الأمن والدفاع»، بعد مصادقة السلطة التشريعية، وأيضاً من حقه إعلان حالة الطوارئ، بتوصية من مجلس الوزراء، على أن تصادق عليه السلطة التشريعية.

ونصّت الإجراءات على تكوين مجلس الوزراء من رئيس وزراء، وعدد من الوزراء من كفاءات وطنية مستقلة، لا يزيد عددهم على 26 وزيراً، يُعينهم رئيس الوزراء بعد المصادقة عليهم من «مجلس السيادة»، عدا وزراء أطراف العملية السلمية، أي وزيري الدفاع والداخلية اللذين يجري ترشيحهما بواسطة قيادة القوات النظامية مراعاة لتمثيل ولايات السودان.

صورة ملتقطة 18 فبراير 2025 في نيروبي تُظهر ممثلين عن جماعات سياسية وعسكرية سودانية لتشكيل حكومة موازية بالسودان (د.ب.أ)

وألغت التعديلات المادة 16 في «الوثيقة الدستورية» المعنية بالتحقيق في جريمة فضّ الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني بالخرطوم، التي قتل وجرح فيها المئات من المعتصمين، واستبدلت بها المادة 8، التي تقول «بالعمل على إنهاء الحروب، وتقديم كل من ارتكب جرائم في حق الشعب السوداني للعدالة».

ومن أبرز التعديلات، دمج أي قوات مسلحة وعسكرية أو شبه عسكرية داخل القوات النظامية قبل 6 أشهر من انقضاء أجل الفترة الانتقالية، على أن تتحول الحركات المسلحة التي تُقاتل حالياً إلى جانب الجيش، لكيانات سياسية.

وأوضح القانوني معتز المدني، أن الوثيقة الدستورية لعام 2019، نتاج لاتفاق بين «المجلس العسكري»، الذي كان يضم الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»من جهة، وتحالف «قوى الحرية والتغيير» من جهة أخرى، وبعد انقلاب الجيش على الحكومة المدنية الانتقالية في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصبحت الوثيقة بلا قيمة.

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن الغرض من أي اتفاق بين طرفين هو إحداث أثر قانوني أو سياسي محدد، لكن ذلك انتفى بعد الانقلاب، وجرى إبعاد الطرف الثاني، أي «قوى التغيير».

الرئيس السوداني المعزول عمر البشير في أثناء إلقائه خطاباً بولاية جنوب دارفور سبتمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأضاف: «من الواضح أن هدف البرهان من هذه التعديلات هو الهيمنة على السلطة لتشكيل حكومة لمناهضة الحكومة الموازية لمجموعة نيروبي، إلا أنها تكشف عن حالة ارتباك حادة تعيشها حكومة بورتسودان».

وعدّ التعديلات التي تمنح «البرهان حق تعيين رئيس الوزراء وإعفائه والمصادقة على تعيين بعض الوزراء، تدخلاً سافراً في الجهاز التنفيذي، كما أنها تشير إلى نيات لتمكين حزب النظام المعزول، والحركة الإسلامية، وتتويج نفسه صاحب سلطة فردية مطلقة».

وقال الخبير في القانون الدستوري الدكتور سامي عبد الحليم سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن الفريق البرهان، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، كان في مقدروه إصدار مراسيم دستورية تلبي الشروط القانونية التي تتطلبها ظروف قيادته حكومة حرب.

وأضاف: «إن المراسيم في تلك الأوضاع تكون مرنة بطبيعتها، وقابلة للتعديل وفق معطيات الحال، وهو نهج راسخ في ظروف الحرب الاستثنائية المشابهة». وأشار إلى «أن الرئيس المخلوع عمر البشير، سبق أن استخدم المراسيم الدستورية لمدة تقارب 10 سنوات في ظروف مماثلة، وكان على البرهان اتباع النهج نفسه دون الحاجة إلى قواعد دستورية، إن أوفت بالغرض اليوم، فقد لا تفي به في الغد».

مندوبون تابعون لـ«قوات الدعم السريع» السودانية يتفاعلون خلال اجتماع (رويترز)

وبشأن السلطة المخولة للبرهان بصفته قائد الجيش، أوضح عبد الحليم «أن من حقه إصدار مراسيم مؤقتة، لكن إصدار الدستور يجب أن يكون جزءاً من عملية سياسية مصممة بهدف إنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار السياسي». وقال: «في ظني أن هذه التعديلات الدستورية كانت متعجلة، ولا يوجد مبرر واضح لها».

