ما حقيقة عودة نشاط «السوق السوداء» للدولار في مصر؟

«جدل سوشيالي» حول تراجع جديد لسعر صرف الجنيه

صورة لإحدى الصرافات بالقاهرة (أ.ف.ب)
صورة لإحدى الصرافات بالقاهرة (أ.ف.ب)
TT

ما حقيقة عودة نشاط «السوق السوداء» للدولار في مصر؟

صورة لإحدى الصرافات بالقاهرة (أ.ف.ب)
صورة لإحدى الصرافات بالقاهرة (أ.ف.ب)

مع طول فترة عطلة البنوك والمصارف الرسمية في مصر، التي وصلت إلى 9 أيام؛ بسبب عيد الأضحى وإجازة نهاية الأسبوع، تداول نشطاء ومتابعون على «السوشيال ميديا» الحديث عن عودة نشاط «السوق السوداء» للدولار في مصر، مع أنباء عن «ارتفاع سعر صرف الدولار لأكثر من 60 جنيهاً».

وتشير البيانات المصرفية الرسمية، لاستقرار سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري، قبل الإجازة، بمتوسط يبلغ نحو 47.6 جنيه.

وعدّ خبراء اقتصاديون مصريون، عودة الحديث عن مداولات الدولار في السوق السوداء «شائعات يستهدف البعض ترويجها؛ لتحقيق مكاسب من مضاربات سعر الدولار مرة أخرى». وأكدوا «عدم وجود مبرر لزيادة جديدة في سعر صرف الدولار، في ظل توافر احتياطي نقدي آمن من العملة الصعبة خلال الفترة الأخيرة».

وازدادت معدلات البحث، من قبل مصريين، في محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي، بشأن أسعار الدولار في السوق السوداء، وتداول مستخدمون ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء، ليسجل 63.93 عند الشراء، بينما سجّل عند البيع 63.22 مقابل الجنيه المصري.

وصعدت أسعار صرف الدولار في مصر، ضمن قائمة «تريند» تفاعلات مستخدمي مواقع التواصل، عبر أكثر من «هاشتاغ»، ما بين «#السوق_السوداء»، و«#الجنيه_المصري».

وتساءلت حسابات لمستخدمين عبر منصة «إكس»، حول أسباب ارتفاع أسعار الدولار في السوق السوداء لتسجل أكثر من 63 جنيهاً، على حد زعم مروجيها.

في المقابل، قللت حسابات أخرى من صحة ما يتم تداوله بخصوص سعر الدولار في السوق السوداء، مؤكدة على «استقرار سعر الدولار»، واستشهدوا على ذلك «بانخفاض طفيف في سعر الذهب».

وأشارت حسابات إلى أن «ما يحدث محاولة من (مافيا) السوق السوداء للعودة مرة أخرى، بترويج شائعات زيادة الدولار على السوشيال ميديا».

وتراجعت عمليات التعامل مع «السوق السوداء» للعملة في مصر بشكل لافت، في الأشهر الأخيرة، بعدما كانت تسيطر على المعاملات المالية، وذلك بعد قرار «البنك المركزي» المصري في مارس (آذار) الماضي، «تعويم» الجنيه، عبر السماح بتحديد سعر صرفه وفق «آليات السوق».

وعدّت الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية والنائب السابق لرئيس بنك مصر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، ما يتم تداوله بشأن ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء «مجرد شائعات، هدفها تحقيق مكاسب لبعض المضاربين بالدولار في السوق السوداء».

وأرجعت توقيت انتشار هذه الشائعات إلى «رغبة البعض في الاستفادة من أموال المصريين العائدين من الخارج في فترة الإجازات». وحذّرت من التعامل خارج القطاع المصرفي الرسمي، مؤكدة أن «مَن يتم ضبطه يحال للمساءلة القانونية».

ولا ترى الدماطي وجود أي مبرر لارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري، مشيرة إلى «وجود وفرة في احتياطي النقد الأجنبي، والبنوك المصرية توفر احتياجات المواطنين والمنتجين والمستوردين من الدولار بضوابط محددة».

