الآلاف في السودان فقدوا أطرافهم بسبب الحرب

عمليات «البتر» تتم في مراكز صحية غير مؤهلة

سودانية داخل مستشفى بمنطقة جبال النوبة في السودان (أ.ف.ب)
سودانية داخل مستشفى بمنطقة جبال النوبة في السودان (أ.ف.ب)
TT

الآلاف في السودان فقدوا أطرافهم بسبب الحرب

سودانية داخل مستشفى بمنطقة جبال النوبة في السودان (أ.ف.ب)
سودانية داخل مستشفى بمنطقة جبال النوبة في السودان (أ.ف.ب)

على ساق واحدة، تجاهد أمينة مصطفى بجسدها النحيل، للترجل من السيارة إلى الكرسي المتحرك لزيارة الطبيب ومعرفة مدى شفاء جرحها في مدينة بورتسودان شرق السودان، وهي من ضمن آلاف ضحايا الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها «أصيبت بشظايا قذيفة عشوائية في القدم اليمنى، وخضعت لعملية بتر من الركبة»... أمينة (20 عاماً) واحدة ممن تعرضوا لعمليات بتر للأطراف في الحرب الدائرة في السودان.

وقال الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة، دكتور عبد القادر عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، إن أكثر من 10 آلاف طفل فقدوا جزءاً أو أجزاء حيوية من أجسادهم جراء إصابات بالمقذوفات النارية.

فريق «أطباء بلا حدود» في السودان (إكس)

في حين ذهب المدير العام لوزارة الصحة في العاصمة الخرطوم، محمد القائم، للقول، إنه «لا توجد إحصائية دقيقة بشأن أعداد الذين بترت أطرافهم، لكن بلا شك تجاوزوا الآلاف خلال الحرب، هذا ما تظهره التقارير عن ارتفاع الإعاقات وعلى وجه الخصوص الحركية».

وأوضح: «إن العمليات في مستشفى النور، الوحيد الذي يعمل في مدينة أم درمان وغيرها من المستشفيات الحكومية، تتم مجاناً».

المدير العام للهيئة العامة للأجهزة التعويضية جمال جامد (الشرق الأوسط)

بدوره، قال المدير العام لـ«الهيئة العامة للأجهزة التعويضية للمعاقين»، جمال حامد، إنه منذ اندلاع الحرب «زادت الاحتياجات للأطراف الاصطناعية بشكل كبير، ويتم تصنيع 900 طرف شهرياً لمن فقدوا أحد أطرافهم بسبب الاشتباكات، ولا يشمل هذا الرقم الذين تعرّضوا لعمليات جراحية للبتر بسبب الحوادث المرورية أو أمراض السكري».

بيد أنه أشار إلى «توقف تصنيع الأطراف الاصطناعية منذ 5 أشهر بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام»، وقال في الوقت الحالي نصنع «عصا الساعد والأحذية الطبية»، ونقدم خدمة العلاج الطبيعي.

منظمة «أطباء بلا حدود» تؤكد أن ثلث الأشخاص الذين يدخلون المستشفيات في السودان «هم من الأطفال دون العاشرة» (أ.ف.ب)

ووفقاً للمسؤول الطبي للهيئة، هنالك جهود كبيرة لاستئناف العمل قريباً، مشيراً إلى أن الهجرة المستمرة للكوادر الفنية إلى خارج السودان أدت إلى توقف العمل في المراكز بمدن مدني، عطبرة والقضارف، على رغم أنها مجهزة بالكامل للإنتاج.

وأوضح حامد، أن أسعار الأطراف الاصطناعية تتراوح بين 250 و300 ألف جنيه سوداني (ما يعادل 150 دولاراً)، لكنه توقع ارتفاعها بسبب زيادة تكلفة التصنيع.

ووفق أطباء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» بعد خروج المستشفيات الكبيرة العامة والخاصة من تقديم الخدمة الطبية للمرضى بسبب القتال، تتم عمليات بتر الأطراف في مراكز صحية صغيرة غير مؤهلة، يخرج منها المصاب قبل أن تندمل جراحه، إلى دور إيواء غير مهيأة للعيش بدورها، ولا توجد فيها أدنى رعاية طبية؛ ما يؤدي إلى الكثير من الوفيات.