ومن جهة ثانية، رأى قانوني دستوري تحدث لـ«الشرق الأوسط» -لكنه طلب عدم ذكر اسمه- أن التعديلات على الوثيقة الدستورية «توجه سياسي لشراكة بين الجيش والإسلاميين»، ودلَّ على ذلك في نص: «أن تكون مصادر التشريع مبادئ الدين الإسلامي والمعتقدات الدينية الأخرى والتوافق الشعبي، وقيم وأعراف وتقاليد الشعب السوداني».

وقال: «إن البرهان أراد من إيراد هذا النص أن يُعلن للإسلاميين أنه معهم في تبني شعارات دولة الشريعة، وأن ما كان يُصرح به ضدهم في السابق هو مجرد استهلاك سياسي».

وعدّ القانوني هذه المواقف «تطرفاً في مواجهة الحملة العميقة للحكومة الموازية التي ينتظر إعلانها في مناطق سيطرة (الدعم السريع)».

وأضاف: «إن البرهان بهذه التعديلات يعلن الهجرة بالدستور قيمياً من الدولة المدنية إلى دولة الشريعة الإسلامية لاسترضاء حلفائه من القوى الإسلامية».

جنود من الجيش السوداني يحتفلون بتحرير مصفاة نفط في «شمال بحري» يوم 25 يناير 2025 (رويترز)

بدوره قال المحامي، حاتم إلياس، إن هذه التعديلات «لا تمت بصلة للقانون والتشريع، وفي الواقع أنشئت وثيقة دستورية جديدة على أنقاض السابقة، وقصد من هذه التعديلات الإيحاء بأن الوثيقة لا تزال مستمرة ويعمل بها».

وأضاف: «أن كلمة تعديل لها محتوى قانوني وتشريعي تُعبر عنه آليات قانونية ودستورية محددة، وقد غابت منذ انقلاب الجيش على الحكم المدني، وإبعاد الأطراف المؤسسين لهذه الوثيقة بشرعية الثورة، وتعطيل العمل بها». وأوضح: «أن التعديل يتم على أمر قائم ونافذ، وليس على ترتيبات دستورية وقانونية تم تعطيلها».

وقال: «نحن أمام شكل قانوني محكوم بقوة الأمر الواقع لسلطة بورتسودان، والمقصود من هذه الإجراءات تكريس السلطة بالكامل في يد البرهان وأنصار المؤتمر الوطني».


مقالات ذات صلة

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، تواجه أكثر من 19 مليون شخص من جملة سكان البلاد، معلناً عودته إلى الخرطوم.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طالبات سودانيات حصلن على شهادة المرحلة الثانوية (مدرسة الصداقة)

المدارس المصرية تتهيأ لانعقاد «الثانوية السودانية»

يستعد عدد من المدارس المصرية لاستقبال آلاف الطلاب السودانيين الوافدين، الذين يخوضون امتحانات «الشهادة الثانوية السودانية»، بدءاً من الاثنين المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)

عبد العاطي في واشنطن... بحث عن حلول سياسية واقتصادية للتوترات الإقليمية

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره الأميركي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره الأميركي (الخارجية المصرية)
TT

عبد العاطي في واشنطن... بحث عن حلول سياسية واقتصادية للتوترات الإقليمية

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره الأميركي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره الأميركي (الخارجية المصرية)

توجه وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إلى واشنطن في ظل ظروف اقتصادية وأمنية وعسكرية حرجة بالمنطقة تتأثر بها القاهرة، وذلك بعد يومين من فشل أول جولة محادثات بين طهران وواشنطن في إسلام آباد، وقرب انتهاء هدنة الأسبوعين التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي.

الزيارة التي تأتي بعد أسابيع قليلة من مطالبة مصر لواشنطن بتقديم دعم مالي عاجل، تبحث بالدرجة الأولى عن دعم المسار التفاوضي لحل الأزمة بين واشنطن وطهران والتي أثرت اقتصادياً في القاهرة والمنطقة، بخلاف إيجاد دعم اقتصادي لمصر من واشنطن أو المنصات الدولية، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت «الخارجية المصرية» بأن عبد العاطي سيلتقي مع كبار المسؤولين بالإدارة الأميركية وفى مقدمتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وأعضاء الكونغرس لبحث سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية المصرية - الأميركية، وتبادل وجهات النظر بشأن مستجدات الوضع الاقليمى، بخلاف مشاركته في اجتماعات لصندوق النقد الدولي.

