السودان: 68 عاماً من الاستقلال... 60 عاماً من الحروب

جميعها انتهت بالمفاوضات... في انتظار حسم «حرب الجنرالين»

البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)
البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)
TT

السودان: 68 عاماً من الاستقلال... 60 عاماً من الحروب

البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)
البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)

تتجه أنظار السودانيين إلى جنيف والمفاوضات الجارية هناك، بانتظار التوصل لحل تفاوضي يوقف نزيف الدم وينهي الموت الذي يحوم فوق رؤوس الناس منذ أكثر من 16 شهراً، ويضع حداً للمأساة الإنسانية التي تهدّد أكثر من نصف سكان البلاد، لكن الحكومة السودانية المدعومة من الجيش، التي تتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة، ترفض الذهاب إلى هناك، وتتمسك بمواصلة القتال ما لم تتم الاستجابة لشروطها.

يُجمع معظم المواطنين في السودان والإقليم والعالم على أن الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» التي تُسمى اختصاراً بـ«حرب الجنرالين» لن تسفر عن منتصر، ومصيرها طاولات التفاوض كحال الحروب السودانية كلها، التي انتهت بالتفاوض واتفاقات السلام. فالجيش الذي خاض حروباً استمرت قرابة 60 عاماً، لم تنتهِ واحدة منها بانتصار عسكري حاسم، بل بتفاوض وتوقيع اتفاقات سلام.

حرب «الكتيبة الاستوائية» 1955 ـ 1972

تاريخياً، بدأت أولى حروب الجيش السوداني قبيل استقلال البلاد بعام واحد في 1955، بتمرد «الكتيبة الاستوائية»، الذي تطور لينتج الحركة المتمردة الشهيرة المسماة «أنانيا 1» في جنوب السودان القديم، بقيادة جوزيف لاقو، التي انتهت في عام 1972 عبر التفاوض، بما عُرفت في التاريخ السياسي السوداني بـ«اتفاقية أديس أبابا»، التي توسّط فيها إمبراطور إثيوبيا وقتها هيلاسلاسي، ورعاها مجلس الكنائس العالمي في عام 1972.

الرئيس الراحل جعفر النميري خلال جولة في جنوب السودان في يناير1977 وخلفه (في الوسط) أبل ألير رئيس المجلس التنفيذي الأعلى لجنوب السودان (غيتي)

ونال جنوب السودان بموجب هذه الاتفاقية مطلبه في الحكم الذاتي، وحصل بموجبها زعيم المتمردين الجنرال جوزيف لاقو على منصب نائب رئيس الجمهورية.

حرب 1983 – 2005 وانفصال الجنوب

لكن التمرد عاد مجدداً بعد إعلان الرئيس الأسبق جعفر النميري ما عُرفت بـ«قوانين الشريعة الإسلامية» عام 1983، ونشأت تبعاً لذلك «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة الراحل جون قرنق، التي خاضت واحدة من أطول الحروب في العالم وأكثرها ضراوة، وراح ضحيتها نحو مليونَي مدني، لتسجل أعلى نسبة ضحايا في صفوف المدنيين منذ الحرب العالمية الثانية.

وبعد ضغوط من المجتمع الدولي، اضطرت الحكومة لتوقيع ما عُرفت بـ«اتفاقية السلام الشامل» في مدينة نيفاشا الكينية، في 2004، بعد 21 عاماً من القتال، وقضت بمنح جنوب السودان «حق تقرير المصير» عبر استفتاء مواطنيه.

وخلال الفترة الانتقالية التي امتدت حتى 2011 شغل قائد الحركة الشعبية جون قرنق ديمبيور منصب النائب الأول للرئيس عمر البشير، وبعد رحيله في 2005 خلفه في المنصب نائبه سلفا كير ميارديت، الرئيس الحالي لجمهورية جنوب السودان.

