«الفشل السياسي» في ليبيا يسخّن «الجبهة الجنوبية»

التوتر يحيي «المجالس العسكرية» غرباً... وتسارع لبسط النفوذ على «الحدود»

قبيلة الزنتان خلال إلقاء بيان يرفض تحركات عسكرية لمجموعات مسلحة (من مقطع فيديو)
قبيلة الزنتان خلال إلقاء بيان يرفض تحركات عسكرية لمجموعات مسلحة (من مقطع فيديو)
TT

«الفشل السياسي» في ليبيا يسخّن «الجبهة الجنوبية»

قبيلة الزنتان خلال إلقاء بيان يرفض تحركات عسكرية لمجموعات مسلحة (من مقطع فيديو)
قبيلة الزنتان خلال إلقاء بيان يرفض تحركات عسكرية لمجموعات مسلحة (من مقطع فيديو)

تتأهب ليبيا ويتخوف الليبيون من شيء قادم غامض؛ ذلك أن الأطراف التي كانت تجمعها خلال العامين الماضيين طاولة للمحادثات السياسية، انفضّت إلى طاولات أخرى، شرقاً وغرباً؛ لبحث ترتيبات أمنية وعسكرية مرتقبة.

المشهد في ليبيا اليوم غير الأمس؛ إذ استدعت الأجواء المتوترة عودة «المجالس العسكرية» بغرب البلاد، كما حذّرت قوى اجتماعية، من بينها قبيلة الزنتان، من تحركات عناصر ما سمتها «المجموعات المسلحة» في منطقتي الجبل و«الحمادة الحمراء» بغرب البلاد.

دوريات عسكرية على طول الشريط الحدودي بالجنوب الغربي (رئاسة أركان القوات البرية)

وجاءت هذه الأجواء الساخنة عقب إعلان «الجيش الوطني»، برئاسة المشير خليفة حفتر، تحريك قواته باتجاه سبع مدن وقرى على الحدود الجنوبية مع الجزائر، ضمن «خطة شاملة لتأمينها». لكنها زادت اضطراباً بعد إنهاء مجلس النواب ولاية السلطة التنفيذية في طرابلس، الممثلة في المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي، وحكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

ولوحظ وجود استعدادات عسكرية لقوات وعناصر موالية لمدينة الزنتان؛ تأهباً لصد قوات أخرى، قالت إنها قد تأتي من الغرب أو الشرق، في معركة يعتقد أن طرفيها «يستهدف كل منهما غلّ يد الآخر عن بسط نفوذه على الحدود الجنوبية، والسيطرة على مواقع استراتيجية هناك».

تخوفات من مستقبل مجهول

يعتقد محللون عسكريون وسياسيون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، أن ليبيا «قد تكون على أبواب معركة فاصلة؛ إذا لم يتدخل العقلاء لنزع فتيل الأزمة والتوقف عن تسخين الجبهات». مشيرين إلى أن «الإخفاقات السياسية، التي انتهت بفشل المسار السياسي، باتت تدفع لتسخين جبهة الحدود الجنوبية، باعتبارها كانت ساحة مهملة، ومن يبسط سيطرته عليها يمتلك منافذ جديدة على أفريقيا». وقالوا إنه «إذا لم يتم تدارك الأمر فستعود الأوضاع إلى المربع الأول، وتضيع أي فرصة للتوافق، وتدخل ليبيا منطقة التقسيم الحدودي والنفطي؛ وهذه كارثة».

استنفار أمني على الشريط الحدودي بالجنوب الغربي (رئاسة أركان القوات البرية)

استدعت الأزمة الراهنة عودة ما يسمى «المجالس العسكرية» بغرب ليبيا، وهو المشهد الذي اختفى من الساحة السياسية وأذهان الليبيين منذ توقيع الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية نهاية 2015 بين أطراف الصراع آنذاك.

