خطة سلام عربية في مواجهة مقترح «التهجير»

تتضمن «إعادة إعمار غزة» و«التطبيع» مقابل «دولة فلسطينية»

إخلاء سكان مخيمي النصيرات والبريج للاجئين خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة (إ.ب.أ)
إخلاء سكان مخيمي النصيرات والبريج للاجئين خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

خطة سلام عربية في مواجهة مقترح «التهجير»

إخلاء سكان مخيمي النصيرات والبريج للاجئين خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة (إ.ب.أ)
إخلاء سكان مخيمي النصيرات والبريج للاجئين خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة (إ.ب.أ)

تعكف دول عدة على صياغة «خطة عربية» للرد على مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن مستقبل قطاع غزة. وأوضحت مصادر مصرية وعربية أن «الخطة ستتضمن إلى جانب إعادة إعمار غزة والتعافي المبكر، مقترحات بشأن تحقيق السلام الشامل»، وأن يكون «التطبيع» مع إسرائيل في مقابل قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي هذا السياق، قالت وزارة الخارجية المصرية، الجمعة، إن الوزير بدر عبد العاطي، أكد خلال لقاء مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على هامش الاجتماع الوزاري بشأن سوريا الذي عُقد في باريس، الخميس، أن «القاهرة بصدد بلورة تصوّر شامل لإعادة إعمار غزة، دون تهجير سكان القطاع».

وذكرت «الخارجية» في بيان أن عبد العاطي أبلغ ماكرون، بأن هذا التصوّر يهدف إلى مساعدة سكان غزة «من خلال تنفيذ برامج ومشروعات للتعافي المبكر وإزالة الركام وإعادة الإعمار، بوجود الفلسطينيين على أرضهم».

كما أكد وزير الخارجية المصري، خلال لقاءات منفصلة مع نظرائه في إسبانيا والنرويج وآيسلندا وبولندا ورئيس المجلس الأوروبي، الجمعة، على هامش أعمال «مؤتمر ميونيخ للأمن»، «اعتزام القاهرة تقديم تصور شامل للتعافي المبكر وإعادة إعمار غزة بما يضمن بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه»، وشدد في هذا الصدد على «أهمية البدء في عملية التعافي المبكر».

وقالت «رويترز» نقلاً عن 10 مصادر عربية، لم تسمِّها، إن النقاشات العربية العاجلة تهدف إلى إيجاد خطة بشأن مستقبل غزة في مواجهة طموح الرئيس الأميركي لتحويل القطاع إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» وإخلائه من سكانه الفلسطينيين.

وأكد المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي السعودي، اللواء محمد الحربي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك تنسيقاً عربياً وتحركات ككتلة واحدة ترفع صوتاً واحداً وهو (لا للتهجير)». وذلك في مواجهة «فكرة ترمب التي لاقت رفضاً واسعاً عربياً وعالمياً».

وأضاف أن «العرب سيوجهون رسالة إلى ترمب تتضمن موقفاً راسخاً وقوياً لا رجعة فيه»، موضحاً أن المقترح العربي «سيتضمن إعمار غزة في وجود أهلها»، لافتاً إلى ضرورة «وجود ضمانات كبيرة حتى لا يتكرر تدمير غزة مرة أخرى».

وذكر الحربي أن «الدول العربية ستؤكد موقفها الراسخ والثابت بضرورة إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67، وأن لا سبيل للسلام إلا بحل الدولتين».

صبي فلسطيني يسير بجوار أنقاض منزل في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأثار مقترح الرئيس الأميركي بـ«السيطرة على قطاع غزة» بعد ترحيل الفلسطينيين إلى مكان آخر، ردود فعل إقليمية ودولية رافضة على نطاق واسع، ودفع نحو تحركات ومواقف عربية مكثفة لدول عدة على رأسها السعودية ومصر والأردن، بهدف «رفض التهجير».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عربيين، لم تسمهما، قولهما إن «قادة 5 دول عربية سيجتمعون لمناقشة معمقة لخطة ترمب بشأن غزة وسبل صياغة رد عربي عليها»، وذلك قبل «أيام» من قمة عربية مرتقبة بالقاهرة في27 فبراير (شباط) الحالي. وأشار المصدران إلى أنّ «القمة الخماسية» ستشدد على «عدم إخراج الغزيين من أرضهم» و«رفض التهجير».

وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، قال الثلاثاء لصحافيين في واشنطن، إنّ «مصر ستقدّم رداً على خطة ترمب»، مشيراً إلى أن «الدول العربية ستناقشه في محادثات مشتركة».

بدوره، قال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك تنسيقاً عربياً لصياغة مقترح متكامل رداً على خطة ترمب»، مشيراً إلى أن «قادة عرباً سيجتمعون لمناقشة تفاصيل المقترح قبل عرضه على القمة الطارئة بالقاهرة نهاية الشهر الحالي».

