لماذا تنتهي الاحتجاجات ضد «الوحدة» الليبية إلى «لا شيء»؟

جل المواطنين يرون أن مظاهراتهم لا تحدث فارقاً ولا تؤدي لإزاحة السلطات

جانب من احتجاجات مواطنين في طرابلس ضد حكومة الدبيبة بعد تصريحات المنقوش (أ.ف.ب)
جانب من احتجاجات مواطنين في طرابلس ضد حكومة الدبيبة بعد تصريحات المنقوش (أ.ف.ب)
TT

لماذا تنتهي الاحتجاجات ضد «الوحدة» الليبية إلى «لا شيء»؟

جانب من احتجاجات مواطنين في طرابلس ضد حكومة الدبيبة بعد تصريحات المنقوش (أ.ف.ب)
جانب من احتجاجات مواطنين في طرابلس ضد حكومة الدبيبة بعد تصريحات المنقوش (أ.ف.ب)

شهدت بعض مناطق غرب ليبيا مظاهرات متكررة، بعضها كان خلال الأسبوع الماضي، وذلك على خلفية اتهام حكومة «الوحدة» المؤقتة بـ«التطبيع مع إسرائيل»، لكن هذه المظاهرات الاحتجاجية عادة ما تنتهي إلى «لا شيء»، بحسب تعبير مراقبين.

سياسيون ومراقبون يرون أن هناك عوامل عديدة ساعدت حكومة «الوحدة»، التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، على امتصاص موجة الغضب الشعبي، التي انفجرت في أعقاب تصريحات وزيرة خارجيته المقالة، نجلاء المنقوش، حول لقائها بنظيرها الإسرائيلي إيلي كوهين في وقت سابق، والتي أكدت فيها أن اللقاء جاء وفق «تنسيق» حكومي.

قوات الأمن تحاول تفريق محتجين ضد الدبيبة في طرابلس (أ.ف.ب)

وتتنوع الآراء حول أسباب عدم تأثير هذه الاحتجاجات في السلطة الحاكمة، وفي هذا السياق يرى عضو المجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، أن جل الليبيين «يدركون مدى تباين دوافع المتظاهرين، المنقسمة ما بين أصوات وطنية ترفض التطبيع، وبين موالين لخصوم الدبيبة السياسيين، الذين يحاولون توظيف تصريحات المنقوش بهدف إسقاط حكومته»، معتقداً أن هذا بالتحديد «ما دفع قطاعاً كبيراً منهم للإحجام عن الالتحاق بتلك الاحتجاجات؛ ولذا انحسر وتقلص نطاقها بشكل سريع».

الدبيبة ووزير داخليته خلال حفل تخريج الدفعتين السابعة والثامنة من ضباط صف وزارة الداخلية (الوحدة)

وتكررت المظاهرات الاحتجاجية منذ تسلم الدبيبة السلطة في العاصمة طرابلس في فبراير (شباط) 2021. وكان أبرزها تلك التي حدثت في أعقاب إذاعة مقابلة المنقوش مع منصة إعلامية. وفي هذا السياق قال معزب لـ«الشرق الأوسط» إن بعض المحتجين «تخوف من إمكانية استغلال خصوم الدبيبة، وتحديداً البرلمان والمتقاربين معه من أعضاء المجلس الأعلى للدولة، لهذه الأجواء، ولذلك لم يستجب لدعوة منصات إعلامية وصفحات نشطاء للتظاهر، رغم شعوره بالاحتقان من تصريحات المنقوش».

وفي أول تعليق على المظاهرات التي خرجت ضده، اتهم الدبيبة بعض المتظاهرين بالحصول على «المال والمخدرات» من قوى محلية، لم يسمها، فيما طالب رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان، أسامة حماد، باتخاذ الإجراءات القانونية ضد «الوحدة».

وزيرة خارجية حكومة الوحدة المقالة نجلاء المنقوش (أ.ب)

ووفقاً لرؤية معزب فإنه «رغم شعور عدد من المواطنين بالاحتقان من تصريحات المنقوش؛ فإنها فضلت التركيز على الدفع باتجاه إجراء انتخابات عادلة؛ كون هذا الإجراء قد يكون الحل الرئيس لإزاحة كافة السلطات المتصدرة للمشهد راهناً».

