التنقل في القاهرة صار أسهل وأسرع… لكن تكلفته مرهقة

كادت المدينة تتحول إلى «مرآب كبير»

السيسي أعلى محور الفريق كمال عامر بمحافظة الجيزة يتابع الإنشاءات (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
السيسي أعلى محور الفريق كمال عامر بمحافظة الجيزة يتابع الإنشاءات (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
TT

التنقل في القاهرة صار أسهل وأسرع… لكن تكلفته مرهقة

السيسي أعلى محور الفريق كمال عامر بمحافظة الجيزة يتابع الإنشاءات (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
السيسي أعلى محور الفريق كمال عامر بمحافظة الجيزة يتابع الإنشاءات (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

قبل افتتاح طريق بنها - شبرا الحر، وهو أحد مشاريع الطرق في مصر، كانت منار البحيري (29 عاماً)، وهي تعمل بمنطقة المعادي (جنوب العاصمة)، وتسكن في مدينة بنها بمحافظة القليوبية (دلتا النيل)، تستغرق 3 ساعات يومياً للذهاب إلى عملها ومِثلها للعودة. الآن بات التنقل بالنسبة لها أسهل وأسرع، تستغرق ثلثي المدة، لكنها، في الوقت نفسه، تشكو ميزانيته، والتي تقتطع ثُلث مرتبها كل شهر.

شهدت مصر، على مدار العقد الماضي، مشروعات ضخمة في النقل، زادت من السيولة المرورية، من خلال توسعة طرق وكبارٍ قائمة، وتدشين أخرى، بالتوازي مع مدّ شبكة مترو الأنفاق، والتي تسهم في نقل 4.5 مليون راكب يومياً، وفق بيان لمجلس الوزراء لعام 2023.

مشهد علوي لأحد الكباري الجديدة بمصر (وزارة النقل)

وتطرَّق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، خلال احتفالية «عيد الشرطة»، لإنجازات الدولة في المشروع القومي للطرق، قائلاً: «كان يصعب السير نهائياً في القاهرة، وكذلك في الإسكندرية، وباقي المحافظات، لكن المواطن، اليوم، لا يشعر بذلك لأنه يسير عليها، بعد أن تم حل المشكلة».

وهذه ليست أول مرة يتطرق فيها السيسي لمشروعات النقل وأهميتها، إذ سبق أن ردَّ على منتقديها في 10 يناير (كانون الثاني) الحالي، بالقول إن القاهرة صارت «مرآبا كبيراً»، لولا مشروعات الطرق؛ في إشارة إلى الشلل المروري الذي كان سيحدث، لو لم تنفَّذ هذه المشروعات.

وتدور الانتقادات الموجهة لمشروعات الطرق حول تكلفتها الكبيرة، والتي وصلت إلى 2 تريليون جنيه (الدولار 50.27 جنيه)، وتنفيذها خلال أزمة اقتصادية تعانيها الدولة، واضطرتها للجوء إلى صندوق النقد الدولي مرتين؛ الأولى عام 2016، والثانية 2023.

وأطلق السيسي مشروعه القومي للطرق عام 2014. وكانت شبكة الطرق الرئيسية آنذاك بطول 23.5 ألف كيلومتر، و38 كوبري نيل، و1500 كوبري ونفق (طرق رئيسية / مزلقانات)، و125 ألف كيلومتر طرق محلية.

وفي عام 2023 أصبح طول شبكة الطرق 30.5 ألف كيلومتر، وطور 10 آلاف كيلومتر من الشبكة الحالية، وجرى إنشاء 13 محوراً جديداً، و935 «كوبري»، بجانب رفع كفاءة 41 ألف كيلومتر من الطرق المحلية، وفق تصريحات وزير النقل كامل الوزير، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ويذهب وجه آخر من الانتقادات إلى الكلفة البيئية والحضارية للمشاريع؛ والمقصود بها مراعاة «الجانب الحضري، والخاص بتوفير بيئات آمنة للمشي أو استخدام الدراجات، وكذلك منح الأولوية لقطاع النقل العام مقارنة بالنقل الخاص»، وفق ما تناولته ورقة بحثية بعنوان «مستقبل التنقل المستدام في مصر»، الصادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار.

