«سوريا الصغيرة» في مصر: كيانات وروابط «مُشتتة»

تواصل «سوشيالي» يُعوض غياب «تجمعات الجالية»

لقاء سابق بين أعضاء مجلس إدارة الجالية السورية بمصر مع السفير السوري بالقاهرة حسام الدين آلا (جمعية الجالية السورية بمصر)
لقاء سابق بين أعضاء مجلس إدارة الجالية السورية بمصر مع السفير السوري بالقاهرة حسام الدين آلا (جمعية الجالية السورية بمصر)
TT

«سوريا الصغيرة» في مصر: كيانات وروابط «مُشتتة»

لقاء سابق بين أعضاء مجلس إدارة الجالية السورية بمصر مع السفير السوري بالقاهرة حسام الدين آلا (جمعية الجالية السورية بمصر)
لقاء سابق بين أعضاء مجلس إدارة الجالية السورية بمصر مع السفير السوري بالقاهرة حسام الدين آلا (جمعية الجالية السورية بمصر)

ارتبط الوجود السوري «اللافت» في الأحياء المصرية على مدى أكثر من عقد بتشكيلات كثيرة من الروابط والكيانات، تقدم خدماتها للجالية الوافدة، غير أن الشاب السوري (الثلاثيني)، شاهر رجوب، لا يرى حالياً وجود تأثير لتلك التجمعات، بعد أن تجاوزتها حالة اندماج السوريين داخل المجتمع المصري، إلى جانب توقف نشاط غالبية الروابط.

ويُقيم الشاب السوري في إحدى ضواحي مدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة)، منذ قدومه مع والدته وشقيقه عام 2013، وهي منطقة تشتهر بكثرة عدد السوريين فيها، كما تضم عشرات المطاعم والمقاهي والمحلات السورية.

زحام أمام أحد المطاعم السورية بمصر - (صفحة المطعم على فيسبوك)

و«رغم انتشار المطاعم والمحال التي يعمل بها ويديرها سوريون، فإن هذا العدد الكبير يفتقد لروابط وكيانات فعّالة في الوقت الراهن بعد أن باتت مُشتتة بلا تأثير، على عكس حضورها النشط في أعقاب الثورة السورية عام 2011»، وفق شاهر رجوب.

يتذكر رجوب، الذي يعمل مصوراً، البدايات الصعبة عند وصوله إلى مصر، فقد آثر العمل على استكمال دراسته لضيق الحاجة، واضطر إلى الانخراط في أكثر من عمل على مدار اليوم، لتأمين عيشه، لكنه يؤكد أن ما خفف عبء سنوات كفاحه الأولى هو الدعم الإغاثي، الذي كانت تقدمه مؤسسات وكيانات سورية للأسر الوافدة، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

مركز تعليمي سوري بمصر -(مؤسسة سوريا الغد)

وشاهر رجوب واحد من بين نحو مليون ونصف المليون سوري يقيم في مصر، وفق المنظمة الدولية للهجرة، وارتفع عدد المسجلين لدى مفوضية شؤون اللاجئين إلى نحو 153 ألف سوري، ليشكلوا ثاني أكبر نسبة لاجئين في مصر، بعد السودانيين بنسبة 17 في المائة.

روابط غير فاعلة

مع ازدياد أعداد السوريين الوافدين إلى مصر بعد عام 2011، أسس نشطاء ورموز بالجالية السورية «رابطة» لدعم الوافدين، تنوعت مساعداتها، ما بين مراكز تعليمية، كانت تستقبل نحو 3500 طفل سوري، ومبادرات لدعم الأسر غير القادرة، حسب الرئيس السابق لرابطة الجالية السورية في مصر، راسم الأتاسي.

غير أن الأتاسي أشار لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن نشاط (رابطة السوريين)، «تجمّد منذ عام 2020، مع وقف التجمعات بسبب جائحة (كورونا)، وتوقف مصادر تمويلها من المؤسسات المانحة عربياً ودولياً»، منوهاً بوجود كيان رسمي للجالية السورية تأسس قبل سنوات، لكن تأثيره يظل محدوداً كون غالبية أعضائه من رجال الأعمال.

