باريس تطمح إلى الحصول على «ثمن» لتبديل موقفها من ملف الصحراء المغربية

البلدان يسعيان إلى «خريطة طريق» صالحة لـ3 عقود

«شارع محمد الخامس» في الرباط مزداناً بالأعلام المغربية والفرنسية كما ظهر يوم الاثنين بمناسبة زيارة ماكرون (أ.ب)
«شارع محمد الخامس» في الرباط مزداناً بالأعلام المغربية والفرنسية كما ظهر يوم الاثنين بمناسبة زيارة ماكرون (أ.ب)
TT

باريس تطمح إلى الحصول على «ثمن» لتبديل موقفها من ملف الصحراء المغربية

«شارع محمد الخامس» في الرباط مزداناً بالأعلام المغربية والفرنسية كما ظهر يوم الاثنين بمناسبة زيارة ماكرون (أ.ب)
«شارع محمد الخامس» في الرباط مزداناً بالأعلام المغربية والفرنسية كما ظهر يوم الاثنين بمناسبة زيارة ماكرون (أ.ب)

نادراً ما رافق وفدٌ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في زيارة رسمية بضخامة الوفد الاستثنائي الذي يرافقه في «زيارة الدولة» إلى المغرب التي بدأت عصر الاثنين وتستمر حتى يوم الأربعاء. فهو يصطحب معه وزراء: الخارجية، والدفاع، والداخلية، والاقتصاد، والتربية، والثقافة، والزراعة، ومجموعة من البرلمانيين، إضافة إلى وفد من رؤساء الشركات الفرنسية الكبرى والمتوسطة، ووجوه ثقافية وفنية ورياضية، وشخصيات مغربية مقيمة في فرنسا، ووزراء ونواب سابقين.

الملك محمد السادس والرئيس ماكرون خلال زيارة الأخير للمغرب في نوفمبر عام 2018 (رويترز)

والنتيجة أن الوفد الرسمي يتشكل من 122 شخصاً، إضافة إلى المستشارين وكبار الموظفين... وضخامة الوفد، تعكس الرهان الفرنسي على زيارة تأجلت مرات عدة، ويراد لها أن ترسم «خريطة طريق» لعلاقات البلدين على مدى 3 عقود مقبلة، و أن تقلب نهائياً صفحة التباعد بينهما التي استمرت 3 سنوات.

تخطي الملفات الخلافية

ما كان لهذه الزيارة أن تحدث من غير الخطوة الفاصلة التي أقدم عليها الرئيس ماكرون في شهر يوليو (تموز) الماضي، عندما أحدث «انقلاباً» جذرياً في موقف فرنسا التقليدي من ملف الصحراء، بإعلانه، في رسالة موجهة إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس، أن «حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية».

وهذا التغير قلب الأمور رأساً على عقب؛ إذ كلل جهود التقارب التي بذلتها فرنسا في العامين الماضيين، حيث توالت الزيارات من الطرفين بوتيرة استثنائية، أهمها اثنتان: زيارة وزيرة الخارجية كاثرين كولونا إلى الرباط نهاية عام 2022، وزيارة خلفها في الوزارة ستيفان سيجورنيه إلى العاصمة المغربية في شهر مارس (آذار) من العام الحالي. وبينهما حدثت زيارات أخرى، كان هدفها جميعاً التغلب على الخلافات بين باريس والرباط، وتمهيد الطريق لـ«زيارة الدولة». ولكي تحدث، تراجعت باريس عن قرارها خفض عدد التأشيرات الممنوحة للمغاربة لزيارة فرنسا إلى النصف، والتغاضي عن اتهامات فرنسية للمغرب بالتجسس عبر برنامج «بيغاسوس» الإسرائيلي على كبار المسؤولين الفرنسيين ومن بينهم الرئيس ماكرون شخصياً، فضلاً عن الإشارات التي أرسلتها باريس بأن التقارب مع الجزائر لا يكون على حساب المغرب.

