تبديل الجنيه السوداني يتحول أداةً حربية بين طرفي النزاع

بورتسودان تعدّه «مشروعاً وطنياً» و«الدعم السريع» تعدّه «جريمة»

مواطنون في بورتسودان يطالبون بتمديد مهلة تبديل العملة (أ.ف.ب)
مواطنون في بورتسودان يطالبون بتمديد مهلة تبديل العملة (أ.ف.ب)
TT

تبديل الجنيه السوداني يتحول أداةً حربية بين طرفي النزاع

مواطنون في بورتسودان يطالبون بتمديد مهلة تبديل العملة (أ.ف.ب)
مواطنون في بورتسودان يطالبون بتمديد مهلة تبديل العملة (أ.ف.ب)

وصف وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم استبدال العملة الجزئي بأنه «مشروع وطني»، وقال إن بلاده «تأخرت في الانتقال للأنظمة الإلكترونية لتنظيم حركة المال وضبط الممارسات المشبوهة»، وذلك غداة احتجاجات عمال «سواكن» على عدم صرف مستحقاتهم «نقداً»، إلى جانب شكاوى عدّة من مواطنين جراء تهديد «موسم الحصاد» في مدينة القضارف بسبب شح النقد وعزوف العمال عن استلام أجورهم عبر التطبيقات.

وشرعت البنوك السودانية في 7 ولايات تقع ضمن سيطرة الجيش، منذ 10 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في عمليات لاستبدال العملة من فئتي «ألف جنيه، وخمسمائة جنيه»، بطبعات جديدة، مع بقاء العملات القديمة مبرئة للذمة في الولايات المتأثرة بالحرب، أو الواقعة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» إلى حين استبدالها.

جانب من مظاهرة في بورتسودان تطالب بتمديد مهلة تبديل العملة (أ.ف.ب)

وتجري عمليات تبديل العملة في ولايات: البحر الأحمر، كسلا، القضارف، نهر النيل، الشمالية، وسنار، وبعض مناطق النيل الأبيض، والنيل الأزرق، وجزئياً في العاصمة الخرطوم، بينما لم تتمكن 11 ولاية من ولايات البلاد الـ18 من تبديل العملة، وهي مناطق تسيطر عليها «الدعم السريع» كلياً أو جزئياً.

عملياً، ووفقاً لآراء خبراء، تحول تبديل العملة أداةً حربية بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فبينما مضت السلطات في بورتسودان في الإجراء، عدَّت «قوات الدعم» العملات الجديدة «غير مبرئة للذمة» في المناطق التي تسيطر عليها، وقالت إن العملات القديمة «سارية» وصالحة للتداول فيها.

وواجهت العملية صعوبات فنية وإدارية عدّة، فقد عجزت البنوك والمصارف عن استيعاب تدفقات المواطنين، وضجت ساحاتها بـ«طوابير طويلة» من الذين يحاولون استبدال عملاتهم، وأثناء ذلك نشطت «سوق سوداء» خارج البنوك، لاستبدال العملات القديمة بالجديدة بخصم يتراوح بين 15و20 في المائة.

مواطنون يتجمعون داخل أحد البنوك في مروي لتبديل العملة (أ.ب)

ولاستعادة السيولة لداخل النظام المصرفي، فرض «بنك السودان المركزي» على البنوك فتح حسابات للمواطنين، لكن هذه، وبسبب الحرب، لم تستطع استيعاب الطلب العالي على فتح الحسابات، كما حدد هامش السحب اليومي بـ200 ألف جنيه (نحو 70 دولاراً)، اضطرت بعض البنوك إلى تقليصها؛ ما أدى إلى أزمة سيولة طاحنة وارتباك في الأسواق التي أغلقت أبوابها في بعض الولايات.

واضطر بنك السودان إلى تمديد فترة تبديل العملة التي كان مقرراً أن تنتهي في 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إلى يوم 6 يناير الحالي، لكن أعداداً كبيرة من المواطنين لم تستطع تبديل عملاتها، ولا يُعرَف إن كان سيتم تمديد جديد للمهلة أم لا.