ويُفرق خبير التخطيط العمراني عمرو عصام، وهو أحد الباحثين المشاركين في إعداد الورقة، بين شبكة الطرق التي تربط المحافظات، مؤكداً أهميتها في تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة، وبين شبكة الطرق داخل المدن نفسها، والتي يُفترض أن تراعي معايير حضارية وبيئية وإنسانية يعرفها المتخصصون.

طريق الواحات الدائري الجديد (وزارة النقل)

لا تُلقي منة إبراهيم، وهي طالبة في كلية الآداب بجامعة حلوان، بالاً للانتقادات السياسية لمشاريع الطرق والكباري، فهذه الطرق بالنسبة لها ميزة، يسّرت وصولها إلى الجامعة، خصوصاً بعدما اضطرت لاستبدال الميكروباص (وسيلة نقل جماعية شبه رسمية) بالمترو، بعد ارتفاع سعر تذكرة الأخير، في أغسطس (آب) الماضي، إلى 20 جنيهاً، بعدما كان 12.

تقول، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تتحصل عليه من مصروف يومي، خلال ذهابها للجامعة، 100 جنيه فقط، ومع ارتفاع تذكرة المترو أصبح المشوار يتكلف 70 جنيهاً يومياً، إذ تضطر لاستقلال «توك توك» إلى أقرب محطة مترو لديها، ثم تذكرة المترو، وتعلق قائلة: «الـ30 جنيهاً الأخرى ليست كافية لشراء وجبة في الجامعة، لذا غيّرتُ خط سيري».

رحلة منة بالميكروباص تتكلف 40 جنيهاً يومياً، وهو مبلغ يظل كبيراً لميزانيتها المحدودة، لكنه يوفر لها "مصروفاً أكبر ووقتاً، مشيرة إلى أنها تتخذ هذا الخيار دون علم أهلها، الذين يرفضون استقلالها الميكروباص؛ خوفاً عليها من حوادث الطرق.

وسجلت مصر، في عام 2023، 5 آلاف و861 حالة وفاة، و71 ألفاً و16 إصابة، على أثر حوادث الطرق، وفق الجهاز المركزي للإحصاء، بتراجع 27 في المائة للوفيات، و24.5 في الإصابات، مقارنة بعام 2022.

ويخشى عمر صالح (35 عاماً) من الحوادث أيضاً على الطرق السريعة، لكن ذلك لا يمنع إشادته الكبيرة بمشاريع الطرق، التي وفّرت له وقتاً في انتقاله من محل سكنه بمنطقة النزهة الجديدة (شرق القاهرة) إلى مدينة العاشر من رمضان في محافظة الشرقية (دلتا النيل) حيث يعمل. يقول، لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق العاشر، الذي يتخذه بشكل شِبه يومي على مدار 7 سنوات، كان ضيقاً ومزدحماً قبل التطويرات.

يعتمد صالح، بشكل أساسي، على وسيلة نقل جماعية تُوفرها له الشركة التي يعمل بها، وتخصم مبلغاً من راتبه، لكن اليوم الذي يتعطل فيه الأتوبيس ويضطر لركوب وسائل نقل أخرى، يتكلف ضِعف المبلغ الذي كان يتكلفه في السابق.

يأتي ذلك في وقت يعاني فيه المواطنون موجات مرتفعة من التضخم، والذي سجل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي 24.1 في المائة.

وبالنسبة لمن لديهم سيارات خاصة، والذين قد يبدون أكثر استفادة من مشاريع الطرق والكباري، فإن ثمة كلفة مرهقة لهم أيضاً تتعلق بارتفاع أسعار البنزين عدة مرات.

وزادت أسعار البنزين بنسبة تصل إلى 17 في المائة خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وكانت هذه الزيادة الثالثة التي شهدتها أسعار المحروقات خلال عام واحد 2024.

