بسبب توالي سنوات الجفاف... تونسيون يكافحون من أجل تأمين الماء لأسرهم

البلاد تحتل المرتبة الـ33 عالمياً من بين أكثر الدول التي تعاني الإجهاد المائي

نساء قرية السبيخة يقطعن مسافات طويلة كل يوم للحصول على مياه غير صالحة للشرب (أ.ف.ب)
نساء قرية السبيخة يقطعن مسافات طويلة كل يوم للحصول على مياه غير صالحة للشرب (أ.ف.ب)
TT

بسبب توالي سنوات الجفاف... تونسيون يكافحون من أجل تأمين الماء لأسرهم

نساء قرية السبيخة يقطعن مسافات طويلة كل يوم للحصول على مياه غير صالحة للشرب (أ.ف.ب)
نساء قرية السبيخة يقطعن مسافات طويلة كل يوم للحصول على مياه غير صالحة للشرب (أ.ف.ب)

تقف مجموعة من النساء الريفيات بوجوه شاحبة أمام مسجد في قرية بوسط تونس تحت أشعة شمس الصيف الحارقة، بالقرب من أحد آخر مصادر المياه المتاحة في قريتهن، هو أساساً مجرد خرطوم بلاستيكي مخصص لريّ المحاصيل الزراعية. تصف النساء دِلاء الماء الفارغة بانتظار عودة تدفق المياه من الخرطوم، الذي يضخ في غالب الأوقات مياهاً غير صالحة للشرب في بلدة السبيخة، الواقعة قرب مدينة القيروان التاريخية.

سيدتان من قرية السبيخة تنتظران دوريهما للحصول على المياه التي تؤمنها البئر الوحيدة في القرية (أ.ف.ب)

تقول إحدى هؤلاء النساء، تُدعى ربح الساكت (56 عاماً): «نعيش في منطقة مهمّشة. نحتاج فقط إلى شيء نشربه». وغالباً ما تسجل في المنطقة خلال الصيف حرارة تناهز في بعض الأحيان 50 درجة. وغالبية المناطق الحضرية مربوطة بشبكة المياه الحكومية في البلاد، التي لا تصل إلا إلى نصف المناطق الريفية والزراعية.

ووفق تقارير رسمية، فإن تونس باتت تعد الدولة الخامسة في العالم الأكثر عرضة لخطر الجفاف المتزايد، بعد أن شهدت 6 سنوات من الجفاف خلال العقد الماضي، ونقص المياه، وفق آخر تقرير صادر في شهر مارس (آذار) 2024 عن «المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية».

يعاني قطاع الزراعة في السبيخة مشاكل كثيرة بسبب قلة المياه ما يؤثر على جودة المنتج الفلاحي (أ.ف.ب)

وكانت قرية السبيخة الصغيرة، التي تسكنها نحو 250 أسرة، والواقعة على بُعد نحو 30 كيلومتراً شمال محافظة القيروان، تضم بئراً واحدة من الآبار، التي أنشأتها الجمعيات الزراعية المحلية العاملة تحت إشراف وزارة الزراعة.

مياه آبار ملوثة

لكن في سنة 2018، أغلقت هذه البئر الوحيدة بسبب تراكم الديون، وعدم دفع فواتير الكهرباء، وهي مشكلة مشتركة بين الجمعيات. وبوصفها نتيجة لذلك، بات سكان المنطقة من دون مضخات لاستخراج المياه منذ 6 سنوات، ومنذ ذلك الحين، باتت العائلات تعتمد على الآبار، التي حفرها المزارعون المحليون لريّ أراضيهم ومحاصيلهم. ومن جهتها، رفضت السلطات الزراعية منح أي ترخيص لاستعمال هذه الآبار، التي غالباً ما تضخ مياهاً غير صالحة للشرب.