ماكرون متحدثاً في «قصر الإليزيه» الجمعة بمناسبة تدشين معرض «صنع في فرنسا»

بيد أن استدارة ماكرون بخصوص الصحراء، أغضبت الحكومة الجزائرية التي عجّلت سحب سفيرها من باريس، وشنت حملة استثنائية سياسية وإعلامية على فرنسا التي «تدعم الاستعمار».

ولا شك في أن مدة زمنية طويلة سوف تنقضي قبل أن يتراجع التوتر بين العاصمتين.

ووفق مصدر فرنسي متابع للعلاقات بين باريس والجزائر، فإن الطرف الأول وصل إلى قناعة مفادها بأنه لن يكون سهلاً التغلب على المسائل الخلافية بين الجانبين، ومنها مسألة «مصالحة الذاكرتين»، وطي صفحة رواسب الصراع الدامي بينهما بسبب الحقبة الاستعمارية التي استمرت 132 عاماً، وتناسي ذكريات حرب الاستقلال الجزائرية الدامية.

ثم إن الملفات الاقتصادية والتجارية العالقة بينهما تراوح في مكانها. والخلاصة، التي توصلت إليها باريس، قوامها أن العودة إلى التفاهم مع المغرب ستكون أكثر مردودية بالنسبة إلى فرنسا ومؤسساتها وشركاتها، وأن الطريق إلى ذلك تشمل، دون شك، دفع الثمن السياسي في ملف الصحراء.

علما المغرب وفرنسا في إحدى ساحات الرباط (أ.ب)

وليس من قبيل المصادفة أن رؤساء كبريات الشركات الفرنسية يرافقون ماكرون. ومن بين هؤلاء قادة «إنجي» و«ألستوم» و«سافران» و«توتال إنرجي» و«سوييز»، وممثلون عن شركات مثل «إيرباص» و«فيوليا» و«تاليس»... فالجانب الفرنسي؛ الذي يكرر أن فرنسا هي المستثمر الأول المباشر في الاقتصاد المغربي، وأنها شريكه التجاري والاقتصادي والاستثماري الأول، يريد لشركاته أن تعود لاحتلال الموقع الأول في سوق أصبحت مفتوحة وازدادت فيها المنافسة.

وطموحات باريس متعددة. وسيشكل ذلك أحد المحاور الرئيسية للزيارة. وأعلن وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو، أن باريس «ستتحاور مع المغرب حول مسائل القدرات الدفاعية». و تأمل شركة «نافال غروب» أن تنجح في بيع البحرية المغربية غواصتين من طراز «سكوربين». والمنافسة قائمة بينها وبين الشركة الألمانية «تيسن غروب سيستمز».

وتسعى باريس كذلك إلى إقناع سلاح الجو الملكي المغربي بشراء 15 طائرة هليكوبتر من طراز «كاراكال» بقيمة 400 مليون يورو، التي تصنعها شركة «إيرباص هليكوبتر».

المقاتلة الفرنسية «ميراج 2000»... (رويترز)

يضاف إلى ما سبق، أن الجانب الفرنسي يريد الانتهاء من ملف حيازة المغرب سرباً من طائرات «ميراج 2000 - 9» يريد سلاح الجو الإماراتي التخلي عنه، في إطار عملية تحديث أسطوله من الطائرات المقاتلة.

أما في القطاعات المدنية، فإن «إيرباص» تأمل في أن تحصل على حصة من خطة «الطيران الملكي المغربي» الهادفة إلى شراء 188 طائرة حتى عام 2037. والحال أن غالبية أسطول الناقل المغربي تتشكل من طائرات «بوينغ». وتريد «إيرباص» عرض طائرتها من طراز «آي320» لمنافسة طائرة «بوينغ737».

