مصر: دعاوى ترحيل السوريين تملأ «السوشيال ميديا»... وتغيب في الواقع

رحيل أول فوج من السوريين (مواني البحر الأحمر)
رحيل أول فوج من السوريين (مواني البحر الأحمر)
TT

مصر: دعاوى ترحيل السوريين تملأ «السوشيال ميديا»... وتغيب في الواقع

رحيل أول فوج من السوريين (مواني البحر الأحمر)
رحيل أول فوج من السوريين (مواني البحر الأحمر)

على خلاف «السوشيال ميديا» التي احتوت على دعوات تطالب بترحيل السوريين من مصر، بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، لا يزال السوريون محل ترحيب كبير في الشارع المصري الذي يستشعر مواطنوه أن عودة السوريين الطوعية إلى بلادهم إن حدثت، فستُفقد القاهرة رونقاً خاصاً أُضيف بوجودهم فيها.

وتستند دعوات المطالبة بترحيل السوريين عبر «السوشيال ميديا» إلى أن وجودهم لم يعد مبرَّراً بعد سقوط الأسد، بينما أخرى ترى في وجودهم «مخاطر أمنية»، في ظل القلق من نظام الحكم السوري الجديد، بينما يتحدث آخرون عن «أعباء اقتصادية».

ووفق «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين»، فإن عدد السوريين المسجلين بـ«المفوضية» في مصر «ارتفع بشكل كبير من 12800 في نهاية 2012 إلى أكثر من 153 ألف شخص نهاية 2023». بينما تقدِّر «المنظمة الدولية للهجرة» عدد السوريين في مصر بنحو «مليون ونصف مليون سوري».

ولم تطلب مصر رسمياً من اللاجئين السوريين مغادرة البلاد؛ بل على العكس، منحت (الأحد) الجنسية لـ15 سورياً، بموجب قرار نُشر في الجريدة الرسمية. بينما بدأ عشرات منهم «عودة طوعية» إلى بلادهم؛ حيث أعلنت الهيئة العامة لمواني البحر الأحمر، قبل يومين، مغادرة أول فوج سوري يضم 40 شخصاً، على متن العبارة «آيلة»، إلى الأردن، ومنها لسوريا.

المفارقة بين «الدعوات السوشيالية» والواقع، تتجسد في مقهى شعبي بمنطقة الدقي؛ حيث يجلس جبران خزعل، وهو شاب سوري يعمل مترجماً، يتبادل أطراف الحديث كالمعتاد مع صديقين؛ أحدهما مصري والآخر سوري، بينما يعج المقهى من حولهم بالمصريين.

الشاب السوري جبران خزعل مع صديقين في أحد مقاهي منطقة الدقي (الشرق الأوسط)

يقول خزعل لـ«الشرق الأوسط» إنه «لم يلمس أي تغير في الشعور الشعبي تجاه السوريين منذ سقوط الأسد؛ بل على العكس يحتفي المصريون معنا بسقوطه». وبينما يستعد خزعل للعودة إلى سوريا عبر بيروت، للاطمئنان على أهله، يؤكد أن عودته «قرار شخصي، وكل من يعلم بالخبر من أصدقائه والمحيطين يتمنى لو مكث أكثر».

ويصف مؤسس «جمعية سوريا الغد» للإغاثة، ملهم الخن، دعوات ترحيلهم بـ«المشبوهة»، تقف خلفها «حسابات مجهولة بهدف زرع الفتنة بين الشعبين المصري والسوري»؛ فهو على أرض الواقع يختبر العكس، ويجد تقارباً كبيراً بين الشعبين، فضلاً عن صلات نسب تعمقت على مدار العقد الماضي، مع كثرة التزاوج بين المصريين والسوريين، وشراكات تجارية كثيرة.

