هل تعزز تهنئة السيسي للشرع مسار التقارب بين مصر وسوريا؟

في ظل تساؤلات حول «مستقبل العلاقات بين البلدين في الفترة المقبلة»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع سابق مع وزير الخارجية بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع سابق مع وزير الخارجية بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)
TT

هل تعزز تهنئة السيسي للشرع مسار التقارب بين مصر وسوريا؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع سابق مع وزير الخارجية بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع سابق مع وزير الخارجية بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)

جاءت تهنئة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لأحمد الشرع، بمناسبة توليه منصب رئيس الجمهورية العربية السورية خلال المرحلة الانتقالية، بعد فترة من «مواقف متحفظة للقاهرة على الانخراط في العلاقات مع دمشق»، وهو ما يطرح تساؤلات حول «مستقبل العلاقات بين البلدين في الفترة المقبلة».

غير أن هذه الخطوة المصرية «ستعزز فرص تقارب البلدين»، وفق تقديرات رئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير محمد العرابي، ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي في حديثين منفصلين لـ«الشرق الأوسط»، ولم يستبعدا حدوث انطلاقة في العلاقات، وربما زيارة مسؤولين لدمشق حال استمرت الأخيرة في بناء مؤسسات الدولة، وأجابت عن شواغل القاهرة.

وبعد يومين من إعلان الإدارة السورية الجديدة تسمية الشرع رئيساً انتقالياً، وتفويضه بتشكيل مجلس تشريعي للمرحلة الانتقالية، قال الرئيس المصري، مساء الجمعة، عبر منشور بمنصة «إكس»: «أتوجه بالتهنئة للسيد أحمد الشرع لتوليه منصب رئاسة الجمهورية العربية السورية خلال المرحلة الانتقالية، وتمنياتي له بالنجاح في تحقيق تطلعات الشعب السوري، نحو مزيد من التقدم والازدهار».

وجاءت تهنئة الرئاسة المصرية، التي نقلتها «وكالة الأنباء السورية» الرسمية، بعد مواقف متحفظة للقاهرة تجاه إدارة دمشق الجديدة، منذ الإطاحة ببشار الأسد قبل شهر، وقال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خلال تصريحات متلفزة، رداً على سؤال حول زيارة دمشق: «نأمل في أن تكون سوريا مستقرة، وكل شيء يتم دراسته، وقد أجريت اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية (سلطة الأمر الواقع) في سوريا، أسعد الشيباني، وعلى استعداد للانخراط (في مشاورات)، ولدينا بعض الأمور والشواغل التي تحتاج لمعالجة ومناقشة».

وكان توصيف عبد العاطي للشيباني يختلف مع ما نشرته وزارة الخارجية المصرية في 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بأنه «وزير الخارجية المعين بالحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا»، وذلك عقب اتصال هاتفي تضمن إعلان القاهرة محددات للعلاقات، أبرزها «أهمية أن تتبنى العملية السياسية مقاربة شاملة، وأن تبني (دمشق) مؤسساتها، وأن تكون سوريا مصدر استقرار بالمنطقة».

وتزامن التوصيف المصري المغاير وقتها مع ظهور دعوات من سوريا، يتزعمها شخص يدعي أحمد المنصور، تعده مصر «إرهابياً»، بعد أن حرض ضد القاهرة، قبل أن تعلن تقارير إعلامية توقيف دمشق للمنصور، ما عدّه مراقبون آنذاك مغازلة للقاهرة وطمأنتها.

بنايات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويعتقد العرابي أن تلك التهنئة «تعزز التقارب مع الجانب السوري، خاصة بعد فترة من تأكيد مسؤولين عرب للقاهرة حرص دمشق على تقاربها مع مصر، وفتح صفحة جديدة»، وقال بهذا الخصوص: «سوريا تسير الآن في بناء الدولة، وهذا كان الهم الأساسي لمصر الذي تحرص عليه، وخطوة التهنئة ضمن خطوات مدروسة لفتح صفحة جديدة مع دمشق، ستكون مفيدة للدولة السورية، واحتضان العالم العربي لها».