ويعد ملف تشكيل «حكومة جديدة» من القضايا الخلافية في ليبيا، حيث يتمسك البرلمان بها، تمهيداً لإجراء الانتخابات، لكن في المقابل يرفض الدبيبة القوانين الانتخابية التي أقرّها البرلمان، ويصفها بأنها «غير عادلة»، ويطالب بقوانين تُجرى على أساسها الانتخابات، وبعدها يُسلِّم السلطة.

المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، اعتبر أن حكومة الدبيبة «نجت مجدداً من نيران» تصريحات المنقوش. وسلط محفوظ الضوء على «انحصار الاحتجاجات في المنطقة الغربية؛ وقلة عدد المشاركين فيها، مقارنة بمن شاركوا بالمظاهرات التي اندلعت قبل عام وأربعة أشهر عندما كشفت الصحافة الإسرائيلية في المرة الأولى عن تفاصيل عقد لقاء المنقوش وكوهين». وأرجع ذلك «لشعور قطاع كبير من المواطنين بأن مظاهراتهم السابقة في مواجهة تلك الحادثة، أو غيرها، لم تحدث فارقاً كبيراً، ولم تؤد في النهاية إلى إزاحة أي من السلطات المتصدرة للسلطة منذ سنوات».

هناك أساب أخرى لهذا الإحجام لعدم توسع دائرة الاحتجاجات، من بينها «التخوف من الاصطدام مع المجموعات المسلحة التابعة لحكومة الدبيبة؛ وتركيز الأسر الليبية على أوضاعهم المعيشية»، بحسب محفوظ الذي قال لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «للأسف فقد أفقد عدم تحديد موعد لإجراء الانتخابات منذ ثلاث سنوات قطاعات كبيرة من المواطنين اهتمامهم بالشأن السياسي، وباتوا يركزون أكثر على شؤونهم الخاصة، ويرون أن كل ما يحدث هو مجرد صراع بين القوى الرئيسة على السلطة، وأنهم لن يستفيدوا من ورائه شيئاً».

من جهته، اعتبر عضو مجلس النواب الليبي، علي التكبالي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «خفوت الحراك الشعبي الغاضب لا يعني أن الاتهامات التي تواجه حكومة الوحدة بعقد لقاء مع مسؤول إسرائيلي سوف تتلاشى»، لافتاً إلى أن «تهمة التطبيع لا تسقط بالتقادم؛ وستظل وصمة عار تلاحق فترة حكم الدبيبة».

وذهب التكبالي إلى أن «استشعار قطاع من الليبيين بوجود مبادرة سياسية جديدة للبعثة الأممية قد تؤدي لإزاحة كافة الأجسام والسلطات الراهنة، بما فيها حكومة الوحدة بعد فترة زمنية، ربما أقنع بعضهم بأن الأمر لا يستحق التظاهر ضدها». مبرزاً أنه سيتقدم مع بعض النواب البرلمانيين الجلسة المقبلة بتساؤل حول أسباب عدم اتخاذ النائب العام، الصديق الصور، أي تحرك قانوني بشأن ما تحدثت عنه المنقوش في لقائها الذي عقد في العاصمة الإيطالية روما قبل أكثر من عام.

النائب العام الصديق الصور (الشرق الأوسط)

وكانت العاصمة طرابلس قد شهدت عدة مظاهرات، من بينها الاحتجاجات التي دعا إليها «تيار بالتريس» في العاصمة، تنديداً بتردي الأوضاع المعيشية، بالإضافة إلى مظاهرات عديدة طالبت بطرد القوات الأجنبية و«المرتزقة»، لكنها انتهت إلى «لا شيء».


مقالات ذات صلة

تَوسّع الاستثمار «يضيّق مساحة» استمتاع الليبيين بالبحر

شمال افريقيا مصطافون ليبيون بشاطئ «السبيدجا» بمدينة الخمس الليبية (قسم الإنقاذ البحري بالمنطقة الوسطى)

تَوسّع الاستثمار «يضيّق مساحة» استمتاع الليبيين بالبحر

بين عشرات الإعلانات التي تروج للقرى السياحية يتكرر سؤال ينغص حياة قطاعات من الليبيين في شرق البلاد وغربها: هل أصبح الوصول إلى الاستمتاع بالبحر لمن يدفع أكثر؟