من جانبها، قالت الأمينة العامة لـ«المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة»، رحاب مصطفى، إن آخر إحصائية لأعداد المعاقين تدل على أنها تجاوزت 3 ملايين حالة، مضيفة: «إن النزاع المسلح الدائر في البلاد أدى إلى زيادة كبيرة في أعدادهم، وأن انقطاع خدمة الاتصالات في بعض الولايات عطل التبليغ عن الحالات الجديدة».

الأمينة العامة لـ«المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة» رحاب مصطفى

ونوهت، إلى أنه قبل اندلاع الحرب كانت نسبة الإعاقة مرتفعة في ولايات الخرطوم، شمال كردفان، جنوب دارفور والجزيرة، وحالياً تشهد هذه الولايات معارك ضارية؛ ما يعني أنها لا تزال تضم أكبر عدد من المعاقين.

وقالت مصطفى، إن أعداداً كبيرة من الأطفال قُتلوا وتعرّضوا لإصابات تسببت في إعاقتهم بسبب شظايا الأسلحة والمقذوفات المتفجرة.

وتوقع مسؤولون صحيون أن تؤدي حركة النزوح جراء القتال، إلى فقدان أصحاب ذوي الإعاقة أجهزتهم التعويضية لأسباب مختلفة، منها انتهاء مدة صلاحيتها والحاجة إلى تغييرها، أو تعرّضها للكسر والتلف.

ويقول هؤلاء: «إن الكثيرين ممن تعرّضوا للإعاقة بسبب الحرب، يعيشون في دور الإيواء وسط بيئة قاسية لا تتناسب واحتياجاتهم الخاصة».

ويحتاج الأشخاص الذين تضرروا من الحرب وفقدوا على أثرها أطرافهم، إلى تدخلات كثيرة من التأهيل وإعادة التأهيل وتوفير المعينات الطبية والجاهزة التعويضية والمساعدة، وهي فوق قدرة المؤسسات التأهيلية والعلاجية في الولايات الآمنة والمستقرة نسبياً.


مقالات ذات صلة

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب

شمال افريقيا 
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب

بحث رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمس(الأربعاء)، في بورتسودان، مع نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، تطورات.

محمد أمين ياسين (نيروبي) «الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

مصر تشدد على ضرورة توفير «ملاذات آمنة» ووصول المساعدات للسودانيين

شددت مصر على ضرورة توفير «ملاذات آمنة» ووصول المساعدات الإنسانية إلى السودانيين دون عوائق

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان

«قوات الدعم السريع» تحشد في ولايات كردفان الثلاث وتقصف الأُبيّض

حشدت «قوات الدعم السريع» قوات كبيرة في كردفان، وظهر القائد الثاني للقوات عبد الرحيم دقلو بين جنوده، بينما قُتل أكثر من 13 شخصاً في الأُبيّض بقصف مُسيّرة

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان (أ.ب) play-circle

السودان: 10 قتلى بينهم 7 أطفال بقصف في مدينة الأبيّض

قُتل، الاثنين، عشرة أشخاص بينهم سبعة أطفال في مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان في جنوب السودان، وفق ما أفاد مصدر طبي «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون فارون من الحرب ينتظرون تلقي المساعدات الإنسانية في مخيم شمال الخرطوم في 30 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

عشرات القتلى بقصف مستشفى وسوق في ولاية شمال دارفور

بينما أكّدت مصادر متطابقة مقتل أكثر من 64 مدنياً، بقصف استهدف مستشفى وسوقاً في منطقتي الزرق وغرير بولاية شمال دارفور، السبت، اتهمت «قوات الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب


من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
TT

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب


من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)

بحث رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمس(الأربعاء)، في بورتسودان، مع نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، تطورات الأوضاع في السودان وسبل وقف الحرب في هذا البلد، حسب بيان لمجلس السيادة السوداني.

بدورها، ذكرت وزارة الخارجية السعودية أن الجانبين بحثا «جهود تحقيق السلام في السودان بما يحقق أمنه واستقراره، ويحافظ على وحدته ومؤسساته الشرعية»، مضيفة أن الخريجي «جدّد حرص السعودية على عودة الأمن والاستقرار للسودان، والحفاظ على وحدة أراضيه بما يحقق تطلعات الشعب السوداني».