ويستشهد الخن الذي يستقر في مصر منذ عام 2007، بغروب «اللمة السورية في مصر» على «فيسبوك»، (يضم نحو 137 ألف شخص)، والذي أسسه عام 2013 بوصفه غروباً خدمياً للسوريين ثم ضم كثيراً من المصريين لاحقاً، قائلاً إن «المصريين فيه يدعون السوريين إلى البقاء، ويتحدثون كيف تأثروا بهم، واعتادوا وجودهم. ويعبر السوريون عن امتنانهم للمصريين على حسن ضيافتهم لهم طيلة السنوات الماضية».

ملهم الخن مؤسس «جمعية سوريا الغد» للإغاثة (صفحة المؤسسة على فيسبوك)

وبينما تحض بعض منشورات «السوشيال ميديا» على سرعة ترحيل السوريين استناداً إلى الكلفة الاقتصادية التي تحملتها مصر بوجودهم، ترفض آيات محمد (27 عاماً)، وهي مصرية اعتادت تناول الوجبات السورية، هذه الأحاديث، ووصفت السوريين بـ«الشغيلة»، معربة عن قلقها من عودة السوريين حالياً، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «عودتهم الآن مخاطرة وقرار متعجل، ومن الأفضل أن يظلوا في مصر حتى يتضح المشهد أكثر».

الأمر نفسه يكرره أحمد أشرف (25 عاماً)، وهو مصري يعمل في صناعة وبيع الإكسسوارات بمنطقة خان الخليلي، معبراً عن إعجابه الشديد بالسوريين، وما خلقوه في مصر من حالة خاصة، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «ينظر بإعجاب للتجربة السورية، وكيف استطاعت تنشيط السوق المصرية في كثير من المجالات، مثل صناعة العطور، والمنسوجات، بخلاف الطعام».

ويؤكد أشرف أنه «يتعامل مع سوريين؛ سواء أصدقاء أو زبائن، ولم يلحظ في دوائره أي حنق عليهم، أو رغبة في ترحيلهم».

الشاب المصري أحمد أشرف يحكي عن انبهاره بنموذج السوريين (الشرق الأوسط)

ويُعدُّ السوريون من بين أبرز الجنسيات التي تشارك بإيجابية في سوق العمل المصرية؛ خصوصاً في الصناعات الغذائية والنسيج، وحسب تقرير لـ«منظمة الهجرة الدولية» صدر في يوليو (تموز) 2022، فإن «حجم التمويل الاستثماري من جانب نحو 30 ألف مستثمر سوري مسجل في مصر، قُدر بمليار دولار في عام 2022».

راسم الأتاسي الرئيس السابق لرابطة الجالية السورية في مصر

ويعتقد الرئيس السابق لرابطة الجالية السورية في مصر، راسم الأتاسي، أن «بعض الأصوات التي خرجت تطالب بترحيل السوريين ترجع لمنافسات تجارية»، مؤكداً أنها «تبقى محدودة، ولا تعبر عن التعاطف الكبير بين الشعبين».

ويكرر الأتاسي أنه «سمع في أكثر من مناسبة مصريين طالبوهم بأن يبقوا في مصر وألا يتعجلوا في الرحيل»، ولم يختلف الترحيب بهم شعبياً عنه مع المسؤولين الذين التقى بهم خلال الفترة الماضية، قائلاً: «لم توجَّه إلينا منهم أي مطالب بمغادرة مصر؛ بل على العكس كان الترحيب نفسه، والحديث عن عمق الأثر السوري في مصر يجري على لسانهم».

ورداً على الترحيب الشعبي المتواصل بالسوريين في مصر، اختار المغني السوري المقيم في القاهرة منذ عام 2013 محمد الهماش، رد الجميل بأغنية كتبها ولحَّنها خصيصاً لشكر مصر.

وعلَّق الهماش على دعوات ترحيلهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كل ما نسمعه ونقرؤه بهذا الخصوص لا يمت للواقع بصلة. أنا أعيش في مصر منذ عام 2013، لم أسمع إلا الكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة التي تجعلنا -نحن السوريين- نقف مرتبكين خجلاً؛ لأن كلمة (شكراً) لا تكفي، ولا تعبِّر عن مشاعرنا تجاه مصر والمصريين».