ومع تصاعد الأحداث، أعلن عدد مما يسمى «ثوار مصراتة» إحياء تفعيل «المجلس العسكري» بمدينتهم، وتعهدوا «تشكيل مجلس عسكري أعلى يمثل كل المجالس العسكرية». وهذا المشهد الذي يعدّه البعض «تراجعاً للحالة السياسية» في ليبيا، ويتخوف منه كثيرون، جاء رداً على الخطوة التي اتخذها مجلس النواب بنقل صلاحيات القائد الأعلى للجيش من المجلس الرئاسي إلى رئيس البرلمان، وأهاب «الثوار» بباقي كتائبهم التوافد إلى مقر المجلس العسكري.

وأوضح المجلس العسكري في بيان تلاه أحد قياداته مساء الأربعاء أنه «تم الاتفاق على العمل لتوحيد الصف، وتحقيق أهداف (ثورة 17 فبراير)/شباط من خلال الحكم المدني، والتداول السلمي على السلطة، بعيداً عن حكم العائلة وحكم العسكر»، في إشارة إلى الدبيبة وحفتر.

كما أعلن المحتشدون في مصراتة اتفاقهم على «تفعيل دور المفوضية العليا للانتخابات»، والعمل على إخراج القوات الأجنبية من ليبيا، وتحقيق سيادة الوطن». وبرروا قرارهم هذا بأنه جاء بسبب «الظروف الراهنة والأوضاع الخطيرة، التي تمر بها بلادنا، والمؤامرات الداخلية والخارجية، وتردي الأوضاع المعيشية، وانسداد الوضع السياسي، والمتاجرة بتضحيات الشهداء من قِبل مَن تصدروا المشهد».

وينظر أستاذ القانون والباحث السياسي الليبي، رمضان التويجر، إلى مُجمل التوترات الراهنة من زاوية أن عملية التغيير «باتت مطلب الجميع من مختلف الأطراف؛ فالوضع القائم أوصل ليبيا إلى طريق مسدودة». محذراً من ضرورة أن تتم «أي عملية تغيير بعيداً عن الحروب، أو المواجهات المسلحة في مختلف الأنحاء؛ ونتمنى أن تتم بشكل سلمي، وتؤدي إلى تحقيق توافق ولو جزئياً».

متابعون ليبيون يرون أن ما يحدث في ليبيا من توترات، خاصة على الحدود، لا ينفصل عن الصراع الدولي في الساحل الأفريقي، عادّين أن «كل طرف يسعى لتعزيز قواته عبر حلفائه العسكريين في المنطقة، بقصد إحكام السيطرة على أكبر قدر من المناطق الحيوية، ومن ثم فتح نافذة حدودية جديدة على القارة».

الزنتان تحذر

أمام ما تشهده ليبيا من متغيرات متسارعة، في ظل «جمود سياسي»، بالنظر إلى ما تراه سلطات طرابلس من توسّع حفتر باتجاه الجنوب الغربي، نشرت الزنتان قواتها بمحيط المدينة ومنطقة القريات وحقل الحمادة النفطي، رافضين دخول قوات «اللواء 444 قتال»، التابع للمنطقة العسكرية بطرابلس. كما أفادت تقارير بأن قوات للواء أسامة الجويلي، آمر المنطقة العسكرية الغربية، الموالي راهناً لمعسكر شرق ليبيا، وصلت إلى منطقة القريات لإنشاء غرفة عمليات بالمنطقة.

حذّرت الزنتان من أن هدف القوات المتجهة إلى الحدود الجنوبية «التوسع وليس مكافحة التهريب» (رئاسة أركان القوات البرية)

وحذرت الزنتان في بيان تلاه أحد القيادات الاجتماعية، الأربعاء، من منطقة الحمادة، من أن هدف القوات المتجهة إلى الحدود الجنوبية «التوسع وليس مكافحة التهريب». في إشارة هنا إلى «اللواء 444 قتال» التابع لقوات «الوحدة».

وأبدى المجتمعون رفضهم «القاطع تواجد وتحرك أي مجموعات مسلحة عبر أراضي الزنتان»، مطالبين بـ«دعم جهاز حرس الحدود، المسؤول عن ضبط الحدود الجنوبية الغربية»، كما طالبوا مديريات الأمن في مناطق (الجبل والقبلة) الاضطلاع بدورهم، وأن يتعاونوا على حفظ الأمن ومكافحة الجريمة المنظمة، كتجارة المخدرات والأسلحة وتهريب البشر».