اتفاق 9 يناير 2005 بين البشير وقرنق وعلي عثمان طه الذي وضع حداً لـ21 سنة من الحرب الأهلية في الجنوب (رويترز)

وأدى استفتاء تقرير المصير في 2010 إلى تصويت 99 في المائة من المواطنين الجنوبيين لصالح الانفصال، وأُعلنت تبعاً لنتيجته رسمياً «جمهورية جنوب السودان»، وخسر السودان نحو ثلث مساحته وربع سكانه و75 في المائة من ثرواته.

حروب دارفور 2003 - 2020

انطفأت نار الحرب باستقلال جنوب السودان، لكن نيران حرب أخرى اشتعلت في دارفور في غرب البلاد، بين الجيش وحركتين متمردتين هما «تحرير السودان»، و«العدل والمساواة»، للأسباب ذاتها التي أدت إلى حرب جنوب السودان.

واستمرت حرب دارفور من 2003 حتى عام 2020، وانتهت بتوقيع الجيش إبان فترة الحكومة المدنية الانتقالية «اتفاقية جوبا لسلام السودان» مع الحركات المسلحة، برعاية من دولة جنوب السودان، وحصلت بموجبها أيضاً على حصة في السلطة والثروة.

وبعد حرب الجنوب، تعد حرب دارفور الأشرس، إذ راح ضحيتها أكثر من 300 ألف مدني؛ ما أدى لاتهام الجيش والحكومة الإسلامية بقيادة عمر البشير بممارسة التطهير العرقي وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ففي سابقة دولية، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر بالقبض على الرئيس السابق عمر البشير و3 من معاونيه الكبار، ولا تزال المحكمة تطاردهم.

الرئيس الجنرال إبراهيم عبود (1958-1964) في عهده اندلعت حرب الجنوب الأولى (غيتي)

وتنقلت المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة الدارفورية بين موائد تفاوض عدة، في تشاد وليبيا ونيجيريا وقطر، وأفلحت هذه المفاوضات في توقيع اتفاق سلام فصيل من حركة «تحرير السودان» بقيادة حاكم دارفور الحالي مني أركو مناوي، وظل شقها الآخر بقيادة عبد الواحد محمد النور يرفض أي اتفاق سلام، وهو لا يزال يسيطر على مناطق واسعة من جبل مرة ووسط إقليم دارفور.

ونال مناوي بعد توقيعه اتفاقية أبوجا بنيجيريا 2006، منصب مساعد رئيس الجمهورية، لكنه اضطر للتمرد مرة أخرى، وظل متمرداً حتى توقيع اتفاقية جوبا لسلام السودان في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، بعد سقوط نظام الإسلاميين بقيادة عمر البشير.

حرب كردفان وجنوب النيل الأزرق

وخلال حرب دارفور اشتعلت حروب أخرى في ولايتَي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، أو في «المنطقتين» بحسب توصيف اتفاقية السلام الشامل لهما، إثر تمرد «الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال»، المكونة من مواطنين سودانيين اختاروا في السابق الانحياز لجنوب السودان في الحرب الأهلية وانضموا لـ«الحركة الشعبية الجنوبية» بقيادة نائب رئيس المجلس السيادي الحالي مالك عقار.

ولم تتوقف الحرب مع «الحركة الشعبية لتحرير الشمال» منذ 2011 وحتى الآن، وشهدت خلال ذلك عدداً من جولات التفاوض مع الحكومة و«الحركة الشعبية». وانشقت «الحركة الشعبية» إلى حركتين، واحدة بقيادة مالك عقار وقّعت «اتفاق جوبا لسلام السودان»، بينما واصلت الأخرى بقيادة عبد العزيز آدم الحلو القتال في جنوب كردفان وأجزاء من النيل الأزرق، ولا تزال تسيطر على منطقة كاودا بجنوب كردفان وأجزاء من ولاية النيل الأزرق، كما لا تزال تخوض قتالاً ضد الجيش السوداني استمرّ حتى إبان حرب الجيش و«الدعم السريع».