وأضاف أن «الولايات المتحدة تنتظر المقترح العربي، ويبدو أن لديها استعداداً لقبوله»، لافتاً إلى أنه «لم يكن من الممكن مواجهة مقترحات التهجير الأخيرة دون تنسيق وتناغم عربي على أعلى مستوى». وأكد المصدر أن «مواجهة الضغوط الأميركية تتطلب قدراً من المرونة العربية، وقدرة على التنسيق بتناغم ومرونة وهو ما يجري حالياً» بجهود تشارك فيها أكثر من دولة.

فلسطينيون نازحون ينتظرون على طول طريق صلاح الدين بالنصيرات بالقرب من ممر نتساريم في وقت سابق (أ.ف.ب)

وأعلنت مصر، الأحد الماضي، استضافة «قمة عربية طارئة» تستهدف بحث التطورات «المستجدة والخطيرة» للقضية الفلسطينية في27 فبراير الحالي، وذلك بعد التنسيق مع الدول المعنية. ثم قالت القاهرة إنها «ستقدّم رؤية شاملة لإعادة إعمار غزة تضمن بقاء الفلسطينيين في أرضهم».

وأشار وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الخميس، إلى القمة العربية المقبلة، قائلاً: «في الوقت الحالي الخطة الوحيدة هي خطة ترمب، هي لا تعجبهم؛ لكنها الخطة الوحيدة. لذا إذا كانت لديهم خطة أفضل، فهذا هو الوقت المناسب لتقديمها».

وبحسب عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية في البرلمان)، عضو «لجنة الشؤون السياسية الاستشارية» التابعة لمجلس الوزراء، الدكتور عبد المنعم سعيد، فإن «التصور المصري ليس وليد اليوم، بل يجري العمل لإعداده منذ شهور عدة، لبلورة مقترح متكامل بالتنسيق مع الدول العربية والأطراف المعنية».

وقال سعيد لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخطة تتضمن كثيراً من التفاصيل السابقة واللاحقة لوقف القتال في غزة بشكل دائم، والبدء في إعادة إعمار غزة»، لافتاً إلى أن «إعادة إعمار غزة جزء من خطة شاملة للسلام في المنطقة».

وأوضح أن «الفكرة ترتكز على نوع من المبادلة مع إسرائيل، بمعنى دمجها في المنطقة والاعتراف بها والتطبيع معها مقابل إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية»، مشيراً إلى أن «تنفيذ أي مقترح يبدأ بانسحاب إسرائيل الكامل من قطاع غزة، ووقف إطلاق النار بشكل دائم، والتوافق على من سيدير قطاع غزة».

وأكد سعيد أن «هناك مقترحات بضرورة إقناع حركة (حماس) بالتخلي عن إدارة القطاع، مع ضرورة وجود مرونة لدى السلطة الفلسطينية لضم أفراد من الخارج لديهم قبول دولي»، مشيراً إلى أن «خطة السلام قد تتضمن نوعاً من تطوير العلاقات العربية - الإسرائيلية في المستقبل»، مقترحاً «إنشاء (منتدى البحر الأحمر) على غرار (منتدى شرق المتوسط)».

فلسطينيون يحملون جريحاً في موقع غارة جوية إسرائيلية على مأوى للنازحين وسط قطاع غزة (رويترز)

وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قد أكد في تصريحات، منتصف الأسبوع الماضي، أن «القمة الطارئة في القاهرة ستناقش طرحاً عربياً يقابل مقترح أميركا». وقال إن «الطرح العربي سيقوم على التوافق الفلسطيني والدعم العربي والدولي»، مقترحاً «تنحي حركة (حماس) إذا اقتضت المصلحة الفلسطينية».

وبشأن إعادة إعمار غزة. أوضح عبد المنعم سعيد أن «هناك كثيراً من الأفكار في هذا الصدد اعتماداً على خبرات عدة مصرية وعربية في التطوير العقاري، من بينها مقترحات تتضمن إعادة استخدام حطام الحرب، وربما توسيع غزة بردم أجزاء من البحر».

ونقلت «رويترز» عن مصادر، لم تسمها، قولها إن المقترحات العربية قد تتضمن «صندوق إعادة إعمار، واتفاقاً لتنحية حركة (حماس) جانباً»، ولفتت إلى «وجود نحو 4 مقترحات على الأقل تمت صياغتها بالفعل بشأن مستقبل غزة، لكنّ مقترحاً مصرياً يبدو حالياً الأساس للمسعى العربي لطرح بديل لفكرة ترمب».

ويتضمن أحدث مقترح قدمته القاهرة «تشكيل لجنة فلسطينية لحكم قطاع غزة دون مشاركة (حماس)، وتعاوناً دولياً في إعادة الإعمار دون تهجير الفلسطينيين، إضافة إلى المضي نحو حل الدولتين»، وفق 3 مصادر مصرية أمنية تحدثت لـ«رويترز».


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.