علياء طلعت واحدة من هؤلاء، تحكي، لـ«الشرق الأوسط»، عن الطريق الطويل الذي تقطعه من منزلها في العبور (شرق العاصمة) إلى معهد الفنون المسرحية في الهرم بالجيزة. تقول: «جرى اقتطاع جزء إضافي من ميزانيتي على بند التنقل بسبب زيادة أسعار البنزين»، إلا أنها تَعدُّ نفسها أفضل حظاً في ظل ارتفاع أسعار المواصلات في المدن الجديدة، وعدم توفر وسيلة مثل المترو فيها.


مقالات ذات صلة

توافق مصري - أميركي على دعم الشراكة وتعزيز التعاون الأمني

شمال افريقيا محادثات وزير الخارجية المصري وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي في القاهرة يوم الاثنين (صفحة الخارجية على «فيسبوك»)

توافق مصري - أميركي على دعم الشراكة وتعزيز التعاون الأمني

أعرب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن تطلع بلاده لمواصلة تعزيز التعاون مع الكونغرس بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة للبلدين.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
الاقتصاد واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

على مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية المصرية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مصر تؤكد أن مخاطر «الإيبولا» على المواطنين منخفضة (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)

مصر تؤكد انخفاض خطر وصول «إيبولا» إلى أراضيها

أكدت السلطات الصحية في مصر أن مخاطر «الإيبولا» على المواطنين منخفضة، وأن البلاد لا تزال حتى الآن خالية تماماً من المرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عالمية شهدت منطقة أهرامات الجيزة السبت واحدةً من أكثر ليالي الملاكمة تفرّداً في المشهد الرياضي العالمي (الشرق الأوسط)

أوسيك يحسم ملحمة الجيزة أمام فيرهوفن... ويحافظ على ألقابه الـ3 في الوزن الثقيل

شهدت منطقة أهرامات الجيزة، السبت، واحدةً من أكثر ليالي الملاكمة تفرّداً في المشهد الرياضي العالمي، مع انطلاق نزالات «غلوريا إن جيزا» وسط أجواء استثنائية.

مهند علي (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)

تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

أكدت المملكة العربية السعودية ومصر «ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي وتجنب مخاطر التصعيد غير المحسوب الذي يهدد أمن واستقرار الإقليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

توافق مصري - أميركي على دعم الشراكة وتعزيز التعاون الأمني

محادثات وزير الخارجية المصري وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي في القاهرة يوم الاثنين (صفحة الخارجية على «فيسبوك»)
محادثات وزير الخارجية المصري وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي في القاهرة يوم الاثنين (صفحة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

توافق مصري - أميركي على دعم الشراكة وتعزيز التعاون الأمني

محادثات وزير الخارجية المصري وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي في القاهرة يوم الاثنين (صفحة الخارجية على «فيسبوك»)
محادثات وزير الخارجية المصري وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي في القاهرة يوم الاثنين (صفحة الخارجية على «فيسبوك»)

في إطار تحرك مصري لتنشيط قنوات التواصل الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، جرت محادثات في القاهرة يوم الاثنين، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي إبراهام حمادة، تناولت «دعم الشراكة وتعزيز التعاون الأمني».

وأعرب عبد العاطي عن تطلع بلاده لمواصلة تعزيز التعاون مع الكونغرس بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة للبلدين، كما استعرض الدور الذي تضطلع به مصر في «دعم الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط»، مشيراً إلى «الجهود التي تبذلها لاحتواء التصعيد الراهن وخفض التوتر ودعم المسار التفاوضي الأميركي - الإيراني والدفع بالحلول الدبلوماسية».

فيما أشار حمادة إلى تقديره للشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين، لافتاً إلى «حرصه على دعم أطر التعاون المشترك، ومواصلة التنسيق بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك».

المصالح المشتركة

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، رخا أحمد حسن، أن اللقاءات الرسمية المتكررة والاتصالات بين القاهرة وواشنطن «تقلل مواطن الخلافات وتوضح الصورة، لأن مصر قوة إقليمية لها اعتبارها، والولايات المتحدة تسعى في التعرف على موقفها، لذا فالمصالح مشتركة».