ويرى الخبير الإعلامي خالد البرماوي أن «هناك فجوة منذ فترة بين ما يظهر على (السوشيال ميديا) ويتصدر في هيئة (ترندات)، وبين الواقع. برز بوضوح في قضية مثل قضية المقيمين الأجانب في مصر».

ويوضح البرماوي لـ«الشرق الأوسط»، أن «الواقع محكوم بعلاقات متداخلة ومتشابكة، بعكس (السوشيال ميديا)، المحكومة باللوغاريتمات، وقد تظهر محتويات زاعقة -أو (ترند)- ليس بالضرورة تمثل الواقع؛ بل في كثير من الأحيان تقف وراءها جهات ترغب في تصدير صورة معينة، بينما على الواقع الصورة عكس ذلك».

وتعد مصر الأولى عربياً في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، حسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، بواقع نحو 43 مليون مستخدم.

ووفق البرماوي، فإنه بافتراض أن إثنين في المائة ممن يستخدمون تلك المواقع تبنوا رأياً ما، فيكون لدينا نحو 900 ألف، وهذا رقم يستطيع إقامة أكثر من «تريند» ومحتوى رائج زائف.


مقالات ذات صلة

مسؤولة أممية في مخيم شمال سوريا للاطلاع على تحديات عودة النازحين

المشرق العربي زيارة لمخيمات في إدلب بحضور المنسقة الإنسانية المقيمة للأمم المتحدة بسوريا ناتالي فوستيه وأهالي النازحين (سانا)

مسؤولة أممية في مخيم شمال سوريا للاطلاع على تحديات عودة النازحين

شملت الجولة مخيم الملعب القديم ببلدة حزانو، والاطلاع على أوضاع النازحين المعيشية والإنسانية، ومعالجة التحديات المتعلقة بملف العودة، بحسب وكالة «سانا».

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي حي القدم بدمشق يوم 29 أبريل 2026 (أ.ب)

اتهامات لخلايا «محور إيران» بـ«الاستثمار» في الفوضى بسوريا

وضعت وزارة الداخلية السورية حادث اغتيال رجل دين شيعي، يوصف بأنه قريب من الحكومة، ضمن محاولات «ممنهجة» لزعزعة الأمن والاستقرار وبثّ الفوضى.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، الأربعاء، عن اعتقال اللواء عدنان حلوة، أحد ضباط النظام المخلوع المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

خاص السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)

هل تنجح لجنة «4+4» في تجاوز أزمة قوانين الانتخابات الليبية؟

تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري وسط أعضاء اللجنة «4+4» خلال اجتماعها في روما الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري وسط أعضاء اللجنة «4+4» خلال اجتماعها في روما الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
TT

هل تنجح لجنة «4+4» في تجاوز أزمة قوانين الانتخابات الليبية؟

تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري وسط أعضاء اللجنة «4+4» خلال اجتماعها في روما الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري وسط أعضاء اللجنة «4+4» خلال اجتماعها في روما الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

دفع التوافق الذي أبدته لجنة «4+4» الليبية، بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، كثيرين للتساؤل عن مدى قدرتها على تجاوز الخلافات المتعلقة بالقوانين اللازمة للانتخابات العامة.

ويلفت مراقبون إلى أن مفوضية الانتخابات ومجلسها لم يكونا مصدر الخلاف الحقيقي بين القوى الليبية، مقارنة بالقوانين التي من المفترض أن تيسّر الاستحقاق الانتخابي، خاصة ما يتعلق بشروط ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية لخوض السباق الرئاسي من عدمه.

ويرى المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن ما أنجز في ملف المفوضية -الذي لم يكتمل بعد- «لا يمكن التعويل عليه كمؤشر لإمكانية تجاوز ملف القوانين الأكثر تعقيداً في الجولات القادمة للجنة (4+4)».