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مدرعات وعربات عسكرية على حدود ليبيا الجنوبية الغربية الشهر الماضي (إعلام القيادة العامة)

تصعيد مسلح بين «الوطني الليبي» و«متمردين» في الجنوب

دعت حكومة أسامة حماد بشرق ليبيا إلى «الضرب بيد من حديد» على يد مجموعات خارجة عن القانون و«المرتزقة»، وذلك على خلفية مواجهات وقعت جنوب البلاد.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا خالد حفتر والنمروش يتوسطان الصف الثاني لعسكريين من شرق ليبيا وغربها (رئاسة أركان غرب ليبيا)

عسكريو ليبيا يسبقون سياسييها على «طريق التوافق»

بدا لكثير من الليبيين أن قادتهم العسكريين يمضون نحو توافق قد ينهي سنوات من انقسام الجيش فيما لا تزال التجاذبات بين الساسة في نظرهم تعطّل مسار الانتخابات.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)

توترات أمنية في الزاوية الليبية بعد مقتل 4 أشخاص

جدد اغتيال أربعة أشخاص التوترات الأمنية في مدينة الزاوية، غرب ليبيا، وسط مطالبة بإخراج التشكيلات المسلحة من المدينة.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)

ليبيا: اجتماع في سرت يُقرّب بين أفرقاء السلاح

عُقد في مدينة سرت اجتماع عسكري رفيع المستوى، ضم قيادات من شرق ليبيا وغربها، برعاية البعثة الأممية لدى البلاد.

جمال جوهر (القاهرة)

بعد سنوات من توتّر العلاقات... رئيس وزراء إسبانيا يزور الجزائر الأسبوع المقبل

صورة توضيحية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُعبّر عن التقارب في العلاقات بين إسبانيا والجزائر عقب سنوات من التوتّر الدبلوماسي (الشرق الأوسط)
صورة توضيحية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُعبّر عن التقارب في العلاقات بين إسبانيا والجزائر عقب سنوات من التوتّر الدبلوماسي (الشرق الأوسط)
TT

بعد سنوات من توتّر العلاقات... رئيس وزراء إسبانيا يزور الجزائر الأسبوع المقبل

صورة توضيحية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُعبّر عن التقارب في العلاقات بين إسبانيا والجزائر عقب سنوات من التوتّر الدبلوماسي (الشرق الأوسط)
صورة توضيحية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُعبّر عن التقارب في العلاقات بين إسبانيا والجزائر عقب سنوات من التوتّر الدبلوماسي (الشرق الأوسط)

يُجري رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز زيارة رسمية للجزائر الاثنين المقبل، بحسب مدريد، يُتوقع أن تُسهم في استكمال مسار تطبيع العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتّر على خلفية قضية الصحراء الغربية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذه أول زيارة لسانشيز إلى الجزائر منذ أربع سنوات، بعد الأزمة الدبلوماسية التي أثارها إعلان إسبانيا دعم المقترح المغربي بشأن الصحراء الغربية.

وأنهى هذا التحوّل في الموقف الإسباني، في إطار التقارب الدبلوماسي مع المغرب، سياسة الحياد التاريخية لإسبانيا في هذا الملف.

وأثار ذلك غضب الجزائر التي ردّت بتعليق معاهدة الصداقة الموقعة عام 2002، وفرضت قيوداً على المبادلات التجارية مع إسبانيا.

وبعد هذه الأزمة، بدأت العلاقات التجارية تشهد انفراجاً تدريجياً اعتباراً من عام 2025.


«مجلس الأمن والدفاع» السوداني يقر بـ«مسار تفاوضي» بوساطة دولية

البرهان يترأس اجتماعاً سابقاً لـ«مجلس الأمن والدفاع» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يترأس اجتماعاً سابقاً لـ«مجلس الأمن والدفاع» (إعلام مجلس السيادة)
TT

«مجلس الأمن والدفاع» السوداني يقر بـ«مسار تفاوضي» بوساطة دولية

البرهان يترأس اجتماعاً سابقاً لـ«مجلس الأمن والدفاع» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يترأس اجتماعاً سابقاً لـ«مجلس الأمن والدفاع» (إعلام مجلس السيادة)

كشف «مجلس الأمن والدفاع» السوداني عن وجود «مسار تفاوضي»، يشير ضمناً إلى اتصالات قد تقود إلى ترتيبات لوقف الحرب التي يخوضها الجيش ضد «قوات الدعم السريع» منذ أكثر من 3 سنوات.