حرب شرق السودان

بدورها، خاضت قوات «التجمع الوطني الديمقراطي» المعارض، المكونة من القوى التي أطاح بها انقلاب الإسلاميين بقيادة حسن الترابي في يونيو (حزيران) 1989، حرباً ضد الجيش انطلاقاً من دولة إريتريا، انتهت بتفاوض أعقبه توقيع اتفاقية السلام الشامل الذي عُرف بـ«اتفاق القاهرة».

وفي الشرق، انتهت الحرب مع «جبهة شرق السودان» بتفاوض مع الحكومة السودانية في العاصمة الإريترية، أسمرا، واتفاق عُرف بـ«اتفاق شرق السودان»، الذي نال بموجبه قائد قوات شرق السودان، موسى محمد أحمد، منصب مساعد رئيس الجمهورية.

حرب الجنرالين 2023 - مستمرة

أوقعت حرب الجنرالين المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، عشرات الآلاف من القتلى، وأدت إلى أزمة إنسانية كبرى، وفق الأمم المتحدة. وأرغم النزاع أكثر من خُمس السكان على النزوح، بينما يواجه نحو 25 مليون شخص، أي أكثر من نصف عدد سكان السودان، «انعدام الأمن الغذائي الحاد»، وفق ما أفاد تقرير مدعوم من الأمم المتحدة في يونيو. دفعت الحرب بمخيم زمزم للنازحين قرب مدينة الفاشر المحاصرة في إقليم دارفور بغرب البلاد إلى المجاعة. ورغم ذلك ورغم التجارب الماضية والدروس من حروب الماضي، فإن الجيش السوداني، الذي يقاتل حليفه السابق، (قوات الدعم السريع)، لا يزال يرفض التفاوض في منبر جنيف الحالي، ويريد أن يتم التفاوض عبر الحكومة المدعومة من قبله، متجاهلاً أنه تفاوض مع «الدعم السريع» في جدة في 11 مايو (أيار) 2023، ووقّعا بوصفهما جيشَين «إعلان جدة الإنساني»، وبيان 7 يونيو 2023.

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان أيام تحالفهما (أرشيفية)

كما جمعت مائدة تفاوض في المنامة البحرينية كلاً من نائب القائد العام الفريق أول شمس الدين كباشي، والقائد الثاني لـ«قوات الدعم السريع» الفريق عبد الرحيم دقلو، وتوصلا سراً إلى مشروع اتفاق بين جيشيهما، ثم تراجع الجيش عنه من دون أي تعليق بعد تسرب الاتفاق إلى العلن.

سيناريوهات مرتقبة

يرجع المقدم بحري المتقاعد عمر أرباب، مشكلة الجيش التي تدفعه لرفض التفاوض الجاري، إلى أنه يبحث عن «وضع تفاوضي أفضل»، لذلك يلجأ لـ«التعنت» بحثاً عن شرعية دون حساب للموقف الميداني. ويتابع أرباب لـ«الشرق الأوسط»: «معلوم أن أي عملية تفاوضية تلحق بعمل عسكري ترتكز عليه، وترتكز على موازين القوى في الأرض».

ويشير المقدم أرباب إلى سيناريوهين يلعب عليهما الجيش والحكومة، أولهما تليين موقف الوسطاء ليحقق مكاسب تفاوضية، والثاني يتمثل في انتظار الحصول على «موقف ميداني أفضل»، يتغير به الواقع الميداني العسكري، ليفاوض من موقف أقوى.

ويتساءل المقدم أرباب: «هل يمكن لطرف متقدم عسكرياً أن يقدم تنازلات تفاوضية دون مقابل؟». ويتابع: «هل بالإمكان تحقيق تقدم ميداني كبير يؤثر في العملية التفاوضية؟».

ويقطع أرباب بعجز الجيش عن تحقيق تقدم ميداني آني، مضيفاً: «التعنت قد يؤثر سلباً في عملية الإمداد اللوجيستي للقوات، وبذلك يضر بالعمل العسكري، وقد يقود لفرض مزيد من العقوبات، والتضييق، والحصار اللوجيستي الذي قد يتطور إلى حلول عسكرية وتدخل دولي».