وتناول اللقاء الترتيبات الجارية لانعقاد «مجلس التنسيق الاستراتيجي» بين البلدين، الذي «يحظى برعاية كريمة من القيادة في البلدين الشقيقين»، وفق إعلام «مجلس السيادة».


«جامعة الغذاء»... تحرك تعليمي مصري لسد «الفجوة الزراعية»

اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
TT

«جامعة الغذاء»... تحرك تعليمي مصري لسد «الفجوة الزراعية»

اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)

في وقت تتجه فيه الحكومة المصرية نحو توسيع مساحات الرقعة الزراعية في محاولة لسد «فجوات الغذاء»، اتخذت خطوات تنفيذية نحو إنشاء أول «جامعة للغذاء»، لتبدأ في استقبال الطلاب اعتباراً من العام الدراسي المقبل، وفقاً لوزارة التعليم العالي.

وبحسب البيان الصادر عن الوزارة، الأربعاء، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي في مصر أيمن عاشور لقاءً مع وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق «لمناقشة الخطوات التنفيذية الخاصة بإنشاء (جامعة الغذاء)، وذلك في إطار توجه الدولة نحو استحداث جيل جديد من الجامعات المتخصصة الداعمة للتنمية المستدامة».

وتهدف الجامعة، وفقاً للأمينة العامة لصندوق تطوير التعليم رشا سعد، إلى «ربط الدراسة الأكاديمية باحتياجات الدولة الفعلية، خصوصاً في مجالي الأمن الغذائي، وإدارة الموارد المائية، إلى جانب التنمية المستدامة»، وذلك مع وجود فجوة غذائية تظهر في فاتورة استيراد السلع الاستراتيجية من الخارج، وفي مقدمتها القمح، والذرة، والزيوت.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الغذاء يمثل 21 في المائة من إجمالي الواردات المصرية، وبلغت قيمته نحو 78 مليار دولار في عام 2024.

وفي الآونة الأخيرة قالت وزارة الزراعة إنها تسعى لزيادة الرقعة الزراعية بنسبة تقترب من 40 في المائة خلال 5 سنوات، بغرض زيادة الإنتاج الزراعي، وتلبية الاحتياجات المحلية والتصديرية المتزايدة.

وأكدت رشا سعد، بحسب بيان صادر عن صندوق تطوير التعليم، الأربعاء، أن الجامعة المرتقبة «تعكس توجّهاً نحو جيل جديد من المؤسسات التعليمية القائمة على العلوم البينية، وتهدف إلى دعم المشروعات القومية من خلال إعداد كوادر مؤهلة، وتقديم استشارات فنية، وعلمية، والمساهمة في تحديد المحاصيل الاستراتيجية، بما يرفع كفاءة الإنتاج الزراعي، ويواكب التطورات العالمية في علوم الغذاء».

ووفق التصور المطروح، ستضم «جامعة الغذاء» خمس كليات متخصصة هي «الزراعة الذكية»، و«الإنتاج الحيواني»، و«إدارة الموارد المائية»، و«تكنولوجيا العمليات الغذائية»، و«الميكنة الزراعية»، إضافة إلى «مركز بحوث للغذاء»، و«حاضنة لريادة الأعمال».

ويجري تنفيذ المشروع بالشراكة مع جامعة هيروشيما اليابانية، وبالتعاون مع جامعتي القاهرة، وبنها، بهدف تقديم تعليم يجمع بين الجانب الأكاديمي، والتدريب العملي.

وقال مصدر مسؤول بوزارة التعليم العالي إن الجامعة الجديدة تعد نموذجاً للجامعات المتخصصة التي تتوسع فيها الحكومة المصرية بالشراكة بين وزارات وهيئات متخصصة في مجالات بعينها وبين وزارة التعليم العالي، وإن «جامعة الغذاء» تأتي على غرار «جامعة النقل» التي بدأت عملية إنشائها فعلياً في سبتمبر (أيلول) الماضي بالشراكة بين «التعليم العالي» ووزارة النقل.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «جامعة الغذاء» ستعمل على تحقيق أهداف اقتصادية تتعلق بتقليل «الفجوة الزراعية»، وستخدم تطورات الإنتاج الزراعي، والتسميد، وترشيد استخدام المياه، وستضم مراكز بحث تستفيد من الإمكانيات البحثية لدى وزارة الزراعة، متوقعاً التوسع في مثل هذا النوع من الجامعات على مستويات وزارات أخرى مثل التجارة، والصناعة، والري والموارد المائية.