كذلك، فإن شركة «ألستوم» الفرنسية تسعى إلى الحصول على عقد بيع المغرب 18 حافلة لخط القطارات السريع، وأن تكون في مشروع تمديد خط القطارات السريع بين طنجة وأغادير، الذي سبق للملك محمد السادس والرئيس ماكرون أن دشنا شطره الأول في عام 2018، في ثاني زيارة من ماكرون إلى المغرب.

وسبق لـ«قصر الإليزيه» أن أعلن أن فرنسا تريد «مواكبة المغرب» في التحضير لاستضافة «مونديال 2030» لكرة القدم، وأن تساهم في «تحدي» البنى التحتية المغربية، والتغلب على أزمة المياه التقليدية التي يعاني منها بشكل دائم. ومن المشاريع المطروحة للبحث؛ تحلية مياه البحر.

النقص المائي من الصعوبات الرئيسية التي يعاني منها المغرب بشكل شبه دائم (أ.ف.ب)

ويريد الجانب الفرنسي العمل مع المغرب لتعزيز الحضور المشترك في البلدان الأفريقية. ومن المرتقب أن تجري عمليتا توقيع عقود: الأولى مساء الاثنين بحضور الرئيس ماكرون وملك المغرب، والثانية الأربعاء بمناسبة المؤتمر الاقتصادي الذي سيختتمه الرئيس الفرنسي. وهذه الاتفاقيات ستشمل، كما تفيد المصادر الفرنسية، المياه، والتعليم، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والأمن الداخلي، والدفاع.

يبدو واضحاً أن الطموحات الفرنسية كبيرة، وأنها تلاقي الحاجات المغربية. ونقلت صحيفة «لوبينيون» الفرنسية، في عددها يوم الاثنين، عن مصدر مغربي مطلع، أن المشكلة الأولى للمغرب تتمثل في توفير التمويل، وأنه يراهن على «ليونة» فرنسية في هذا المجال، مما يسهل العقود التي تراها «مكافأة» لفرنسا لموقفها السياسي المستجد في ملف الصحراء.

وينتظر أن يؤكد ماكرون مجدداً، في اجتماعه المغلق مع الملك المغربي، على مواقفه الجديدة، وكذلك في الخطاب الذي سيلقيه أمام البرلمان.

وتأمل باريس والرباط في التوصل إلى تفاهم بشأن مسألة الهجرات، خصوصاً بشأن المواطنين المغاربة الذين تصدر بحقهم مذكرات إبعاد عن الأراضي الفرنسية، التي لا يمكن تنفيذها من غير موافقة رسمية من الطرف المغربي.

وفي هذا السياق، تعود المهمة إلى وزير الداخلية الفرنسي الجديد، برونو روتايو، وهو يميني متشدد ينهج خطاً متصلباً في موضوع الهجرات بشكل عام، ويسعى لمضاعفة نسبة ترحيل الأجانب، ومنهم المغاربة الذين لا حق لهم في البقاء على الأراضي الفرنسية.


مقالات ذات صلة

قائمة أفضل حراس المونديال عبر التاريخ

الرياضة جدران المونديال المنيعة: أفضل 6 حراس في تاريخ كأس العالم بالأرقام

قائمة أفضل حراس المونديال عبر التاريخ

أساطير حراسة المرمى في المونديال...أرقام تاريخية وتصديات إعجازية لـ ياشين وبوفون وكاسياس ونوير ومارتينيز غيرت مسار كأس العالم.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عربية لاعبو المغرب خلال الإستعداد لمواجهة أسكتلندا المفصلية (ا ف ب)

بعد 28 عاماً من جرح «مونديال 98»... اسكوتلندا تبحث عن الثأر والمغرب لتأكيد العقدة

موقعة المغرب واسكوتلندا بمونديال 2026 تعيد إحياء ذكريات 1998 في بوسطن، وسط صراع تكتيكي مثير بين ثورة محمد وهبي وواقعية جيش التارتان للتأهل التاريخي.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عربية إسماعيل صيباري نجم المغرب (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: صيباري يغيب عن تمارين المغرب

كان مهاجم أيندهوفن الهولندي، إسماعيل صيباري، الغائب الوحيد عن الدقائق الـ15 الأولى المفتوحة لوسائل الإعلام في الحصة التدريبية لمنتخب المغرب.