وأوضح «المجلس» أن السلطات تتعامل مع هذا المسار بشكل رسمي، وذلك بعد ساعات من تداول تسريبات إعلامية بشأن مقترح أميركي بهدنة لمدة 90 يوماً، تمهد لوقف شامل لإطلاق النار.

وقال «المجلس»، في بيان صحافي، صدر عقب اجتماعه في الخرطوم خلال وقت متأخر من مساء الأحد، الذي ترأسه رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، إنه بحث بـ«عمق» ورقة قدمتها دول الوساطة تتعلق بالعملية السلمية، مؤكداً إعداده رداً على الورقة «متوافَقاً عليه».

ولم يكشف البيان عن مضمون الورقة الأميركية أو الرد عليها، كما لم يعلن قبول الهدنة أو وقف إطلاق النار، لكنه أكد أن المجلس هو «الجهة الوحيدة المسؤولة عن قضايا الحرب والسلام والمفاوضات ذات الصلة».

ويشكل البيان تخفيفاً ضمنياً من تصريحات جماهيرية لقائد الجيش استبعد فيها إجراء أي تفاوض مع «قوات الدعم السريع». وذكر البرهان، في آخر تصريح له يوم الثلاثاء الماضي، أن القتال سيتواصل «حتى تطهير البلاد من كل معتد أثيم، والانتصار في المعركة الوطنية المقدسة».

كما دعا بيان المجلس «الجهات كافة» إلى عدم تداول أي موضوعات «تمس الأمن الوطني وتضر بأي عملية سلمية مفترضة لاحقاً».

وقالت مصادر محلية إن الإشارة إلى «عملية سلمية لاحقة» توحي بوجود ترتيبات فعلية يجري التعامل معها حالياً داخل مؤسسات السلطة. وأضافت أن البيان «يحتوي مستويين من الخطاب: أحدها موجه للقاعدة المساندة للجيش، وتركز على استمرار القتال والانتصارات. وخطاب آخر موجه للخارج يعترف بوجود ورقة وساطة ورد رسمي ومسار يحتاج إلى الحماية من التسريبات».

واستهل «المجلس» بيانه بتهنئة قوات الجيش والقوات النظامية، والقوات المساندة له، والمقاومة الشعبية، على ما وصفها بالانتصارات في مختلف جبهات القتال، للتأكيد على استمرار المسارين العسكري والسياسي بالتوازي، في إشارة إلى أن الانخراط في الوساطة «يأتي من موقع قوة».

وجدد البيان التأكيد على ترحيب الحكومة بمبادرات الوساطة التي وصفها بأنها تلبي تطلعات السودانيين، وتحافظ على وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها، من دون تحديد شروطها أو تسمية دول الوساطة.

الفريق شمس الدين الكباشي (يسار) نائب القائد العام مع الفريق إبراهيم جابر (إعلام مجلس السيادة)

وأظهر مقطع فيديو رسمي للاجتماع، بثه إعلام «مجلس السيادة»، مشاركة رئيس الوزراء ووزراء وأعضاء في «مجلس السيادة» وقيادات عسكرية وأمنية، إلى جانب ممثلين لحركات مسلحة متحالفة مع الجيش بحكم مناصبهم، مع غياب لافت لنائب القائد العام، شمس الدين الكباشي.

وحاول بعض ناشطي التواصل الاجتماعي ربط غياب الكباشي بما أثير بشأن لقائه المبعوث الأميركي، مسعد بولس، في القاهرة يوم 21 يونيو (حزيران) الماضي، لكن مصادر رجحت أن يكون غيابه راجعاً إلى مشاركته في عزاء شقيقته التي توفيت قبل يومين.

يذكر أن حاكم إقليم دارفور، مِني أركو مناوي، الذي يعدّ أحد أبرز حلفاء الجيش، طالب في وقت سابق بإشراك القوى؛ التي شاركت في القتال إلى جانب الجيش، في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب والسلام.

