«هدنة غزة»... الوسطاء يسارعون الخطى لإبرام الاتفاق

واشنطن تعرب عن «تفاؤل حذر» و«حماس» تحذر من «شروط جديدة»

منازل فلسطينية تتعرَّض لأضرار بالغة جراء غارات إسرائيلية في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (رويترز)
منازل فلسطينية تتعرَّض لأضرار بالغة جراء غارات إسرائيلية في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (رويترز)
TT

«هدنة غزة»... الوسطاء يسارعون الخطى لإبرام الاتفاق

منازل فلسطينية تتعرَّض لأضرار بالغة جراء غارات إسرائيلية في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (رويترز)
منازل فلسطينية تتعرَّض لأضرار بالغة جراء غارات إسرائيلية في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (رويترز)

جولات مكوكية للإدارة الأميركية بالمنطقة، لبحث ملف الهدنة في قطاع غزة، تتزامن مع حديث متصاعد عن «قرب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بالقطاع»، وتأكيد مصري على «أهمية سرعة إبرامه».

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإندونيسي برابوو سوبيانتو، الأربعاء، بالقاهرة «أهمية مواصلة الجهود للوصول إلى وقف لإطلاق النار في غزة، وإطلاق سراح الرهائن، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية من دون أي قيود»، وفق بيان صحافي للرئاسة المصرية.

وتحدثت وسائل إعلام أميركية عن زيارة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وليام بيرنز، إلى الدوحة، وسط حديث واشنطن عن «تفاؤل حذر» وتحذير «حماس» من «شروط جديدة».

زيارة بيرنز عدّها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، «محاولة للوسطاء لإسراع الخطى بشأن إبرام اتفاق وتجاوز أي نقاط عالقة».

ويبحث بيرنز، الأربعاء، في الدوحة مع رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، حل النقاط العالقة بين إسرائيل و«حماس»، و«سبل إحراز تقدم نحو وقف إطلاق النار في غزة والإفراج عن المحتجزين»، وفق ما نقلته «رويترز» وشبكة «سي إن إن» الأميركية.

وتوجد في قطر حالياً فرق فنية لبحث الاتفاق، وفق مسؤول أميركي لموقع «أكسيوس»، الثلاثاء، لافتاً إلى أن مستشار الرئيس جو بايدن لشؤون الشرق الأوسط، بريت ماكجورك، موجود بالدوحة للمشاركة في المحادثات التي تضم مسؤولين قطريين ومصريين وإسرائيليين، في حين قال مسؤولون إسرائيليون، إن وفد بلادهم الذي وصل، الاثنين، ضم ممثلين عن جهازي «الموساد» و«الشاباك» والجيش الإسرائيلي.

طفل يقف وسط الدمار في أعقاب غارة إسرائيلية أصابت خياماً يستخدمها النازحون ملاجئ مؤقتة (أ.ف.ب)

وسبق تلك المحادثات الفنية، اتصال بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب، الأحد، بشأن مفاوضات غزة، ووصول مستشار ترمب لشؤون الرهائن، آدم بوهلر إلى إسرائيل، الاثنين، بعد زيارة مبعوث ترمب للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، إلى المنطقة في 9 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، وتصريحه بأنه «لن يكون من الجيد عدم إطلاق سراح» الرهائن المحتجزين في غزة قبل تنصيب الرئيس ترمب.

وانضمت تحركات فريق ترمب، مع أخرى، قام بها الأسبوع الماضي، رئيس الأركان الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، ورئيس الشاباك، رونين بار، في القاهرة؛ لبحث اتفاق الهدنة، ولقاء رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي، ديفيد برنياع، مع رئيس الوزراء القطري، في الدوحة؛ لبحث الاتفاق، حسب «أكسيوس»، وتلاها وصول مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، إلى إسرائيل، الخميس، وقطر، الجمعة، ومصر، السبت، والتشاور بشأن الصفقة بهدف «سد الثغرات النهائية».

كسر التعنت

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور عبد المهدي مطاوع، يرى أن زيارة بيرنز «استكمالٌ لحراك الوسطاء وللضغوط الأميركية المباشرة من إدارة جو بايدن مع فريق ترمب من أجل إتمام صفقة وتجسير الهوة وكسر التعنت بين الطرفين»، مؤكداً أن «هذا الوجود خطوة متقدمة بالمفاوضات».

ويعتقد خبير الشؤون الإسرائيلية، الدكتور سعيد عكاشة، أن زيارة بيرنز، محاولة جديدة من الوسطاء والأميركيين لتقريب وجهات النظر بين طرفَي الحرب.

وعلى خلاف نبرة الأيام الماضية بوسائل إعلام إسرائيلية وأميركية حول «اتفاق وشيك»، تحدثت واشنطن، الثلاثاء، عن «تفاؤل حذر» وسط تسريبات إسرائيلية بأن «الطريق لا تزال طويلة»، وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، لصحافيين، الثلاثاء، إن «التفاؤل الحذر هو طريقة منصفة لوصف الوضع، على الرغم أن الواقعية تخفف منه كثيراً»، مشيراً إلى خيبات الأمل السابقة.