توقيت ...

يرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي أن زيارة الوزير عبد العاطي إلى واشنطن «محطة بالغة الأهمية في توقيت دقيق تشهده المنطقة، حيث تتقاطع التحديات الاقتصادية مع تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي، بسبب الحرب والتصعيد الأميركي - الإيراني»، مشيراً إلى أنها تأتي «في إطار تحرك مصري لإعادة تنشيط قنوات التواصل الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتعزيز دور مصر الفاعل في خفض التصعيد والاستمرار في دور الوساطة بالمشاركة مع تركيا وباكستان لإطلاق جولة ثانية من المفاوضات قبل انتهاء مهلة الأسبوعين».

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة واشنطن، نبيل ميخائيل، أن «الزيارة مهمة، لأنها تأتي في وقت تتسم فيه العلاقات الدولية بالتوتر، ومن الضروري أن تتشاور أميركا مع الدول الإقليمية الكبرى، مثل السعودية ومصر والإمارات في ما يمكن عمله لتجنب أخطار الحروب والقلاقل في المنطقة»، معولاً على أنه «قد يكون لمصر دور مهم في أي مناقشات سياسية في هذا الصدد».

أهداف سياسية واقتصادية وراء زيارة عبد العاطي إلى واشنطن (الخارجية المصرية)

وبحسب الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، فإن لزيارة عبد العاطي «أهمية أكبر من مجرد إجراءات دبلوماسية معتادة، خصوصاً أن واشنطن تعد القوة الخارجية الوحيدة القادرة على ربط مستويات نفوذ متعددة في آن واحد لحل مشكلات المنطقة».

وأهم ما يمكن أن يفعله عبد العاطي خلال الزيارة، بحسب تسوكرمان «ربط الدور الدبلوماسي لمصر بالعواقب التي تسعى واشنطن جاهدةً للحد منها، ومن ثم فإذا نجح في إقناع المسؤولين الأميركيين بأن مصر من الدول القليلة القادرة على الحد من التوتر الإقليمي، فإن الدعم للنهج السياسي المصري سيزداد ليس كخدمة للقاهرة، بل كامتداد للمصالح الأميركية».

حراك مصري اقتصادي

وشارك عبد العاطي، وذلك خلال زيارته إلى واشنطن، في اجتماع وزراء ومحافظي مجموعة الأربع والعشرين G24 بصفته محافظ مصر لدى البنك الدولي، الذي انعقد الثلاثاء. وأكد في كلمة خلال الاجتماع «الحاجة الملحة لإجراء إصلاحات جوهرية على النظام الاقتصادي العالمي، بما يضمن قدرته على دعم الدول النامية في مواجهة الأزمات المتداخلة»، مشدداً، في هذا السياق، «على أهمية استمرار دعم صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، ومساندة جهود الإصلاح الوطني»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وفي 27 مارس (آذار) الماضي، أشار عبد العاطي في اتصال هاتفي مع روبيو، إلى التداعيات الاقتصادية القاسية التي تفرضها الأزمات الإقليمية على مصر، مشدداً على ضرورة تقديم دعم اقتصادي عاجل، وتوفير سيولة نقدية لمواجهة الآثار السلبية الناتجة عن اضطراب أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات قناة السويس وقطاع السياحة.

وزير الخارجية المصري يشارك في اجتماع وزراء ومحافظي مجموعة الأربع والعشرين G24 (الخارجية المصرية)

ويرى السفير محمد حجازي أن مشاركة مصر بالاجتماعات المالية الدولية في واشنطن «جزء هام من تحرك أوسع لتأمين دعم مالي دولي يعزز صلابة الاقتصاد الوطني»، مرجحاً أن يسعى الوزير عبد العاطي إلى توظيف هذه الاجتماعات لحشد تمويلات ميسرة، ودعم برامج الإصلاح الاقتصادي، فضلاً عن تعزيز ثقة المؤسسات الدولية في قدرة الاقتصاد المصري على التعافي والتكيف مع الصدمات الخارجية.

وأوضح ميخائيل أهمية مشاركة عبد العاطي بتلك الاجتماعات، على أساس أن السياسة ترتبط بالاقتصاد، متوقعاً أن يطرح عبد العاطي خلالها مقترحاً لمحاولة إيجاد صندوق مالي عاجل لتعويض أي دولة تضررت جراء الحرب.