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (غيتي)

واعتبر محفوظ أن «التوافق السريع حول ملف المفوضية جاء لتقديم صورة إيجابية للرأي العام، وإشارة لقدرة أعضاء اللجنة على إدارة التفاوض بشكل جيد»، مذكراً بأن «أغلب المراقبين أشاروا لسهولة ملف المفوضية، مقارنة بالقوانين الانتخابية».

وكان أعضاء لجنة «4+4» قد قرروا خلال اجتماعهم في روما الأسبوع الماضي إعادة تشكيل مجلس المفوضية من ستة أعضاء، بواقع ثلاثة عن مجلس النواب، ومثلهم عن «الأعلى للدولة»، ممن سبق أن رشحهم المجلسان، على أن يتولى مكتب النائب العام اختيار رئيسها من رجال القضاء المشهود لهم بالكفاءة، والنزاهة.

ويصف محفوظ الخلاف حول القوانين اللازمة للانتخابات بأنه «سياسي بامتياز»، إذ يتمحور «حول جواز ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية، وإمكانية عودة أي مرشح لمنصبه حال خسارته».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً في ظل وجود حكومتين متنافستين: «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير المنطقة الشرقية، وتحظى بدعم المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني».

وفيما يتعلق بالتعقيدات التي حالت دون الانتهاء من قوانين الانتخابات، يتحدث محفوظ عن بقاء ذات «الشخصيات الخلافية» التي تقدمت للرئاسة عام 2021 من بينهم الدبيبة وحفتر، فيما غاب سيف الإسلام القذافي، الذي اغتيل بدايات فبراير (شباط) الماضي.

ويرفض محفوظ إصدار أحكام مسبقة بشأن وجود دعم أميركي لـ«4+4»، مشيراً إلى أن الجولة المقبلة «ستكشف مدى مصداقية تصريحات البعثة بأن مسار اللجنة بعيد عن أي ترتيبات أميركية، وأنها ماضية فعلياً نحو التمهيد لإجراء الاستحقاق الانتخابي من عدمه».

أما الباحث القانوني الليبي، هشام سالم الحاراتي، فيرى أن مسار لجنة «4+4» يعدّ «إطاراً تكميلياً» لمبادرة مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي، للشؤون العربية والأفريقية، التي يعتقد أنها «تستهدف تقاسم السلطة» في ليبيا، لافتاً إلى توالي الاعتراضات الشعبية والسياسية عليها مؤخراً.

وتقضي المبادرة المنسوبة إلى بولس ببناء تفاهمات بين سلطتي طرابلس وبنغازي، من خلال تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من محمد المنفي، مع إبقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

ويتوقع الحاراتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تشهد الجولات القادمة للجنة نقاشات حول قوانين الانتخابات «من دون تقدم حقيقي؛ لعدم إمكانية تنازل أي من تلك القوى الفاعلة عن شروط تمسكت بها لسنوات، وهو ما قد يعرضها لانتقاد مؤيديها بمناطق نفوذها».

على النقيض من الآراء السابقة التي أبدت تحفظات، أو انتقدت مسار لجنة «4+4»، بدا عضو مجلس النواب، عمار الأبلق، الأكثر تفاؤلاً وترحيباً بها، وعزا ذلك لما وصفه «بالتقارب بين مسار البعثة الأممية ومبادرة بولس، وهو ما قد ينبئ بإمكانية تجاوز ليبيا لأزمتها السياسية، ولكن بشكل تدريجي».

ويرى الأبلق في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن شروط الترشح «ستبقى عقدة رئيسة إذا تم الاتفاق على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة»، وقال: «الحديث عن رفض ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية هو في جوهره رفض من قبل قطاعات في الغرب الليبي لترشح حفتر وأبنائه، وليس تمسّكاً بمبادئ ثابتة».

لافتاً إلى «إمكانية الاستعانة فعلياً بمقترحات لجنة العشرين، ومنها انتخاب مجلس تشريعي جديد يتولى إعداد دستور دائم تنظم بموجبه لاحقاً الانتخابات الرئاسية».