ويوم الاثنين، أغلق عمّال غاضبون «ميناء عثمان دقنة» في مدينة سواكن، احتجاجاً على عدم صرف رواتبهم نقداً بسبب شح السيولة، وقال متحدث باسمهم في مقطع فيديو، إن عمال الشحن والتفريغ في الميناء، لا يملكون حسابات بنكية أو أوراقاً ثبوتية لفتح حسابات، ومعظمهم لا يملكون هواتف ذكية، وطالب بصرف رواتبهم «نقداً».

وتعاني ولاية «القضارف» شحاً في السيولة، اضطرت بنوكها إلى تقليص هامش السحب من 200 ألف إلى 100 ألف، وحذَّر مزارعون في الولاية الزراعية من فشل موسم الحصاد بسبب شح السيولة، وقال نائب سابق ومزارع بالقضارف لـ«راديو دبنقا»، إن غالب عمّال الحصاد «أجانب» لا يمكن فتح حسابات لهم في البنوك، وبالتالي لا يمكن تسديد مستحقاتهم على التطبيقات البنكية.

من داخل أحد البنوك في مروي (أ.ب)

وأوضح، أن بنك السودان حدَّد هامش سحب يومي 200 ألف جنيه، وهو مبلغ لا يكفي مصاريف المزارع اليومية؛ ما يهدد موسم الحصاد بالفشل، عدا أخطار أمنية تترتب عن عدم صرف المستحقات، قد تصل إلى حد إحراق العمّال للمحصول والآليات ومعسكرات العمّال، أو ربما الاعتداء بالضرب على المزارع نفسه.

«تأخرنا»...

وقال وزير المالية، إن مشروع استبدال العملة «مشروع وطني للنهوض بالاقتصاد، وإن السودان تأخر في الانتقال للأنظمة المصرفية الإلكترونية»، وأضاف وفقاً للوكالة الرسمية (سونا): «الغاية من استبدال العملة هي تنظيم حركة المال، وضبط الممارسات المشبوهة، ذات الصلة بحركة الأموال».

ونشطت سوق موازية خارج البنوك، يتم خلالها استبدال العملات القديمة بالجديدة، أو استبدال النقود الإلكترونية بورقية، مقابل نسبة قد تصل 20 في المائة من قيمة العملة المستبدلة، كأن يصرف مليون جنيه من حساب بنكي أو بالعملة القديمة بنحو 800 ألف جنيه نقداً بالعملات الجديدة.

وقال المواطن محمد علي لـ«الشرق الأوسط»، إنه اضطر إلى تبديل ما لديه من عملات لرجال يستبدلون العملات خارج البنوك، وبحوزتهم كميات كبيرة من العملات الجديدة، مقابل التخلي عن ربع مدخراته، وأضاف: «هناك جهات داخل البنوك تسلمهم العملات الجديدة».

وعلى رغم الشح اللافت في العملات، قال وزير المالية: «إن العملات متوفرة»، ووعد بشحنات جديدة، وقال: «ما صُرف أقل من نصف العملات لدى البنوك»، وأن وزارته تضغط على البنوك وقطاع الاتصالات، للمساعدة على التحول إلى التطبيقات البنكية، والانتقال من التعامل بالنقد لتفادي آثارها.

مشهد من مدينة بورتسودان الثلاثاء (أ.ف.ب)

وفي مناطق سيطرة «الدعم السريع»، ظهر جنود وهم يدمّرون مبالغ بالعملات الجديدة، وصنفت «الإدارة المدنية» التابعة له، تداول العملات الجديدة «جريمةً» يعاقب مرتكبها، وفي الوقت ذاته أعلنت اللجوء للتبادل بالعملات القديمة والدولار وعملات دول الجوار، وقالت إنها ستصرف الرواتب للجنود بالدولار.

ولا توجد بنوك أو مصارف عاملة في مناطق سيطرة «قوات الدعم»، ويجري التبادل باستخدام التطبيقات البنكية والأوراق النقدية القديمة، أو باستخدام عملات أجنبية من دول الجوار، في حين نقل مقطع فيديو، أن العملات الجديدة والقديمة تسربت بكميات كبيرة لبعض مناطق سيطرة «الدعم السريع»، أو الولايات التي لم يجرِ فيها تبديل العملة.