ورغم نفي القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، رسمياً، توجيه قواتها إلى منطقة غدامس بأقصى الغرب الليبي، حيث الحدود مع الجزائر، خاصة بعد تنديد غربي بالأمر، بات الوضع في غرب ليبيا مستنفراً تماماً على صُعد مختلفة، علماً أن القوات هناك ليست جميعها تحت طوع الدبيبة.

طاولات «الحرب والسياسة»

بدت الأوضاع متشابهة إلى حد ما بين ما يجري في طرابلس وبنغازي لجهة بحث ترتيبات أمنية، ذلك أن طاولات الحوار باتت تحتضن الآن اجتماعات عسكرية وأمنية. فصدام نجل المشير حفتر، رئيس «أركان القوات البرية»، اجتمع مساء الأربعاء بمقر الرئاسة في بنغازي مع وزير الداخلية، التابع للحكومة المكلفة من البرلمان، ورؤساء الأجهزة الأمنية التابعة للوزارة، إلى جانب رئيس جهاز الأمن الداخلي، ونائب رئيس المخابرات العامة.

صدام حفتر خلال اجتماع مع قيادات أمنية في بنغازي (رئاسة أركان القوات البرية)

وعدّت «رئاسة الأركان» الاجتماع بأنه يستهدف «الاطلاع على سير عمل الأجهزة الأمنية التابعة للوزارة، والوقوف على الصعوبات التي تواجه عملها، وتسخير الإمكانات كافة لها لتأدية المهام المُكلفة بها على أكمل وجه».

وتؤكد رئاسة الأركان على استمرار الدوريات الصحراوية، التي أطلقتها تنفيذاً لتعليمات القائد العام «لتصل إلى أقصى الجنوب الليبي على الحدود مع الدول المجاورة»، وتشير إلى أن هدفها «تنفيذ مهامها بكل حرفية ومهنية وانضباطية عالية، وصولاً للغاية المبتغاة، لا سيما حماية الوطن والمواطن من أي تهديدات خارجية أو داخلية».

نائبا المجلس الرئاسي الليبي يجتمعان بقيادات عسكرية وأمنية في طرابلس (المجلس الرئاسي)

في المقابل، اجتمع في طرابلس النائبان بالمجلس الرئاسي، عبد الله اللافي وموسى الكوني، مع قيادات أمنية وميليشياوية، من بينهم غنيوة الككلي، رئيس «قوة دعم الاستقرار»، ولطفي الحراري، رئيس جهاز الأمن الداخلي، وعبد السلام الزوبي، آمر «اللواء 111»، وصلاح النمروش، نائب رئيس أركان القوات التابعة للحكومة؛ لمناقشة الأوضاع العسكرية في المنطقة الغربية، والأوضاع في مدينة الزنتان.

وتم خلال اللقاء، بحسب المجلس الرئاسي، مناقشة «ملفات وقضايا، تتعلق بالجانبين العسكري والأمني، وما يمكن اتخاذه من خطوات لمتابعة الأوضاع في كل المدن والمناطق». وانتهى المجلس إلى أن القائد الأعلى «شدد على ضرورة اليقظة، والمتابعة المستمرة للموقف العسكري والأمني، من أجل المحافظة على أمن ليبيا واستقرارها».

ويرى قيادي عسكري سابق بغرب ليبيا أن المشهد العسكري بغرب البلاد راهناً «متشابك جداً، وغير واضح المعالم؛ فكثيرٌ من الفصائل المسلحة تتقارب مع بعضها عندما تتقارب مصالحها؛ وتتنافر إذا حدث العكس».

ويعتقد القيادي العسكري في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن «التجربة أثبتت لنا أنه لا توجد سلطة تخضع لها هذه التشكيلات المسلحة، وجميعها تخضع لأهوائها ومصالحها؛ ومن ثم لو تأكد لها أن المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة انتهى أمرهما؛ فبكل تأكيد ستتم إعادة تموضعها مع طرف آخر، وهذه مسألة مجرّبة أكثر من مرة في المنطقة الغربية للأسف».


