كيف تحولت مراكز احتجاز «المهاجرين» في ليبيا إلى بؤر لـ«التعذيب والابتزاز»

شهود أكدوا ارتكاب «انتهاكات وأعمال عنف وتجويع» في داخلها

عملية ترحيل مهاجرين إلى نيجيريا (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية بطرابلس)
عملية ترحيل مهاجرين إلى نيجيريا (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية بطرابلس)
TT

كيف تحولت مراكز احتجاز «المهاجرين» في ليبيا إلى بؤر لـ«التعذيب والابتزاز»

عملية ترحيل مهاجرين إلى نيجيريا (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية بطرابلس)
عملية ترحيل مهاجرين إلى نيجيريا (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية بطرابلس)

«كنت أتمنى الموت كل ليلة، على أن أعيش يوماً آخر في هذا المكان»، بهذه الكلمات لخص السوري، صابر الخطيب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» تجربة احتجازه في مركز بئر الغنم، الواقع جنوب غربي العاصمة الليبية، قبل أن يتمكن من الهجرة إلى أوروبا.

ويعد معسكر بئر الغنم واحداً من مقار الاحتجاز في ليبيا التي تعكس تردي الأوضاع الإنسانية بها، وتكشف عن ارتكاب «انتهاكات وأعمال ابتزاز وعنف بحق المهاجرين».

ويرى الباحث الليبي في قضايا المهاجرين وطالبي اللجوء، طارق لملوم، أن ليبيا تضم قرابة 24 مركز احتجاز، يودع فيها المهاجرون عقب اعتقالهم في أثناء عبورهم إلى شواطئ أوروبا، أو خلال وجودهم بالبلاد، «ويمارَس بها كثير من المعاملة السيئة والانتهاكات».

قبيل ترحيل مهاجرين إلى نيجيريا (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية بطرابلس)

وأوضح لملوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» وجود كثير من المراكز التي تتعدد الشكاوى منها، ومن بينها «بئر الغنم»، بالإضافة إلى مركز غوط الشعال، وإيواء العسة، التابع لحرس الحدود بوزارة الداخلية، والمخصص حالياً لاحتجاز المهاجرين الذين يجري إرجاعهم من المناطق الحدودية.

ووفقاً لحديث الخطيب الذي كُللت محاولته بالهجرة إلى أوروبا عن طريق مفوضية اللاجئين، بعد عام من تعرضه للاعتقال داخل أكثر من 13 مركز توقيف واحتجاز في ليبيا، فإن «بئر الغنم» كان «الأسوأ على الإطلاق»، مشيراً إلى أنه سُجن به مرتين في أقل من عام، وفي كل مرة لم تُكتب له النجاة إلا بعد قيام أسرته بتحويل مبلغ مالي لبعض المسؤولين فيه، عبر وسطاء، وصلت قيمته إلى نحو 1200 دولار في المرة الأولى، و2300 دولار في المرة الثانية. (الدولار يساوي 4.84 دينار في السوق الرسمية).

عدد من المهاجرين السريين الذين جرى اعتراضهم داخل الحدود الليبية (الشرق الأوسط)

وقال الخطيب لـ«الشرق الأوسط» إن «عنابر المركز من الصاج؛ ما يحولها إلى ما يشبه الفرن، مع شدة ارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً أنه يوجد بمنطقة صحراوية، فضلاً عن عدم سماح الحراس بالخروج منها للفناء ورؤية الشمس، إلا لمن أصيب منهم بمرض جلدي كالجرب، أو انتشار القمل برأسه، وذلك مرة كل أسبوع».

ووصف المواطن السوري دورات المياه بمركز بئر الغنم بأنها «غير آدمية، ومع ذلك نُضطر للنوم بجانبها، رغم رائحتها الكريهة مع وجود قرابة 500 فرد بالمركز، حيث ينام كل 4 على فراش واحد صغير على الأرض، أما الطعام فهو شحيح جداً».

بهذا الخصوص يقول الخطيب: «كل محتجز يسد رمقه بملعقتين من الأرز والمكرونة للبقاء على قيد الحياة، لحين قيام المسؤولين عن المركز، أو وسطاء عنهم، بالتواصل مع عائلاتنا لطلب المال مقابل الإفراج عنا، مستخدمين هواتفنا التي قاموا بمصادرتها عند وصولنا للمركز».

