رئاسيات الجزائر تمر بـ«سلاسة» وسط تساؤلات عن المستقبل

تركيز إعلامي على المشاركة... وتواري تغطيات أزمة المهاجرين

سيدة جزائرية وإلى جوارها طفل في أثناء مشاركتها (السبت) في الانتخابات الرئاسية بالبلاد (إ.ب.أ)
سيدة جزائرية وإلى جوارها طفل في أثناء مشاركتها (السبت) في الانتخابات الرئاسية بالبلاد (إ.ب.أ)
TT

رئاسيات الجزائر تمر بـ«سلاسة» وسط تساؤلات عن المستقبل

سيدة جزائرية وإلى جوارها طفل في أثناء مشاركتها (السبت) في الانتخابات الرئاسية بالبلاد (إ.ب.أ)
سيدة جزائرية وإلى جوارها طفل في أثناء مشاركتها (السبت) في الانتخابات الرئاسية بالبلاد (إ.ب.أ)

بينما كان المترشحون الثلاثة للرئاسة الجزائرية، يصوتون، السبت، في مكاتب الاقتراع لـ«تأدية الواجب الانتخابي»، كما جاء في تصريحاتهم، كانت عائلات من منطقة تيبازة غربي العاصمة، بصدد إطلاق نداء عبر منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات عن مصير العشرات من أبنائها امتطوا أمواج البحر قبل عدة أيام، في رحلة هجرة سرية إلى سواحل أوروبا، بحثاً عن عيش أفضل.

الصورتان السابقتان ربما تعبران بدرجة ما عن جدل وتساؤلات بين أوساط الجزائريين عن مستقبل قطاع واسع من الشباب طالما كان هدفاً لبرامج المترشحين؛ وبينما يرى المتحمسون للمشاركة السياسية في الاستحقاقات الانتخابية وأبرزها الرئاسية أملاً في مستقبل يرونه مشرقاً، يتذرع الداعون للمقاطعة بالأوضاع الاقتصادية التي تدفع شباباً في العشرينات من العمر إلى مغادرة البلاد مع الحرص على نشر فيديوهات «توثق اللحظة» وهم يستقلون ما يسميه الإعلام المحلي «قارب الموت».

سيدة جزائرية عقب الإدلاء بصوتها (السبت) في الانتخابات الرئاسية (أ.ف.ب)

ورغم تكرار وقائع «الهروب» بحثاً عن الهجرة في العديد من مدن الساحل شرقاً وغرباً، خلال الأيام الأخيرة؛ فإنها توارت وربما اختفت في معالجات وسائل الإعلام التي ضبطت البوصلة على سابع استحقاق تعددي رئاسي، نتيجته تبدو محسومة للرئيس المترشح عبد المجيد تبون، ويشارك فيها اليساري يوسف أوشيش، والإسلامي عبد العالي حساني.

في بلدية براقي بالضاحية الجنوبية للعاصمة، قال رجل ثلاثيني التقته «الشرق الأوسط» بينما كان يرتشف قهوة مع أبناء الحي، إن أنصار المترشحين الثلاثة «حاولوا إقناعنا بالمشاركة في الانتخاب... كان هذا هاجسهم، أي رفع نسبة المشاركة وليس الدعاية لبرامجهم».

وزاد الرجل مشترطاً عدم ذكر اسمه: «الانتخابات الرئاسية موعد في أجندة سياسية وحسب، والتصويت الذي لا ينعكس إيجاباً على حياة البلاد وساكنيها، لن أشارك فيه، على الأقل هذا رأيي، ويلزمني وحدي».

لكن في بلدة بن طلحة (القريبة من براقي)، والتي شهدت عام 1997 مذبحة مروعة على أيدي متشددين خلفت أكثر من 300 ضحية، أكد رجل ستيني أنه «لم يتخلف أبداً عن أي انتخاب». وقال إنه «متذمر من الذين ينشرون اليأس وسط المجتمع، بدعوتهم إلى العزوف عن الانتخابات. فما هو البديل إذا لم ننتخب؟».