خدمات تقدمها جمعيات سورية بمصر - (مؤسسة سوريا الغد)

وأقامت الجالية السورية كياناً تنظيمياً في صيغة «جمعية أهلية»، ومنحتها الصفة الرسمية بإشهار من وزارة التضامن المصرية في عام 2018، ويرأسها رجل الأعمال السوري، باسل سماقية، ولم يخرج نشاط الجمعية خلال عام 2024، عن لقاءات مع السفير السوري بالقاهرة حسام الدين آلا، وبعض الأنشطة الخيرية.

مراكز التعليم السورية - (مؤسسة سوريا الغد)

وقبل تأسيس رابطة الجالية، كان الحضور الأبرز لائتلافات قوى المعارضة السياسية بين أعضاء الجالية، بعد أن اتخذ كثير من التيارات السياسية مقرات لها بالقاهرة، بعد الثورة السورية في 2011، منها «مجلس سوريا الديمقراطية»، وأيضاً «الائتلاف الوطني لقوى الثورة»، و«تيار الغد السوري»، حسبما يروي الكاتب والمحلل السوري، عبد الرحمن ربوع.

ورغم أن الكيانات السياسية كانت تسهم في تأمين الخدمات المعيشية للجالية، فإن كثيراً من مكاتبها أُغلق بعد عام 2016، وانتقل نشاطها لدول أخرى مثل تركيا والعراق، وفق حديث ربوع لـ«الشرق الأوسط»، وعزا ذلك إلى «مغادرة غالبية مؤسسي تلك الائتلافات مصر»، وقال إن الأسر المقيمة تعتمد حالياً على «المبادرات الفردية، ونشاط الجمعيات الخيرية ومفوضية شؤون اللاجئين».

جمعيات أهلية

تمتلك الجمعيات الأهلية والمؤسسات الخيرية النشاط الأكبر في أوساط المهاجرين السوريين حالياً، حيث تقدم أكثر من 10 جمعيات، أسسها نشطاء سوريون (بإشهار رسمي من الحكومة المصرية)، خدماتها لدعم الأسر غير القادرة، خصوصاً الأيتام والأرامل، إلى جانب تقديم نشاط تعليمي للأطفال، وفق مدير مؤسسة «سوريا الغد»، ملهم الخن، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن نشاط هذه المؤسسات امتد ليشمل جنسيات أخرى مثل السودانيين واليمنيين.

وتعدّ «سوريا الغد»، واحدة من المؤسسات الأهلية السورية، وتم إشهارها قانوناً عام 2013، ووسعت من نشاطها، بفضل تبرعات رجال أعمال سوريين، وشراكات مع منظمات دولية، مثل الاتحاد الأوروبي ومفوضية شؤون اللاجئين، لتقيم فروعاً لها في عدد من المدن المصرية، مثل العبور ودمياط والعاشر من رمضان، ووصل عدد المستفيدين من خدماتها إلى نحو 76 ألف فرد، بإجمالي نحو 15 ألف خدمة سنوياً، وفق ملهم الخن.

أعضاء مجلس إدارة الجالية السورية بمصر في زيارة لإحدى المصانع السورية بمصر - (جمعية الجالية السورية بمصر)

من جهته، يرى راسم الأتاسي أن نشاط تلك الجمعيات «غير كافٍ، ولا يلبي كل احتياجات السوريين المقيمين في المدن المصرية»، عادّاً الدعم الذي تقدمه «لا يغطي سوى نحو 60 في المائة من متطلبات معيشة الأسر السورية».

مدارس سورية

ولا تواجه الجالية السورية إشكالية كبيرة في تأمين التعليم لأبنائها، فقد استفاد السوريون من استثناءات الحكومة المصرية بإتاحة التحاق أبنائهم في المدارس المصرية، إلى جانب أنشطة المراكز التعليمية، التابعة للجمعيات الخيرية، وتشكل أحد الحلول الأساسية لتأمين التعليم لأبناء السوريين بأسعار رمزية، وفق مدير مؤسسة «سوريا الغد».