مقالات ذات صلة

مأزق «البديل الوطني» في ليبيا يلاحق رافضي «الحلول الخارجية»

شمال افريقيا المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)

مأزق «البديل الوطني» في ليبيا يلاحق رافضي «الحلول الخارجية»

تتباين الآراء في ليبيا بشأن مدى قبول أو رفض «المبادرات الخارجية» التي تُسوَّق لحلحلة الأزمة السياسية المسيطرة على البلاد، في ظل عدم القدرة على تقديم بديل محلي.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي مستقبلاً تيتيه بمكتبه في طرابلس في 21 أبريل الحالي (مكتب المنفي)

إحاطة تيتيه لـ«مجلس الأمن» تفرق أطراف الأزمة الليبية

انفتح المشهد السياسي في ليبيا على انقسام حيال الإحاطة التي قدمتها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ولافروف خلال محادثات على هامش «منتدى سياسي» بأنطاليا التركية السبت الماضي (مكتب الدبيبة)

روسيا تعزّز انخراطها بين أفرقاء ليبيا بالتوازي مع تنامي الدور الأميركي

تعزّز روسيا في الآونة الأخيرة انخراطها بين الأفرقاء الليبيين عبر تكثيف تحركاتها الدبلوماسية وفتح قنوات تواصل مع الفاعلين السياسيين والعسكريين

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)

ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي على ضرورة أن تُبنى أي مبادرة تتعلق بالأزمة السياسية في بلده على أساس المرجعيات القانونية والدستورية القائمة

خالد محمود (القاهرة)

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)

من المتوقع أن تشهد الساحة التشريعية المصرية زخماً حول ملفات الأسرة في الأسابيع المقبلة، بعدما وافقت الحكومة، الأربعاء، على مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين، تمهيداً لإحالته إلى مجلس النواب، في وقت تقدم نائب بمشروع قانون جديد يُجرّم «زواج القاصرات»، أحاله رئيس البرلمان إلى «لجنة نوعية» لمناقشته.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجه بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين، وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان، وفق بيان للحكومة، أكد أنه «ستتم إحالة مشروعات القوانين الثلاثة تباعاً، بصفة أسبوعية، للبرلمان، بما يسهم في تلبية تطلعات المواطنين، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار الأسري والمجتمعي، ويحفظ حقوق جميع الأطراف».

وسيكون صندوق دعم الأسرة ضمانة لحصول الزوجة على نفقاتها ونفقات الأبناء بعد الطلاق، إذ تُسدد الدولة المستحقات، ثم تقوم بملاحقة الأزواج المتخلفين عنها، حتى تضمن عدم تحميل الأبناء نتيجة النزاعات بين الوالدين، وفق وسائل إعلام محلية.

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر في مصر، وشرعت أحزاب موالية للحكومة في فتح هذا الملف بالفعل، وإجراء حوار مجتمعي حوله.

الأحوال الشخصية للمسيحيين

وبخصوص قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، الذي افتتحت به الحكومة هذا الملف، فتعود المطالبات بتشريعه منذ عقود، إذ تحكم المسيحيين منذ 80 عاماً لائحة لا تلبي احتياجاتهم التشريعية، ما تسبب في تكدس قضايا الطلاق بينهم في المحاكم بنحو 270 ألف قضية، وفق رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، المستشار نجيب جبرائيل، الذي وصف الخطوة الحكومية الأخيرة بـ«القوية والجريئة».

وأشار جبرائيل، الذي اطَّلع على مشروع القانون، إلى أنه سيُحدث انفراجة كبيرة بين من ينتظرون التشريع الجديد، إذ أتاح للمسيحيين الطلاق للهجر بعد 3 سنوات لمن ليس لديهم أطفال، و5 سنوات لمن لديهم أطفال، وهو ما لم يكن موجوداً من قبل.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن المشروع الجديد استحدث أيضاً مادة تُمكن من الطلاق في حال «استحكام النفور والضرر الجسيم»، كأن يتم تغيير الملة أو في حالة تعرُّض الزوجة للضرر من زوجها كالضرب.

ويتميز مشروع القانون الجديد، وفق وزير العدل المصري المستشار محمود الشريف، بأنه جمع شتات جميع القواعد والأحكام التي تنظم شؤون الأسرة المسيحية في أداة تشريعية واحدة بمرتبة قانون، بعدما كانت مُبعثرة في ست أدوات تشريعية لا ترقى أي منها لتلك المرتبة.