واختتم الأبلق داعياً «الجميع إلى الانتباه للتحديات الراهنة التي تحيط بالبلاد على الصعيد الاقتصادي باستمرار إهدار عوائد النفط مصدر الدخل الرئيس، وعدم الالتفات للمخاطر المحيطة بالجنوب الليبي من تمدد للإرهاب وجرائم التهريب».

وكانت البعثة الأممية شكلت لجنة استشارية مكونة من 20 شخصية ليبية من ذوي الخبرة في المجالات السياسية والدستورية والقانونية والانتخابية. وكُلِّفت اللجنة باقتراح خيارات سليمة فنياً، وقابلة للتنفيذ سياسياً لحل القضايا الخلافية التي تعرقل إجراء الانتخابات.


وقف الاشتباكات في صرمان الليبية لا يخفي هشاشة المشهد الأمني

اجتماع طارئ لمجلس بلدية صرمان يوم الأحد (المجلس)
اجتماع طارئ لمجلس بلدية صرمان يوم الأحد (المجلس)
TT

وقف الاشتباكات في صرمان الليبية لا يخفي هشاشة المشهد الأمني

اجتماع طارئ لمجلس بلدية صرمان يوم الأحد (المجلس)
اجتماع طارئ لمجلس بلدية صرمان يوم الأحد (المجلس)

رغم عودة الهدوء النسبي إلى مدينة صرمان بشمال غربي ليبيا، بعد احتواء جولة من الاشتباكات المسلحة، فإن الأمر يبدو أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى استقرار دائم؛ فالتطورات الأخيرة تعكس استمرار هشاشة الوضع الأمني في غرب البلاد، في ظل غياب منظومة أمنية موحدة قادرة على فرض السيطرة.

وكانت السلطات في غرب البلاد قد أعلنت، مساء السبت، التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإنهاء الاشتباكات المسلحة التي اندلعت في صرمان، وسط تعليمات حكومية مشددة للمدعي العام العسكري والجيش بفتح تحقيق شامل وملاحقة الجناة.

وفي أول رد فعل لها عقب تلك الاشتباكات، قالت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة إن وزيرها للدولة لشؤون مجلس الوزراء، محمد بن غلبون، خاطب بناءً على تعليمات الدبيبة بصفته وزير الدفاع، المدعي العام العسكري لفتح تحقيق شامل في ملابسات الاشتباكات المسلحة التي شهدتها بلدية صرمان، والتنسيق مع الجهات المعنية، بما يضمن ملاحقة الجناة وتحقيق العدالة.

كما خاطب غلبون وكيل وزارة الدفاع ورئيس الأركان العامة وآمر منطقة الساحل الغربي العسكرية باتخاذ إجراءات عاجلة على خلفية اشتباكات بلدية صرمان، وطالب بضرورة تعزيز الوجود الأمني داخل البلدية، بما يضمن استقرار الأوضاع وحماية المدنيين والممتلكات العامة والخاصة.

كما شدّد على ضرورة موافاة الجهات المختصة بتقارير دورية على مدار الساعة بشأن مستجدات الوضع في المدينة.

ويرى متابعون أن ما جرى في صرمان يسلط الضوء مجدداً على هشاشة الوضع الأمني في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة «الوحدة»، ويتطلب حلاً نهائياً يفكك سطوة التشكيلات المسلحة على مدن بغرب ليبيا.

في السياق ذاته، انتقدت وسائل إعلام محلية ما وصفته بـ«اختفاء» محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، بصفته نظرياً القائد الأعلى للجيش الليبي ولقوات المنطقة الغربية، وصمته عن الاشتباكات التي شهدتها صرمان والزاوية بين قوات تابعة لرئاسة أركان مجلسه الرئاسي.

صورة أرشيفية للقاء المنفي مع أعيان ومشايخ من صرمان (المجلس الرئاسي)

وقالت بلدية صرمان، الأحد، إن حكومة «الوحدة» وجهت للقيادات العسكرية والأمنية بـ«اتخاذ إجراءات عاجلة لضبط الأمن والتحقيق في أحداث العنف التي شهدتها المدينة، في خطوة تهدف إلى حصر الأضرار وتهدئة التوترات بالمنطقة».