بالنسبة لكثير من الشبان الجزائريين فإن أكثر ما يشغل بالهم هي التحديات الاقتصادية (رويترز)

ورداً على المقاطعين، نشر صحافي بارز من جريدة «لوسوار دالجيري» الناطقة بالفرنسية والمؤيدة لترشح الرئيس تبون، فيديو يهاجم فيه دعاة المقاطعة، بل إنه شبههم بـ«الجماعة الإسلامية المسلحة»، حينما هددت بقتل كل من أدلى بصوته، في انتخابات الرئاسة لعام 1995، والتي شهدت فوز الجنرال اليمين زروال مرشح الجيش، أمام الإسلامي الراحل محفوظ نحناح، مؤسس «حركة مجتمع السلم» والتي يقودها راهناً المرشح في الانتخابات الحالية حساني.

معدلات المشاركة

وعلى صعيد مجريات الاقتراع، أكد محمد شرفي رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» أن نسبة التصويت داخل البلاد حتى الخامسة مساءً (بالتوقيت المحلي) سجلت 26.45 في المائة (من إجمالي 23.4 مليون ناخب يحق لهم التصويت بالداخل)، وبين المقيمين بالخارج بلغت 18.31 في المائة (من إجمالي 865 ألف ناخب يحق لهم التصويت بالخارج). كما أعلنت سلطة الانتخابات مد وقت التصويت إلى الساعة الثامنة مساءً بدلاً من السابعة مساءً (بالتوقيت المحلي)

وكانت نسبة التصويت قد بلغت، وفق الإفادات الرسمية، حتى الساعة الواحدة ظهراً (بالتوقيت المحلي) 13.11 في المائة داخل البلاد، بعدما سجلت حتى العاشرة صباحاً 4.56 في المائة.

أما التصويت بالنسبة للجزائريين في الخارج، فقد وصل حتى الواحدة ظهراً، إلى 16.18 في المائة، فيما كانت النسبة 14.50 في المائة حتى العاشرة صباحاً.

أوراق الاقتراع في أحد مراكز التصويت للانتخابات الرئاسية في الجزائر (رويترز)

وفي الصباح تجمع عدد كبير من الصحافيين، أمام المدرسة الابتدائية ببوشاوي غربي العاصمة، منتظرين قدوم الرئيس المترشح الذي وصل في الساعة الحادية عشرة، مرفوقاً بزوجته ومدير الأمن بالرئاسة اللواء بلقاسم لعريبي، ومدير الإعلام بالرئاسة كمال سيدي السعيد.

«ديمقراطية حقيقية»

وبعد أن وضع الورقة في الصندوق، صرح تبون أمام الصحافة مشيراً بيده إلى مجموعة من الناخبين في مكتب التصويت: «أرى طابوراً من الشباب (بصدد الانتخاب) أتمنى للجزائر أن تكون منتصرة دائماً»، مبرزاً أن الحملة «كانت نظيفة جداً، والفرسان الثلاثة كانوا في المستوى وأعطوا صورة مشرفة جداً عن الديمقراطية في الجزائر... أتمنى أن نكون قدوة للآخرين».

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يوم السبت عقب الإدلاء بصوته في الانتخابات الرئاسية (الرئاسة الجزائرية)

ورأى تبون أن «هذا الانتخاب مفصلي وأتمنى ممن سيفوز بنتيجته أن يواصل المشوار حتى نصل إلى نقطة اللاعودة بخصوص الأشواط التي قطعتها البلاد في التنمية، وان نبني ديمقراطية حقيقية وليس مجرد شعارات».

أما المرشح يوسف أوشيش والذي أدلى بصوته في بلدته بمنطقة القبائل شرق العاصمة، فعبر عن «الفخر بالانتماء إلى هذا الشعب وهذه الأمة»، مناشداً الجزائريين «التخلي عن العزوف».

وقال أوشيش حاثاً على المشاركة «تعهدت خلال الحملة بتكريس التغيير، يمكن للأغلبية الصامتة أن تصبح أغلبية فاعلة، هذا ندائي للجميع حتى يغتنموا الفرصة لبناء الجزائر التي نطمح إليها».