ونتج من خطوة تبديل العملة الجزئي، مضاربات في أسواق الحبوب والسيارات، والأجهزة الكهربائية، واستعاض الكثير من أصحاب الأموال الكبيرة عن النقود بشراء السلع والعملات الأجنبية والذهب في محاولات منهم للحفاظ على قيمة أموالهم.


مقالات ذات صلة

بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا «الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

أعلنت «قوات الدعم السريع» في ولاية النيل الأزرق السيطرة على محلية الكرمك الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا.

أحمد يونس (كمبالا)

بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)
حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)
TT

بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)
حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، المعروفة باسم «الحركة الإسلامية»، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية أجنبية»، وهو القرار الذي دخل حيّز التنفيذ في 16 مارس (آذار) الحالي. وبعد مرور نحو أسبوعين، لم يصدر أي بيان رسمي من قيادة الحركة، سواء في الداخل أو الخارج، يوضح موقفها من هذا التصنيف أو تداعياته.

وشمل القرار الأميركي كذلك الجناح المسلح، كتيبة «البراء بن مالك»؛ ما أثار تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية والإسلامية حول مستقبل التنظيم، وخياراته المحتملة لتفادي تداعيات القرار، سواء عبر المسار السياسي أو العسكري، فضلاً عن طبيعة تعاطيه مع المجتمع الدولي خلال المرحلة المقبلة.

قرار «سياسي» وتداعياته

عضو «الحركة الإسلامية» السفير السابق، حاج ماجد سوار، عدّ التصنيف الأميركي خطوة «سياسية» لا تستند إلى حيثيات موضوعية، عادَّاً أن الهدف منها إقصاء «الحركة الإسلامية» من المشهد السياسي، وإضعاف الجيش السوداني عبر استهداف كتيبة «البراء بن مالك» التي تُصنف ضمن القوى المساندة له.

وأوضح سوار أن «الحركة الإسلامية» في السودان، رغم تأثرها في بداياتها بفكر «الإخوان المسلمين»، فإنها انتهجت لاحقاً مساراً خاصاً يتلاءم مع خصوصية المجتمع والدولة السودانية، مشيراً إلى أنها قطعت صلتها بالتنظيم الدولي منذ وقت مبكر. كما شدد على أن «الحركة» تتبنى منهجاً وسطياً، ولم تُسجل عليها أي أنشطة إرهابية أو ارتباطات فكرية متطرفة. رغم أن تقارير وشهادات حقوقية أشارت في السابق إلى اتهامات طالت تجربة «الحركة» خلال فترة حكمها، خصوصاً ما عُرف بـ«بيوت الأشباح»، التي ارتبطت بممارسات احتجاز وتعذيب طالت معارضين سياسيين، إلى جانب انتهاكات أخرى وثقتها منظمات حقوقية، وهو ما يطرح رواية مغايرة لتوصيف «الحركة» لنفسها.

ونفى سوار الذي شغل مناصب قيادية عدّة في عهد الرئيس المعزول، عمر البشير، وجود أي علاقة تنظيمية بين «الحركة الإسلامية» وكتيبة «البراء بن مالك»، عادَّاً أن الحديث عن هذا الارتباط يندرج ضمن «محاولات التشويش وإثارة الفتنة». وأوضح أن الكتيبة تُعد جزءاً من تكوينات «الدفاع الشعبي» وقوات الاحتياط التي تأسست في عام 1987، وأن انخراط عناصرها في الحرب الحالية جاء ضمن تعبئة عامة، على غرار فصائل أخرى، بعيداً عن أي انتماء آيديولوجي أو سياسي.

غياب الردود الرسمية

ورغم التوقعات بأن يخرج الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية»، علي كرتي، وهو وزير خارجية سابق، بتوضيح رسمي بشأن موقف «الحركة» من التصنيف، فإنه التزم الصمت، كما لم تصدر كتيبة «البراء بن مالك» أي تعليق عبر منصاتها، رغم محاولات التواصل مع قيادتها.

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

وحسب القرار الأميركي، يقود المصباح أبو زيد طلحة أكثر من 20 ألف مقاتل ضمن الكتيبة، التي يُعتقد أن بعض عناصرها تلقوا تدريبات ودعماً من «الحرس الثوري» الإيراني، ويشاركون منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 إلى جانب الجيش السوداني في مواجهة «قوات الدعم السريع».

