استمرار توترات البحر الأحمر «يعمِّق» أزمة قناة السويس المصرية

«الهيئة» أعلنت تراجع الإيرادات

حاويات شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)
حاويات شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)
TT

استمرار توترات البحر الأحمر «يعمِّق» أزمة قناة السويس المصرية

حاويات شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)
حاويات شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)

تحولت «المخاوف» من تأثير توترات البحر الأحمر على قناة السويس المصرية إلى «واقع» مع إعلان القاهرة، الخميس، عن تراجع كبير في الإيرادات «يعمِّق» أزمة خامس أكبر مصدر للدخل بالعملات الأجنبية في البلاد.

ووفق بيان رسمي للهيئة، الخميس، فإن إيرادات قناة السويس المصرية، خلال العام المالي 2023-2024 انخفضت بنسبة 23.4 بالمائة، مقارنة بالعام المالي السابق عليه، مع اتجاه بعض شركات الشحن إلى طرق بديلة لتجنب هجمات «الحوثيين» في البحر الأحمر.

ويبدأ العام المالي في مصر في الأول من يوليو (تموز) وينتهي في 30 يونيو (حزيران) من كل عام.

وتستهدف جماعة «الحوثي» في اليمن، منذ نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، سفناً بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب، تقول إنها «مملوكة أو تشغلها شركات إسرائيلية»، وتأتي الهجمات رداً على الحرب المستمرة في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ودفعت تلك الهجمات شركات شحن عالمية لتجنب المرور في البحر الأحمر وتغيير مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، رغم ما يسببه هذا التغيير من ارتفاع في تكلفة الشحن المالية والزمنية.

وكانت إيرادات قناة السويس في المتوسط لا تتجاوز 7 مليارات دولار، قبل أن تحدث طفرات وتسجل نحو 10 مليارات، إثر زيادة رسوم العبور من جهة، وزيادة مرور ناقلات النفط عقب تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية في 2022، قبل أن تدفع هجمات الحوثيين إيرادات القناة لتراجع لافت.

وعقب شهرين من الحرب وتصاعد هجمات الحوثيين، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، «انخفاض حجم التجارة عبر قناة السويس بنسبة 42 في المائة»، قبل أن تتحدث وزارة المالية المصرية في مايو (أيار) عن تراجعات بعائدات القناة بنسبة بلغت 60 في المائة.

أرقام رسمية

والخميس، كشف الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، في لقاء بالإسماعيلية (شرق) مع الفريق أول مايكل كوريلا قائد القيادة المركزية الأميركية، أن «حركة الملاحة العابرة بالقناة تأثرت بشدة من تداعيات أزمة البحر الأحمر»، وفق بيان للهيئة.

ووفق ربيع، «دفعت التحديات الأمنية العديد من ملاك ومشغلي السفن إلى اتخاذ طرق بديلة للقناة بما انعكس سلباً على معدلات عبور السفن بالقناة».

ويعكس ذلك التراجع، إحصاءات الملاحة بالقناة خلال العام المالي 2023/ 2024؛ إذ سجلت عبور 20148 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها مليار طن محققة إيرادات قدرها 7.2 مليار دولار، مقابل عبور 25911 سفينة خلال العام المالي 2022/ 2023 بإجمالي حمولات صافية قدرها 1.5 مليار طن، محققة إيرادات قدرها 9.4 مليار دولار، وفق بيان لهيئة قناة السويس.

وباعتقاد المسؤول المصري، فإن تلك التوترات «أثبتت أنه لا يوجد بديل حقيقي لقناة السويس حيث أدى اتخاذ طرق بديلة للقناة إلى زيادة مدة الرحلة البحرية وارتفاع التكاليف التشغيلية، والتأثيرات البيئية الضارة مع ارتفاع نسبة الانبعاثات الكربونية، وتكدس الموانئ البحرية وتأخر وصول البضائع».

ولمحاولة تقليل تأثير الأوضاع الراهنة، تعمل قناة السويس بالتواصل المباشر مع العملاء واستحداث حزمة من الخدمات الملاحية الجديدة لم تكن متاحة من قبل، وفق الفريق أسامة ربيع، دون توضيح تفاصيل أكثر بشأنها.