وزاد المواطن السوري من تصويره للفظائع التي عاشها في مقار الاحتجاز، قائلاً: «التعذيب هو الشيء الوحيد المتوافر بكثرة هناك... فقد كانوا يضربوننا بالعصا والخراطيم البلاستيكية الغليظة، وعادة ما كانوا يطبقون علينا عقاباً جماعياً إذا أعلن أحد إضرابه عن الطعام، أو قام بطرق الباب لاستدعاء الحراس لنجدة من سقط من زملائهم من شدة الجوع والإعياء».

ورصد التقرير السنوي لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في ليبيا وقوع «حالات تعذيب وسوء معاملة، وقتل خارج نطاق القضاء، واتجار بالأشخاص وسخرة، وابتزاز في مركزي بئر الغنم والعسة».

ولا يختلف الحال في شرق البلاد وجنوبها عن غربها، وفقاً للملوم الذي قال موضحاً: «يتعرض المهاجرون لانتهاكات عديدة بمركز قنفودة في بنغازي، و5 مراكز أخرى في مدن أجدابيا والبيضاء والشحات وطبرق وسبها».

مهاجرون أفارقة جرى ترحيلهم من ليبيا عبر وساطة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (الشرق الأوسط)

ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، فقد قامت الأجهزة الليبية خلال الفترة الممتدة ما بين يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023 من إعادة أكثر من 15 ألف مهاجر وطالب لجوء، كانوا يحاولون عبور البحر المتوسط وإعادتهم إلى ليبيا. موضحاً أن «السلطات الليبية لا تمتلك إحصاءً للمحتجزين من المهاجرين أو قوائم بأسمائهم، ويجري الاكتفاء بحصر أصحاب كل جنسية في كل مركز احتجاز».

وسلط الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان بليبيا، عبد المنعم الحر، الضوء على تباين أوضاع السجون، ومراكز الاحتجاز من منطقة لأخرى بعموم البلاد. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المراكز التي تشرف عليها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والتي توجد داخل العاصمة «تتمتع بدرجة أكبر من الانضباط من قبل المسؤولين عليها، مقارنة بالمراكز التي توجد في الضواحي».

وأضاف الحر في معرض حديثه عن الأوضاع المعيشية، موضحاً أنه «لا يتوافر للمحتجزين سوى وجبة طعام واحدة باليوم في بعض الأحيان»، لافتاً إلى «هيمنة بعض عصابات الجريمة المنظمة على بعض السجون، ومراكز الاحتجاز غير الرسمية كما هي الحال بمدينة بني وليد، وفق شهادات الناجين منها، حيث تعرض مهاجرون ومواطنون ليبيون أيضاً لشتى أنواع التعذيب».

ويرى الحر أن استمرار الانقسام السياسي والحكومي «يلعب دوراً كبيراً في تراخي المحاسبة عما يقع بكثير من السجون ومراكز الاحتجاز من انتهاكات، كما يهدر ما يجري من محاولات جادة من قبل السلطات، خصوصاً مكتب النائب العام، ووزارة العدل بطرابلس لتحسين وضعية عدد من السجون».


مقالات ذات صلة

ليبيا: رحيل فحيمة يطوي صفحة من ملف «لوكربي» المفتوح

شمال افريقيا الأمين خليفة فحيمة مُلوّحاً بيده بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي)

ليبيا: رحيل فحيمة يطوي صفحة من ملف «لوكربي» المفتوح

بعد نحو 38 عاماً على تفجير طائرة «بان آم 103» فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، لا تزال القضية تحتفظ بقدرتها على فتح أسئلة جديدة، حتى مع رحيل شخصيات كانت في صلبها.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد القريو خلال ترؤسه اجتماع لمتابعة جاهزية المدارس الليبية للعام الدراسي الجديد الاثنين (الوزارة)

أعباء المعيشة تربك استعداد الليبيين للعام الدراسي الجديد

تستعد الأسر الليبية لاستقبال العام الدراسي الجديد وسط ضغوط معيشية متزايدة، مع ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية وشح السيولة وتراكم الالتزامات المالية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا خبراء في اجتماع لفريق العمل المعني بنزع السلاح والتسريح واعادة الادماج بالعاصمة الليبية طرابلس الأحد الماضي «البعثة الأممية»