ونفى «المجلس» صحة التسريبات المتداولة في أجهزة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى تقارير بشأن اتصالات بين شمس الدين الكباشي والمبعوث الأميركي، مسعد بولس، احتُجز بسببها صحافي معروف بمساندته الجيش، كما احتجزت الأجهزة الأمنية مراسلة قناة «الشرق» في السودان، مها التلب، بضع ساعات خضعت خلالها للاستجواب بشأن التسريبات ذاتها، قبل إطلاق سراحها.

وقالت مصادر محلية إن هذه الإجراءات الأمنية؛ التي اتُّخذت ضد صحافيين، لا تثبت صحة المعلومات المنشورة أو عدمها، لكنها تؤكد «حساسية الملف، ورغبة السلطات في إبقائه سرياً».

و«مجلس الأمن والدفاع» هو أعلى سلطة أمنية وعسكرية في البلاد، وقد أنشئ بادئ الأمر في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وفقاً لـ«الوثيقة الدستورية» الموقعة بين الجيش و«تحالف الحرية والتغيير» الذي قاد الاحتجاجات الشعبية التي أدت إلى إطاحة حكم الرئيس السابق عمر البشير. ويضم «المجلس» رئيس وأعضاء مجلس السيادة، ورئيس الوزراء وعدداً من الوزراء، وقيادات الأجهزة الأمنية.


تعاون عسكري مصري - تركي يثير قلقاً في إسرائيل

وزير الدفاع التركي يستقبل نظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)
وزير الدفاع التركي يستقبل نظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)
TT

تعاون عسكري مصري - تركي يثير قلقاً في إسرائيل

وزير الدفاع التركي يستقبل نظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)
وزير الدفاع التركي يستقبل نظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)

حديث إسرائيلي عن قلق من مسار التقارب المصري-التركي بالتزامن مع زيارة رسمية هي الأولى من نوعها لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى تركيا، وسط مزاعم عبرية عن شحن أنقرة مسيرات هجومية للقاهرة.

ذلك القلق الذي تبديه إسرائيل عبر «ادعاءات واهية» سيتواصل، بحسب خبير عسكري واستراتيجي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إلى حين انتهاء الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل في ظل بحث الحكومة الحالية عن أي قضايا تشغل بها الداخل.

وزعمت المنصة العبرية «ناتسيف نت»، المتخصصة في الشؤون العسكرية والاستخباراتية، وجود جسر جوي تركي ينقل طائرات مسيرة هجومية متطورة إلى قاعدة غرب العوينات في مصر بعد إقلاعها من مركز إنتاج طائرات بيرقدار المسيرة بتركيا، معتبرة أن «هذا دليل على تعميق في التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة في ظل تدخلهما بأزمات إقليمية».

وهذه المزاعم ليست الأولى التي تتصاعد بشأن التقارب المصري-التركي الذي تنامى في 2023 عقب تفاهمات أنهت قطيعة سياسية دامت أكثر منذ 12 عاماً، ففي يونيو (حزيران) الماضي، زعمت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية أن المخابرات الأميركية رصدت نشاطاً غير عادي، مفاده بأن مصر وتركيا «تعملان بهدوء على تعزيز تعاون عسكري واسع النطاق قد يشمل صفقات أسلحة تغير موازين القوى».

وفي مايو (أيار) الماضي نشرت صحيفة «معاريف» أيضاً مقالاً للجنرال المتقاعد إسحاق بريك لم يستبعد دخول تل أبيب في «حرب صعبة» ضد التحالف التركي-المصري، مع تعزيز البلدين قدراتهما العسكرية، وأكد حينها أن أي تقارب عسكري بين مصر وتركيا قد يعيد رسم خرائط الردع في المنطقة، ويضع إسرائيل أمام تحديات أمنية جديدة تتطلب إعادة تقييم شاملة لعقيدتها العسكرية، واستراتيجياتها الدفاعية.

أزمة إسرائيل

ويرى المستشار بكلية القادة والأركان، والخبير العسكري والاستراتيجي اللواء أسامة كبير أن إسرائيل تعيش أزمة داخلية حادة ستظهر آثارها بوضوح في أكتوبر المقبل مع الانتخابات المرجح أن تسقط فيها الحكومة الإسرائيلية حال لم توجد بالمنطقة حروب، لافتاً إلى أنه «ستتواصل الادعاءات الإسرائيلية حتى نتائج الانتخابات، وستتوقف حال سقوط بنيامين نتنياهو».