خطط استراتيجية

الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال إن تراجع الإيرادات رغم أنه يعمق أزمة الهيئة كمصدر مهم للعملة، فإن الحكومة عند وضع خطتها تعرف أن هناك حداً أدنى وحداً أعلى وفق الظروف الطارئة التي قد تحدث، وكذلك تضع خططاً استراتيجية للتعامل مع الأزمات، وهو ما بدأته القاهرة بالفعل عبر تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كأحد المحاور التنموية الواعدة لتعظيم موارد البلاد وعدم الاكتفاء فقط بمرور السفن الذي بات مهدداً.

ويعتقد أن الحكومة المصرية جادة في مسألة تنويع مصادر إيرادات قناة السويس، وكذلك لدى الفريق أسامة ربيع رؤية مهمة في هذا الصدد شملت حزمة من الحوافز الاستثمارية الجديدة لمستثمري المنطقة لتعزيز تنافسيتها ضمن مثيلاتها الإقليمية.

حرب غزة

وعن الربط بين حرب غزة وأزمة قناة السويس، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق محمد حجازي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن القاهرة تبذل كل طاقتها للحفاظ على الممر الحيوي دون تأثر وبشكل لا يحول دون توقف تدفق الموارد النقدية الأجنبية، وذلك عبر تقديم حوافز وتعزيز الخدمات.

وتدرك مصر، وفق السفير محمد حجازي، أن استمرار التوترات في البحر الأحمر وتراجعات القناة نتيجة ما يحدث في غزة، وتعول على دور دولي في إنهاء الحرب وعودة الملاحة البحرية لطبيعتها، مؤكداً أن المواجهات المندلعة بين الولايات المتحدة والحوثيين في البحر الأحمر بمثابة «رد خاطئ لسؤال إجابته واضحة»، وتتمثل في دفع واشنطن لإسرائيل لوقف الحرب وليس فتح جبهات صراعات جديدة. إلا أن النحاس يتوقع أن الحوثيين بعد انتهاء أزمة الحرب «لن يخرجوا من البحر الأحمر بلا مقابل»؛ وبالتالي تعظيم إيرادات القناة عبر تنويع مصادرها أمر مهم في الفترة المقبلة، ضارباً المثل بإنشاء منطقة بالقناة لاستقبال السفن السياحية للمرور والاستفادة من الإنفاق المتوقع منه خلال الاستراحة بالممر المصري.

وتعوق هجمات الحوثيين حركة الملاحة في البحر الأحمر الذي يمر عبره 12 في المائة من التجارة العالمية، ما استدعى تدشين أميركا لـ«تحالف الازدهار» في ديسمبر (كانون الأول) لمواجهة التهديدات الأمنية في البحر الأحمر، والذي شن ضربات متكررة على مواقع للحوثيين في اليمن، قالت إنها «تستهدف تعطيل وإضعاف قدرة الجماعة على تهديد الملاحة وتقويض حركة التجارة العالمية»، تلاه إعلان أوروبا في فبراير (شباط) إطلاق مهمّة للمساعدة في حماية الملاحة الدولية تحت اسم «أسبيدس».

وحول ما يثار بشأن أهمية وجود دور إيراني لإيقاف هجمات الحوثيين بالبحر الأحمر والحديث عن تقارب القاهرة وطهران، قال السفير محمد حجازي، إنه «يجب النظر بشكل شامل للأزمة، فمساعي إعادة العلاقات المصرية - الإيرانية (الحالية) أكبر من أزمة الحوثيين، وتأتي ضمن رؤية شاملة لمحاور استقرار المنطقة».


مقالات ذات صلة

«حماس» ترجئ انتخاب رئيس مكتبها السياسي حتى إشعار آخر

خاص (من اليسار) نزار عوض الله وخليل الحية ومحمد إسماعيل درويش خلال لقاء مع المرشد الإيراني علي خامنئي فبراير الماضي (موقع خامنئي - أ.ف.ب) play-circle

«حماس» ترجئ انتخاب رئيس مكتبها السياسي حتى إشعار آخر

كشفت مصادر قيادية في حركة «حماس» أن الحركة قررت إرجاء انتخاب رئيس مكتبها السياسي العام الذي كان من المقرر إجراؤه خلال الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تبكي مع وصول عائلات لاستلام جثامين ذويها في اليوم التالي للقصف الإسرائيلي الذي أسفر عن مقتل أكثر من 12 شخصاً بينهم أطفال في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وزير خارجية إسرائيل: نزع سلاح «حماس» شرط أساسي للمضي قدماً في «خطة غزة»

قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، إن نزع سلاح حركة «حماس» وتجريد قطاع غزة من السلاح شرطان أساسيان للمضي قدماً في تنفيذ خطة الرئيس ترمب.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون يحملون قريباً لهم لأحد مستشفيات قطاع غزة (أ.ف.ب)

غزيون بمستشفى ناصر يخشون حرمانهم من رعاية «أطباء بلا حدود»

تكتظ أقسام مستشفى ناصر في غزة بالمرضى، الذين يخشون حرمانهم من الرعاية الصحية بعد اليوم، في حال أُجبرت منظمة «أطباء بلا حدود» على الخروج من القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ) play-circle

قتلى في قصف إسرائيلي استهدف شرق مدينة غزة

قُتل عدد من الفلسطينيين، اليوم (الأحد)، في قصف إسرائيلي استهدف حي الزيتون بشرق مدينة غزة، كما قُتل فلسطيني متأثراً بإصابته برصاص إسرائيلي في جنوب الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)

بنغلاديش تسعى للانضمام إلى «قوة الاستقرار» في غزة

قالت بنغلاديش، أمس (السبت)، إنها أبلغت الولايات المتحدة برغبتها في الانضمام إلى قوة تحقيق الاستقرار الدولية المقرر نشرها في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (دكا)

«النواب المصري» المنتخب يبدأ أولى جلساته الاثنين عقب «تعيينات السيسي»

مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

«النواب المصري» المنتخب يبدأ أولى جلساته الاثنين عقب «تعيينات السيسي»

مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)

يعقد مجلس النواب المصري المنتخب حديثاً أولى جلساته، الاثنين، بعد قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعيين 28 عضواً بالمجلس، نصفهم من النساء.

ويبلغ عدد الأعضاء المنتخبين 568 نائباً، ليصل إجمالي عدد أعضاء المجلس إلى 596 نائباً. وتُعقد الجلسة وسط تكهنات واسعة بشأن هوية رئيس المجلس الجديد، مع ترجيحات كبيرة تصب في صالح المستشار هشام بدوي، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات سابقاً.

ويأتي انعقاد المجلس عقب مسار انتخابي معقد وطويل استمر 99 يوماً، وشهد ثماني جولات تصويت شملت 27 محافظة على مرحلتين، إضافة إلى جولتي إعادة بكل مرحلة. كما تخللت العملية الانتخابية إعادة التصويت في 19 دائرة ألغيت بقرارات من «الهيئة الوطنية للانتخابات»، و30 دائرة أخرى أُلغيت بأحكام قضائية.

ونشرت الجريدة الرسمية، الأحد، قرار رئيس الجمهورية بدعوة مجلس النواب لافتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثالث في تمام الساعة الحادية عشرة صباح الاثنين الموافق 12 يناير (كانون الثاني) 2026.

ومن المقرر، حسب قرار رئيس الجمهورية المنشور في الجريدة الرسمية، أن تُعقد الجلسة الإجرائية برئاسة أكبر الأعضاء سنّاً، حيث تبدأ بأداء النواب اليمين الدستورية، يليها انتخاب رئيس المجلس ووكيلين له، وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في اللائحة الداخلية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات البرلمانية نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

وحتى مساء الأحد، لم تُحسم أسماء المرشحين رسمياً لرئاسة المجلس، غير أن تكهنات إعلامية تحدثت عن عدة أسماء بارزة، من بينها المستشار بدوي، وأستاذ القانون الدستوري الدكتور صلاح فوزي.

وتُعد كفة بدوي الأرجح، وفق البرلماني والإعلامي المصري مصطفى بكري الذي قال في تغريدة عبر منصة «إكس»: «كل المؤشرات تؤكد أن المستشار هشام بدوي يتجه إلى منصب رئيس مجلس النواب».

وضمت أسماء الأعضاء الثمانية والعشرين، الذين أصدر رئيس الجمهورية قراراً بتعيينهم في المجلس، شخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، من بينها وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري، ووزير التعليم العالي الأسبق أشرف الشيحي، إلى جانب عضوة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ثريا البدوي، وهي أيضا أستاذة للإعلام في جامعة القاهرة.