وينص القانون المصري على معاقبة مَن يمارس (الاتجار في العملة) بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه، ولا تجاوز 5 ملايين جنيه أو المبلغ محل الجريمة، أيهما أكبر، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

وأوضحت الخبيرة المصرفية، أن «السوق السوداء تنشأ عندما يكون هناك طلب على الدولار ولا يوجد معروض». وأشارت إلى أن «الدولة استطاعت تحقيق وفرة في العملة الصعبة في الفترة الأخيرة بضخ نحو 58 مليار دولار». وقالت إن مؤشرات ذلك، «ارتفاع الاحتياطي النقدي لنحو 46 مليار دولار لأول مرة، وتحول صافي الأصول الأجنبية في البنوك من سالب إلى موجب».

وارتفع صافي احتياطات النقد الأجنبي إلى 46.125 مليار دولار في نهاية مايو (أيار) الماضي، مسجلاً زيادة بنحو 5 مليارات دولار عن أبريل (نيسان)، وفق البنك المركزي المصري.

غير أن الخبير الاقتصادي وائل النحاس، عدّ شائعات ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء، «مرتبطةً بما تم تداوله عن طلب وفد صندوق النقد الدولي، خلال المراجعة الثالثة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، زيادة الاحتياطي النقدي لنحو 56 مليار دولار».

وفسر الخبير الاقتصادي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، ما يتم تداوله بخصوص سعر الدولار في السوق السوداء، بأنه «محاولة من بعض الأشخاص الذين يحتفظون بكميات كبيرة من الدولار، للتصرف فيها، بأسعار تفوق السعر الرسمي في البنوك»، مشيراً إلى أن «ما يحدث ليست حركة سوق، ولكنها بفعل فاعل».

وأوضح النحاس: «القيمة الحقيقية للدولار تتراوح بين 44 و46 دولاراً حتى شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ولا توجد أي ضغوط أو أعباء اقتصادية تغيّر من هذه القيمة في الفترة المقبلة». وطالب بضرورة «تدخل الحكومة لمنع مثل هذه المداولات، حتى لا تخرج أسعار الدولار عن السيطرة» على حد قوله.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، الأسبوع الماضي، ضبط مبالغ مالية تصل إلى 24 مليون جنيه متحصلة من قضايا الاتجار في العملة على خلفية تداول هذه المبالغ وإخفائها خارج نطاق السوق المصرفية.


مقالات ذات صلة

تحسّن أداء الجنيه لا يُخفف مخاوف المصريين من هزات الاقتصاد

شمال افريقيا مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

تحسّن أداء الجنيه لا يُخفف مخاوف المصريين من هزات الاقتصاد

رغم تحسّن مستوى الجنيه أمام الدولار، فإن ذلك لن ينعكس قريباً على الأسعار، ولن يُبدد المخاوف من الهزات الاقتصادية، حسب متخصصين.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية خلال فترة وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتخلى عن مكاسبه للأسبوع الثاني مع تنامي زخم التهدئة

يتجه الدولار الأميركي نحو تسجيل تراجع للأسبوع الثاني على التوالي، يوم الجمعة، وسط تداولات حذرة، في ظل ازدياد التفاؤل حيال وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد صورة جورج واشنطن تظهر على ورقة نقدية أميركية من فئة دولار واحد (أ.ب)

آمال إنهاء الحرب تهبط بالدولار لأدنى مستوياته في 6 أسابيع

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته منذ أوائل مارس (آذار) مقابل العملات الرئيسية يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يمحو مكاسب الحرب ويستقر عند أدنى مستوياته في 6 أسابيع

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته في 6 أسابيع يوم الأربعاء، متخلياً عن معظم مكاسبه التي سجلها منذ اندلاع الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

القائد المنشق من «الدعم السريع» يصل مناطق الجيش السوداني

النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
TT

القائد المنشق من «الدعم السريع» يصل مناطق الجيش السوداني

النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)

وصل، الأحد، القائد المنشق من «قوات الدعم السريع»، اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القُبة»، إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني، وذلك بعد نحو أسبوع من اختفائه، إثر تداول أنباء مكثفة عن انضمامه إلى الجيش.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً يصور القائد المنشق وهو يُلقي التحايا على أفراد يرتدون زي الجيش في منطقة لا تبدو واضحة المعالم.