وأدلى المرشح الإسلامي عبد العالي حساني بصوته في منطقة بئر خادم بالضاحية الجنوبية للعاصمة، ورأى أن حملته الانتخابية «كانت متميزة» وأنها تضمنت «برنامجاً سياسياً يتناول قضايا الوطن والشعب والأجيال الصاعدة»، وزاد: «عرضنا حلولاً لكل المشاكل من خلال 62 تعهداً»، ويرمز الرقم إلى عام 1962 الذي استعادت فيه الجزائر استقلالها بعد 7 سنوات من كفاح مسلح مرير ضد الاستعمار الفرنسي.

المرشح الإسلامي لرئاسة الجزائر عبد العالي حساني يدلى بصوته (السبت) في الانتخابات (أ.ف.ب)

وأضاف حساني «نقبل بأي اختيار يراه الشعب مناسباً له، بشرط أن يكون هذا الاختيار حراً بعيداً عن كل إكراه... نأمل أن يخرج الشعب بكثافة للتصويت، وأن يسعى إلى أن يقدم رأيه لأن ارتفاع نسبة المشاركة سيزيد الاستحقاق مصداقية».

ويشار إلى أن نسبة المشاركة الإجمالية في الانتخابات الرئاسية 2019 بلغت 39,93 في المائة. وبينما تم تحديد تاريخ دور ثانٍ فيها؛ لكن سلطة الانتخابات لم تعلن هذه المرة عن أي أجل بعد تاريخ 07 سبتمبر، وهو ما عده مراقبون أنه «إغفال» ترك انطباعاً بأن الاستحقاق «محسوم من دوره الأول».

وتراوحت معدلات المشاركة في الانتخابات الرئاسية الجزائرية حتى الآن بين 50,7 في المائة في 2014 (انتخابات الولاية الرابعة للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة) و75,68 في المائة في 1995 حين شهدت البلاد أول انتخابات رئاسية تعددية.


مقالات ذات صلة

الجزائر: أرصدة شقيق بوتفليقة تعيد جدل «الأموال المنهوبة» للواجهة

شمال افريقيا سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)

الجزائر: أرصدة شقيق بوتفليقة تعيد جدل «الأموال المنهوبة» للواجهة

منذ الإطاحة بحكم عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل 2019، على خلفية الحراك الشعبي، أطلقت السلطات الجزائرية حملة قضائية واسعة ضد الفساد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة  العدل)

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

تعهد وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة بتوفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة لكل من يُتهم في جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي لدى إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس (أ.ب)

ترمب يخيّر طهران بين اتفاق أو «الدمار الشامل»

واشنطن: علي بردى ــ لندن: «الشرق الأوسط»

«الشرق الأوسط» (لندن) علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا حرائق مستعرة بمنطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تربط حرائق الصيف بـ«إيعاز أجنبي» وتفتح باب التنفيذ الفعلي للإعدام

أعلنت الجزائر رسمياً رفع التجميد عن عقوبة الإعدام إذا ثبتت على أي شخص تهمة «إضرام النار عمداً».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قبل مغادرته إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة في مطار مهر آباد بطهران 22 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

طائرة الرئيس الإيراني تحط في الجزائر إثر «توقف تقني»

قال التلفزيون الجزائري الرسمي إن الطائرة الخاصة بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حطت، اليوم (الثلاثاء)، بمطار الجزائر الدولي «هواري بومدين» إثر توقف تقني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مطالبة تونسية بـ«مراجعة اتفاق الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
TT

مطالبة تونسية بـ«مراجعة اتفاق الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)

شدّد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، أثناء لقائه مع المفوضة الأوروبية للمتوسط، دوبرافكا شويتسا، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، على ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي «بما يضفي عليها مزيداً من الواقعية والإنصاف، ويجعلها مجسّمة لشراكة حقيقية ومتضامنة، تستجيب للتحولات الراهنة وتراعي بصورة أفضل مصالح الطرفين وأولوياتهما، ولا سيما ما يتعلق بالمبادلات التجارية والتعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة»، على ما أفاد بيان أصدرته «الخارجية» التونسية.