الأمم المتحدة إلى «خطوات عملية» لتوحيد المؤسسات الأمنية في ليبيا

تدفع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا باتجاه ترجمة الدعوات إلى توحيد المؤسسات الأمنية وإصلاح القطاع الأمني إلى «خطوات عملية»، في وقت لا يزال الانقسام مترسخاً

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
بروفايل صورة تجمع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وإلى جواره (الثاني من اليسار) الأمين خليفة فحيمة، وذلك فور وصول الأخير إلى العاصمة طرابلس غداة تبرئته قطعيّاً من قضية تفجير الطائرة (طرابلس 1 فبراير 2001) (غيتي)

بروفايل وفاة الليبي الأمين خليفة فحيمة... آخر الوجوه البارزة في قضية لوكربي

وفاة الليبي الأمين خليفة فحيمة، المتهم الثاني السابق بقضية لوكربي، عن 70 عاماً بطرابلس بعد مسيرة تاريخية انتهت ببراءته قطعيّاً عام 2001 في هولندا.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا احتفالات بني وليد الليبية بـ«ثورة الفاتح» في سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تهديدات مسلّحة تستبق احتفالات أنصار القذافي بعيد «الفاتح»

تلوح في الأفق تهديدات مِن شأنها أن تزيد الوضع في ليبيا توتراً، استباقاً لاحتفالات أنصار نظام الزعيم الراحل معمر القذافي بـ«ثورة الفاتح من سبتمبر».

جمال جوهر (القاهرة)

مقتل 12 شخصاً جراء حرائق الغابات في الجزائر

فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

مقتل 12 شخصاً جراء حرائق الغابات في الجزائر

فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)

أعلن وزير الداخلية الجزائرية، سعيد سعيود، مساء الأربعاء، مقتل 12 شخصاً جراء موجة حرائق الغابات التي اندلعت في عدد من مدن شرق البلاد.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن سعيود، قوله إن 5 أشخاص لقوا حتفهم بولاية جيجل، و4 بولاية بجاية، و3 بولاية تيزي وزو.

كان جهاز الدفاع المدني الجزائري أعلن مساء الأربعاء، تسجيل 173 حريقا جرى إخماد 56 منها، بينما لا يزال 75 حريقا مشتعلا أغلبها بولايات بجاية، وتيزي وزو، وسكيكدة، وجيجل، والطارف، وميلة، وسطيف، كما كشف عن عمليات إجلاء وقائية للسكان بولايات جيجل وبجاية والطارف.

من جهته، أعلن جهاز الدرك الوطني غلق عدد من الطرق الوطنية بولايات سطيف وبجاية وجيجل.

ووصل سعيود، مساء الأربعاء إلى ولاية بجاية، للوقوف ميدانيا على عمليات إخماد الحرائق، يرافقه كل من وزير الصحة، محمد الصديق آيت مسعودان، والمدير العام للأمن الوطني، علي بداوي، والمدير العام للحماية المدنية العقيد بوعلام بوغلاف.

وكانت مصالح الأرصاد الجوية حذرت، الثلاثاء من موجة حر وارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة بعدد من مناطق البلاد، وسط ظروف مناخية تساعد على انتشار الحرائق، لا سيما مع اشتداد الرياح.


«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
TT

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب

تستعد لجنة وطنية مستقلة في السودان، لإطلاق الترتيبات لحوار سوداني - سوداني من الخرطوم، مطلع الأسبوع المقبل، على أن يُحدَّد موعد هذا الجلسات بعد مشاورات مع القوى السياسية والمدنية والاجتماعية.

وقال عضو اللجنة، القانوني نبيل أديب، لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة تتمثل في هيئة الحوار وإزالة العقبات، من دون فرض قرارات على المشاركين، مؤكداً عدم صلتها بالحكومة.

وتعتزم اللجنة، التي تضم 18 عضواً وقابلة للتوسّع، طرق أبواب المعارضة في الخارج، في مقدمها تحالف «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك؛ لإقناعها بالمشاركة، متسلحة بضمانات أطلقها رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان بعدم تدخل الدولة في تحديد الأطراف أو الأجندة والمخرجات، وتوفير الحماية القانونية والأمنية للمعارضين. لكن قوى مدنية ترفض حواراً يُعقد في مناطق سيطرة طرفي الحرب.