الجيش لا يريد اتفاقاً

وتوقّع المقدم أرباب إرسال الجيش وفداً إلى جنيف بهدف «تخفيف الضغوط الدولية الواقعة عليه وتقليل آثارها السالبة، وليس من أجل الوصول لاتفاق، بل من أجل رفض جديد لأي اتفاق».

بدوره، يرى المحلل السياسي والقانوني حاتم إلياس، أن موقف الجيش يستند إلى «أخذ الشعب السوداني رهينة» يساوم بها المجتمع الدولي، وفي الوقت ذاته يستغل المخاوف من تهديد الاستقرار والسلم في الإقليم. ويقول: «تقع الأزمة الإنسانية التي لفتت أنظار العالم كله في آخر اهتمامات الجيش، لذلك يستغلها ليقدم نفسه جيشاً وحكومةً».

البرهان لم يوافق حتى الآن على إنهاء الحرب الحالية والجلوس للتفاوض مع حليفه السابق قائد «الدعم السريع» محمد حمدان (أ.ف.ب)

ويصف إلياس موقف الجيش بـ«المناورة» التي تهدف للحصول على ترتيبات حل عسكري وسياسي معاً تبقيه ضمن المعادلة السياسية، والحصول على اعتراف دولي بأنه سلطة سياسية وعسكرية معاً. ويتابع: «يسعى الجيش لكسب موقع المفاوض السياسي والعسكري معاً، ورفضه ليس نابعاً من كونه جيشاً مستقلاً لأنه غارق تماماً في السياسة، بل هو صوت الإسلاميين والحركة الإسلامية».

ويصف إلياس جهود المجتمع الدولي لإقناع الجيش بالتفاوض بأنها محاولة «لإنهاء اختطافه للشعب». ويضيف: «يبدو المجتمع الدولي وكأنه يقود تفاوضاً (هيولوودياً) في تعامله مع الأزمة الإنسانية. وهو يدخل مع الجيش في تفاوض لإنهاء اختطافه للشعب». ويتابع: «المجتمع الدولي لن يعطيه كل ما يريد، لأنه أصبح مكشوفاً بوصفه واجهة للإسلاميين، والتفاوض معه يهدف لإنهاء حالة الاختطاف».


مقالات ذات صلة

28 قتيلاً في هجوم بمسيرة على سوق بكردفان بالسودان

آسيا الدخان يتصاعد من الطائرات المحترقة داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات (أرشيفية - رويترز)

28 قتيلاً في هجوم بمسيرة على سوق بكردفان بالسودان

قتل 28 شخصاً على الأقل اليوم (الثلاثاء)، في هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطعماً وعربة مسلحة داخل سوق مكتظة بمدينة غبيش بغرب كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

«أبو لولو» القيادي بـ«الدعم السريع» يعود للقتال

قالت تسعة مصادر لـ«رويترز» إن قائداً في «قوات الدعم السريع»، كان قد اعتُقل في أواخر العام الماضي عقب موجة غضب عالمية أطلق سراحه وعاد إلى القتال.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم (وكالة السودان للأنباء)

أزمة الكهرباء تفاقم معاناة السودانيين في صيف لاهب

تشهد العديد من مناطق العاصمة السودانية الخرطوم ازدياداً في انقطاع التيار الكهربائي، وهو ما أرجعه وزير الطاقة إلى «السلوك الخاطئ لبعض المواطنين».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا السافنا متحدثاً في المؤتمر الصحافي عن أسباب انشقاقه (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

السافنا: «الدعم السريع» في حالة انهيار... والانشقاقات مستمرة

قال الضابط المنشق عن «قوات الدعم السريع»، العميد علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، إن القائد محمد حمدان دقلو «حميدتي»، أُصيب أمام قيادة الجيش في الخرطوم

وجدان طلحة (الخرطوم)
رياضة عربية استئناف الدوري السوداني بملعب كوبر بالخرطوم (أ.ف.ب)