وأوضح البيان، أن اللقاء كان مناسبة «لتأكيد أهمية العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي وضرورة مواصلة تطويرها، في إطار شراكة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والندّية، وتراعي سيادة تونس وتحترم مؤسساتها الوطنية».

خفر السواحل التونسي يحاول إيقاف بعض المهاجرين في البحر أثناء محاولتهم العبور إلى إيطاليا (أرشيفية - رويترز)

كما تم التطرق إلى آفاق التعاون الأورومتوسطي، حيث أكّد الوزير التونسي «دعم بلاده لكل مبادرة من شأنها تعزيز الاندماج والتعاون في الفضاء المتوسطي، على أساس شراكة فعلية ومسؤولية مشتركة تراعي أولويات الدول الشريكة، وتأخذ بعين الاعتبار محورية القضية الفلسطينية التي تتطلب حلاً عادلاً وشاملاً ودائماً، لا يمكن في غيابه إرساء ركائز الأمن والاستقرار والتنمية المشتركة في المنطقة».

وتناول اللقاء أيضاً ملف الهجرة والتنقل، حيث جدّد النفطي «تأكيد تمسّك تونس بمقاربة شاملة ومتوازنة للهجرة، تقوم على احترام حقوق الإنسان ومعالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، مع مواصلة مكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتعزيز مسارات التنقل والهجرة النظامية».

من ناحيتها، أوضحت المسؤولة الأوروبية «أنها تعي متطلبات المرحلة من أجل إرساء شراكة على قاعدة المصالح المشتركة واحترام السيادة وتطوير أطر الحوار، معبّرة عن الأمل في أن يشكّل مجلس الشراكة التونسية الأوروبية منطلقاً لهذه العلاقة».


انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

رسمت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت الأربعاء، خريطة حزبية جديدة في البرلمان، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال»، مقارنةً بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى الواجهة.

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وتوزعت المقاعد الأخرى على «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و«الحركة الشعبية» و«التقدم والاشتراكية» و«الاتحاد الدستوري». وبلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة.

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي بشأن رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري.


«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
TT

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

باتت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» تحظى بمتابعة عالية، بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يجري تصويرها في الشارع أو المنازل لحوادث أو مخالفات، وخاصة بعد أن عززتها الاستجابة السريعة للشرطة للتحقق من صحة تلك المقاطع وضبط المتهمين.

واحتلت الصفحة المركز الثاني عالمياً بين الحسابات الحكومية الأعلى أداءً في الربع الثالث لعام 2025، بعد «البيت الأبيض» الأميركي، وفقاً لتقرير مؤسسة (Emplifi) العالميّة.

ورغم العائد الإيجابي لتلك الطريقة الحديثة في تسهيل توثيق الجرائم وسرعة التبليغ عنها، فإنها لا تخلو من وصم وتشهير عبر نشر صور أشخاص دون إذن منهم، وأحياناً تثبت براءتهم، بعد التحقق من الملابسات، التي قد لا تكون واضحة من الوهلة الأولى.

استجابة فورية لبلاغ عن مغالاة في الأجرة (وزارة الداخلية المصرية)

آثار سلبية

ورغم أهمية الاستغاثة الإلكترونية التي أصبحت أسرع وأسهل من الذهاب إلى قسم الشرطة، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن لها آثاراً سلبية، مشيراً إلى أنها «حولت البلاغ الخاص إلى محاكمة علنية قبل أن ينتهي التحقيق».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «فارق كبير بين التبليغ السري للقنوات الرسمية سواء النجدة أو رقم واتساب لتلقي البلاغات والاستغاثات، وبين نشر فيديو يُظهر الوجه والعنوان والتفاصيل على العام؛ فالأخيرة ليست مساعدة أمنية لضبط جريمة ما فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى كونها عقوبة مجتمعية فورية».