تقطع نساء قرية السبيخة كل يوم عشرات الأميال لتأمين حاجيات أسرهن من المياه (أ.ف.ب)

يقول علي كمّون (57 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، وهو يشير إلى ندبة طويلة في بطنه، إنه أجرى عمليتين جراحيتين بسبب أمراض تنتقل عن طريق المياه الملوثة. في حين قالت جارته ليلى بن عرفة: «نصفنا يعاني مشاكل في الكلى... المياه ملوثة، لكن علينا أن نشربها». وتضيف المرأة البالغة 52 عاماً، إنها ونساء أخريات «نحمل الدلاء البلاستيكية على ظهورنا، لأنه حتى حميرنا نفقت من العطش». وتحتل تونس، التي تمر بعامها السادس من الجفاف المتواصل، المرتبة الـ33 عالمياً من بين أكثر الدول التي تعاني الإجهاد المائي في العالم، وفقاً لـ«معهد الموارد العالمية» الأميركي. وبحلول العام 2030، ستصبح منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دون عتبة «ندرة المياه المطلقة»، البالغة 500 متر مكعب سنوياً للفرد الواحد، وفقاً للبنك الدولي، وهذه العتبة دون 450 متراً مكعباً للفرد تعيشها تونس من الآن.

وفي حين يؤثر الجفاف وارتفاع درجات الحرارة على المنطقة ككل، فإن تداعياتها مضاعفة على السكان في المناطق الريفية؛ إذ تكون معدلات الفقر أعلى عموماً، وحيث الحصول على المياه أصعب. علماً بأن أكثر من 650 ألفاً من سكان الأرياف التونسية يعيشون من دون مياه جارية في المنزل، ويقطن نصفهم تقريباً بعيداً عن مصدر مياه، وفقاً لتقرير للأمم المتحدة صدر العام 2023.

تؤكد نساء قرية السبيخة نفوق عشرات الحمير التي يستعملنها لنقل المياه بسبب توالي سنوات الجفاف والعطش (أ.ف.ب)

ويضيف كمّون، وهو مزارع يبلغ 26 عاماً، ويجهد لتقاسم مياه بئره مع بعض العائلات: «نحن بحاجة إلى إيجاد حلّ. هذا الوضع غير قابل للاستمرار». وأظهرت دراسة للمرصد الزراعي الوطني (حكومي)، أن طبقات المياه الجوفية العميقة في تونس تستغل بنسبة 150 في المائة. وقد تظاهر السكان، وأغلقوا الطرق، واشتكوا عدة مرات، ولكن دون جدوى. وتفيد منيارة المجبري، عن منظمة «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» بأن الاجتماعات لحل المشكلة في مكتب المحافظ تعقد على مدار السنة، لكن من دون الوصول إلى حلول... واليوم نحن في الدوّامة نفسها، في الحلقة المفرغة نفسها، مع المشاكل نفسها».

نزوح بسبب الجفاف

يؤكد سيف النفاتي، البالغ 34 عاماً، الذي يحاول من خلال نشاطه في المنظمات إيجاد حلّ للأزمة، أن إدارة المحافظة «أكدت حدوث ربط بقنوات مياه الشرب، وقالوا لنا إذا تظاهرنا علينا أن نتحمل تبعات ذلك، لأن الحرس الوطني (الشرطة) سوف يعتقلنا». وبعد طول انتظار نفد صبر الكثير من الأهالي، واضطروا للنزوح وترك القرية، على ما يوضح. ومن بين هؤلاء رؤوف، شقيق سيف الذي يُقيم الآن في مدينة الحمّامات الساحلية، على بعد حوالي 110 كيلومترات شرق القيروان، ويعمل في قطاع السياحة.

سيدة من قرية السبيخة تروي عطشها بعد انتظار طويل أمام البئر لملء دلائها (أ.ف.ب)

يقول المزارع صالح همّادي (55 عاماً): «ما لا يقل عن 150 عائلة غادرت» من السبيخة بسبب نقص المياه «لقد غادر معظم شبابنا أيضاً، تاركين كبارهم بمفردهم». ويختم المزارع متسائلاً: «لماذا تتواصل هذه المشكلة في العام 2024؟ ولماذا يتواصل عطشنا؟».



حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».