كرة القدم تعود إلى الخرطوم بعد 3 سنوات من الحرب

يستمتع عاصم حسين بدخول لاعبي كرة القدم إلى الملعب، مع استئناف الدوري السوداني في الخرطوم بعد توقفه الطويل بسبب الحرب.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

بعد إسبانيا... وزير الخارجية المصري يزور بريطانيا

محادثات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ومستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول في لندن الثلاثاء (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
محادثات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ومستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول في لندن الثلاثاء (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
TT

بعد إسبانيا... وزير الخارجية المصري يزور بريطانيا

محادثات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ومستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول في لندن الثلاثاء (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
محادثات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ومستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول في لندن الثلاثاء (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

بعد اختتام زيارته لإسبانيا، توجه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى بريطانيا، حيث أجرى محادثات في إطار تعزيز العلاقات وتبادل وجهات النظر بشأن مستجدات الوضع الإقليمي.

والتقى عبد العاطي، مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان باول، الثلاثاء، مؤكداً على «الأهمية التي توليها بلاده لتعزيز علاقاتها مع المملكة المتحدة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، ومشيداً بما تشهده العلاقات الثنائية من تطور ملحوظ خلال الفترة الأخيرة».

وأشار إلى أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي وزيادة حجم الاستثمارات البريطانية في مصر، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين، ويدعم جهود التنمية الاقتصادية. وشدد على أهمية الارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب من التعاون والتنسيق، وفتح مجالات جديدة للتعاون في مختلف القطاعات.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وبريطانيا نحو 2.8 مليار جنيه إسترليني خلال عام 2025، منها 1.5 مليار جنيه إسترليني صادرات مصرية مقابل 1.3 مليار جنيه إسترليني صادرات بريطانية، بحسب وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد صالح، في نهاية مارس (آذار) الماضي.

وقال متحدث وزارة الخارجية، تميم خلاف، الثلاثاء، إن الوزير عبد العاطي أطلع المسؤول البريطاني على مستجدات الجهود المصرية الرامية إلى وقف التصعيد في المنطقة، مؤكداً «دعم مصر للمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، بما يسهم في خفض التوتر وتعزيز الحلول السياسية والدبلوماسية بعيداً عن التصعيد العسكري».

وكان عبد العاطي قد زار إسبانيا، الاثنين، ضمن مساعٍ تستهدف تعميق التعاون وبحث سبل تطوير «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين، والتشاور في عدد من القضايا الإقليمية.

وفي حديث إلى «الشرق الأوسط»، أكد الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» علي الحفني أن «الدائرة الأوروبية من الدوائر التي تمثل أولوية للسياسة الخارجية المصرية، سواء كان مع دول الاتحاد الأوروبي أو الدول التي تربطنا بها علاقات قوية سواء إسبانيا أو بريطانيا، فهناك مساحة كبيرة للحوار فيما يتعلق بكثير من القضايا الإقليمية والدولية».

وأضاف: «زيارات إسبانيا وبريطانيا تأتي في توقيت مهم، خصوصاً مع تصاعد تداعيات الحرب الإيرانية، والجهود المصرية للتوصل إلى حلول سلمية لهذا النزاع من خلال الدبلوماسية».

وتابع: «مصر تسعى في كل الاتجاهات مع الشركاء الإقليميين أو الدوليين كافة، وتدفع في اتجاه أن تتم تسوية الأزمة بالطرق السلمية من خلال التفاوض باتباع الدبلوماسية كونها أداة من أدوات السياسة الخارجية».