وأثار تعيين شكري اهتمام باحثين ومراقبين، من بينهم أستاذ العلاقات الدولية رامي عاشور الذي عدّ أن انضمام وزير الخارجية السابق إلى البرلمان «يعكس توجهاً للاستفادة من خبرته الدبلوماسية الممتدة التي قاربت عقداً من الزمن في منصبه الوزاري، فضلاً عن مسيرته الطويلة في السلك الدبلوماسي».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال تكريم وزير الخارجية السابق سامح شكري (وزارة الخارجية)

ويرجح عاشور، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن يتولى شكري دوراً بارزاً داخل البرلمان، خصوصاً في لجنة العلاقات الخارجية أو لجنة الدفاع والأمن القومي، في ظل ما تواجهه مصر من تحديات تتصل بملفات غزة وليبيا والسودان وسد النهضة، وهي ملفات تفرض وفق تقديره «وجود ثقل دبلوماسي وخبرة تفاوضية داخل المؤسسة التشريعية».

وينص قانون مجلس النواب على أن لرئيس الجمهورية حق تعيين عدد من الأعضاء لا يزيد على 5 في المائة من المنتخبين، على أن يكون نصفهم على الأقل من النساء، وذلك لتمثيل الخبراء وأصحاب الإنجازات العلمية والعملية، والفئات التي يرى الدستور ضرورة تمثيلها، استناداً إلى ترشيحات جهات ومؤسسات وطنية مختلفة.

ومن المقرر أن تنعقد جلسة النواب الإجرائية بتركيبة سياسية جديدة، إذ أظهرت نتائج الانتخابات فوز 15 حزباً سياسياً بأكثرية مقاعد مجلس النواب، وفق تقرير أولي من «هيئة الاستعلامات المصرية» الأسبوع الماضي.

وأشار التقرير إلى أن أحزاب المعارضة حصلت على 53 مقعداً بما يقارب 10 في المائة من الأعضاء المنتخبين، إلى جانب فوز 105 أعضاء من المستقلين، بنسبة تزيد على 18 في المائة.

وقال رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات المستشار حازم بدوي، السبت، إن نسبة المشاركة في العملية الانتخابية بلغت 32.41 في المائة، مشيراً إلى أن إجمالي عدد المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين وصل إلى 69 مليوناً و891913 ناخباً، فيما أدلى 22 مليوناً و657211 ناخباً بأصواتهم.

ومع بدء أولى جلساته، يواجه البرلمان الجديد اختباراً مزدوجاً يتمثل في تشكيل هيئته القيادية من جهة، وترجمة تطلعات الشارع إلى أداء تشريعي ورقابي فعّال من جهة أخرى، في ظل تحديات سياسية واقتصادية وأمنية إقليمية متشابكة.


تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
TT

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)

فرضت ملفات عدة و«تحديات مشتركة» نفسها على لقاء مسؤولين عسكريين مصريين، بالفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، في ظل ما تشهده المنطقة من مستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار لكلا البلدين.

جانب من زيارة صدام حفتر إلى مصر (القيادة العامة الليبية)

ووصل صدام حفتر إلى القاهرة، السبت، في ثاني زيارة له في غضون شهر، تلبية لدعوة رسمية من القائد العام للقوات المسلحة المصرية وزير الدفاع والإنتاج الحربي، الفريق أول عبد المجيد صقر. وأُجريت له مراسم استقبال رسمية بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع، وعزفت الموسيقى العسكرية السلام الوطني لكلا البلدين.

وقال المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، يوم الأحد، إن لقاء صقر مع صدام حفتر تناول «مناقشة علاقات التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين، بالإضافة إلى أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار بالمنطقة».

وتأتي زيارة صدام حفتر في ظل انشغال مصر بالوضع المتأزم في السودان، وسعياً إلى الحفاظ على وحدته، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، دون تدخلات خارجية. وكان صدام قد رافق والده المشير خليفة حفتر في زيارته الأخيرة إلى القاهرة في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التقاه فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتناولت بحث الحدود البحرية المشتركة، والوضع في السودان.