ويرى حجازي أن تلك الخطوة المصرية ستعزز تقارب البلدين أيضاً، لافتاً إلى أن مصر لم تبتعد عن المشهد السوري، وأنها تعد دمشق في قلب وعقل الدبلوماسية المصرية، وقدمت لها الدعم والمساعدة الإنسانية، ودعت لإقامة دولة المؤسسات، وترجمت القرارات الانتقالية السورية تلك الرغبة المصرية، التي تعد تحولاً مهماً، وخطوة مشجعة لمضي دمشق في إقامة دولة المؤسسات.

ولاقت تهنئة الرئيس المصري اهتماماً إعلامياً، إذ قال الإعلامي عمرو أديب، خلال برنامجه عبر شاشة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، إنه شعر بالارتياح بالتهنئة، وعبر عن أمله في أن يجري مسؤول مصري رفيع المستوى زيارة دمشق في الفترة المقبلة، لتبدأ الأمور في التحسن وتكون العلاقات طبيعية.

غير أن الخطوة المصرية الإيجابية لا يمكن أن تكون حاسمة في التنبؤ بما ستكون عليه علاقات البلدين، وفق العرابي، الذي أكد أن لديه «تفاؤلاً حذراً بشأن المستقبل، لأن المنطقة متغيرة بشكل سريع»، فيما لم يستبعد أن تكون التهنئة «بداية لتحرك مصري قد يشمل زيارة مسؤول مصري لدمشق».

أما حجازي فيتوقع أن تكون العلاقات المصرية - السورية مهيأة لانطلاقة طيبة حال استمرت سوريا في مسار تأسيس دولة المؤسسات، وأجابت عن شواغل القاهرة في ملفات عديدة.


مقالات ذات صلة

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في دبي الثلاثاء (الشرق الأوسط)

الشرع: التحولات الاقتصادية تتطلب قرارات «صادمة»

في تعليق ضمني على احتجاجات الوقود في سوريا، قال الشرع إن إدارة المرحلة تتطلب قدراً من التدرج واتخاذ قرارات قد تكون «صادمة» في بعض الأحيان.

«الشرق الأوسط» (دبي)
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب) p-circle

سوريا: 10 جرحى بصفوف قوى الأمن بعد اشتباكات في السويداء

أصيب عشرة عناصر من قوى الأمن الداخلي السورية في اشتباكات، ليل الاثنين، مع مجموعات محلية مسلحة في السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش السوري (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان مدنيان في اشتباكات بغرب مدينة السويداء السورية

قُتل مدنيان في اشتباكات دارت، الأحد، بين مجموعات مسلحة محلية وقوات حكومية غرب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون خلال جلسة محاكمته اليوم في دمشق (سانا)

الحكم بالمؤبد على «مفتي البراميل» في سوريا

أصدر القضاء السوري حكماً حضورياً بالسجن المؤبد بحقّ مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون، بعد إدانته بجرائم عدة؛ بينها إثارة النعرات الطائفية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الجيش السوداني يصُدّ هجوماً في ولاية النيل الأزرق


جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يصُدّ هجوماً في ولاية النيل الأزرق


جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)

أعلنت سلطات محلية في إقليم النيل الأزرق أن الجيش السوداني تصدّى لهجوم شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة الكيلي بمحلية الكُرمك، قرب الحدود مع إثيوبيا. وقالت محافظة الكرمك، شرق البلاد، إن القوة المهاجمة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، بينما أعلن الجيش تنفيذ هجوم استباقي جنوب الكيلي، قال إنه أسفر عن مقتل عناصر من «الدعم السريع» وتدمير 9 مركبات قتالية.

وفي تطور موازٍ، أعلن الجيش استعادة 11 منطقة في ولاية شمال كردفان عقب معارك مع «الدعم السريع»، بينها كجمر وشرشار والقليعات وأولاد حزمة ومناطق حول المزروب.


الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
TT

الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، ناتجة عن تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة من البلاد، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليف الإنتاج، وسط مخاوف من انعكاس ضعف الموسم الحالي، على توفر الغذاء وأسعار سلعه خلال الموسم المقبل.

وبدأت تداعيات الأزمة تظهر بالفعل في بعض مناطق غرب السودان، مع تدهور المراعي ونفوق الماشية وارتفاع أسعار الحبوب، بينما تراوحت أسعار جوال الذرة؛ وهي الغذاء الرئيسي في معظم أنحاء السودان بين 500 و600 ألف جنيه للأردب، وفقاً لمعلومات ميدانية.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في أحدث تصريحاتها، إن الأمطار التراكمية خلال موسم يونيو (حزيران) - سبتمبر (أيلول)، جاءت دون المتوسط في معظم مناطق إنتاج المحاصيل، ما أثر في الإنبات ونمو المزروعات وأثار مخاوف بشأن إنتاج الحبوب في 2026.

مزارع سوداني يحرث أرضاً زراعية في ولاية القضارف بشرق البلاد وسط الجفاف (أ.ف.ب)

وقال رئيس «تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل» عابدين برقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن علامات تعثر الموسم كانت واضحة منذ بدايته، وإن عدداً كبيراً من المزارعين أحجموا عن الزراعة، قبل أن تشجع إحدى المنظمات بعضهم على اللحاق بالموسم، وتوفر لهم التمويل.

وأضاف: «العطش بدأ يظهر على المحاصيل، ونحمّل إدارة الري مسؤولية عدم تنظيف جميع الترع من الحشائش والطمي، ما أعاق تدفق المياه إلى الأراضي المزروعة».

وأضاف برقاوي أن المياه تصل إلى 6 مزارع من جملة 18 في المنطقة، وشح الأمطار فاقم المشكلة، مشيراً إلى أن نحو 50 في المائة من المساحة المزروعة بالذرة والفول والقطن، مهددة بالعطش، محذراً من أن يؤدي تلف المحاصيل إلى عجز المزارعين عن تسديد ديون تمويل الموسم.

النيل موجود والمياه لا تصل

في الولاية الشمالية، ترتبط أزمة الري بانقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل الطلمبات، وقال رئيس «اتحاد مزارعي دنقلا»، طه جعفر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن غير مستفيدين من النيل، لا في الزراعة، ولا مياه الشرب»، وأشار إلى أن «الكثيرين من المزارعين أحجموا هذا الموسم عن زراعة الفول والقمح لعدم توفر مياه الري بصورة كافية».

وصلت الشاحنات أخيراً إلى مخيم زمزم المنكوب بالمجاعة في شمال دارفور (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «ترعتا السليم وأرقو كانتا تمتلآن بالمياه في مثل هذا الوقت من العام، لكنهما أصبحتا جافتين الآن»، وتابع: «حتى أشجار النخيل التي عمرها عشرات السنين جفت».

مقابل ذلك، قال وزير الطاقة المعتصم إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إن توفير الكهرباء للمشاريع الزراعية تم وضعه ضمن أولويات الموسم، مؤكداً «تحسن الإمداد الكهربائي في الشمالية بالاعتماد على سد مروي والربط المصري والطاقة الشمسية».

مخاطر في سنار

في «مشروع البساطة» بولاية سنار جنوب البلاد، قال المزارع أيمن إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، إن انخفاض منسوب النيل الأزرق يزيد مخاطر الموسم، خصوصاً بالنسبة للمحاصيل النقدية مرتفعة التكلفة.

وأوضح أن نحو 10 آلاف فدان استهدفتها الزراعة، نبت منها نحو 7500 فدان اعتماداً على الأمطار، بينما بقي نحو 2500 فدان دون زراعة، وأضاف: «حتى 27 أغسطس (آب) الماضي، لم تكن طلمبات المشروع قد بدأت العمل بسبب انخفاض منسوب النيل الأزرق، مما زاد اعتماد المحاصيل على الأمطار».