وستعرض اللجنة تفاصيل خطتها خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم الأسبوع المقبل، وسط استمرار الخلافات بشأن مشاركة الحركة الإسلامية وحزبها «المؤتمر الوطني» المعزول.


الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
TT

الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)

رسخّت مدينة «العلمين الجديدة» المصرية، مكانتها السياسية مع استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي فيها لقادة دول ومسؤولين، فضلاً عن اجتماعاته المستمرة مع وزراء الحكومة، لتتجاوز المدينة بذلك الصورة التقليدية عن كونها «مصيفاً فاخراً»، إلى كونها مدينة لـ«صناعة القرار»، وفق مراقبين.

وتعد مدينة «العلمين» الساحلية، أبرز الوجهات السياحية في مصر راهناً، وهي تقع في الساحل الشمالي، وتمتد على مساحة أكثر من 48 ألف فدان، وتشتهر بأبراجها الفارهة، فنادقها وشواطئها، وتعد مقصداً للمشاهير والسياح.

وقد صُنفت في العام الماضي 2025 على أنها «عاصمة المصايف العربية» من قبل «المنظمة العربية للسياحة».

في الأسابيع الماضية، طفا على السطح دور المدينة السياسي إلى جانب ازدهارها السياحي. فعلى هفيف هوائها تُفتح النقاشات حول ليبيا وغزة وتطورات «حرب إيران» وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية، وتدار ملفات التعليم والطرق والتموين والطاقة.

وفي العلمين استقبل الرئيس السيسي، رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في 12 يوليو (تموز) الماضي، وفي الشهر ذاته استقبل رئيس جمهورية مدغشقر الأفريقية، ميكائيل راندريانيرينا، واستقبل ملك البحرين حمد بن عيسي في 5 أغسطس (آب) الحالي.

ويعتبر رئيس «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية» سابقاً والمفكر السياسي، عبد المنعم سعيد، أن العلمين حالياً يمكن اعتبارها «العاصمة الساحلية لمصر، وهو أمر ليس بالجديد، فقد كان وجود مثل هذه العواصم غير الرسمية دارجاً في حقب سابقة»، لافتاً إلى ميزة العلمين باعتبارها «مدينة معروفة عالمياً مرتبطة بمعارك العلمين خلال الحرب العالمية الثانية، وبها مقابر ألمان وإيطاليين، ما يجعلها مقصداً سياحياً للكثيرين»، معتقداً أن التركيز الإعلامي على وجود الرئيس فيها يهدف بالأساس إلى الترويج للمدينة باعتبارها وجهة سياحية واستثمارية، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

السيسي يستقبل رئيس دولة الإمارات في العلمين منتصف يوليو 2026 (الرئاسة المصرية)

وناقش السيسي تطورات اتفاق «وقف إطلاق النار» في قطاع غزة، بعد التوصل لتفاهمات بشأن «سلاح المقاومة»، واستقبل في 16 أغسطس الحالي، صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، وكذلك فإن قضية توحيد المؤسسات الليبية كانت حاضرة خلال استقباله قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر، في 19 الشهر الجاري، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من استقباله رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، عبد الحميد الدبيبة في 30 يوليو الماضي بالمدينة نفسها.

المدينة ذاتها كانت شاهدة على محادثات واجتماعات أخرى بعيداً عن اللقاءات الرئاسية، حيث شهدت هذا الشهر اجتماعات للفصائل الفلسطينية هدفت إلى توحيد الصف والاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، وبالتزامن معها جرت لقاءات بين مسؤولين مصريين وفلسطينيين.

وشهدت المدينة لقاء رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، مع نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول صدام حفتر يوم 22 أغسطس الجاري، للتباحث بشأن الجهود المبذولة لدفع مسار التسوية السياسية في ليبيا.

مصايف الرؤساء

وضع الرئيس المصري حجر أساس تدشين «مدينة العلمين» في مارس (آذار) من عام 2018. وآنذاك «لم يرتبط اسم السيسي بمصيف مفضل، كما كان لغيره من الرؤساء»، وفق الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة وجود عاصمة صيفية للأنظمة السياسية حول العالم موجودة منذ القدم، هرباً من الحرارة، ولم تختفِ الفكرة في زمن المكيفات، بل تطورت لأغراض أخرى».