وأكد كبير أن ما تزعمه تل أبيب بخصوص العلاقات المصرية-التركية «كلام يهدف للاستهلاك المحلي، ومحاولة خلق خطر وهمي لتخويف الداخل، ونشر معلومات مغلوطة لتحريك الرأي العام الإسرائيلي، ولضمان بقاء الحكومة الحالية».

وزير الدفاع المصري في تركيا على رأس وفد عسكري رفيع المستوى (وزارة الدفاع التركية)

وتأتي المزاعم الإسرائيلية الجديدة غداة زيارة وزير الدفاع المصري، الذي عقد اجتماعاً، الاثنين، مع نظيره التركي يشار غولر، لأنقرة، وفق ما نقلته وزارة الدفاع التركية عبر صفحتها بـ«فيسبوك»، حيث نشرت صورة تظهر تفقد الوزيرين هياكل طائرات مسيرة.

وأفاد السفير التركي في القاهرة صالح موتلو شن بأن «الوزيرين وقعا خطاب نوايا للتعاون الدفاعي، وذلك في إطار تعزيز علاقات التعاون العسكري بين البلدين».

ومطلع الشهر الجاري قال موتلو شن في مؤتمر صحافي للسفارة إن «التعاون الأمني والعلاقات العسكرية بين تركيا ومصر يسيران بشكل جيد جداً»، مؤكداً أن «العلاقات المتنامية بين الجيشين التركي والمصري ستسهم، بمعنى أوسع، في سلام وأمن واستقرار المنطقة، والعالم بأسره».

والأحد، أعلن الجيش المصري في بيان أن وزير الدفاع «غادر أرض الوطن متوجهاً إلى دولة تركيا على رأس وفد عسكري رفيع المستوى في زيارة رسمية بدعوة من وزير الدفاع التركي، لإجراء عدد من المحادثات لدعم آفاق التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين في العديد من المجالات».

وفي مايو الماضي أجرى رئيس أركان الجيش المصري، أحمد خليفة، زيارة رسمية إلى تركيا، التقى خلالها نظيره التركي متين غوراك، ضمن فعاليات الاجتماع الرابع للجنة العسكرية المشتركة بين البلدين، وتم بحث سبل تطوير التعاون العسكري، لا سيما في مجالات التدريب، وتبادل الخبرات.

تطور التعاون

وشهد التعاون العسكري بين مصر وتركيا تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتبادل الزيارات الرئاسية؛ ما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية، حيث استأنف البلدان التدريبات المشتركة «بحر الصداقة»، واتفقا على التعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، كما انضمت القاهرة لبرنامج طائرات الجيل الخامس الشبحية التركية «KAAN».

جانب من لقاء وزير الدفاع التركي ونظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)

وفي فبراير (شباط) الماضي وقّعت مصر وتركيا «اتفاقية تعاون عسكري» في القاهرة بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره رجب طيب إردوغان، الذي كان يزور العاصمة المصرية آنذاك، ووقّعت مصر وتركيا في أغسطس (آب) 2025 اتفاقاً للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي.

تعاون مزدهر

وفيما يخص طبيعة العلاقة بين القاهرة وأنقرة، يؤكد أسامة كبير أن التعاون المصري-التركي مطلوب، وضروري، نظراً لثقل الدولتين سياسياً، وعسكرياً، وتاريخياً.

ويشدد على ضرورة التمييز بين التعاون العسكري والتحالف العسكري، فما يجمع مصر وتركيا هو تعاون عسكري مزدهر يشمل تدريبات مشتركة، وتصنيعاً عسكرياً، وتبادل ملحقين عسكريين، وتنسيقاً في قضايا المنطقة، وليس حلفاً بالمعنى الذي يلزمهما بالدخول في حروب مشتركة.

ولفت في هذا الصدد إلى مناورات «بحر الصداقة» التي استؤنفت بين البلدين في سبتمبر (أيلول) الماضي بعد توقف دام 12 عاماً، بالإضافة إلى الزيارات الدبلوماسية والعسكرية المتبادلة، والتنسيق بين أجهزة المخابرات والقيادات السياسية، ويؤكد أنها تحمل أهمية كبيرة في إطار التعاون، وضمان أمن واستقرار المنطقة.