«الشرق الأوسط» (نيوجيرسي)
رياضة عربية الموهبة المغربية الشابة أيوب بوعدي كتب شهادة ميلاده أمام البرازيل (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: الموهبة المغربية الصاعدة بوعدي يشق طريقه بثقة

بدأ الموهبة الشابة أيوب بوعدي أولى مبارياته الدولية الرسمية بخطى واثقة.

«الشرق الأوسط» (إيست رذرفورد)
رياضة عالمية منتخب البرازيل أنهى استعداداته لمواجهة المغرب (رويترز)

«مونديال 2026»: الموقعة الأولى بين البرازيل والمغرب

يشهد يوم السبت، على الورق، أبرز مباراة في دور المجموعات لمونديال 2026 في كرة القدم، بين البرازيل، حاملة اللقب 5 مرات، ومنتخب المغرب صاحب مفاجأة 2022.

«الشرق الأوسط» (إيست راذرفورد (الولايات المتحدة))

الامم المتحدة تدعو «الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنه على الأبيّض

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
TT

الامم المتحدة تدعو «الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنه على الأبيّض

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

دعت الأمم المتحدة الخميس قوات الدعم السريع إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على مدينة الأُبَيِّض السودانية الاستراتيجية في إقليم كردفان، محذّرةً من عواقب كارثية على المدنيين.

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر قوات الدعم السريع تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.

وحذر من أن هذا الحشد العسكري «من المحتمل أن يعرّض مركزا سكانيا رئيسيا آخر في السودان لخطر جسيم يتمثل بأعمال عنف واسعة النطاق».

ورأى المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك في بيان ضرورة «وقف هذا الجنون» في ضوء تقارير عن حشد لقوات الدعم السريع وحلفائها حول مدينة الأبيّض وتكثيف للضربات بالطائرات المسيّرة والقصف المدفعي.

وتَقَع مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، على طريق رئيسي يربط المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في إقليم دارفور في غرب السودان بالمناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش في الشرق. ويخوض الطرفان حربا منذ أبريل (نيسان) 2023.

ومنذ أشهر تُحاصر قوات الدعم السريع مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان.

وقال تورك «سبق أن شهدنا هذا السيناريو ونعلم إلى أين أدى، ولا يمكننا السماح بتكرار الفظائع التي كان ممكنا تجنبها وقمنا بتوثيقها في الفاشر ومخيم زمزم للنازحين في شمال دارفور العام الماضي».

واضاف أن «المدنيين يواجهون خطرا كبيرا في كردفان، ولا سيما في الأبيّض، اذا لم تُتخذ إجراءات لوقف الهجوم الوشيك والتصعيد العسكري المستمر».

وأورد تورك «ليكن هذا تحذيرا صارخا للعالم من كارثة وشيكة على صعيد حقوق الإنسان ومن تدهور الوضع الإنساني».

وتابع «على الدول التي تملك نفوذا وتأثيرا أن تمارس هذا الدور الآن لوقف هذا الجنون قبل أن يستفحل».

وخشية تكرار سيناريو الفاشر في الأُبيِّض، أشار المتحدث باسم غوتيريش إلى أنه «في كثير من الأحيان في هذا النزاع، فشلت التحذيرات الواضحة في إثارة تحرك منسق من قبل المجتمع الدولي».

ووصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» الوضع بأنه «متقلب وسريع التطور»، موضحا أن تصاعد الأعمال العدائية في الأُبيِّض وحولها يعطل بشدة عمليات الإغاثة.