وجاء هذا التحرك عقب اجتماع طارئ عقده عميد وأعضاء المجلس البلدي في صرمان مع قيادات أمنية واجتماعية، جرى خلاله بحث سبل استعادة الاستقرار في المدينة التي شهدت اضطرابات أمنية خلال الأيام الماضية.

وقال عميد بلدية صرمان، محسن بوسنينة، إن الدبيبة «أصدر حزمة من القرارات والإجراءات العاجلة استجابة للأوضاع الأمنية الأخيرة التي شهدتها بلدية صرمان، وذلك في أعقاب لقائه مع وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء لبحث تداعيات الأحداث وسبل جبر الضرر».

وشملت القرارات الحكومية تشكيل لجنة متخصصة لحصر الأضرار الناجمة عن الاشتباكات الأخيرة، والبدء في إجراءات جبر الضرر وتعويض المواطنين المتضررين، تأكيداً على حرص الدولة على حماية حقوق مواطنيها وممتلكاتهم.

كما دعت بلدية صرمان المواطنين المتضررين إلى فتح محاضر رسمية لدى مراكز الشرطة تمهيداً لبدء إجراءات التعويض بالتنسيق مع الوزارات المعنية.

وكانت البلدية قد أعلنت مساء السبت «التوصل إلى اتفاق يقضي بالوقف الفوري والنهائي لإطلاق النار في المدينة»، وأوضحت في بيان عقب اجتماع طارئ أنه «تم الاتفاق على رفض المظاهر المسلحة كافة، والعمل على تثبيت التهدئة لمنع أي تصعيد إضافي، مؤكدة على الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار».

كما تضمن الاتفاق «تعهد الأطراف المعنية بعدم العودة لأي أعمال قتالية، وعدة بنود رئيسية تهدف إلى إعادة الاستقرار للمدينة، منها دعم الأجهزة الأمنية لتمكينها من بسط النظام داخل صرمان»؛ كما تم الاتفاق على «تفعيل لجان المصالحة والتواصل مع الأعيان والقوى الاجتماعية لترسيخ السلم الأهلي، كما تقرر تشكيل لجنة مختصة لحصر الأضرار البشرية والمادية وتوثيقها».

ووفقاً لعميد صرمان، فقد دخل الاتفاق النهائي لإطلاق النار بين الأطراف المسلحة حيز التنفيذ مساء السبت، مع انتشار قوات الأمن التابعة لمديرية الأمن في نقاط التماس لتأمين المنطقة ومنع تجدد الاشتباكات، وتوقع أن تُستأنف الدراسة بشكل طبيعي ابتداءً من الأحد، في حال استمرار حالة الاستقرار الأمني.

وأُعلن تسجيل حالة وفاة واحدة وإصابة أخرى في صفوف المدنيين، بالإضافة إلى رصد بعض الأضرار في الممتلكات المدنية، ومنها مدارس ومنازل.

وأعلنت جمعية الهلال الأحمر الليبي في مدينة صرمان تمكن فريقها للطوارئ من إخلاء أكثر من 11 أسرة من مواقع مختلفة بعد فتح ممر آمن ضمن نطاق الاشتباكات، مشيرة إلى تعرض إحدى سيارات الفريق لطلقة نار عشوائية دون تسجيل أي إصابات.


زيارة وزير خارجية سوريا إلى مصر... مؤشرات تقارب تتجاوز الجمود

وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
TT

زيارة وزير خارجية سوريا إلى مصر... مؤشرات تقارب تتجاوز الجمود

وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

عُقدت مشاورات مصرية - سورية في القاهرة على مستوى وزيرَي الخارجية، تعدُّ الأولى رسمياً، منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024. وجاءت تلك المشاورات بعد حديث قبل نحو أسبوع جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع في قبرص، ووصفته وسائل إعلام بالبلدين بأنه «ودي».