وفي حين لم يصدر بعد تعليق رسمي من الجيش، أعلن «مجلس الصحوة الثوري» وصول القائد المنشق والقوى المرافقة له بسلام إلى مواقع سيطرة الجيش.

و«مجلس الصحوة الثوري» ميليشيا قبلية يقودها مؤسس «الجنجويد» موسى هلال؛ وهو زعيم أهلي معقله الرئيسي بلدة مستريحة في ولاية شمال دارفور بغرب السودان، وكان قد أعلن من وقت باكر ولاءه للجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع».

وقال «مجلس الصحوة» في بيان، يوم الأحد، إن ثلاثة من ضباط «الصحوة» وعشرات الجنود، رافقوا الضابط المنشق من المناطق الواقعة في شمال إقليم دارفور إلى مواقع سيطرة الجيش.

ومنذ قرابة أسبوع على تداول أنباء انشقاقه، انقطعت الأخبار عنه في وقت راج فيه الحديث عن معارك عنيفة دارت في مناطق صحراوية بشمال دارفور، لقطع الطريق أمامه والقوة المرافقة له ومنعهم من الوصول إلى مناطق تقع تحت سيطرة الجيش.

وبثت منصات موالية لـ«الدعم السريع» مقاطع فيديو تزعم أنها لأسرى وسيارات قتالية تم الاستيلاء عليها بعد اشتباكات جرت مع قوات الضابط المنشق، النور القبة، في طريق فراره من دارفور.

وفي وقت سابق، أشارت مصادر عسكرية إلى أن «قوات الدعم السريع» كانت قد دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة لمحاصرة القائد المنشق للقبض عليه، بينما نفت خروجه بقوات كبيرة على متن عشرات السيارات القتالية بحسب ما تردد.

ويُرجح على نحو واسع أن انشقاق النور القبة يرتبط ارتباطاً وثيقاً باجتياح «الدعم السريع» بلدة مستريحة في فبراير (شباط) الماضي، وأفادت تقارير وقتها بأنه تم تأمين ممر آمن لخروج موسى هلال من المنطقة تحت حماية أفراد من عشيرته في «قوات الدعم السريع».

نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية في مخيم للاجئين السودانيين بشرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

يذكر أن النور القبة، ثاني قائد عسكري رفيع ينشق من «قوات الدعم السريع» بعد أبو عاقلة كيكل الذي مُنح «عفواً عاماً» من القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان. ولاحقاً أسس كيكل ميليشيا تحت مسمى «قوات درع السودان» يتحدر غالبية مقاتليها من مجموعة سكانية واحدة يتركز ثقلها في مناطق البطانة وشرق الجزيرة بوسط السودان، وتخضع حالياً للجيش.

ويُعدّ القبة من كبار القادة العسكريين في «قوات الدعم السريع»، ويصفه البعض بأنه الثالث في الهرم القيادي العسكري، وقاد الكثير من المعارك في الخرطوم والجزيرة وكردفان إلى حصار مدينة الفاشر وسقوطها.

ويسود شعور متزايد من الاستياء في الأوساط الشعبية من استقبال الجيش للمنشقين من «قوات الدعم السريع» الذين يُتهمون بالاشتراك في المسؤولية الجنائية عن ارتكاب انتهاكات وفظائع ضد المدنيين، بينما تتواصل محاكمة المدنيين بمزاعم التعاون مع «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على ولايات الخرطوم والجزيرة.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، أعلن رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مراراً العفو العام عن كل من يلقي السلاح، وعلى وجه الخصوص من «قوات الدعم السريع».


ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
TT

ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)

في تصعيد جديد لصراع الصلاحيات في ليبيا بين رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، طلب المنفي إيقاف وزير الخارجية المُكلّف في حكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، عن العمل؛ في وقت باركت فيه الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي التوقيع على أول «ميزانية وطنية موحّدة» لهذا العام، بوصفها «نقطة تحوّل» نحو إنهاء الانقسام.

وقال المنفي في بيان أصدره، الأحد، إنه قرر «إيقاف الباعور عن مباشرة أي مهام تتعلق بالتمثيل الخارجي أو الاتصالات الدبلوماسية».