بدوره، قال نائب رئيس حزب «المؤتمر الشعبي»، محمد بدر الدين، إن القرار الأميركي اتسم بشيء من التعميم، وكان من الأجدر أن يحدد الأطراف المعنية مباشرة بإدارة الحرب ورفض التسوية السياسية. وأضاف أن التصنيف يضع السلطة القائمة أمام خيارين كلاهما صعب: إما حل هذه الكيانات وحظر نشاطها، وهو ما قد يقود إلى صدام داخلي وربما نزاع جديد، أو الالتفاف على القرار عبر تغيير الأسماء والواجهات التنظيمية. وأشار إلى أن خيار تغيير الأسماء قد لا يكون مجدياً في نظر المجتمع الدولي، الذي أصبح أكثر دراية بما وصفه بـ«أساليب الالتفاف»، محذراً من أن ذلك قد يقود إلى عزلة دولية أشد، ويزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية على البلاد.

تغيير الاسم... جدوى محدودة

في السياق ذاته، رجّحت تحليلات أن تلجأ «الحركة الإسلامية» إلى تغيير اسمها كأحد الخيارات المتاحة، إلا أن المفكر الإسلامي حسن مكي عدّ هذه الخطوة «تحصيل حاصل» ولا تحقق أثراً حقيقياً، واصفاً القرار الأميركي بأنه ذو «طابع معنوي» وتأثير محدود. في المقابل، لم يستبعد سوار خيار تغيير الاسم، مشيراً إلى أنه كان مطروحاً منذ سنوات طويلة، حتى قبل صدور قرار التصنيف، كما أوضح أن حل «الحركة» يظل خياراً وارداً وفق نظامها الأساسي، إذا ما رأت القيادة أن ذلك يخدم مصالحها.

على الجانب الآخر، رأى المتحدث باسم القوى الديمقراطية المدنية «صمود»، جعفر حسن، أن القرار يمثل نهاية مرحلة نفوذ جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان والمنطقة، مشيراً إلى أنه يرفع الغطاء القانوني عن أنشطتها، ويضع قيوداً صارمة على تعاملاتها المالية وتحركات أعضائها. وأوضح أن القرار يجرّم أي تعامل مع الجماعة وواجهاتها التنظيمية؛ ما يعني عملياً إقصاءها من المشهد السياسي، وتحميلها مسؤولية مباشرة عن تفاقم الأزمة والحرب في البلاد.

وفي السياق نفسه، قال القيادي في الحزب الشيوعي السوداني، صديق فاروق، إن الإدارات الأميركية ظلت لسنوات تتعامل مع النظام السابق رغم طبيعته، قبل أن تلجأ الآن إلى هذا التصنيف، عادّّاً أن القرار قد يُستخدم أداةً لإعادة ترتيب النفوذ السياسي والاقتصادي، وربما دفع «الجماعة» إلى الدخول في تفاهمات مع أطراف دولية لضمان استمرارها في المشهد.

وبين صمت القيادة، وتضارب التقديرات، وتعدد السيناريوهات، تقف «الحركة الإسلامية» في السودان أمام مرحلة مفصلية، قد تعيد تشكيل حضورها السياسي والتنظيمي. وبين خيار المواجهة أو التكيف، يبقى مستقبلها مرهوناً بتوازنات داخلية معقدة وضغوط خارجية متزايدة، في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الاضطراب.


اعتذار برلمانيين مصريين عن لقاء مدبولي في مكتبه يثير تباينات

مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)
مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)
TT

اعتذار برلمانيين مصريين عن لقاء مدبولي في مكتبه يثير تباينات

مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)
مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

أثار اعتذار برلمانيين مصريين عن لقاء رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في مكتبه، تباينات بين أعضاء بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان).

وبينما اشترط بعض «النواب» ضرورة «حضور رئيس الحكومة لـ(المجلس) أولاً قبل تلبية دعوة الاجتماع معه بمكتبه»، رأى آخرون أن «اللقاء ربما يكون تمهيداً لزيارة مدبولي للمجلس»، وأشاروا إلى أن «البرلمان ليس في خصومة مع الحكومة، لكن هناك اختلافاً في السياسات، والظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة وتداعياتها تستوجب التواصل بين مختلف المؤسسات».