وجاء في بيان أوتشا «تشير المصادر المحلية إلى أن معظم المدارس والأسواق والمتاجر والمستودعات الإنسانية في المدينة قد أغلقت الآن».

وأسفر النزاع في السودان الذي دخل عامه الرابع، عن مقتل عشرات آلاف الأشخاص وتشريد أكثر من 11 مليونا، وتسبب بأسوأ أزمة نزوح وجوع في العالم بحسب الأمم المتحدة.

واشتدّت حدة المعارك في الأشهر الأخيرة في إقليم كردفان وولاية النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية، لا سيما بعد سيطرة قوات الدعم السريع في أكتوبر (تشرين الأول) على الفاشر، آخر معاقل الجيش الرئيسية في غرب دارفور.

ويتنازع الطرفان السيطرة على مدن كردفان الغنية بالموارد.

وخلصت بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان في فبراير (شباط) إلى أن حصار الفاشر والسيطرة عليها تسببا في «ثلاثة أيام من الرعب المطلق» ويحملان «سمات الإبادة الجماعية».

وقال تورك إن «الاستخدام المتزايد باستمرار للطائرات المسيّرة» في تنفيذ الضربات الجوية مؤذٍ جدا للمدنيين في كردفان.

وأعربت 29 دولة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف عن «قلق بالغ إزاء المخاطر العاجلة لارتكاب فظائع وعمليات قتل متعمدة في السودان»، ودعت قوات الدعم السريع إلى «الوقف الفوري لهجومها على الأبيض».

وجاء في بيان مشترك لها «نشعر بقلق عميق إزاء خطر التصعيد الوشيك على الأرض، مما يعرّض نحو 500 ألف مدني لخطر الوقوع ضحايا لجرائم فظيعة واسعة النطاق، بمن فيهم أكثر من 100 ألف نازح داخليا».

وبين الدول التسع والعشرين أستراليا وبريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا والنروج وإسبانيا.


فارس النور لـ«الشرق الأوسط»: أصطف مع دعاة «لا للحرب»

فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
TT

فارس النور لـ«الشرق الأوسط»: أصطف مع دعاة «لا للحرب»

فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

أكد القيادي البارز المستقيل من حكومة «حميدتي»، فارس النور أن السودان لا يزال يمتلك فرصة حقيقية للمضي نحو إنهاء الحرب الدائرة في البلاد، مستنداً إلى الحراك والجهود الدولية المتزايدة الرامية إلى فرض هدنة إنسانية تتيح إيصال المساعدات للمتضررين وتفتح الباب أمام عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية.

وشغل النور، عضوية المجلس الرئاسي في تحالف «تأسيس»، كما عينته الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا مقراً لها حاكماً للخرطوم. وشغل أيضاً لسنوات منصب مستشار قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان من أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال مفاوضات جدة عام 2023.وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال إنه ينظر بإيجابية إلى هذه المساعي الدولية ويدعم كل الجهود التي تهدف إلى وقف القتال ووضع حد لمعاناة السودانيين، مضيفاً: «أنا الآن مصطف مع القوى التي تنادي بوقف الحرب، وأرى أن هذه هي الأولوية الوطنية القصوى التي ينبغي أن تتوحد حولها جميع الأطراف السودانية». ودعا النور إلى الاستفادة من التجربة الخليجية واستلهام ما وصفه بـ«الحكمة الخليجية الراسخة» في إدارة الأزمات، مشيراً بصورة خاصة إلى الموقف السعودي الأخير الذي عكس تماسك دول الخليج ووحدة مواقفها في مواجهة التحديات الإقليمية.

وأوضح أن الاتصال الهاتفي الذي أجراه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وما تضمنه من إدانة للاعتداءات الإيرانية والتأكيد على وقوف المملكة إلى جانب الإمارات واستعدادها لتسخير إمكاناتها دفاعاً عن أمنها واستقرارها، يمثلان نموذجاً عملياً يجسد عمق الروابط الخليجية ووحدة المصير بين دول المنطقة.