ترمب خلال لقاء السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «من الناحية الواقعية، الولايات المتحدة لها دور كبير جداً في المنطقة، خصوصاً في الصراع العربي - الإسرائيلي، وهي الطرف الدولي الوحيد الذي يستطيع التأثير على إسرائيل وعلى الأطراف الأخرى المؤيدة أو المعارضة لتل أبيب».

وأعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تقديره للشراكة الممتدة بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وأشاد بالدور الذي يضطلع به السيسي في تحقيق التنمية والاستقرار السياسي والأمني في مصر، وكذلك في دعم السلم والاستقرار الإقليميين.

وقال حسن: «هناك تعاون في مشروعات عديدة بين مصر والولايات المتحدة، سواء تعليمية أو ثقافية أو تكنولوجية، ومحادثات وزير الخارجية وعضو لجنة الخدمات العسكرية بالكونغرس تؤكد الناحية العسكرية في إطار ما هو قائم فعلاً من تعاون بين البلدين، حتى وإن اختلفت وجهات النظر حول بعض الموضوعات».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي النائب الأميركي إبراهام حمادة في القاهرة يوم الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

وحسب إفادة للمتحدث باسم وزارة الخارجية تميم خلاف، الاثنين، فإن اللقاء تناول سبل دعم الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، كما تطرق إلى عدد من القضايا الإقليمية الأخرى وفي مقدمتها تطورات القضية الفلسطينية.

واستعرض عبد العاطي خلال المحادثات محددات الموقف المصري إزاء التطورات في غزة والضفة الغربية، مبرزاً الجهود التي تبذلها مصر لدعم الاستقرار الإقليمي.

الدعم الاقتصادي

وحول التعاون بين مصر والولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة خصوصاً مع تداعيات الحرب الإيرانية، قال حسن: «الرئيس ترمب خلال فترة حكمه الأولى عندما زاره الرئيس السيسي في واشنطن، أبدى إعجابه بتحمل الشعب المصري للبرنامج الاقتصادي وما يتضمنه من بعض الصعوبات المعيشية، ووعد حينها بأنه سوف يساعد اقتصادياً؛ إلا أن كل ما تم تنفيذه هو دعم مطالب مصر في المنظمات المالية الدولية، ولم نشهد مشروعات أميركية ضخمة خلال الفترة الأخيرة باستثناء بعض مشروعات بسيطة في الطاقة والغاز».

وتابع: «في المقابل فإن روسيا قدمت عرضاً غير مسبوق بمشروع محطة الضبعة لإنتاج الطاقة الكهربائية، حيث ستموله بالكامل لحين الإنتاج، فضلاً عن المنطقة الاقتصادية الروسية».

وتقيم روسيا عدداً من المشروعات الكبرى في مصر، من بينها «محطة الضبعة النووية»، بشمال البلاد، لإنتاج طاقة كهربائية بقدرة 4800 ميغاواط، إلى جانب المنطقة الاقتصادية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي وقَّع البلدان اتفاقاً لإقامتها في عام 2018 باستثمارات تبلغ 4.6 مليار دولار.

وفي مارس (آذار) الماضي، أكد وزير الخارجية المصري، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي في المنطقة»، وأشار حينها إلى «تأثر أسعار الطاقة والغذاء وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».


مسؤول فرنسي يكشف أسرار خريطة الطريق الجديدة للتعاون القضائي مع الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
TT

مسؤول فرنسي يكشف أسرار خريطة الطريق الجديدة للتعاون القضائي مع الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

بينما التزمت الجزائر الصمت بشأن زيارة وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، التي جرت قبل أسبوع، كشفت باريس عن كواليس اللقاءات؛ وتصدرت المباحثات ملفات ساخنة تتعلق بتبادل المطلوبين، بين معارضين سياسيين تلاحقهم الجزائر، ومتهمين بالفساد يملكون أصولاً في فرنسا كانوا مسؤولين في فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

في تصريحات صحافية نقلتها جريدة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، أمس الأحد، تحدث دارمانان عن التعاون القضائي الذي يجري إرساؤه بين البلدين. ففي مقابل الحصول على معلومات حول تهريب المخدرات، قدمت السلطات الجزائرية طلبين: تسليم معارضين جزائريين، وما يعرف بـ«استعادة الأموال المنهوبة».