وتباينت في ليبيا ردود الفعل حيال زيارة صدام إلى القاهرة، في أجواء لم تخلُ من الانقسام، إذ ذهب كل فريق لتفسيرها على النحو الذي يرضي جبهته، لكنّ المحلل السياسي أحمد أبو عرقوب، يرى أنها تأتي في إطار «تعزيز الأمن الإقليمي، وبحث ملفات من بينها الأوضاع في السودان».

جانب من القيادات العسكرية الليبية (القيادة العامة الليبية)

وقال أبو عرقوب لـ«الشرق الأوسط» إن «ملف السودان يحظى باهتمام مشترك بين مصر وليبيا، على أساس أن ما يجري في هذا البلد الشقيق يمس الأمن القومي للبلدين»، لافتاً إلى أن الحرب في السودان تؤثر سلباً على استقرار دول الجوار والمنطقة بشكل عام.

ويتوقع أبو عرقوب أن هذه الزيارة «جاءت للتنسيق بين البلدين للحد من التدخلات السلبية الخارجية في السودان، بما يعطي فرصة لإيجاد تسوية سياسية شاملة لضمان وحدة واستقرار السودان».

كما التقى الفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الفريق صدام حفتر، وتناول اللقاء - حسب المتحدث العسكري المصري - عدداً من الملفات والموضوعات ذات الاهتمام المشترك في ضوء دعم العلاقات العسكرية الثنائية بين الجانبين.

وأكد رئيس الأركان المصري على «اعتزازه بالعلاقات الراسخة التي تربط القوات المسلحة المصرية والليبية»، وفيما أشار إلى حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على تعزيز أواصر التعاون في مختلف المجالات العسكرية بين البلدين الشقيقين، أكد على «أهمية تضافر الجهود المشتركة لمواجهة التهديدات كافة التي من شأنها المساس بأمن واستقرار الدولة الليبية».

وتعمل مصر على دعم ليبيا «بشكل كامل»، كما تجدد تأكيدها على دعم المبادرات والجهود كافة الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية، ولا سيما تلك التي تستهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن. وشدّد على «ضرورة التصدي لأي تدخلات خارجية والعمل على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا».

وأعرب صدام حفتر عن «تقديره لدور مصر الداعم للشعب الليبي في الحفاظ على سلامة ووحدة أراضيه، وسعي مصر الدائم إلى إرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة». ونقل مكتب الإعلام للقيادة العامة في ليبيا أنه جرى خلال اللقاء بحث آفاق التعاون المشترك، خصوصاً في مجال التدريب، وتبادل الخبرات بين الجانبين.

وأمام تصاعد التأويلات في ليبيا بشأن الزيارة وما تناولته، عدّ المحلل السياسي هيثم الورفلي، زيارة الفريق صدام حفتر إلى مصر «عادية ومتكررة» بالنظر إلى زيارته الأخيرة الشهر الماضي، التي رافقه فيها أيضاً رئيس الأركان العامة للجيش الفريق خالد حفتر.

وعبّر الورفلي عن اعتقاده بأن مصر «حليف استراتيجي للقيادة العامة الليبية، ودلالة هذه الزيارة هي دحض كل الافتراءات التي تتحدث عن توتر العلاقات بين مصر والقيادة العامة».

صدام يتلقى هدية تذكارية عبارة عن عربة حربية فرعونية من القيادة العامة المصرية (القيادة العامة الليبية)

وسبق أن شدّد السيسي خلال لقائه حفتر الشهر الماضي في القاهرة على «التزام مصر بمواصلة تقديم جميع أشكال الدعم والمساندة للجيش والمؤسسات الوطنية الليبية؛ في إطار العلاقات الأخوية التاريخية التي تجمع بين البلدين والشعبين الشقيقين، وسط تأكيد على عمق العلاقات المصرية الليبية وخصوصيتها».

ونقل المتحدث الرئاسي حينها أن الجانبين «توافقا على أهمية تكثيف الجهود الدولية والإقليمية للوصول إلى تسوية سلمية تحفظ استقرار السودان وسيادته ووحدة أراضيه؛ وتم التأكيد في هذا الصدد على أن استقرار السودان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي لمصر وليبيا».


هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
TT

هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)

عاد الهدوء الحذر عقب اشتباكات محدودة شهدتها العاصمة الليبية طرابلس مساء السبت، ما أعاد إلى الواجهة هشاشة الوضع الأمني؛ في وقت أعلنت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، الأحد، استئناف «مسار الحوكمة» ضمن «الحوار السياسي المهيكل» باجتماع حضوري في طرابلس.

وجاء التصعيد الميداني المفاجئ ليعكس الانقسامات داخل بنية المؤسسة العسكرية التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، إثر اشتباكات محدودة في منطقة «القره بوللي» (البوابة الشرقية للعاصمة) بين رفقاء الأمس؛ «اللواء 444 قتال» بقيادة محمود حمزة، و«اللواء 111 مجحفل» بقيادة وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، وسط تحشيدات عسكرية كبرى شملت تحرك أرتال من مصراتة وميليشيات الأمن العام داخل طرابلس.

وعزت مصادر محلية سبب الاشتباكات إلى اعتداء من عناصر «اللواء 444» على أفراد من «اللواء 111»، مما أشعل المناوشات وأدى إلى تبادل إطلاق نار بالأسلحة الثقيلة، في أحدث مواجهة مباشرة بين قطبين أمنيين في الغرب الليبي؛ مما يجعل الصراع «داخلياً» بامتياز داخل أروقة المؤسسة العسكرية التابعة للحكومة.

ورصدت لقطات مصورة بثتها وسائل إعلام محلية، تحرك أرتال إضافية مثل «الأمن العام» في طرابلس، مما أثار المخاوف من اتساع رقعة الحرب لتهدد استقرار العاصمة والعملية السياسية برمتها.

ورغم أن الشرارة المباشرة غالباً ما تبدأ بخلافات على تمركزات أمنية أو نقاط تفتيش، لكن الأسباب العميقة تعود إلى الصراع الكلاسيكي المعتاد على مناطق النفوذ والسيطرة، حيث يسعى كل طرف لفرض سطوته باعتباره قوة وحيدة مسيطرة على الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس ومصراتة.

ورغم أن هذه الأحداث تضع حكومة «الوحدة» في موقف محرج للغاية، حيث تظهر عجزها عن السيطرة على الفصائل التي تمولها، فإنها التزمت الصمت ولم تعلق هي أو أجهزتها الأمنية والعسكرية الأخرى على هذه التطورات.

لكن محمود حمزة، آمر «اللواء 444 قتال» اعتبر، خلال لقاء مفاجئ الأحد مع أهالي وأعيان وشخصيات بلدية سوق الجمعة، أن مدينة طرابلس وسوق الجمعة ستبقيان «واحة للاستقرار والأمن»، ولن تكونا ساحة للصراعات، مشدداً على أهمية التعاون والتكامل بين مختلف الجهات العسكرية والأمنية.

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، لدى اجتماعه مساء السبت مع اللواء حسين البكوري مدير مديرية أمن المرقب، أهمية رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الأجهزة الأمنية، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين، ويحمي الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات الأمنية لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.

صورة وزعتها البعثة الأممية لاستئناف مسار الحوكمة بـ«الحوار المهيكل»

وأعلنت البعثة الأممية الأحد استئناف «مسار الحوكمة»، أحد المسارات الأربعة للحوار السياسي الليبي المهيكل، بعقد اجتماع حضوري بطرابلس، سيستمر حتى نهاية الأسبوع الجاري.

ويأتي هذا الاجتماع بعد سلسلة من اللقاءات التي عُقدت عبر الإنترنت خلال الأسابيع الماضية، ناقش خلالها المشاركون عدداً من الملفات المتعلقة بتعزيز الحوكمة وإدارة المرحلة السياسية الراهنة.

وبجانب «مسار الحوكمة» الذي ترعاه البعثة الأممية ستجرى مناقشات فيما بعد تتعلق بالمسارات: السياسي والأمني والاقتصادي. وتهدف مجتمعة إلى تحقيق توافق وطني شامل يقود إلى توحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الانقسام، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة وإنهاء الفترة الانتقالية، بما يدعم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

في سياق ذي صلة، أكد رئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، لدى اجتماعه مساء السبت، مع اللواء حسين البكوري مدير مديرية أمن المرقب، أهمية رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الأجهزة الأمنية، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين، ويحمى الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات الأمنية لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.