وأضاف النور أن السودان في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه المواقف التي تقوم على التضامن والتكامل وتغليب المصالح المشتركة، قائلاً: «نحن في السودان ما أحوجنا لمثل هذه المواقف. ونتمنى أن تمتد هذه الروح الأخوية وأن تسود الحكمة الخليجية الراسخة لتكون سنداً لجهود إحلال السلام في السودان، وأن تسهم في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، ودعم الحلول السلمية التي تنهي معاناة الشعب السوداني وتفتح الطريق أمام التنمية والاستقرار وإعادة بناء الدولة».

وكشف النور عن تطلعه للعمل مع دول الخليج من أجل بلورة نهج جديد يمكن أن يسهم في معالجة الأزمة السودانية ووقف الحرب، مشيراً إلى أهمية أن تتبع عملية السلام خطة تنموية وإعمارية واسعة النطاق، أشبه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار السودان وتعويض ما دمرته الحرب من بنى تحتية ومؤسسات وخدمات.

وشدد النور على أن موقفه الحالي يقوم على الانحياز الكامل لخيار السلام ورفض استمرار الحرب، مؤكداً أن هذا الموقف يعبر عن تطلعات غالبية السودانيين الذين أنهكتهم المعاناة الإنسانية والاقتصادية الناتجة عن الصراع المستمر.

وقال: «أنا اليوم أصطف مع موقف واضح عنوانه: لا للحرب. وهذا هو خيار كل السودانيين الذين يتطلعون إلى الأمن والاستقرار. كما أنني مع الحل السياسي الشامل الذي لا يستثني أحداً، حتى لا تتكرر أسباب الحرب مستقبلاً. نحن لا نريد معالجة الأعراض وترك المرض، بل نريد حلولاً متكاملة وشاملة للأزمة السودانية تعالج جذورها الحقيقية وكل القضايا المرتبطة بها».

نقف مع الحكم المدني

وأكد النور دعمه لأي جهة سياسية أو مدنية سودانية تعمل بجدية من أجل وقف الحرب والدفع نحو تسوية سياسية شاملة، موضحاً أنه يقف إلى جانب كل المبادرات الوطنية التي تسعى إلى بناء جبهة مدنية واسعة تتجاوز الانقسامات والاستقطابات القائمة. وأضاف: «مهم ان تعمل القوى المدنية، سواء في صمود أو الكتلة الديمقراطية أو غيرهما من المجموعات السياسية والمدنية، أن تؤسس جبهة عريضة تنادي بوقف الحرب وتعمل من أجل السلام. السودان يحتاج اليوم إلى قوى مخلصة تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، كما يحتاج إلى حكومة مدنية تعمل بإخلاص وتخطط لمستقبل أفضل للسودانيين».

وكان فارس النور قد أعلن، عبر صحيفة «الشرق الأوسط»، استقالته من جميع المناصب التي كان يشغلها داخل «قوات الدعم السريع» وكذلك من التحالف السياسي الداعم لها، مبرراً قراره بتفاقم حالة الانسداد السياسي واستمرار الحرب وما نتج عنها من أوضاع إنسانية مأساوية ألقت بظلالها على ملايين السودانيين في مختلف أنحاء البلاد. وأوضح النور أن قراره جاء انطلاقاً من قناعة راسخة بضرورة فتح المجال أمام حوار سوداني شامل يضم مختلف القوى السياسية والمدنية والاجتماعية، بعيداً عن الاستقطابات العسكرية والسياسية الحادة التي أسهمت في تعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع.

وأكد أن الهدف من هذه الخطوة هو الإسهام في خلق مناخ أكثر ملاءمة للوصول إلى تسوية وطنية شاملة تنهي الأزمة الراهنة، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على التوافق الوطني والسلام المستدام وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق تطلعات السودانيين للأمن والاستقرار والتنمية.