وانتشرت في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو مع الإشارة لوزارة الداخلية، تتهم أشخاصاً بارتكاب جرائم، ثم يتضح لاحقاً أن التصور خاطئ. ومن ضمن هذه الوقائع التي انتشرت بقوة اتهام راكب لسائق حافلة باختطاف طفل؛ نظراً لعدم وجود شبه ظاهر بينهما، ليتضح في النهاية أن الطفل ابن السائق، بعد حملة تنمر به وبزوجته باعتبارهما «أفقر من أن ينجبا طفلاً جميلاً منمقاً».

الشرطة المصرية تستجيب لاستغاثة بالفيديو عن سرقة سيارات بالإكراه من قبل ملثمين (الداخلية المصرية)

وفي واقعة أخرى، رُفعت الكاميرات لتلقط مشاجرة زوج وزوجته في الشارع بغرض التبليغ والمساعدة، دون الحصول على إذن منهما، لكنهما تضررا من هذا «التشهير».

ويصل الأمر أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ قُتلت قاصر عمرها 16 عاماً في منطقة الصف (جنوب القاهرة) يوم 16 سبتمبر (أيلول) الحالي على يد شقيقها، بعد نشر تغيبها ثم العثور عليها لدى صديق في الإسكندرية.

بريء حتى تثبت إدانته

ويشير المحامي سامح سمير إلى أن نشر صور أشخاص دون إذنهم، خصوصاً في سياقات سلبية، ينضوي على جريمة تشهير يُعاقب عليها القانون.

وقال: «لو أن شخصاً نشر سباً وقذفاً لآخر على السوشيال ميديا دون صورته، فإن الحكم عادة يكون غرامة؛ أما لو نشر صاحب السب والقذف صورة، يرتفع الحكم إلى الحبس»، محذراً من خطورة تحول أفراد المجتمع إلى «مخبرين» يسارعون بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو ونشرها على «صفحة الداخلية» حتى دون فهم السياق في أحيان كثيرة.

وانتقد كذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» نشر قوات الأمن صوراً ومقاطع فيديو لمتهمين، حتى وإن كانت مموهة، لافتاً إلى المبدأ الدستوري والأساس القانوني القائم على أن المتهم «بريء حتى تثبت إدانته»، وإلى أن نشر هذه الصور يُسهِّل التعرف على هوية أصحابها، خصوصاً بين المعارف والأصحاب.

استغاثة تتعلق بسرقة دراجة نارية (وزارة الداخلية المصرية)

ويشير الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، إلى أن «المكايدة» كانت قائمة طوال الوقت تحت ما يعرف بـ«البلاغات الكيدية»، لكنها كانت محدودة؛ نظراً لما تنطوي عليه من كلفة مالية من خلال اللجوء لمحامٍ لصياغة البلاغ؛ لكن مع انتشار آلية «منشن الداخلية»، أصبح الأمر أسرع وأسهل.

ورغم بعض آثار النشر السلبية، قال: «لا يمكن نكران أن هذه الآلية التي تلقى استجابة سريعة من الأمن ساهمت في زيادة شعور المواطن بالحضور الأمني، ونجحت بالفعل في ضبط جناة كثيرين».

«حرمانية» التصوير

وخصصت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة، 25 سبتمبر، لـ«حرمة تصوير الأفراد دون إذن، وحرمة الحياة الخاصة»، وفق نص الخطبة الذي نشرته الأربعاء، مشددة على أن «أعراض الناس ليست مشاعاً».

وأضافت: «حال وجود فيديو أو صور تثبت حقاً، فعلى الشخص التقدم بها للجهات، لا نشرها بغرض التشهير والترند».

ويحذر أستاذ علم النفس، جمال فرويز، من مخاطر كبيرة قد يتعرض لها البعض عند التشهير بهم وتقديمهم كمتهمين، حتى إذا اتضحت براءتهم فيما بعد.

وقال: «الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالشخصيات العصبية التي تُعَد عرضة للأمراض النفسية قد تصاب بأعراض اكتئابية وقد تفكر بإيذاء النفس».

وأضاف: «كلما كان الشخص ينتمي لطبقة اجتماعية أعلى، وارتفع مستوى تعليمه، كانت احتمالات تأزمه نفسياً أكبر».