دارفور وكردفان... الخطر يتسع

تبدو الأزمة أشد في أجزاء من غرب السودان، حيث يهدد نقص الأمطار، الزراعة والمراعي ومصادر مياه الحيوانات معاً. وقال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، عقب زيارة للسودان، إن دارفور لم تشهد مثل هذا الجفاف منذ عام 1984، محذراً من «تأثيره الخطير المحتمل على الزراعة ونتائج الموسم».

طفلة تظهر عليها أعراض سوء التغذية (متداولة)

وفي «جبل عيسى» بشمال دارفور، أعلنت غرفة الطوارئ في منصتها، عن نفوق أكثر من 420 رأساً من الضأن نتيجة شح الأمطار وانعدام المراعي ومصادر المياه.

وظهرت انعكاسات الأزمة في أسواق الحبوب؛ إذ تشير «فاو» إلى أن أسعار الذرة والدخن ارتفعت في يونيو الماضي بمعظم الأسواق التي ترصدها، وأصبحت في المتوسط تقارب 7 أضعاف مستوياتها قبل اندلاع الحرب في مارس (آذار) 2023.

وسجلت أسواق في دارفور وكردفان ارتفاعات أكبر مع تناقص المعروض وتعطل طرق التجارة، ووصل سعر جوال الدخن في أم كدادة بشمال دارفور إلى نحو 600 ألف جنيه في أغسطس، فيما تشير معلومات ميدانية إلى تداول جوال الذرة بنحو 500 - 600 ألف جنيه في معظم أسواق المحاصيل بالبلاد.

ولا ترتبط الزيادات في الأسعار بشح الأمطار وحده؛ إذ أسهمت الحرب وإغلاق الطرق وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وتراجع محصول العام الماضي، في الضغط على الأسعار.

وفي غرب كردفان، حذرت «غرفة طوارئ دار حمر»، من أزمة غذائية في مناطق: ود بندة، والنهود، وغبيش، وأبو زبد، والأضية، والخوي، في ظل شح الأمطار وتضرر الزراعة والحرب وصعوبة حركة السلع.

موسم متفاوت في جنوب كردفان

لكن الصورة ليست واحدة في جميع المناطق؛ إذ قال المزارع عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط»، إن الموسم يبدو مبشراً حتى الآن في شرق جنوب كردفان، خصوصاً في أبو جبيهة وكلوقي، حيث تمت زراعة القطن والسمسم.

أطفال نازحون في «مخيم زمزم» (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «الوضع يختلف في الدلنج وكادوقلي، حيث زرع بعض المواطنين أمام منازلهم، بينما تعثرت الزراعة في المشاريع الكبيرة بسبب الظروف الأمنية»، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج «منع كثيراً من المزارعين من الزراعة»، معرباً عن مخاوفه كذلك من ظهور آفات تهدد الذرة والسمسم.

موسم مقبل أكثر صعوبة

يثير ضعف الأمطار وتعثر الزراعة مخاوف من تراجع إنتاج الغذاء المحلي خلال الأشهر المقبلة، في بلد يعاني بالفعل أزمة جوع واسعة. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن «نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان، بينهم نحو 5 ملايين في مستويات الطوارئ»، في وقت اضطر فيه البرنامج إلى تقديم حصص غذائية جزئية لبعض المستفيدين بسبب نقص التمويل.

كما حدد أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان تواجه خطر المجاعة في أسوأ سيناريو معقول إذا تصاعد القتال، وزاد النزوح وتعطل وصول الغذاء والمساعدات.

الحكومة: الإنتاج مطمئن

تقدم الحكومة تقييماً أكثر تفاؤلاً؛ إذ قال وزير الزراعة والري عصمت قرشي لـ«الشرق الأوسط»: «السودان لن يجوع، كما يزعم بعض التقارير التي تصدر عن بعض المنظمات»، مؤكداً أن موقف الإنتاج الزراعي «مطمئن».