وسبق إعداد مشروع القانون الجديد حوار مجتمعي، وجاء نابعاً من توافق تام بين جميع الطوائف المسيحية في مصر على كل ما تضمنه من أحكام، وفق بيان الحكومة.

وأشادت البرلمانية مها عبد الناصر بالاهتمام الحكومي بقضايا الأسرة، متمنية أن يحظى الأمر باهتمام مماثل من السلطة التشريعية، يُمكّن من صدور قوانين عدة خاصة بالأسرة، من شأنها أن تنعكس إيجابياً على حال المجتمع كله، واستطردت: «إحالة مشروع قانون لا يعني حتمية صدوره، فخلال الدورات التشريعية السابقة حُفظت مشاريع قوانين شبيهة في الأدراج».

وتابعت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل زخم الحديث عن قوانين الأحوال الشخصية الحالي، أتوقع أن تشهد تعاملاً مختلفاً ويتم إنجازها حتى تخرج للنور»، وأعربت عن أملها في أن تأتي هذه القوانين متوازنة.

مشروع قانون ينظم الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر (المركز الإعلامي للكنيسة الأرثوذكسية)

ويرى المحامي الحقوقي سامح سمير أن القوانين التي تتعلق بالمرأة عموماً تشهد حراكاً مستمراً منذ سنوات، لافتاً إلى أن استكمال ذلك بقوانين الأحوال الشخصية فعل محمود، خصوصاً مع المطالبة به لسنوات.

وينص الدستور المصري في المادة الثالثة على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية.

وقال سمير لـ«الشرق الأوسط» إنه قرأ اعتراضات لأصدقاء ونشطاء مسيحيين على بعض ما جاء في مشروع القانون، مطالبين بقانون مدني بعيد عن الكنيسة، مضيفاً: «حتى لو لم يخرج مُرضياً لجميع الأطراف، فهو توجُّه تأخر كثيراً».

زواج القاصرات

في غضون ذلك، تقدم النائب أحمد البرلسي بمشروع قانون لمجلس النواب، الأربعاء، خاص بتغليظ عقوبة زواج القاصرات، ويستهدف سد ثغرات القانون الحالي، بتجريم كل أشكال تزويج الأطفال، سواء تم بعقود رسمية أو عرفية، مع توسيع نطاق المسؤولية الجنائية لتشمل كل من شارك في إتمام الزواج أو ساعد عليه، بمن في ذلك أولياء الأمور والموثّقون.

ويحدد القانون المصري سن الزواج عند 18 عاماً، ويعاقب بالحبس مدة قد تصل إلى عامين لمن أدلى ببيانات غير صحيحة أمام المأذون أو زوَّر في البيانات لتوثيق عقد الزواج.

وعادة ما يجري تزويج الفتيات عرفياً في القرى المصرية دون السن القانونية، ثم يتم توثيق العقود رسمياً بعد بلوغ السن.

وعرّف القانون الزواج بأنه «كل عقد أو وثيقة تفيد الارتباط بين ذكر وأنثى، سواء تم بمعرفة مأذون شرعي أو محامٍ أو موثّق»، وعدّ كل من شارك في إجراءات زواج قاصر أو تحرير وثيقة رسمية أو عرفية تثبته، بما يشمل أولياء الأمور أو من لهم سلطة على القاصر، مرتكباً لجريمة زواج طفل.

وفيما يتعلق بالعقوبات، نص المشروع على الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة تتراوح بين 20 ألف و100 ألف جنيه (الدولار نحو 52 جنيهاً تقريباً)، أو إحدى العقوبتين، لكل من يشارك في تزويج طفل، مع تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة حال استخدام الإكراه أو التهديد أو تقديم مقابل مادي لإتمام الزواج.


الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
TT

الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

افتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الخميس، 9 مشروعات صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بإجمالي استثمارات نحو 182.5 مليون دولار، عملاً على تشجيع الصناعات المحلية مع توفير بيئة محفزة للاستثمار، وذلك رداً على انتقادات وجهت لها سابقاً بشأن توقف مصانع عن العمل وعدم التركيز على الإنتاج المحلي.