«قوات الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

القائد الميداني في «الدعم السريع» الفاتح عبد الله إدريس الشهير بـ«أبو لولو» يتوسط مقاتلين آخرين قرب الفاشر يوم 27 أكتوبر 2025 (لقطة مقتطعة من فيديو - رويترز)
القائد الميداني في «الدعم السريع» الفاتح عبد الله إدريس الشهير بـ«أبو لولو» يتوسط مقاتلين آخرين قرب الفاشر يوم 27 أكتوبر 2025 (لقطة مقتطعة من فيديو - رويترز)
TT

«قوات الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

القائد الميداني في «الدعم السريع» الفاتح عبد الله إدريس الشهير بـ«أبو لولو» يتوسط مقاتلين آخرين قرب الفاشر يوم 27 أكتوبر 2025 (لقطة مقتطعة من فيديو - رويترز)
القائد الميداني في «الدعم السريع» الفاتح عبد الله إدريس الشهير بـ«أبو لولو» يتوسط مقاتلين آخرين قرب الفاشر يوم 27 أكتوبر 2025 (لقطة مقتطعة من فيديو - رويترز)

نفت «قوات الدعم السريع»، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، صحة مزاعم متداولة بشأن إطلاق سراح القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ«أبو لولو»، وعودته إلى ميدان القتال في إقليم كردفان بالسودان؛ في حين تواترت أنباء عن كسر الجيش الحصار المفروض على مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان.

وقالت «الدعم السريع» في بيان على «تلغرام»، الثلاثاء، إنها تنفي جملةً وتفصيلاً الأنباء التي تتحدث عن الإفراج عن أبو لولو، مؤكدة أن «هذه المزاعم عارية عن الصحة، وتأتي في إطار الحملات الدعائية المغرضة».

وأضافت أن «أبو لولو ومجموعة من الأفراد المتهمين بارتكاب تجاوزات وانتهاكات بحق المدنيين في مدينة الفاشر محتجزون، منذ توقيفهم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، داخل السجن ولم يغادروا مقار احتجازهم مطلقاً».

وأكد البيان أن اللجان القانونية المختصة باشرت أعمال التحقيق فور توقيف المتهمين، ويجري تقديمهم إلى محكمة عسكرية خاصة، لضمان محاسبة أي فرد يثبت تورطه في انتهاكات بحق المدنيين.

وكانت مصادر عديدة ومتطابقة قد تحدثت لوكالة «رويترز» عن ظهور أبو لولو في ساحة القتال في كردفان في مارس (آذار) الماضي. ونسبت الوكالة إلى 13 مصدراً قولهم إنهم على علم بالإفراج عنه. وقالت إن بين المصادر قادة في «قوات الدعم السريع»، وأحد أقارب أبو لولو، وضابطاً بالجيش التشادي على صلة بقيادة «الدعم السريع».

اقتياد القائد الميداني في «الدعم السريع» أبو لولو إلى السجن في الفاشر يوم 30 أكتوبر 2025 (لقطة مقتطعة من فيديو - رويترز)

ويُتهم أبو لولو بارتكاب عمليات إعدام ميدانية لأسرى من المدنيين قبل سقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور بغرب البلاد؛ وظهر في تسجيلات مصورة وهو يتباهى بتنفيذ اغتيالات وحشية لأشخاص يرتدون ملابس مدنية. ورغم أن «قوات الدعم السريع» نفت وقتها أي صلة به، ألقت القبض عليه لاحقاً، وأودعته السجن، معلنة عن تشكيل لجنة تحقيق بشأنه في التجاوزات المرتكبة.

الدلنج... وكسر الحصار

ميدانياً، أفادت أنباء بسقوط عشرات القتلى والجرحى جراء اشتباكات عنيفة، دارت الاثنين، بين الجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، في منطقة التكمة بولاية جنوب كردفان. ووفقاً لمصادر متطابقة، فقد استمرت المعارك لساعات طويلة.

ويأتي تجدد المعارك بعد أيام من الهدوء النسبي، وسط تداول معلومات - لم يتسنَّ التأكد منها - عن أن الجيش نجح في استعادة السيطرة على البلدة، وفتح الطريق نحو مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن الولاية.

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

وتحدثت الأنباء عن كسر الجيش الحصار المفروض على الدلنج، وإدخال تعزيزات إنسانية وعسكرية، بعد عملية انفتاح من الداخل على منطقتي التكمة وهبيلا، إثر هجمات نفذها على «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية - شمال»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، الساعية لإعادة حصار المدينة.