كما طلب المنفي من حكومة الدبيبة «عرض مرشح رسمي لتولي منصب وزير الخارجية وفق الأصول القانونية المقررة»، محذراً من أن «أي إجراء منفرد يؤدي إلى إرباك القنوات الدبلوماسية، وتعريض الموقف السيادي للدولة للالتباس». وأضاف أن وزارة الخارجية «حقيبة سيادية»، وأن أي تكليف أو ترتيب إداري يتعلق بها «يتطلب التشاور الإلزامي».

وتصاعدت حدة الخلافات بين المنفي والدبيبة مؤخراً بسبب محاولات التعديل الوزاري الأخير في حكومة «الوحدة»، والتي عدّها «المجلس الرئاسي» مخالِفة، لكونها «حكومة تصريف أعمال» وتتطلب تشاوراً وطنياً واسعاً، خصوصاً في الحقائب السيادية.

وسبق للمنفي و«المجلس الرئاسي»، الذي يحتفظ بصلاحيات سيادية، مثل التمثيل الخارجي والدفاع، أن حذّرا الدبيبة من أي تعديلات وزارية أحادية الجانب.

ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا التصعيد إلى تعميق الانقسام المؤسسي، وإرباك الجهود الدولية للخروج من الأزمة، خصوصاً مع استمرار وجود حكومتين موازيتين في الشرق والغرب، وتأثير ذلك على الاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد.

ولم يصدر ردّ رسمي فوري من حكومة «الوحدة» أو وزارة خارجيتها على بيان المنفي.

وكان الباعور قد زار الخميس الماضي النيجر، وبحث مع رئيس حكومتها علي الأمين العلاقات الثنائية، ونقل رسالة شفهية من الدبيبة.

في المقابل، أعلن الدبيبة «نجاح حكومته في بناء جيش منظم»، معرباً عن أمله في الوصول إلى جيش موحد بدعم من تركيا وباقي الدول الإقليمية. وقال في مقابلة تلفزيونية على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» مساء السبت: «نجحنا في تكوين جيش منظم، ونريد دعم تركيا»، وأكد السعي من خلال الجهود الدولية والمحلية لتوحيد الجيش، لافتاً إلى نجاح الحكومة أيضاً لأول مرة، منذ 13 عاماً، في إنجاز ميزانية تنموية موحدة لكل ليبيا.

ووسط تفاؤل دولي، رحّبت الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي، في بيان مشترك أصدرته وزارة الخارجية الأميركية مساء السبت، بتوقيع ليبيا على «ميزانية وطنية موحدة» للعام الحالي، واصفة الخطوة بأنها «نقطة تحول حاسمة» لإنهاء الانقسام الاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.

وأثنى بيان لحكومات السعودية ومصر وقطر والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وترکیا وبريطانيا وأميركا على «النهج البنّاء» للقادة الليبيين في الوصول إلى هذا الاتفاق الذي وُقّع الأسبوع الماضي، مؤكداً أنه سيُعزز الوحدة والاستقرار.

وعدّ البيان أن هذه الخطوة تُمثل ركيزة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القادة في شرق البلاد وغربها، كما أشاد بـ«النهج البنّاء الذي سلكته الأطراف الليبية للتوصل إلى هذا الاتفاق الذي من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للوحدة والاستقرار والازدهار».

وتعهد المستشار الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في بيان مساء السبت، بمواصلة هذه الدول، مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، دعم الجهود الليبية الرامية لتعزيز الوحدة.

وكان بولس قد أعلن عقب لقائه الدبيبة على هامش «أنطاليا الدبلوماسي» عن ترحيب بلاده بالخطوات الأخيرة نحو التكامل الاقتصادي والعسكري في ليبيا، وأكد الأهمية الاستراتيجية لخطوة التوقيع على «ميزانية وطنية موحدة»، معتبراً إياها ركيزة أساسية لدعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

كما أشاد بولس بافتتاح الجانب الليبي من تدريبات «فلينتلوك» بمشاركة لافتة لقوة مشتركة تضم عناصر من القوات الخاصة لشرق وغرب ليبيا، في خطوة تعكس تقدماً ملموساً نحو العمل العسكري الموحد.