«أزمة الشاطبي» تشعل الجدل حول «تجاوزات» المستشفيات العامة في مصر

أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)
أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)
TT

«أزمة الشاطبي» تشعل الجدل حول «تجاوزات» المستشفيات العامة في مصر

أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)
أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)

فتحت طبيبة مصرية ملفاً شائكاً حول «أخلاقيات المهنة» وفجَّرت جدلاً واسعاً بعدما تحدثت عن «تجاوزات» تعرضت لها سيدات من بعض عناصر الطواقم الطبية خلال خضوعهن لعمليات ولادة، شملت تنمراً وتحرشاً وعنفاً، على حد قولها.

وأشارت الطبيبة الشابة أمنية سويدان، في تدوينة على صفحتها على «فيسبوك» يوم الاثنين، إلى «تجاوزات» قالت إنها شهدتها داخل «مستشفى الشاطبي الجامعي» بمحافظة الإسكندرية في شمال مصر حين كانت في مرحلة الامتياز عام 2021، تضمنت كذلك التدخل بإجراءات طبية غير ضرورية دون إذن المرضى، والامتناع عن أداء الخدمة أو التهديد بالامتناع عنها.

وبعد إلقاء القبض عليها في اليوم التالي بناء على بلاغ مقدم ضدها من جامعة الإسكندرية، قررت جهات التحقيق، مساء الأربعاء، إخلاء سبيلها بكفالة مالية على ذمة التحقيقات.

وواجهت الطبيبة، وهي أيضاً مخرجة أفلام تسجيلية، اتهامات بـ«نشر أخبار كاذبة عن طريق (فيسبوك) وإساءة استخدام حسابها»، وذلك حسبما أوضح المحامي الحقوقي محمد رمضان في تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي عقب انتهاء التحقيق معها.

وذكرت صحف مصرية أن جهات التحقيق أكدت أن «أمنية سويدان لم تعمل سوى لفترة قصيرة بصفتها طبيبة امتياز بالمستشفى قبل نحو 6 سنوات، ولا تعمل حالياً في المجال الطبي، وأنها تعاني من مرض نفسي مزمن وتتلقى علاجاً نفسياً منتظماً، وأن ما صدر عنها جاء نتيجة (شحنة عاطفية) عقب قراءتها منشورات متداولة لبعض السيدات على مواقع التواصل الاجتماعي دون التحقق من صحتها».

نائب وزير الصحة يتفقد أحد المستشفيات في مصر (وزارة الصحة والسكان على فيسبوك)

وقالت أسماء نعيم، إحدى محاميات الدفاع عن أمينة سويدان في تصريحات إعلامية، إن قضية موكلتها ما زالت قيد التحقيق، وإنه يمكن استدعاؤها مجدداً للاستجواب في أي وقت.

توثيق حالات سابقة

توالت خلال الأيام الماضية شهادات بشأن تجاوزات أخرى في مناطق ومستشفيات متفرقة.

وقالت النائبة بمجلس الشيوخ، أميرة صابر، إن لديها معلومات موثقة حول حالات تعرضت فيها نساء للعنف في أثناء الولادة، وإنها عملت من خلال مؤسستها «كيان» - وهي مؤسسة أهلية - بالتعاون مع الطبيبة فريدة محجوب على توثيق حالات من هذا النوع، وفقاً لما نشرته على صفحتها على «فيسبوك».

وطالبت النائبة بـ«اعتماد مدونة سلوك تحدد بوضوح الانتهاكات التي تندرج تحت (العنف التوليدي) لتوجيه الممارسة الصحية، وإنشاء آلية جادة للإبلاغ عن أي انتهاكات تتعرض لها السيدة الحامل أثناء الولادة».