قارب مهجور جنح على ضفاف النيل الأزرق وقاع النهر المكشوف في الخرطوم (أ.ف.ب)

وأشار قرشي إلى معالجة مشكلات الري في مناطق «السوكي، وحلفا، ومشروع الجزيرة»، وقال إن المرحلة الأولى من تمويل الموسم بلغت 700 مليار جنيه، وإن المبيدات متوفرة بكميات تكفي 3 سنوات.

لكن نتيجة الموسم الحالي ستظل حاسمة بالنسبة للأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين ضعف الأمطار والحرب والنزوح وتعطل الأسواق، وسط ارتفاع أسعار الحبوب وتراجع قدرة ملايين السودانيين على شراء الغذاء.


الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)

تدخل أفريقيا مرحلةً جديدةً من التنافس الدولي على النفوذ، مع اتساع مساحة الحضور الصيني في القارة مقابل تراجع نسبي في الاهتمام الأميركي بها، ولا تكتفي بكين بتوسيع شراكاتها الاقتصادية، بل تدفع بالتعاون العسكري والأمني إلى واجهة علاقاتها بالقارة السمراء وكان أحدث هذه الجهود «منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي» الرابع.

ذلك المنتدى الذي جمع، بحسب بكين، مسؤولين في مجال الدفاع وممثلين عسكريِّين من الاتحاد الأفريقي و41 دولة أفريقية، يؤكد بحسب خبراء، أن «ذلك التعاون الدفاعي متصاعد، وأن الصين تزيد نفوذها بالقارة على أساس التعاون المتبادل في ظلِّ مواجهة المخاطر العسكرية والأمنية المتزايدة بخلاف واشنطن التي تقوم شراكتها على الشروط والضغوط».

وفي كلمة رئيسية ألقاها خلال «منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي» الذي عُقد في بكين، دعا وزير الدفاع الصيني دونغ جيون إلى بذل مزيد من الجهود لتعزيز التعاون في مجال الدفاع بين الصين وأفريقيا، بحسب ما نقلته وكالة أنباء «شينخوا» الصينية، مساء الخميس.

وشدَّد على أن «التعاون في مجال الأمن بين الصين وأفريقيا يعود بالنفع على الجانبين، ويسهم في الاستقرار العالمي»، داعياً إلى «تعاون طويل الأمد يقوم على المساواة والمنفعة المتبادلة».

وقال دونغ: «إن الجيش الصيني مستعدٌّ للعمل مع الدول الأفريقية لتعزيز التنسيق الاستراتيجي، وتحسين آليات التبادل الدفاعي الشاملة والمتعددة المستويات، وتعميق التعاون الإقليمي في مجال الأمن البحري، وتعزيز القدرات الدفاعية».

خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، يوضِّح لـ«الشرق الأوسط»،أن المنتدى «يمثل فرصةً كبيرةً لتعزيز التعاون الدفاعي بين بكين وأفريقيا، مع التنامي المتسارع للنفوذ والوجود الصيني داخل معظم دول القارة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وتقديم نفسها شريكاً استراتيجياً بخلاف نهج واشنطن القائم على الشروط والضغوط، وهذا أحد أسباب التجاوب الأفريقي».

بعض الوزراء والمسؤولين الأفارقة المشاركين في «المنتدى الصيني - الأفريقي» (وكالة الأنباء الصومالية)

وتعتقد الخبيرة في الشؤون الصينية تمارا برو، أن بكين «تعزز حضورها الاستراتيجي المتصاعد في القارة الأفريقية الغنية بالموارد اعتماداً على مبدأ المنفعة المتبادلة (رابح - رابح) لحماية الممرات لضمان تدفق هذه الموارد وحماية مصالحها الاستثمارية، ومن دون فرض شروط سياسية أو التدخل في الشؤون الداخلية للحكومات، بخلاف النهج الأميركي الذي يربط التعاون والمساعدات بملفات حقوق الإنسان وطبيعة أنظمة الحكم».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن دعوة وزير الدفاع الصيني «تتكامل مع خطة عمل منتدى التعاون الصيني - الأفريقي (2025 - 2027)، التي تشمل تقديم منح وعائدات عسكرية وتدريب الضباط الأفارقة في الصين، وتنفيذ تدريبات ودوريات بحرية مشتركة، وتقديم المساعدة في مجالات مكافحة الإرهاب، وإزالة الألغام، وتأمين خطوط الملاحة، وتسويق الأسلحة الصينية، وبناء شبكة أمنية طويلة الأمد لحماية المصالح الاقتصادية».