ويرى وزير التعليم العالي عاشور أن الجامعات المتخصصة «تُعد أحد محاور تطوير منظومة التعليم العالي، وتهدف لإعداد كوادر مؤهلة بمهارات رقمية، وتخصصات دقيقة عبر برامج مرنة».

وأوضح في البيان الصادر عن الوزارة، الأربعاء، أن الخطة تتضمن «إنشاء جيل جديد من الجامعات المصرية المتخصصة بالتعاون مع الجامعات الدولية، والوزارات»، ومن المقرر أن تشمل أيضاً جامعات «علوم الرياضة» و«السياحة» بالتنسيق مع الوزارات المعنية.

وأشارت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى وصول عدد الجامعات في مصر إلى 128 جامعة، موزعة بين 28 جامعة حكومية، و32 أهلية، و37 جامعة خاصة، و12 جامعة تكنولوجية، إلى جانب 9 فروع لجامعات أجنبية، و10 جامعات أُنشئت وفق اتفاقيات تعاون دولي.

وأشار أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة جمال صيام إلى تحديات قال إنها بحاجة إلى خطط قومية، وتفعيل الأدوات البحثية الموجودة لسد «الفجوة الغذائية الهائلة».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تُعد المستورد الأول للقمح في العالم، ولم تحقق اكتفاء ذاتياً من الذرة، والزيوت، كما أن العدس اختفى تقريباً من الدورة الزراعية».


مصر لتعميق العلاقات مع دول حوض النيل على خلفية نزاع «سد النهضة»

نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

مصر لتعميق العلاقات مع دول حوض النيل على خلفية نزاع «سد النهضة»

نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)

في ظل استمرار نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، أكدت مصر «مواصلة تعزيز العلاقات، وأواصر التعاون مع دول حوض النيل»، وذلك خلال اجتماع مشترك عقده وزير الخارجية بدر عبد العاطي ووزير الري هاني سويلم لتنسيق الجهود في قضايا المياه على المستويين الإقليمي، والدولي.

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، أكد الوزيران تمسك مصر بتحقيق المصالح التنموية لدول حوض النيل، مع الحفاظ على أمنها المائي، وذلك من خلال الالتزام بالقانون الدولي، والأُطر الحاكمة لنهر النيل.

كما شدد الوزيران على رفض الإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي في حوض النيل الشرقي، وأشارا إلى أن مصر «مستمرة في متابعة التطورات عن كثب، وستتخذ كافة التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية المقدرات الوجودية لشعبها».

وتعترض مصر والسودان على مشروع «سد النهضة» الذي دشنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتطالبان بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية».

مخاطر السد

نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، قال إن مصر تنفذ مشروعات في إطار علاقتها بدول حوض النيل، وإن هناك لجنة استشارية تحاول أن تجد نوعاً من التقارب بين الدول الأعضاء في «اتفاقية عنتيبي»، مشيراً إلى أن هذا يأتي في ظل استمرار نزاع سد النهضة، «خصوصاً أن المخاطر التي تترتب على المشروع قائمة، ولا يزال الموقف الإثيوبي المتعنت على ما هو عليه».

ولفت إلى أن مخاطر السد تتمثل في فترات الجفاف، والجفاف الممتد في السنوات الشحيحة، واحتمالات انهياره «لأن معيار الأمان لا يتفق مع المعايير الدولية، إضافة إلى التصريفات المائية غير المحسوبة، ومن دون إخطار مسبق، مثل التي وقعت منذ أشهر، وأحدثت أضراراً في السودان؛ ومصر استطاعت أن تحتوي الموقف».

اجتماع مشترك لوزيري الخارجية والري المصريين الأربعاء لتنسيق الجهود في قضايا المياه (مجلس الوزراء)

وأوضح حليمة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن تعميق التعاون هدفه اتخاذ دول حوض النيل موقفاً يدعم الموقف المصري، باعتبار أن هذا التعاون هو سعي أن تكون المصالح مشتركة، وليست أحادية.

وقال أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، نادر نور الدين، لـ«الشرق الأوسط» إن تعميق التعاون «يأتي ضمن بروتوكولات قديمة بين مصر وحوض النيل، ويتم تطويرها من وقت لآخر، وهو نوع من تبادل المصالح بهدف حل أي نزاعات بالطرق الدبلوماسية».