وقال مدبولي إن «حكومته تكثف جهودها لتشجيع الصناعة المحلية، وتوطين مختلف الصناعات الحيوية والإنتاجية بالشراكة مع القطاع الخاص»، وأشار إلى أنها «تسعى بكل الجهود الممكنة لزيادة الاستثمارات المحلية وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية والعربية لضخها في قطاع الصناعة».

وأضاف أن «حكومته اتخذت إجراءات لتوفير بيئة محفزة لجذب المستثمرين المحليين والأجانب، وإقامة مصانع جديدة في مختلف المناطق الصناعية بالدولة»، لافتاً إلى أن «حكومته تعمل على احتواء الضغوط التي تواجهها الصناعات بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، في ظل التحديات التي تشهدها السوق العالمية».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن انتقادات وجهت لحكومته أخيراً على منصات التواصل الاجتماعي بسبب «توقف مصانع عن العمل والإنتاج»، وقال في مؤتمر صحافي على هامش جولته في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إن ما يجري تداوله «لا أساس له من الصحة»، مشيراً إلى أن «المصانع تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية دون توقف».

وكثيراً ما توجَّه انتقادات للحكومة تستحثها على ضرورة التركيز على الصناعة والزراعة بدلاً من الاهتمام بالطرق، وذلك لدعم الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة من الخارج.

وتتخذ الحكومة إجراءات عدة لاحتواء تأثيرات الحرب الإيرانية الاقتصادية، وأعلنت عن قرارات استثنائية، تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، كما أعلنت عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، من بينها إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي داخل أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

وشدد مدبولي، الخميس، على أن «أسعار الوقود والطاقة لن تعود سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب على إيران»، مضيفاً أنه «حال انتهاء الصراع خلال الفترة الحالية، فهذا لا يعني تراجعاً في أسعار النفط والغاز، ذلك لأن الأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية للطاقة في دول الخليج وإيران ستحتاج إلى وقت قبل عودة الأسواق إلى الاستقرار الكامل».

ويرى رئيس الوزراء المصري أن الطاقة ستحتاج إلى فترة زمنية حتى تستعيد توازنها الطبيعي، مؤكداً أن بلاده لديها سيناريوهات للتعامل مع تداعيات التصعيد العسكري بالمنطقة.

وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن هناك مؤشرات تعكس تحسن مستوى التصنيع المحلي في مصر، وقال إن الحكومة مهتمة بتوطين عدد من الصناعات بما يقلل من أعباء الاستيراد من الخارج بالعملة الصعبة، مع توفير منتجات منافسة تساهم في خفض الأسعار.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «دعم الصناعة المحلية يحقق مكاسب عدة من بينها توفير فرص عمل وزيادة معدلات التشغيل، مع فتح أسواق تصديرية للخارج».

رئيس الوزراء المصري مصطفلا مدبولي أكد أن حكومته تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي (مجلس الوزراء)

وزادت نسبة الصادرات بالنسبة إلى الناتج المحلي في مصر بنسبة 11.8 في المائة في العام الماضي، وفق وزير الاستثمار المصري محمد فريد الذي قال في كلمته بمجلس النواب، الأربعاء، إن معدل نمو القطاع الصناعي وصل إلى 14 في المائة في عام 2025.

ويرى بدرة أن «التحديات الإقليمية تُصعب من أي فرص جذب للاستثمارات الداخلية والخارجية في هذا التوقيت»، وأشار إلى أن هناك ضغوطاً اقتصادية على منظومة الإنتاج لدى غالبية الدول حالياً.

وأضاف: «الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن إهمال التصنيع المحلي سوف تستمر في ظل الأعباء الاقتصادية العالمية القائمة».

من جهته، قال مدبولي، الخميس، إن حكومته «تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتعزز تنافسية الصادرات المصرية في الأسواق العالمية»، مشيراً إلى «التركيز على تعميق القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني».


بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
TT

بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)

أثار «التوقيت الصيفي» في مصر، ويبدأ عند منتصف ليل الخميس، تساؤلات بشأن مواعيد «غلق المحال» التجارية التي تم إقرارها سابقاً ضمن إجراءات استثنائية اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية.