بدورها، قالت ستيفاني خوري، نائبة رئيسة البعثة الأممية، إنها أطلعت مساء السبت، في مدينة بنغازي بشرق البلاد، رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، على التقدم المحرز في «الحوار المهيكل»، خصوصاً المسار الأمني الذي يهدف إلى اقتراح أطر لتوحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، مشيرة إلى تقديرها دعم القيادة العامة لخريطة طريق الأمم المتحدة، الهادفة إلى الدفع قدماً بعملية سياسية شاملة تفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات الوطنية.

اجتماع ستيفاني خوري مع خالد حفتر رئيس أركان «الجيش الوطني» (البعثة الأممية)

وأكد من جانبه، الفريق خالد، أهمية الدفع بالمسار العسكري نحو التوحيد، من خلال آليات وطنية ومهنية، مشيداً بالجهود القائمة في إطار لجان «5+5» و«3+3»، بما يُعزز من قدرة المؤسسة العسكرية على أداء مهامها في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ومواجهة الهجرة غير الشرعية.

كما شدد على ضرورة أن تجري جميع المسارات في إطار وطني جامع، مرحباً بدور البعثة الأممية بوصفها جهة داعمة وميسرة وفقاً لتفويضها، بما يخدم استقرار ليبيا ووحدتها. وعدّ أن تحقيق الاستقرار الأمني يُشكل أساساً لدفع عجلة الإعمار والبناء في أنحاء البلاد.


المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026... لكن السداد «ممكن»

البنك المركزي المصري (رويترز)
البنك المركزي المصري (رويترز)
TT

المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026... لكن السداد «ممكن»

البنك المركزي المصري (رويترز)
البنك المركزي المصري (رويترز)

تنتظر مصر في عام 2026 سداد نحو 38 مليار دولار على الأقل، بحسب تقديرات للبنك الدولي، والقيمة تبدو للوهلة الأولى «ثقيلة»، لكن بحسب تقديرات خبير مصرفي تحدث لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن لمصر الوفاء بالسداد كسابق عهدها».

وأشار إلى «اقتطاع جزء كبير كودائع خليجية تتجاوز 12 مليار دولار على الأقل ستجدد تلقائياً»، وقال إنه «تم سداد أرقام ضخمة من قبل، ولم تتأخر مصر يوماً واحداً طيلة تاريخها، ولديها من المصادر التقليدية أو في وقت الأزمات ما يكفي للسداد».

وتحدثت بيانات للبنك الدولي، الأحد، عن الالتزامات الخارجية على مصر، والمتمثلة في سداد أقساط القروض وفوائدها، وتبلغ نحو 38.65 مليار دولار خلال فترة تمتد لتسعة أشهر، تبدأ من أبريل (نيسان) الجاري وحتى نهاية عام 2026، فيما تتضمن هذه الالتزامات نحو 12.7 مليار دولار تمثل ودائع لدى البنك المركزي المصري لصالح دول الخليج.

وبحسب البيانات «تنقسم التزامات الديون الخارجية حتى نهاية العام إلى نحو 34 مليار دولار في صورة أقساط، إضافة إلى نحو 4.64 مليار دولار كونها فوائد».

ومن المقرر أن تسدد مصر نحو 16 مليار دولار خلال الربع الثاني «أبريل - يونيو (حزيران)» من عام 2026، وقرابة 10.6 مليار دولار في الربع الثالث «يوليو (تموز) - سبتمبر (أيلول)»، إضافة إلى 12 مليار دولار خلال الربع الأخير «أكتوبر (تشرين الأول) - ديسمبر (كانون الأول)» من العام نفسه.

كما أظهرت البيانات تراجع الدين الخارجي للبنك المركزي بنحو 300 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليصل إلى 36.96 مليار دولار مقارنة بـ37.29 مليار دولار.

وفي ديسمبر 2024 أكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، التزام القاهرة بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال عام 2024.

الخبير المصرفي المصري، محمد عبد العال، قال إن «الدولة المصرية لم تتأخر يوماً واحداً في تاريخها في سداد أي قسط أو فائدة مستحقة حتى الآن، ومبلغ الـ38.6 مليار دولار الذي كشف عنه البنك الدولي يمثل الجزء المتبقي من التزامات مصر خلال عام 2026».