وزيرا العدل الجزائري والفرنسي (سفارة فرنسا بالجزائر)

وقال الوزير الفرنسي إنه نقل إلى السلطات الجزائرية قائمة بمهربي مخدرات فرنسيين جزائريين مطلوبين لدى العدالة الفرنسية، لا سيما أعضاء مفترضين في شبكة «دي زاد مافيا» التي ينشط أعضاؤها في جنوب فرنسا، ويعتقد أن قياديين من الشبكة لجأوا إلى الجزائر بحكم أنهم يتحدرون منها، هرباً من ملاحقة جهاز الأمن الفرنسي.

كواليس مثيرة

وأكد الوزير أنه «يأمل في الحصول على المزيد من عمليات التسليم»، في حين أن فرنسا لم تحصل إلا على عملية تسليم واحدة فقط منذ خمسة عشر عاماً وفقاً لتصريحاته. ومع ذلك، يذكر الوزير بأن الجزائر «لا تسلم أبداً رعاياها».

وخلال تنقله إلى الجزائر، حاول الوزير الفرنسي إعادة إطلاق تعاون قضائي أضعفته سنتان من التوترات الدبلوماسية بين باريس والجزائر، والتي اندلعت في صيف 2024 على إثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء.

أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني سابقاً عمار سعداني (إعلام حزبي)

وشملت المناقشات التي أجراها مع وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة، عمليات التسليم، والمعارضين السياسيين اللاجئين في فرنسا، بالإضافة إلى الملف الحساس لـ«الأموال المنهوبة»، وهي عقارات وودائع يُعتقد أن رموزاً من النظام السابق هرّبوها إلى فرنسا.

ودافع الوزير الفرنسي، في تصريحاته الصحافية، عن استراتيجية «الحوار الصارم والمتطلب» مع الجزائر؛ مشيراً إلى أنه «يرفض في الوقت نفسه السذاجة» و«القطيعة التامة»، مشيداً بـ«الأهمية الاستراتيجية للجزائر بالنسبة لفرنسا، سواء في قضايا الطاقة أو الأمن».

ويتعلق أحد الملفات الرئيسية التي تم التطرق إليها، بمهربي المخدرات والمجرمين المطلوبين بين البلدين. ويؤكد جيرالد دارمانان أنه قدم للسلطات الجزائرية أسماء مهربي مخدرات مطلوبين لدى المحاكم الفرنسية، لا سيما أعضاء مفترضين في مجموعات تضم متابعين أمنياً في فرنسا، خصوصاً في مدينة مرسيليا حيث تقيم جالية جزائرية كبيرة من الجيلين الثاني والثالث للمهاجرين.

وتطرح السلطات الجزائرية مواضيع خاصة بها في التعاون مع باريس؛ إذ تطالب بشكل ملح بعودة أو تسليم بعض المعارضين السياسيين المستقرين في فرنسا؛ حيث يأتي على رأسهم الصحافي هشام عبود، واليوتيوبر أمير بوخرص الشهير بـ«أمير دي زاد»، وهم كثر في اتخاذ فرنسا ملجأ لهم والاستمرار في النشاط والتعبير عن آرائهم، وهو الأمر الذي يزعج السلطات الجزائرية التي تتعامل مع باريس بوصفها «بلداً يوفر ملاذاً آمناً لمتآمرين ضد وحدة الجزائر واستقرارها».

ويعد طلب تسليمهم حساساً بالنسبة لباريس، بما أن العديد منهم يستفيدون من وضع لاجئ سياسي يحظى بحماية الأمم المتحدة. غير أن جيرالد دارمانان يحذر من أن «على هؤلاء احترام قواعد جمهوريتنا»، وفق تصريحاته لـ«جورنال دو ديمانش».

وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

اختبار الصرامة

وتناولت زيارة دارمانان قضية رئيسية أخرى، وهي «الأموال المنهوبة» المرتبطة بمحيط الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019). وأكدت الجزائر أنها وجهت لفرنسا قرابة 130 طلباً قضائياً لاستعادة أصول يُشتبه في أنها متأتية من الفساد ومودعة على التراب الفرنسي. ويُستحضر هنا الشقق الفاخرة لأمين عام حزب «جبهة التحرير الوطني» سابقاً عمار سعداني، ووزير البيئة سابقاً شريف رحماني، ووزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب، وقائد سلاح الدرك سابقاً الجنرال غالي بلقصير، من بين آخرين وردت أسماؤهم في الصحافة وبعض التحقيقات. وإذا كان بالنسبة لسعداني ورحماني لا توجد أي ملاحقة قضائية معروفة، فإن حالة بوشوارب مختلفة؛ فالوزير المهم في عهد بوتفليقة يقع تحت طائلة مذكرة توقيف دولية وأحكام ثقيلة بالسجن صدرت غيابياً. وكانت محكمة فرنسية رفضت العام الماضي تسليمه، بدعوى «عدم توفر شروط محاكمة عادلة في الجزائر»، فيما يخص قضيته.

ويشدد الوزير دارمانان على «استقلالية العدالة الفرنسية» في هذا الملف. ويوضح أنه اصطحب معه المدعي العام المالي الوطني إلى الجزائر، «من أجل تعميق التبادلات الفنية مع القضاة الجزائريين وتوطيد الملفات التي من شأنها أن تفضي إلى قرارات قضائية». ولم يتطرق جيرالد دارمانان إلى «ملف اختطاف أمير بوخرص» الذي يُلاحق فيه موظفان في قنصلية جزائرية من طرف القضاء الفرنسي، حيث أوقف أحدهما في 2025 بينما يقع الآخر تحت طائلة مذكرة توقيف دولية.

ويقول دارمانان بهذا الخصوص: «أنا لست ساذجاً ولا واهماً، لكني صاحب إرادة»، عادّا أن هذا التعاون ضروري جداً «من أجل أمن الفرنسيين» رغم الخلافات المستمرة بين الدولتين.


البغدادي المحمودي يدعو الليبيين لـ«فتح صفحة جديدة وطي سنوات الألم»

المحمودي في أحد المؤتمرات قبل عام 2011 (حسابات موثوقة على مواقع التواصل)
المحمودي في أحد المؤتمرات قبل عام 2011 (حسابات موثوقة على مواقع التواصل)
TT

البغدادي المحمودي يدعو الليبيين لـ«فتح صفحة جديدة وطي سنوات الألم»

المحمودي في أحد المؤتمرات قبل عام 2011 (حسابات موثوقة على مواقع التواصل)
المحمودي في أحد المؤتمرات قبل عام 2011 (حسابات موثوقة على مواقع التواصل)

دعا البغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، الليبيين كافة إلى «فتح صفحة جديدة عنوانها الأخوة والوحدة، وطيّ سنوات الألم والانقسام؛ والعمل يداً واحدة من أجل مستقبل يليق بتضحيات الشعب».

وهذا أول تصريح للمحمودي عقب حكم تبرئته في 18 مايو (أيار) الحالي، مع 30 آخرين من قيادات النظام السابق، من تهمة «قمع متظاهري ثورة 17 فبراير (شباط)»، فيما تفاعل ليبيون بشكل واسع مع حديث المحمودي.

المحمودي قبيل إطلاق سراحه في يوليو عام 2019 (حسابات مقربة منه)

وقال المحمودي، الذي كان يترأس «اللجنة الشعبية العامة» أيام القذافي، مشيداً بالحكم القضائي: «لقد أثبتت الأيام، مهما طالت، أن الحق لا يُدفن، وأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت»، وذهب إلى أن ما صدر في القضية الشهيرة التي تحمل رقم (630/2012) «ليس انتصاراً لشخص؛ بل للحقيقة، وللقضاء الليبي»، الذي قال إنه «وقف شامخاً في وجه الضغوط، متمسكاً بالقانون والعدل والضمير الوطني».

وسبق أن أمرت حكومة «الوفاق الوطني» السابقة في العاصمة طرابلس، برئاسة فائز السراج، في يوليو (تموز) عام 2019، بالإفراج عن المحمودي لدواعٍ صحية، وغادر ليبيا ليستقر في القاهرة. وأبقت وزارة العدل بالحكومة حينها الإفراج عن المحمودي «بناءً على توصية من اللجنة الطبية المختصة»، لكنها قالت: «هذا لا يعني إنهاءً للمتابعة القضائية له، أو فصلاً في التهم المنسوبة».