وبحسب تسوكرمان، فإن القاهرة «لا تدخل هذه الاجتماعات بشكاوى مبهمة، بل تقدم حجة واضحة بشأن الأضرار المباشرة التي تلحقها الصدمات الخارجية الكبرى المرتبطة بالصراع واضطرابات التجارة التي تؤثر سلباً على أحد أهم الاقتصادات في الشرق الأوسط».

ووفق تقديرات تسوكرمان «يُفسح هذا المجال لنوع مختلف من الاستجابة، غالباً ما تكون المؤسسات المالية والحكومات الشريكة أكثر استعداداً للتحرك عندما تبدو صعوبات الدولة مرتبطة بصدمات خارجية مُزعزعة للاستقرار، بدلاً من كونها مرتبطة فقط بخيارات السياسة الداخلية؛ ما يسمح بأن تحظى مصر بدعم أقوى لبرامجها القائمة، وتسامح أكبر تجاه المرونة، ودعم سياسي أوسع نطاقاً فيما يتعلق بشروط الصرف أو التمويل، وتحالف أوسع مستعد للتعامل مع صعوباتها الحالية على أنها استثنائية وليست روتينية».


ماذا يريد الرئيس الموريتاني من زيارته لفرنسا؟

زيارة ولد الغزواني إلى باريس تهدف إلى صياغة «شراكة استراتيجية» جديدة بين البلدين (الرئاسة)
زيارة ولد الغزواني إلى باريس تهدف إلى صياغة «شراكة استراتيجية» جديدة بين البلدين (الرئاسة)
TT

ماذا يريد الرئيس الموريتاني من زيارته لفرنسا؟

زيارة ولد الغزواني إلى باريس تهدف إلى صياغة «شراكة استراتيجية» جديدة بين البلدين (الرئاسة)
زيارة ولد الغزواني إلى باريس تهدف إلى صياغة «شراكة استراتيجية» جديدة بين البلدين (الرئاسة)

بدأ الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني زيارة دولة إلى فرنسا، وفق ما أعلنت الرئاسة الموريتانية، اليوم (الثلاثاء)، وتعد هذه أول زيارة «دولة» يقوم بها رئيس موريتاني إلى باريس منذ قرابة ثلاثة عقود.

تشير مصادر دبلوماسية موريتانية إلى أن الزيارة ستستمر لثلاثة أيام، وتأتي استجابة لدعوة رسمية وجهها له الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فيما كانت باريس هي أول وجهة خارجية لولد الغزواني حين انتخب رئيساً لموريتانيا عام 2019، ومنها توجه مباشرة إلى العاصمة السعودية الرياض.

زيارة ولد الغزواني لباريس تأتي استجابة لدعوة رسمية وجهها له الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

وسبق أن كشفت صحيفة «جون أفريك» الفرنسية أن ولد الغزواني ينتظره في باريس «برنامج يشمل عدة محطات رسمية وسياسية واقتصادية، إلى جانب أنشطة ذات طابع أمني وعسكري»، وأضافت في تقريرها أنه سيحظى باستقبال رسمي، قبل أن يجري مباحثات على انفراد مع الرئيس الفرنسي ماكرون في قصر الإليزيه.

كما كشفت مصادر دبلوماسية أن الزيارة تهدف إلى صياغة «شراكة استراتيجية» جديدة بين البلدين، تقوم على «التعاون الوثيق في ملفات عديدة»، حيث من المنتظر أن يناقش المسؤولون الموريتانيون والفرنسيون خلال «لقاءات موسعة» موضوع الشراكة في قضايا الأمن، ومكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية.

وأوضحت هذه المصادر أن الطرفين سيفتحان النقاش حول اتفاقيات موقعة منذ فترة، وذلك من أجل تحديثها وتطويرها، وخاصة اتفاقيات في مجال قطاعات الأمن والداخلية، واتفاقيات في مجال الطاقة والمعادن والصناعة.

سياق معقد

الإعلامي الموريتاني حسن لبات ربط الزيارة بالسياق الإقليمي والدولي الصعب، مشيراً إلى حوادث الاحتكاك المتكررة على الحدود مع دولة مالي المجاورة لموريتانيا، وذلك بسبب تحركات للجيش المالي التي تضررت منها مجتمعات موريتانية في الشريط الحدودي.

جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود مع مالي (الجيش الموريتاني)

وقال لبات في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن الزيارة «تأتي في سياق إقليمي ودولي دقيق ومعقد. فمن جهة تشهد المنطقة توتراً أمنياً متصاعداً على الحدود الشرقية، في ظل استمرار الاستفزازات المتكررة من طرف الجيش المالي، وهو ما يجعل التنسيق الأمني مع الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم فرنسا، أمراً ضرورياً».

لكن الإعلامي الموريتاني أضاف أن «الزيارة تأتي من جهة أخرى في ظل اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية نتيجة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، ما انعكس على سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار المحروقات، وهو ما يفرض على موريتانيا البحث عن شراكات اقتصادية، واستثمارات تضمن أمنها الطاقوي».

وخلص إلى التأكيد على أن «الزيارة لا تقتصر على بعدها البروتوكولي، بل تندرج ضمن رؤية استراتيجية، تهدف إلى تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، وتحصين البلاد في مواجهة التحديات الإقليمية والمتغيرات الدولية».

الأمن أولاً

في سياق متصل، أشارت صحف فرنسية عديدة إلى أن باريس تسعى لأن تناقش مع نواكشوط «الأزمة في منطقة الساحل الأفريقي»، وهي المنطقة التي فقدت فيها باريس نفوذها منذ سنوات، لصالح روسيا والصين.

وفي ظل توتر العلاقات بين فرنسا والأنظمة العسكرية، التي تحكم دول الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو)، قالت صحف فرنسية إن باريس ترى في نواكشوط «شريكاً استراتيجياً مهماً» في شبه المنطقة، وذلك بسبب «حالة الاستقرار والأمن» منذ 2011؛ تاريخ آخر هجوم إرهابي فوق أراضي موريتانيا.

وظلت نواكشوط محتفظة بمستوى عالٍ من التنسيق مع باريس، رغم أنها تخسر نفوذها في منطقة غرب أفريقيا بشكل تدريجي، وخسرته تماماً في دول الساحل الثلاث، ومع ذلك تحاول نواكشوط توسيع التعاون مع الفرنسيين ليدخل في إطار التعاون والشراكة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو).

جانب من زيارة الرئيس الموريتاني لمقر حلف شمال الأطلسي واجتماعه بالأمين العام للحلف الشهر الماضي (الرئاسة الموريتانية)

وكان الرئيس الموريتاني قد زار في مارس (آذار) الماضي، مقر حلف الناتو في بروكسل، وعقد لقاءات مع قيادة الحلف، حيث أجرى مباحثات مع الأمين العام للحلف، أكدت المصادر أنها تناولت «تعزيز وتنويع الشراكة الأمنية والعسكرية» بين الطرفين.

علاقة مضطربة

ترتبط موريتانيا وفرنسا بعلاقات شديدة التعقيد، بدأت منذ بداية القرن العشرين، حين دخلت فرنسا الأراضي الموريتانية بصفتها قوة استعمارية، لكنها منحتها الاستقلال عام 1960، إلا أن قوى معارضة آنذاك ظلت تعتبره استقلالاً شكلياً؛ لأن الإدارة وقيادة الجيش والأمن كانت بيد الفرنسيين، كما أن الثروات المعدنية هي الأخرى كانت تهيمن عليها شركات فرنسية، جرى تأميمها فيما بعد عام 1974.

ومنذ الاستقلال مرت العلاقات بفترات من التقلب، وصولاً إلى ذروة التوتر عام 1999 حين طردت موريتانيا المسؤولين العسكريين الفرنسيين، وقوات كانت تتولى مهام تدريب وتأطير العسكريين الموريتانيين، وجاء القرار على خلفية اعتقال ضابط موريتاني في باريس في إطار اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان.

وعادت العلاقات بين البلدين إلى التهدئة ثم القرب الوثيق، خاصة مع تصاعد خطر الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل، وموجة الانقلابات في دول الساحل، وطرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، ثم خروجها فيما بعد من كوت ديفوار والسنغال، وفقدان باريس لكثير من مراكز قوتها التقليدية.


المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)
TT

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

يكثف رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، من اجتماعاته بعسكريين وسياسيين ومسؤولين، من بينهم محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة، وذلك في ظل خلافه المتصاعد مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إثر مقترح أميركي يتعلق بدمج «الحكومتين».

محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (إ.ب.أ)

وأدرج مكتب المنفي اجتماعه مساء الاثنين مع «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس في إطار «مواصلة التشاور حول جملة من القضايا الحيوية، ذات الأولوية الوطنية»، مشيراً إلى أن المجتمعين دعوا إلى استمرار قنوات التواصل والتنسيق، «بما يسهم في توحيد الجهود الوطنية، ودفع مسار بناء الدولة الليبية على أسس راسخة».

وأضاف مكتب المنفي أنه بحث أيضاً «سُبل تعزيز جهود مكافحة الفساد، مع التأكيد على الدور المحوري لأبناء العاصمة في دعم مسارات النزاهة، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة»، كما دعا الحضور إلى تعزيز العمل المشترك لتجاوز التحديات الراهنة.

في سياق متصل، بحث المنفي مع تكالة مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية، وسبل تعزيز التنسيق بين المؤسسات، بما يسهم في دعم الجهود، الرامية إلى تحريك العملية السياسية وكسر حالة الجمود. وتم التأكيد خلال اللقاء، الذي عقد مساء الاثنين، على أهمية توحيد الجهود الوطنية، والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية، وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات، وفق توافق وطني شامل.

كما ناقش الجانبان عدداً من القضايا الاقتصادية، بما في ذلك أهمية تنسيق السياسات المالية والنقدية، بما يخفف من الأعباء عن المواطنين، ويعزز مبادئ الشفافية في إدارة الموارد العامة.

صورة نشرها «المصرف المركزي الليبي» لاجتماع محافظه مع مسؤولي صندوق النقد الدولي

وبخصوص جهود تعزيز الاستقرار المالي في البلاد، بدأ محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، سلسلة من الاجتماعات المكثفة مع كبار مسؤولي صندوق النقد الدولي في واشنطن، تستهدف إعادة هيكلة المنظومة الإحصائية والنقدية للبلاد، وسط مؤشرات إيجابية على تعافي الإيرادات النفطية.

وأفاد بيان للمصرف بأن عيسى ناقش مساء الاثنين مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بالصندوق، جهاد أزعور، نتائج «مشاورات المادة الرابعة»، ومستجدات الوضع المالي الإيجابية الناتجة عن ضبط الإنفاق العام وارتفاع عوائد النفط، مما يعزز قدرة المصرف على دعم استقرار سعر صرف الدينار الليبي.

وركزت محادثات عيسى مع رئيسة دائرة الأسواق النقدية بالصندوق، أتيلا كساجبوك، على تقديم مساعدات فنية لإدارة الاحتياطيات، وتطوير الرقابة المصرفية، مع إشادة دولية بتطبيق ليبيا لـ«ميثاق شفافية البنوك المركزية»، وهو ما وصفه المصرف بـ«القفزة النوعية» لتعزيز استقلاليته.

بدورها، دعت بعثة الأمم المتحدة، جميع الليبيين (الثلاثاء) إلى جلسة نقاش عبر «الإنترنت» مع نائبة رئيستها للشؤون السياسية، ستيفاني خوري؛ حيث ستركز الجلسة على المسار الأمني في «الحوار المُهيكل»، ومناقشة سبل بناء مؤسسات مستقرة، وخاضعة للمساءلة وموحدة لجميع الليبيين.

صورة وزعتها البعثة الأممية لاجتماع المشاركين في مساري «الأمن» و«الحوكمة»

وكانت البعثة قد أعلنت أن أعضاء مساري «الأمن» و«الحوكمة» ضمن «الحوار المهيكل»، الذين اجتمعوا مساء الاثنين في إطار الجولة الثالثة من المناقشات المباشرة، سيبحثون خلال الأيام الأربعة المقبلة الأولويات الرئيسية المتعلقة بإصلاح قطاع الأمن وحوكمته، بما يشمل مجالات الأمن الوطني والدفاع، وإنفاذ القانون. بالإضافة إلى ذلك، ستتناول المباحثات المسببات العميقة للصراع، وتحديات الحوكمة المحلية، والمأزق الدستوري، الذي يعرقل إجراء انتخابات ذات مصداقية.

وأوضحت البعثة أن المشاركين بصدد صياغة توصيات عملية وقابلة للتنفيذ، لتُدرج ضمن التقرير النهائي للحوار المهيكل؛ مشيرة إلى أن هذه الجهود تعكس التزاماً مستمراً ومنسقاً من قبل الليبيين لدفع العملية السياسية قدماً نحو تعزيز وتوحيد المؤسسات، ودعم مسار واقعي نحو إجراء انتخابات وطنية.