وعرض «مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، عدداً من محطات الرفع، وحفر آبار المياه الجوفية التي دشنتها مصر، ومن بينها 28 محطة رفع بجنوب السودان، و180 بئراً جوفية في كينيا، و10 آبار بالسودان، و75 بئراً في أوغندا، و60 في تنزانيا، فضلاً عن إنشاء مراكز للتنبؤ بالأمطار في الكونغو الديمقراطية.

مبادرة حوض النيل

أكد الاجتماع الذي عقده وزيرا الخارجية والري على «دعم مصر التاريخي والمستمر لجهود التنمية في دول حوض النيل الشقيقة، لا سيما دول حوض النيل الجنوبي، حيث تم إطلاق آلية تمويلية بميزانية قدرها 100 مليون دولار لتمويل دراسات ومشروعات تنموية بدول حوض النيل الجنوبي، بالإضافة للدور البارز الذي تقوم به (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، و(المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل) في تعزيز التعاون، بما يحقق المنفعة المشتركة، والحفاظ على الموارد المائية».

جانب من خزان أسوان في مصر (الشرق الأوسط)

وحول «مبادرة حوض النيل»، أكد حليمة أن هناك محاولات لتعديل البنود الخاصة باتفاقية عنتيبي، التي قال إنها «لا تتفق مع القانون الدولي الخاص بالمجاري المائية».

وقال: «الاتصالات المصرية القائمة توحي بأن هناك نوايا إيجابية». وتابع: «النوايا الإيجابية أن يكون أي قرار في أي اتفاق متماشياً مع القانون الدولي؛ والقانون الدولي يشير إلى ضرورة أن يكون هناك توزيع منصف وعادل للمياه».

واتفاقية عنتيبي هي الاتفاق الإطاري الذي قدمته إثيوبيا في عام 2010 لدول حوض النيل للموافقة عليها. وتُنهي الاتفاقية الحصص التاريخية لمصر والسودان المقررة في اتفاقيات المياه مع دول حوض النيل، وأعلنت أديس أبابا دخولها حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعد تصديق ست دول عليها هي إثيوبيا، وأوغندا، وكينيا، وتنزانيا، ورواندا، وجنوب السودان، وسط رفض مصري، وسوداني.

«سد النهضة» الإثيوبي (أ.ف.ب)

ويقول نور الدين: «منذ إنشاء مباردة حوض النيل وهي تصدر أبحاثاً وإحصائيات؛ وأحياناً يحدث خلل فيها نتيجة أن بعض دول المنبع، خاصة إثيوبيا، ترغب في السيطرة على حصص حوض النيل. والادعاء بأن مصر والسودان تأخذان مياه النيل غير صحيح طبقاً لقانون الأمم المتحدة، حيث يشير إلى أن الموارد المائية عبارة عن أمطار، ومياه جوفية، وما يجري بين ضفتي النهر من المياه».

ويضيف: «عندما وُقعت عنتيبي أُلغيت جميع الاتفاقيات السابقة عن حوض النيل. وكان رأي مصر البناء على الاتفاقيات السابقة، وعدم إلغائها؛ ومن ضمن ذلك إلغاء الإخطار المسبق، عبر السماح لأي دولة تريد بناء سد أن تقوم ببنائه من دون النظر إلى ضرر دولتي المصب». وأكد أن «مصر قامت بجهود بعد اتفاقية عنتيبي، وبعض الدول بدأت تقتنع بأن إثيوبيا لها أطماع في مياه النيل».

وفيما يتعلق بالحلول المتاحة لأزمة «سد النهضة»، يرى حليمة أن على إثيوبيا «أن تعيد النظر في موقفها، وتلتزم بالقوانين، والمواثيق الدولية ذات الصلة، أو أن تقوم دولة ما بدور الوسيط لدفع الأطراف إلى التوصل لاتفاق». وأضاف: «هناك اتصالات تجري الآن، ومن قبل، لإمكانية تفعيل الدور الأميركي في هذا الشأن».

وتحدث أيضاً عن مسار آخر، وهو «لجوء مصر مجدداً للأمم المتحدة، ومجلس الأمن باعتبار أن هناك خطراً جسيماً».