ووجّه مدبولي الدعوة لرؤساء الهيئات البرلمانية للأحزاب الممثلة في البرلمان، للقائه السبت، حسب تقارير نشرتها وسائل إعلام محلية، نقلاً عن مصادر برلمانية.

وطالب رؤساء الهيئات البرلمانية في اجتماع مع رئيس مجلس النواب، المستشار هشام بدوي، الأربعاء الماضي، بـ«ضرورة حضور مدبولي للبرلمان لعرض البيانات والمعلومات الخاصة بموقف مصر من الحرب الإيرانية وتداعياتها على الداخل المصري». وشدّد بدوي خلال الاجتماع على ضرورة «تفعيل دور أعضاء المجلس النيابي، مع الالتزام بالأدوات التشريعية والرقابية»، وأكد «أهمية مناقشة الملفات كافة التي تهم الرأي العام بشكل موضوعي، حال حضور ممثلين عن الحكومة».

واعتذر رؤساء هيئات برلمانية لبعض الأحزاب، منها «العدل، والمصري الديمقراطي، والإصلاح والتنمية»، عن تلبية دعوة رئيس الحكومة المصرية، وفق عضو مجلس النواب، نائب رئيس «الحزب المصري الديمقراطي»، فريدي البياضي، وأشار إلى أن «بعض أعضاء المجلس طالبوا حضور رئيس الحكومة للبرلمان».

ويعتقد البياضي أن «دعوة رئيس الوزراء لبرلمانيين للقائه في مكتبه ليست الطريقة المثلى في تعامل الحكومة مع البرلمان»، ويشير إلى أن «مدبولي لم يزر المجلس منذ تشكيله الجديد مطلع العام الحالي، حتى بعد إجراء تعديل وزاري على حكومته في فبراير (شباط) الماضي».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها الحكومة الفترة الأخيرة، على وقع الحرب الإيرانية، ومن بينها رفع أسعار الوقود، تستدعي حضور رئيس الحكومة، لتوضيح سياساته في التعامل مع الأزمة، في ظل تساؤلات عديدة مقدمة من أعضاء المجلس».

وتتخذ الحكومة المصرية إجراءات عدة، لاحتواء تأثيرات الحرب الإيرانية الاقتصادية، وأعلنت عن قرارات استثنائية، تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وكذا رفع أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، كما أعلنت عن إجراءات لترشيد الإنفاق العام، من بينها إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة.

مصطفى مدبولي خلال إلقائه بياناً سابقاً أمام البرلمان (مجلس الوزراء المصري)

وقال رئيس الوزراء المصري، في وقت سابق، إنه «لا يزال أمامنا تحدٍ واضح، وهو عدم القدرة على استنتاج مدى زمني لانتهاء الحرب، وهذا ما يضاعف من تأثيراتها الاقتصادية».

في المقابل، يرى رئيس الهيئة البرلمانية لحزب «التجمع» بمجلس النواب، عاطف مغاوري، أن «ظروف الحرب الحالية تستدعي تعميق التواصل بين مؤسسات الدولة، ومن بينها الحكومة والبرلمان». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «لقاء رئيس الوزراء مع رؤساء الهيئات البرلمانية في مكتبه ربما تكون خطوة تمهيدية لزيارته إلى البرلمان».

ويؤكد مغاوري أن «البرلمان ليس في خصومة مع الحكومة، والاختلاف معها في بعض السياسات لا يعني قطع التواصل والحوار معها». ويشير إلى أن «تداعيات الحرب الإيرانية تستدعي وجود قدر من الحوار مع الحكومة لمواجهة هذه الآثار»، عادّاً اللقاءات الخاصة مع رئيس الوزراء أو أعضاء الحكومة «تؤتي نتائج مثمرة أكثر من اللقاءات العامة داخل قاعات البرلمان، التي تحكمها قواعد برلمانية محددة في النقاش».

وخلال اجتماع رئيس البرلمان مع رؤساء الهيئات البرلمانية، أكد «أهمية الاصطفاف الوطني والشعبي خلف القيادة السياسية لمواجهة تحديات الأزمات الدولية الراهنة»، حسب بيان مجلس النواب المصري.