الزيارة التي شملت محادثات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني يُتوقَّع لها أن «تحمل مؤشرات تقارب حقيقية، تتجاوز الجمود نوعاً ما في العلاقات حالياً»، بحسب خبراء بالبلدين تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، متوقعين أن يتسع التعاون من باب الاقتصاد، خصوصاً في ضوء حضور وزيرَي الصناعة بالبلدين مشاورات وزيرَي الخارجية.

محادثات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)

زيارة لافتة

وزيارة الشيباني تعدُّ الأولى الرسمية إلى مصر، في حين جرى أول اتصال رسمي بين وزير الخارجية أسعد الشيباني ونظيره المصري في 31 من ديسمبر 2024.

وتأتي الزيارة بعد أيام من لقاء الشرع والسيسي، على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية»، التي عُقدت في قبرص، أواخر شهر أبريل (نيسان) الماضي، في حين التقى الجانبان لأول مرة على هامش «القمة العربية الطارئة» في القاهرة في مارس 2025.

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرُّك نحو اتصالات ثنائية حذرة؛ بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يزول ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بجوار نظيره السوري أحمد الشرع خلال اجتماع قبرص... الجمعة الماضي (الرئاسة المصرية)

وسبق أن زار وفد تجاري مصري العاصمة دمشق مع بداية عام 2026، لأول مرة منذ 15 عاماً، وبحث التعاون مع نظيره السوري خلال «ملتقى اقتصادي» مشترك بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتَي تفاهم في مجال الطاقة؛ «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا؛ بهدف توليد الكهرباء».

وتعكس زيارة الشيباني بحسب تلفزيون سوريا (خاص) الأحد، «حراكاً دبلوماسياً لافتاً بين دمشق والقاهرة. وتعدُّ اختباراً جديداً لإمكانية إعادة تنشيط العلاقات بين البلدين بعد فترة من الجمود والتعثر»، لافتاً إلى أنَّ «الدولتين تتجهان إلى الدفع بالعلاقة نحو مرحلة أكثر استقراراً، بعد تعثر سابق حال دون استكمال عودتها بشكل رسمي، لا سيما في ملف اعتماد الدبلوماسيين».

وبمناسبة الزيارة، أصدر وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار المشارِك في الزيارة، قراراً، الأحد، يقضي بتشكيل مجلس الأعمال السوري - المصري، عن الجانب السوري، وكلف غسان كريم رئيساً للمجلس.

ويأتي تشكيل المجلس السوري - المصري، بناء على أحكام القرار الرئاسي رقم 9 بتاريخ 2025، وعلى النظام الأساسي لمجالس الأعمال السورية المشتركة مع دول العالم، حسب ما نشرته وزارة الاقتصاد والصناعة عبر معرفاتها الرسمية.

وأشارت الوزارة إلى أنَّ المجلس يعدّ هو الوحيد مع الجانب المصري المعتمد من قبل وزارة الاقتصاد والصناعة، لتنسيق وتنظيم وتطوير مجالس الأعمال المشتركة السورية مع دول العالم.

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أنَّ زيارة وزير الخارجية السوري إلى القاهرة بعد أيام من الحديث الودي بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع تُمثِّل «مؤشراً إيجابياً على تحرك تدريجي نحو كسر الجمود في العلاقات المصرية - السورية».

ويعتقد أنَّ خطوةً نحو رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي ستظلُّ مرهونةً بتقدُّم ملموس في الملفات الأمنية والمؤسسية داخل سوريا، وعلى رأسها ضمان استقرار الدولة الوطنية، وضبط البيئة الأمنية، وتكريس سيادة المؤسسات.

وأكد حجازي أنَّ الاقتصاد سيكون باباً لمزيد من التعاون أولاً، خصوصاً أنَّ هناك فرصاً حقيقية للتعاون، لا سيما في مجالات إعادة الإعمار، والطاقة، والتجارة، وبناء القدرات، وهذا الباب يمكن أن يشكِّل مدخلاً عملياً لتعزيز الثقة المتبادلة.