وكانت مدينتا كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، والدلنج، تخضعان لحصار طويل استمر لأكثر من عام ونصف العام، فرضته «قوات الدعم السريع»، قبل أن يتمكن الجيش في الأشهر الماضية من فتح الطرق المؤدية إلى المدينتين.

بيانات الطرفين

من جانبه، أعلن الجيش استعادة سيطرته على بلدات دوكان، وكرن كرن، وخور الحسن، بولاية النيل الأزرق في جنوب شرق البلاد، من قبضة «الحركة الشعبية – شمال»، وهي إحدى القوى الرئيسية ضمن قوات تحالف «تأسيس» المدعوم من «الدعم السريع».

وقال في بيان، عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، إن «الفرقة الرابعة مشاة» في الدمازين استطاعت دحر قوات «تأسيس» من تلك المناطق، وألحقت بها خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات.

وبثت قوات الجيش مقاطع مصورة تُظهر انتشار عناصرها في منطقة التكمة، متحدثة عن «تكبيد قوات العدو خسائر بشرية والاستيلاء على عتاد عسكري».

وفي المقابل، نشرت «قوات الدعم السريع» مقاطع مماثلة، تشير إلى أنها تصدت لهجوم من الجيش والقوات المساندة له على التكمة، وألحقت بهما خسائر كبيرة في الأرواح والآليات العسكرية.


قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
TT

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)

أكد الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الجزائري، اليوم (الثلاثاء)، أن «التفوُّق العسكري الحقيقي لا يُقاس بنوعية السلاح فقط، بل يكمن في القدرة على الصمود، وامتلاك البدائل التكتيكية، واكتساب الجاهزية العملياتية النوعية».

وشدَّد شنقريحة، في كلمة له خلال زيارة عمل وتفقد إلى الناحية العسكرية الخامسة شرق البلاد، أنَّ الجيش الجزائري «مصمم على مواصلة مسار بناء مقدراته العسكرية، والرفع من جاهزيته العملياتية، بما يمكِّنه من أداء مهامه الدستورية على أكمل وجه، وبما يسمح لنا بالتحكم في أدوات أمننا، والدفاع عن سيادتنا ومصالحنا العليا».

وأضاف شنقريحة أنه «لن يتأتَّى لنا ذلك إلا من خلال مواصلة تنفيذ برامج التحضير القتالي، بجدية وصرامة لبناء منظومة دفاعية قائمة على التحضير العالي والجاهزية العملياتية والصلابة الشاملة»، مبرزاً أن «الطريق الأقوم لبلوغ هذه الجاهزية يبدأ أولاً، وقبل كل شيء، من ميدان التدريب، ومن الإيمان الراسخ بأنَّ كل خطوة نخطوها باحترافية، وكل خطة تُنفَّذ بدقة ستسهم بفاعلية في بناء القدرة على الردع والحسم».

في سياق ذلك، حثَّ شنقريحة أفراد الجيش في المنطقة الحدودية الحساسة المتاخمة لتونس إلى «العمل بمثابرة أكثر من أجل اجتثاث آخر العناصر الإرهابية من أرض بلادنا الطاهرة، ودحر شبكات دعمهم وإسنادهم، للتفرغ نهائياً لمهام تحضير القوات وإعدادها الجيد، لتتوافق مع التزاماتنا الجمهورية، وتسمح لنا برفع تحديات السياقات الإقليمية والدولية الراهنة».

في هذا الصدد، هنَّأ شنقريحة عناصر الوحدات المقحمة في مكافحة الإرهاب والتخريب على «النتائج النوعية المُحقَّقة في هذا المجال، والتي سمحت بالقضاء على كثير من الإرهابيين والمجرمين، خونة الأمة، وإحباط مشروعاتهم الدنيئة التي تستهدف المساس بأمن الوطن والمواطن».