وأشار إلى أن «هذا المبلغ لا يمثل رقماً مقطوعاً واجب السداد في يوم واحد، بل هو موزع على مدار شهور العام وفق جدول التدفقات النقدية الداخلة والخارجة، والتخطيط المالي يضمن جاهزية المبالغ المطلوبة قبل موعد استحقاقها».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

وخلال الأيام الماضية صدرت دعوات من إعلاميين وبرلمانيين مصريين بالتبرع أو تخصيص صندوق لمواجهة ديون البلاد الخارجية. ودعا عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، الإعلامي مصطفى بكري، السبت، إلى فتح حساب بنكي حكومي يخصص لجمع تبرعات من المواطنين الراغبين لسداد ديون الدولة وتخفيف العبء عنها... وتلك هي ثاني دعوة برلمانية من نوعها خلال فترة قصيرة بعد دعوة عضو مجلس النواب، محمد سمير بلتاجي، إلى تبرعات بمليون جنيه (نحو 20 ألف دولار) من الأثرياء لسداد ديون الدولة.

وجاءت تلك الدعوات، بعدما أثارت أخيراً حسابات مُعرّفة بأسماء عربية على منصات التواصل الاجتماعي، قضية انتهاء أمد «الودائع الخليجية» في مصر، وبخاصة الودائع الكويتية، وإمكانية استردادها.

وهو ما رد عليه السفير الكويتي بالقاهرة، غانم صقر الغانم، في تصريحات الشهر الجاري بقوله إن «الودائع مستمرة وقائمة منذ 13 عاماً وتُجدد بشكل تلقائي، والهدف منها دعم الاقتصاد المصري، ولا تتأثر بأحاديث السوشيال ميديا»، منوهاً «إلى وجود مقترح بتحويل الودائع الكويتية في مصر لاستثمارات، غير أن هذا الأمر لا يزال قيد الدراسة من قبل الجهات الاقتصادية في البلدين».

وارتفع الدين العام للحكومة إلى نحو 15 تريليون جنيه بنهاية العام المالي الماضي المنتهي في يونيو 2025، وفق بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، فيما ارتفع الدين الخارجي لـ161 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي، بحسب بيانات البنك المركزي المصري.

وبشأن السداد المتوقع، أشار عبد العال، إلى المصادر التي تعتمد عليها الدولة في تجميع هذه المبالغ، مثل حصيلة الصادرات، وعوائد السياحة، وتحويلات العاملين بالخارج، لافتاً إلى «وجود فائض في صافي أصول النقد الأجنبي لدى الجهاز المصرفي يقدر بنحو 27 مليار دولار، وهو ما يؤخذ في الاعتبار عند السداد».

ونبه إلى أن جزءاً من المبالغ المقررة في سداد الديوان يمثل ودائع خليجية، وهي ودائع تجدد بصفة مستمرة، ما يؤدي فعلياً إلى خفض القيمة الإجمالية للمبالغ المطلوب سدادها نقداً.

ولفت إلى أنه في حال لم تكف المصادر التقليدية نتيجة الظروف الإقليمية، فإن مصر تمتلك القدرة على إصدار سندات في الأسواق الدولية أو صكوك سيادية بما يعادل قيمة العجز لتوفير السيولة اللازمة، وبخلاف ذلك لدينا احتياطي نقدي.

وأشار الخبير المصرفي إلى أن «مصر تمتلك احتياطياً نقدياً يبلغ 53 مليار دولار، وهو مخصص لحالات الطوارئ القصوى، كما حدث إبان الأزمة الروسية - الأوكرانية حين تم استخدامه جزئياً لمواجهة خروج الأموال الساخنة قبل استردادها لاحقاً»، مؤكداً أن «الدولة استوعبت الدرس جيداً، حيث لا تدخل الأموال الساخنة الآن ضمن الاحتياطي النقدي ولا تستخدم في سداد القروض، ما يجعل الاحتياطي صمام أمان قوياً يلجأ إليه في الأزمات فقط». وشدد على أن مصر تتبع حالياً استراتيجية واضحة تهدف إلى تقليل وتيرة الاقتراض بشكل مستمر، والتحول من القروض قصيرة الأجل إلى القروض طويلة الأجل.