ويكون تطبيق «التوقيت الصيفي» بتقديم الساعة 60 دقيقة. وعن موقف مواعيد غلق المحال مع التوقيت الجديد، قال رئيس الوزراء، الخميس، إن «لجنة إدارة الأزمات ستعقد اجتماعاً قريباً لتحديد القرار».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وشهدت الأسابيع الماضية مطالبات برلمانية بإلغاء «التوقيت الصيفي»، وانتقد وكيل «لجنة القوى العاملة» بمجلس النواب إيهاب منصور تطبيقه وجدواه، وتقدم بسؤال برلماني للحكومة، الخميس، مطالباً بالكشف عن البيانات الرسمية حول حجم توفير استهلاك الطاقة عند تطبيق «التوقيت الصيفي».

في حين طالب الإعلامي المصري أحمد موسى بإعادة النظر في مواعيد غلق المحال التجارية خلال فصل الصيف، ودعا خلال برنامجه التلفزيوني، مساء الأربعاء، إلى تمديد مواعيد إغلاق المحال من 11 مساء إلى الواحدة صباحاً مع بدء التوقيت الصيفي، بما يتناسب مع طبيعة الموسم السياحي والحركة التجارية.

مدى توفير الطاقة

الخبير الاقتصادي المصري أحمد حنفي يرى أن «التوقيت الصيفي» يساهم في توفير استهلاك الطاقة بنسبة صغيرة ليس لها تأثير. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه مع بدء التوقيت الصيفي وتقاطعه مع إجراءات الترشيد الحكومية يجب تعديل مواعيد غلق المحال حتى 12 مساءً؛ لأن التوقيت الجديد «يخصم ساعة يومياً من فترة عمل هذه المحال، ولا يتناسب مع طبيعة الأنشطة المختلفة والحركة التجارية خلال الصيف».

محال تجارية تنتظر القرار الحكومي الجديد بشأن المواعيد بعد تطبيق «التوقيت الصيفي» (وزارة التموين)

وخلال كلمته أمام مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، تحدث مدبولي عن خطة «التقشف الحكومي» لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «ترشيد الطاقة خلال الفترة الماضية خيار، لكن كان ضرورة فرضتها علينا معطيات الأزمة».

وأضاف: «خطة ترشيد الاستهلاك لا تزال تحت التقييم لدراسة حجم الوفر الذي حققته، وإن كانت المؤشرات الأولية لها تشير إلى تحقيق وفر خلال الأسبوع الأول بلغ 18 ألف ميغاوات / ساعة، وتحقيق وفر في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب، ووفر في يوم العمل عن بُعد بلغ 4700 ميغاوات / ساعة، و980 ألف متر مكعب وفراً في الوقود».

وأضاف أن «انتهاء أزمة الحرب - حتى وإن تحقق من الناحية الشكلية - لا يعني بالضرورة زوال آثارها، التي من المرجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الجاري».

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

ويرجح حنفي «استمرار الحكومة في تطبيق إجراءات الترشيد، وتمديد قرار الإغلاق المبكر للمحال لفترة أخرى كونه نوعاً من التحوط الاقتصادي».

وتثير خطة «التقشف الحكومي» والإغلاق المبكر جدلاً واسعاً في مصر منذ بدء تطبيقها.

وقال الخبير الاقتصادي المصري وائل النحاس لـ«الشرق الأوسط» إن تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة الطاقة «تتطلب استمرار خطة التقشف والترشيد، لأن القادم أصعب»، وفق رأيه، مؤكداً أن «الأزمة تستدعي إجراءات أكثر حدة؛ لأن العالم مقبل على أزمة طاقة كبيرة، وتأثر في سلاسل الإمدادات خاصة للمواد الغذائية».

ويرى النحاس أنه «لا يوجد معنى الآن للحديث عن تأثر المحال بالإغلاق المبكر ساعة أو ساعتين، بسبب تصاعد تداعيات الأزمة»، لكنه أشار إلى أن «الحكومة المصرية ملتزمة بخطة الترشيد والحد من نفقاتها غير الضرورية».