ووفق عضو «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب، صلاح فوزي، فإنه «لا يوجد ما يمنع لائحياً أو قانونياً من لقاء رئيس الحكومة أو أحد وزرائها مع أعضاء البرلمان في مكاتبهم». ويشير إلى أن «مثل هذه اللقاءات تأتي في إطار التعاون بين السلطات، وخصوصاً السلطة التنفيذية والتشريعية».

ويوضح فوزي لـ«الشرق الأوسط» أن «المصلحة العليا للدولة تقتضي أن يكون هناك قدر من التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية»، ويشير إلى أن «ظرف الحرب القائمة في المنطقة يستوجب قنوات تواصل وحوار دائمة، لأن هذا يعود بالنفع مباشرة على شواغل المواطن في الشارع».


مصر تشدد على «الوقف الفوري» للتصعيد في لبنان

مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)
مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر تشدد على «الوقف الفوري» للتصعيد في لبنان

مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)
مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)

شددت مصر على «ضرورة الوقف الفوري للتصعيد والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان». وأعربت عن «رفضها القاطع المساس بسيادته ووحدة وسلامة أراضيه، أو استهداف البنى التحتية المدنية».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، «أهمية تمكين مؤسسات الدولة والتنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن (رقم 1701) ودعم جهود الدولة اللبنانية في حصر السلاح وفرض سلطاتها وسيادتها على الأراضي اللبنانية كافّة». جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين عبد العاطي، والسكرتير العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مساء الجمعة، تناول الجهود التي تبذلها مصر لخفض التصعيد في المنطقة بالإضافة إلى مستجدات عدد من الملفات الإقليمية.

وأشاد غوتيريش بالدور البارز الذي تقوم به مصر لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة لخفض التصعيد في ظل أزمات إقليمية شديدة التعقيد. وثمّن التزام مصر الراسخ بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وسعيها الدؤوب لتعزيز السلم والأمن الدوليين. كما أعرب عن تقديره لجهود الوساطة التي تقوم بها مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وجهودها الحثيثة بالتعاون مع تركيا وباكستان في دعم المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً «دعم الأمم المتحدة لهذه الجهود التي تستهدف خفض التصعيد في المنطقة».

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، تميم خلاف، مساء الجمعة، شهد تبادل التقييمات حول التصعيد العسكري في المنطقة وتداعياته الوخيمة، خصوصاً على حرية الملاحة وسلاسل الإمداد، اتصالاً بالأمن الغذائي وضمان تدفق مكونات الأسمدة المطلوبة للزراعة، فضلاً عن أمن الطاقة في ضوء ارتفاع أسعار الطاقة والنفط.

بينما رحّب وزير الخارجية المصري بتعيين جان أرنو، مبعوثاً شخصياً للسكرتير العام لقيادة جهود الأمم المتحدة بشأن الصراع في الشرق الأوسط، معرباً عن تطلعه إلى التعاون معه من أجل العمل على خفض التصعيد في المنطقة.

حول تطورات الملف الفلسطيني، استعرض الوزير عبد العاطي الجهود المصرية الدؤوبة لتنفيذ بنود المرحلة الثانية كافّة من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بما يشمل نشر «قوة الاستقرار الدولية»، وتمكين «لجنة إدارة غزة»، وبدء ممارسة مهامها تمهيداً لعودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بمسؤولياتها، وجهود مصر اتصالاً بتدريب الشرطة الفلسطينية، وتشغيل معبر رفح. وأكد أهمية تكثيف الجهود لحماية المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، في ظل اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية، مشدداً على أن تلك الممارسات تمثّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتقوّض فرص تحقيق السلام.

ودعت مصر في وقت سابق إلى «ضرورة تحرك المجتمع الدولي، وفي مقدمته مجلس الأمن، بشكل فوري لردع هذه الممارسات الإسرائيلية المنفلتة، للحيلولة دون مزيد من التدهور في الأوضاع الأمنية والإنسانية، وتجنيب لبنان خطر الانزلاق إلى مزيد من عدم الاستقرار».