كما ظهرت فريدة محجوب في مقطع فيديو تحدثت فيه عن تعرض نسبة كبيرة من النساء لأشكال متعددة من العنف في أثناء الولادة، والتي تتنوع بين العنف اللفظي والجسدي، مروراً باتخاذ إجراءات دون إذن المريضة، وذلك خلال بحث علمي أجرته داخل مستشفى «القصر العيني» بالقاهرة؛ لافتة إلى أنها لم تستطع نشر البحث لتعرضها لتهديد آنذاك.

كما توالت شهادات من عدة سيدات قلن إنهن تعرضن لعنف خلال الولادة، أو أطباء شهدوا على انتهاكات ارتكبها زملاء بالمهنة بحق مريضات. ولم تقتصر الشهادات على المستشفيات العامة، بل شملت مراكز ومستشفيات خاصة.

تحذير من «التعميم»

في المقابل، برزت حملات مضادة تدافع عن الأطباء، وتحذر من خطورة التعميم أو وصم كيانات تقدم خدمات ضخمة للمواطنين؛ من بينها شهادة زوجة طبيب في «مستشفى الشاطبي» بقسم النساء والتوليد، تحدثت فيها عن المجهود الضخم الذي يقدمه زوجها لعمله، وعن سفريات عديدة في أجواء غير آمنة كانت القيادة خلالها بسرعات كبيرة وعلى طرق مظلمة، من أجل حالة في وضع خطر.

كما حذرت النائبة أميرة صابر، في منشورها، من «مخاطر تعميم الانتقادات للمنظومة الطبية كلها».

وخضعت أكثر من 13 ألف سيدة لعمليات ولادة طبيعية وقيصرية داخل «مستشفى الشاطبي» الجامعي خلال عام 2025، وفق بيانات رسمية.

وكانت جامعة الإسكندرية قد أعلنت، الثلاثاء، فتح تحقيق فيما يجري تداوله عبر وسائل التواصل، واحتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة من نشر مزاعم واتهامات في حال عدم ثبوتها.

وشددت نقابة الأطباء على رفضها القاطع «لأي محاولة للمساس بمجهودات الأطباء المصريين أو التشكيك في دورهم الكبير والمشهود في رعاية المرضى وتقديم الخدمة الطبية»، مشيرة إلى أنها لم تتلق أي شكاوى رسمية في هذا الشأن.

مبنى جامعة الإسكندرية (الشرق الأوسط)

وقال عضو مجلس النقابة شادي صفوت لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة لم تصلها أي شكاوى رسمية إلى الآن، مضيفاً: «لكن وصلني ما يحكيه الأطباء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو على سبيل غير رسمي. وأمام كل ذلك لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل الأمر. المطلوب الآن تقديم شكاوى رسمية للنقابة حتى نستطيع التعامل معها».

وأكد متابعة النقابة لموقف الطبيبة أمنية سويدان، قائلاً: «النقابة لن تتخلى عنها، ففي حال توجهت لها تهم سنرسل لها المستشار القانوني للنقابة، فهي طبيبة والنقابة مسؤولة عن الوقوف بجانبها».

من جانبها، طالبت الناشطة النسوية، شيماء سامي، بتنظيم الشهادات الكثيرة المذكورة على «فيسبوك» والتقدم بها إلى النيابة العامة. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن تتولى النيابة بنفسها هذا الدور، كما سبق وفعلته في قضايا تحرش عديدة عقب انتشارها على مواقع التواصل، وهو ما شجع كثير من الضحايا على الإبلاغ مع اتخاذ إجراءات من شأنها الحفاظ على السرية حتى توجيه التهم للجناة».

وأعلنت جامعة الإسكندرية عن أكثر من طريقة للإبلاغ عن أي انتهاكات في «مستشفى الشاطبي»، مؤكدة في بيانها أن «كرامة المريض وسلامته والحفاظ على أخلاقيات المهنة تمثل مبادئ راسخة لا تقبل التهاون أو التجاوز تحت أي ظرف، وأن حق الشكوى مكفول للجميع».