غير أن الأتاسي يرى أن «عدد المدارس السورية غير كافٍ»، مشيراً إلى أن «هناك نحو 60 ألف طالب سوري يدرسون في مصر، مقابل 10 مدارس بمحافظات القاهرة والجيزة ودمياط والإسكندرية»، وقال إن بعض الطلاب «تركوا التعليم بسبب عدم استطاعة أسرهم تأمين تكلفة تعليمهم».

روابط «سوشيالية»

لم تعد نسبة كبيرة من الجالية في حاجة إلى دعم إغاثي وإنساني، كانت تقدمه روابط الجالية، وفق شاهر رجوب، مشيراً إلى أن «معظم السوريين باتوا يعتمدون على أنفسهم، من خلال الاستثمارات والأعمال، التي توفر فرص عمل لأعضاء الجالية»، وقال إن «كثيراً من الخدمات والإغاثات بات يقدم عن طريق مجموعات التواصل الاجتماعي حالياً، التي تضم عدداً كبيراً من الجالية».

نشاط المؤسسات السورية امتد لجنسيات أخرى منها السودانية - (مؤسسة سوريا الغد)

وتعتمد نسبة كبيرة من السوريين في مصر، في تواصلهم اليومي، على منصات التواصل الاجتماعي، لتأمين الاحتياجات المعيشية لغير القادرين، وفق ملهم الخن، الذي يشرف على «غروب» تواصل على منصة «فيسبوك» يضم أكثر من 150 ألف سوري.

ويقول الخن إن «المجموعة توفر تواصلاً أسرع وأوسع مع أعضاء الجالية، خصوصاً لتقديم الخدمات والتوعية لأعضاء الجالية».

تكهنات التغيير

يثير التغيير الذي شهدته سوريا أخيراً، بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتولي إدارة جديدة للبلاد، التكهنات بشأن مستقبل روابط الجالية السورية، خصوصاً أن شاهر رجوب يرى أن «كثيراً من السوريين لا يعترفون بأي رابطة تمثلهم حالياً»، لكنه يعتقد أن «الفترة الحالية تحتاج روابط فاعلة، أكثر من أي وقت مضى، لدعم الراغبين في العودة لسوريا، وتأمينهم من وقائع الاحتيال والنصب من شركات السفر الوهمية»، وفق تعبيره.

نشاط الحرف اليدوية لسوريين بمصر - (مؤسسة سوريا الغد)

ورغم أن راسم الأتاسي لا يتوقع تغييراً في مستوى فاعلية الروابط السورية، بعد سقوط نظام الأسد، فإن ملهم الخن يرى أن التغيير في سوريا «سيعزز من روابط أعضاء الجالية»، وقال إن «هناك رغبة لدى سوريين لتدشين روابط وتجمعات جديدة، كالتجمعات المهنية للأطباء والمهندسين».


مقالات ذات صلة

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي مركبات على الطريق بينما يشق النازحون طريقهم للعودة إلى منازلهم بعد دخول وقف إطلاق النار الذي استمر عشرة أيام بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ... قرب مدينة صور اللبنانية 17 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: نازحون لبنانيون يعودون إلى ديارهم... وخرق إسرائيلي لوقف النار

بدأت أعداد من النازحين اللبنانيين يعودون إلى ديارهم التي تعرّضت لدمار شديد في الضاحية الجنوبية والجنوب، فيما قصف الجيش الإسرائيلي بلدة الخيام خارقاً الهدنة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

يتصاعد الجدل في مصر حول «التمكين الاقتصادي» للوافدين، تزامناً مع بروز وقائع لمخالفات ارتكبها أجانب في مصر خلال الأيام الماضية.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

أزمة في مصر بسبب دعم الوافدين

يواجه الوافدون أزمة مزدوجة في مصر، مع انحسار الدعم الذي تقدمه «مفوضية اللاجئين»، وتلويحها أخيراً بالتوقف الكامل عن تقديم المساعدات المالية للأسر المستحقة.

أحمد جمال (القاهرة)
المشرق العربي أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

المفوض الأممي للاجئين يدعو المجتمع الدولي لتقديم «دعم عاجل» إلى لبنان

دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، الأربعاء، من بيروت المجتمع الدولي إلى توفير دعم «عاجل» للبنان الذي يواجه أزمة نزوح «غير مسبوقة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.