أيضاً يؤكد الخبير الصيني في العلاقات الدولية، يحيى تشو شيوان لـ«الشرق الأوسط»، أن الدول الأفريقية «في حاجة فعلية إلى تعزيز قدراتها الذاتية في مجال الأمن والدفاع، وهذه الدعوة الصينية ستلاقي تجاوباً»، موضحاً أن «هذا التعاون لا يعني أن بكين تسعى إلى توسيع ما يسمى (النفوذ العسكري في أفريقيا)، أو طلب الاختيار بينها وبين واشنطن، أو توجيه التعاون ضد أي طرف ثالث، بل تسعى لاستقرار القارة؛ ما يصب في صالح بكين».

مشاركون أفارقة في «المنتدى الصيني - الأفريقي» (وكالة الأنباء الصومالية)

ونقلت «شينخوا» عن الممثلين الأفارقة المشاركين في المنتدى، «تقديرهم للمساعدة والدعم اللذين تقدمهما الصين في مجالَي الدفاع والتنمية العسكرية»، مؤكدين أن «الدول الأفريقية مستعدة لمواصلة تعزيز التعاون مع الصين في مجالَي الدفاع والأمن، والإسهام في تنمية العلاقات بين أفريقيا والصين».

وكشفت «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، أن وزير الدفاع أحمد معلم فقي، شارك في هذا المنتدى، لافتة إلى أنه بحث مجالات التعاون في الدفاع والتدريب وبناء قدرات القوات المسلحة، إلى جانب الاستفادة من الدعم الدولي بما يتوافق مع الاحتياجات والأولويات الوطنية.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، التقى فقي، نظيره الصيني دونغ جون، في العاصمة بكين، في أول لقاء على المستوى الوزاري بين البلدين منذ نحو 4 عقود؛ لبحث تطوير التعاون الثنائي في مجالات الأمن والدفاع.

وهنا يعتقد يحيى تشو شيوان، أن الصومال «بوصفه دولة ذات سيادة، من حقه أن يختار شركاءه وفقاً لاحتياجاته في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن الوطني»، مؤكداً أنه «إذا عزَّزت الصين والصومال تعاونهما الدفاعي، فهذا طبيعي بين دولتين لهما سيادة،لكن التحدي الحقيقي أمام هذا التعاون في المستقبل هو كيف يمكن التعامل مع التهديدات الأمنية الآنية، وفي الوقت نفسه معالجة جذور الصراعات من خلال التنمية الاقتصادية».

هذا التجاوب الأفريقي الواسع، في ظلِّ التهديدات المتصاعدة بالقارة، يفتح بحسب تمارا برو، «آفاقاً للشراكة الدفاعية أمام الدول الأفريقية للاستفادة من التنافس الدولي بين واشنطن وبكين لتحسين شروطها التفاوضية، ونقل التكنولوجيا والخبرات العسكرية، وتطوير قدراتها الذاتية للحد من الاعتماد على القوات الأجنبية، لا سيما في مناطق مثل القرن الأفريقي؛ لمواجهة القرصنة وتأمين الموانئ».

في المقابل، تواجه هذه الشراكة تحديات جوهرية وفق برو «تتمثل في الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية التي تمارسها الولايات المتحدة للحد من التمدد العسكري الصيني في القارة بدعوى حماية الأمن القومي الأميركي».

ورغم هذه التحديات التي تأتي في ظلِّ تحركات إسرائيلية بالقارة، يرى حسين البحيري، أن «هناك فرصاً لأفريقيا لتزيد تجاوبها مع بكين، في ظلِّ التراجع الأميركي عن دعم بعثات حفظ السلام في الدول الأفريقية، أو خفض التمويلات في عدد من المجالات الإنسانية جراء الصراعات».