وكان المحمودي قد اعتقل في 2011 بجنوب تونس، عندما كان يحاول التسلل إلى الجزائر المجاورة، قبل ترحيله إلى ليبيا في يونيو (حزيران) 2012.

وفي تصريح صحافي نقله حساب المحمودي عبر «فيسبوك» في وقت مبكر من صباح الاثنين، قال: «لقد أنهكت الانقسامات وطننا، وأضعفت الخلافات قوتنا، وحان الوقت لأن نرتفع فوق الجراح، وأن نضع ليبيا أولاً وأخيراً»، ومضى مؤكداً «أنه لا غالب بين الليبيين إلا الوطن، ولا منتصر في الفتنة إلا أعداء البلاد».

وبشأن المستقبل، قال إن «المرحلة المقبلة تتطلب منا جميعاً الشجاعة والحكمة، والإيمان بأن المصالحة الوطنية ليست خياراً سياسياً فحسب؛ بل واجب تاريخي لإنقاذ الوطن ولمّ الشمل وإعادة بناء الدولة على أساس العدالة والتسامح والتعايش».

ولم يسفر مسار «المصالحة الوطنية» في ليبيا عن جديد بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي، وكان أنصار الراحل رهنوا انخراطهم في هذا المسار الذي يجريه المجلس الرئاسي بالكشف عن قتلة سيف ومَن يقف وراءهم، وقالوا إن زمن المصالحة «انتهى ما لم يتم تقديم الجناة إلى المحاكمة».

وأثنى المحمودي على دور رجال القضاء الليبي، وقال إنهم «أكدوا أن البلاد لا تزال قادرة على إنصاف أبنائها وإعلاء كلمة الحق... إننا نشد على أيديهم، ونثمّن كل موقف شريف أسهم في إظهار الحقيقة وإنصاف المظلوم».

وانتهى المحمودي مشدداً على أن «ليبيا ستبقى ليبيا أكبر من كل الخلافات، وأقوى من كل المحن، وسيبقى شعبها قادراً على النهوض مهما اشتدت الأزمات».

منصور مغادراً ليبيا بصحبة وزير العمل في حكومة «الوحدة» عام 2023 (حسابات مقربة منه)

وسبق وأطلقت سلطات طرابلس بعضاً من قيادات النظام السابق؛ من بينهم رئيس جهاز الأمن الداخلي عبد الله منصور، وأبو زيد عمر دوردا مسؤول جهاز الأمن الخارجي، وذلك لدواعٍ صحية، لكن الأخير قضى في فبراير 2022.

وأمام حثّ المحمودي الليبيين على «المصالحة الوطنية»، يراوح هذا المسار مكانه دون تقدم. وكان الإعلامي حمزة التهامي، الموالي للنظام السابق، خاطب الليبيين كافة في مارس (آذار) الماضي، قائلاً: «بعد الغدر بسيف الإسلام نُسفت المصالحة، وأصبح تجميدها أمراً إلزامياً على كل شريف وحر، وكان يجب إعلان تجميدها يوم تشييع سيف وعند قبره».

وظلَّ الفريق الممثل لسيف القذافي يتعاطى مع اجتماعات «المصالحة الوطنية» داخلياً وخارجياً، حتى المشاركة في مراسم اعتماد «الميثاق الوطني للمصالحة»، التي نظمها المجلس الرئاسي في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)

واغتيل سيف الإسلام في 3 فبراير الماضي بمقر إقامته بمدينة الزنتان، الواقعة على بعد 160 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس.

وكان المحمودي واحداً من 8 مسؤولين سابقين في نظام القذافي صدرت بحقهم أحكام الإعدام «رمياً بالرصاص» من قبل محكمة ليبية في 2015، لكن الحكم لم ينفذ نظراً لعدم مصادقة المحكمة العليا الليبية عليه، وتقدم محاميه بطعن في الحكم والمطالبة بإيقافه.