وعلى المسار الحذر، تحدث مسؤول إسرائيلي مطلع على المحادثات، لـ«إكسيوس»، الثلاثاء، قائلاً إن «الفجوات لا تزال كبيرة، وهناك فجوات يمكن لفرق التفاوض أن تسدها، وهذا ما يحاولون القيام به الآن في قطر، وعلى أي حال، لا يزال الطريق طويلاً».

الدخان يتصاعد من البريج في قطاع غزة بعد قصف الجيش الإسرائيلي (إ.ب.أ)

مسؤول إسرائيلي آخر أشار إلى أن «التصريحات المتفائلة التي أدلى بها وزير الدفاع، يسرائيل كاتس خلال الأيام الأخيرة، كانت مبالَغاً فيها»، في إشارة إلى حديثه، الاثنين، بأن «الاتفاق أصبح أقرب من أي وقت مضى».

مطاوع أرجع ذلك التغير إلى وجود خلافات متعلقة بالرهائن، مع إصرار إسرائيل استلام جميع الأحياء ورفض «حماس» ذلك، وكذلك الأسرى الفلسطينيون، هناك اختلافات بشأن إطلاق أصحاب الأحكام الكبيرة البارزين، وهل يبقون داخل فلسطين أم خارجها؟ مشيراً إلى أن تلك التفاصيل هي من ستحسم الاتفاق من عدمها.

بينما يعتقد عكاشة أن ذلك التغيير قد يكون محاولة للضغط على «حماس» لتحقيق مكاسب أخرى خلال المفاوضات أو تهيئة الرأي العام الإسرائيلي بأن الجولة قد تفشل وأن العودة إلى الحرب أقرب.

مرونة «حماس»

«حماس» من جانبها خرجت في بيان، الثلاثاء، مرحّبة بـ«ما تشهده الدوحة من مباحثات جادة وإيجابية برعاية الإخوة الوسطاء القطريين والمصريين»، مؤكدة أن «الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى ممكن إذا توقف الاحتلال عن وضع شروط جديدة»، من دون توضيح تلك الشروط.

وفي حين ذكر موقع «i24» الإسرائيلي، الثلاثاء، أن «حماس» أبدت مرونة في ملفات، لا سيما الانسحاب الكامل من القطاع إلى آخر جزئي، اتهم قيادي بالحركة في تصريحات، الأربعاء، إسرائيل، برفض الموافقة على الإفراج عن كبار الأسرى والقادة الفلسطينيين، في مفاوضات غزة، والإصرار على ترحيل ذوي الأحكام العالية إلى خارج فلسطين، بينما تطالب الحركة بأن يتم تخيير الأسرى بشكل شخصي.

وبحسب القيادي في الحركة ذاته، فإن إسرائيل تريد اتفاقاً من دون توقيع على غرار الحروب السابقة والاكتفاء ببيان قطري ومصري، في حين تشدّد «حماس» على أنها تريد اتفاقاً مكتوباً وتطلب ضمانات الوسطاء الدوليين بإلزام إسرائيل بتطبيق كامل مراحل الاتفاق.

رد فعل مشيعين على مقتل سيدة بغارة إسرائيلية على مخيم إيواء النازحين في مستشفى ناصر بخان يونس (رويترز)

ويؤكد مطاوع أهمية أن تدرك «حماس» أن الوقت ليس في صالح الشعب الفلسطيني، وأن عليها إنجاز اتفاق يخفف عنها المصاعب، متوقعاً أن تواصل إسرائيل استخدام أوراق ضغط في ملفَي الانسحاب والرهائن والأسرى حتى آخر لحظة على الحركة للحصول على تنازلات أكبر، كما رأينا من نتنياهو في جولات سابقة.

موقف صعب

أما عكاشة، فيرى أن «حماس» أمام موقف صعب وضعت نفسها فيه، باعتبار أنها إذا واصلت قبول الشروط ستكون منهزمة، خصوصاً وإسرائيل مصرّة على هدنة وليس إنهاء الحرب.

وتلك النداءات، وفق مطاوع، استمراراً لجهود الوسطاء وكذلك الضغوط من أجل وقف إطلاق النار، وهذا ما قد حدث في جولات سابقة على أمل أن يتم الاتفاق، خصوصاً وهناك تفاؤل حذر بأن تتم قبل تنصيب ترمب تحقيقاً لمهلته التي قد يحرص عليها نتنياهو هذه المرة دون عراقيل.

وفي نهاية مطاف تلك المحادثات، تتأرجح المفاوضات، وسط هذه الخلافات وفق عكاشة، بين 50 في المائة لتحقيقها قريباً، أو الانهيار مجدداً «كما اعتدنا في جولات سابقة».


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.