وأضاف: «في روسيا توجد عاصمة شتوية وأخرى صيفية، وكذلك في مصر منذ العهد الملكي حيث مدينة الإسكندرية (شمالاً) التي كان الملك ينتقل إليها في فصل الصيف ويقيم بقصر التين... وشرم الشيخ (على ساحل البحر الأحمر) في عصر الرئيس الراحل حسني مبارك».

وأضاف فوزي أن «العلمين بذلك تختلف عن شرم الشيخ، فالأخيرة اقتصر دورها على عرض القرارات، أي إقامة مؤتمرات واجتماعات، أكثر من كونها مركزاً لصناعة قرار سياسي مثل العلمين حالياً».

وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا في العلمين (مدينة العلمين الجديدة)

ومنذ 26 يوليو الماضي، يوجد الرئيس المصري بصورة مستمرة في العلمين، حيث دارت كل اجتماعاته بالوزراء المصريين، كان آخرها ترأس اجتماع حضره رئيس الوزراء مصطفى مدبولي والرئيس التنفيذي لشركة «إيني» الإيطالية كلاوديو ديسكالزي، الثلاثاء، وكان السيسي قد استقبل في المدينة المنتخب الوطني عقب عودته من كأس العالم في 11 يوليو الماضي.

واللافت في مدينة «العلمين الجديدة» أنها مدينة حديثة وليدة النظام الحالي، في «انعكاس لفلسفة التوسع وتدشين المدن الجديدة»، وفق أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس «يتبنى المدن الجديدة باعتبارها حلاً هيكلياً لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا بإنشاء مراكز حضرية جديدة، بداية من العاصمة الإدارية، ثم العلمين وغيرهما من مدن الجيل الرابع»، معتبراً أن «العلمين هي النسخة الساحلية للعاصمة الإدارية».

العمل الميداني

وأضاف صادق، أن «وجود الحكومة في العلمين يعكس أيضاً فلسفة الوجود الرمزي في مواقع التنمية، على اعتبار أن الحكومة لا تدير من المكاتب فقط، بل من مواقع التنفيذ، ما يعزز صورة الدولة التي تبني والقيادة التي تتابع»، لافتاً إلى أنه «في الوقت الذي يحتفي بعض المواطنين بالمدينة باعتبارها مركزاً حضارياً جديداً، يراها قطاع آخر من الطبقات الأقل دخلاً، انعكاساً لاتساع الهوة المجتمعية».

مدينة «طول العام»

منذ مرحلة التأسيس، استهدفت الحكومة المصرية بناء مدينة تضم مراكز صناعية وسكنية وتعليمية، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، خلال جولة منتصف الشهر الماضي، لتفقد مشروعين غذائيين في المدينة، قائلاً إنها «تشهد طفرة كبيرة في المشروعات، وتسليم الوحدات السكنية فيها»، لافتاً كذلك إلى «محطة الضبعة النووية» التي توجد في المدينة، وستبدأ العمل في غضون عامين.

السيسي مستقبلاً المنتخب الوطني بعد مشاركته في كأس العالم بمدينة العلمين (الرئاسة المصرية)

ويؤكد أستاذ الاقتصاد والخبير العقاري، ماجد عبد العظيم، أن «عقد الرئيس لقاءاته فيها، يوجه الأنظار عالمياً لها، ويقدمها بوصفها مدينة مكتملة وليس مجرد مصيف»، خصوصاً مع «تدشين 4 جامعات فيها، ستبدأ الدراسة فيها بعد الإجازة الصيفية، أي أننا أمام حركة مستمرة في المدينة».

وأضاف عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الامتداد العمراني في المدينة ووجود مراكز للحكم بها مثل القصر الرئاسي ومقر الحكومة، من عوامل جذب للاستثمار أكثر، خصوصاً من الخليج. ويضيف المفكر السياسي عبد المنعم سعيد، أن «العلمين تعكس بشكل رئيسي التوجه الحكومي المصري في تنمية السواحل الشاطئية»، معتبراً أن «الهدف من العلمين ليس المدينة فقط، ولكن باعتبارها مدخلاً للساحل الشمالي المصري الذي يشهد حركة تنمية غير مسبوقة».