جلسة محادثات موسعة بين وفد الخارجية المصرية والوفد السوري (الخارجية المصرية)

ويرى المحلل السياسي السوري عبد الله الحمد، أنَّ زيارة الشيباني «طيٌّ لصفحة تخوفات مصرية من مرجعية النظام الجديد، وتحمل فرصاً لكسر الجمود والتقارب مع مصر؛ الدولة ذات الثقل وصنع القرار في المنطقة»، متوقعاً التوصُّل لمستوى من العلاقات الدافئة في ضوء أحاديث عن حدوث لقاءات أمنية سرية سبقت اللقاء لترتيب أجندة التعاون والتقارب خلال الفترة المقبلة.

ولفت إلى أنه سبق ذلك حدوث اللقاء الاقتصادي بين البلدين، واستقبل الرئيس الشرع الوفد المصري، ولذا سيكون الاقتصاد مساراً مهماً لتنامي العلاقات بشكل واسع، وسيكون البوابة الأمثل لتعزيز التعاون.

معالجة أي تخوفات مصرية

بالفعل، كشف بيان لوزارة الخارجية المصرية، عن أنَّ عبد العاطي والشيباني، عقدا جلسة مباحثات موسعة، بمشاركة المهندس خالد هاشم وزير الصناعة المصري، ومحمد نضال الشعار وزير الاقتصاد والصناعة السوري، تناولت سبل تعزيز مسار العلاقات الثنائية، وتنسيق المواقف إزاء التطورات الإقليمية الراهنة.

وحملت كلمة الوزير المصري تأكيداً على دعم مصري متواصل لدمشق، وعمق الروابط التاريخية والشعبية والثقافية التي تجمع البلدين، مشيراً إلى أنَّ موقف القاهرة تجاه الأزمة السورية استند منذ اندلاعها إلى مبادئ واضحة تنطلق من الحرص الصادق على دعم الجهود الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار، والحفاظ على وحدة سوريا وتماسك نسيجها الوطني.

وشدَّد عبد العاطي على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية السورية، ورفض أي تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية، وتضافر الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف بصوره وأشكاله كافة، والتعامل مع ظاهرة المقاتلين الأجانب، وأن تكون سوريا مصدراً للاستقرار.

على الصعيد الإقليمي، أعرب عبد العاطي عن رفض مصر القاطع لانتهاكات إسرائيل السافرة للسيادة السورية، مجدِّداً إدانة مصر التامة لهذه الانتهاكات، ومشدداً على موقف مصر الثابت والداعم لضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري.

وناقشت المباحثات التطورات الإقليمية المتسارعة، بما في ذلك مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية، والمساعي المبذولة لخفض التصعيد واحتواء حالة الاحتقان. كما تم تبادل الرؤى حول تطورات الأوضاع في لبنان.

وفي ضوء ذلك التعاون الاقتصادي والتشاور الإقليمي، يعتقد حجازي أنَّ التقارب ممكن، لكنه سيتقدمَّ وفق نهج تدريجي حذر يوازن بين الفرص والتحديات في ظلِّ تعقيدات الإقليم، ومستقبل الأوضاع في سوريا واستقرارها.

وشدَّد حجازي على أنه من الضروري أن نتذكر دوماً، أنَّ سوريا في الأساس هي في قلب وعقل الدبلوماسية المصرية، ويرتبط بها كل مصري بوشائج الود والترحيب، والأمل في استقرارها وعودتها رصيداً لأمتها العربية.

ويعتقد المحلل السياسي عبد الله الحمد، أنَّ ملفات اقتصادية وأمنية، وحزم تنسيق دبلوماسي في ظلِّ الخطر الإسرائيلي الذي يهدِّد المنطقة، ستكون في أولوية البلدين مع معالجة أي تخوفات مصرية بالتوازي، خصوصاً أن دمشق تمرُّ بمرحلة انتقالية من الثورة لبناء الدولة، وجاهزة لحل أي تحديات قد تواجه علاقات البلدين.