ما حقيقة عودة نشاط «السوق السوداء» للدولار في مصر؟

«جدل سوشيالي» حول تراجع جديد لسعر صرف الجنيه

صورة لإحدى الصرافات بالقاهرة (أ.ف.ب)
صورة لإحدى الصرافات بالقاهرة (أ.ف.ب)
TT

ما حقيقة عودة نشاط «السوق السوداء» للدولار في مصر؟

صورة لإحدى الصرافات بالقاهرة (أ.ف.ب)
صورة لإحدى الصرافات بالقاهرة (أ.ف.ب)

مع طول فترة عطلة البنوك والمصارف الرسمية في مصر، التي وصلت إلى 9 أيام؛ بسبب عيد الأضحى وإجازة نهاية الأسبوع، تداول نشطاء ومتابعون على «السوشيال ميديا» الحديث عن عودة نشاط «السوق السوداء» للدولار في مصر، مع أنباء عن «ارتفاع سعر صرف الدولار لأكثر من 60 جنيهاً».

وتشير البيانات المصرفية الرسمية، لاستقرار سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري، قبل الإجازة، بمتوسط يبلغ نحو 47.6 جنيه.

وعدّ خبراء اقتصاديون مصريون، عودة الحديث عن مداولات الدولار في السوق السوداء «شائعات يستهدف البعض ترويجها؛ لتحقيق مكاسب من مضاربات سعر الدولار مرة أخرى». وأكدوا «عدم وجود مبرر لزيادة جديدة في سعر صرف الدولار، في ظل توافر احتياطي نقدي آمن من العملة الصعبة خلال الفترة الأخيرة».

وازدادت معدلات البحث، من قبل مصريين، في محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي، بشأن أسعار الدولار في السوق السوداء، وتداول مستخدمون ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء، ليسجل 63.93 عند الشراء، بينما سجّل عند البيع 63.22 مقابل الجنيه المصري.

وصعدت أسعار صرف الدولار في مصر، ضمن قائمة «تريند» تفاعلات مستخدمي مواقع التواصل، عبر أكثر من «هاشتاغ»، ما بين «#السوق_السوداء»، و«#الجنيه_المصري».

وتساءلت حسابات لمستخدمين عبر منصة «إكس»، حول أسباب ارتفاع أسعار الدولار في السوق السوداء لتسجل أكثر من 63 جنيهاً، على حد زعم مروجيها.

في المقابل، قللت حسابات أخرى من صحة ما يتم تداوله بخصوص سعر الدولار في السوق السوداء، مؤكدة على «استقرار سعر الدولار»، واستشهدوا على ذلك «بانخفاض طفيف في سعر الذهب».

وأشارت حسابات إلى أن «ما يحدث محاولة من (مافيا) السوق السوداء للعودة مرة أخرى، بترويج شائعات زيادة الدولار على السوشيال ميديا».

وتراجعت عمليات التعامل مع «السوق السوداء» للعملة في مصر بشكل لافت، في الأشهر الأخيرة، بعدما كانت تسيطر على المعاملات المالية، وذلك بعد قرار «البنك المركزي» المصري في مارس (آذار) الماضي، «تعويم» الجنيه، عبر السماح بتحديد سعر صرفه وفق «آليات السوق».

وعدّت الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية والنائب السابق لرئيس بنك مصر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، ما يتم تداوله بشأن ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء «مجرد شائعات، هدفها تحقيق مكاسب لبعض المضاربين بالدولار في السوق السوداء».

وأرجعت توقيت انتشار هذه الشائعات إلى «رغبة البعض في الاستفادة من أموال المصريين العائدين من الخارج في فترة الإجازات». وحذّرت من التعامل خارج القطاع المصرفي الرسمي، مؤكدة أن «مَن يتم ضبطه يحال للمساءلة القانونية».

ولا ترى الدماطي وجود أي مبرر لارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري، مشيرة إلى «وجود وفرة في احتياطي النقد الأجنبي، والبنوك المصرية توفر احتياجات المواطنين والمنتجين والمستوردين من الدولار بضوابط محددة».

وينص القانون المصري على معاقبة مَن يمارس (الاتجار في العملة) بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه، ولا تجاوز 5 ملايين جنيه أو المبلغ محل الجريمة، أيهما أكبر، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

وأوضحت الخبيرة المصرفية، أن «السوق السوداء تنشأ عندما يكون هناك طلب على الدولار ولا يوجد معروض». وأشارت إلى أن «الدولة استطاعت تحقيق وفرة في العملة الصعبة في الفترة الأخيرة بضخ نحو 58 مليار دولار». وقالت إن مؤشرات ذلك، «ارتفاع الاحتياطي النقدي لنحو 46 مليار دولار لأول مرة، وتحول صافي الأصول الأجنبية في البنوك من سالب إلى موجب».

وارتفع صافي احتياطات النقد الأجنبي إلى 46.125 مليار دولار في نهاية مايو (أيار) الماضي، مسجلاً زيادة بنحو 5 مليارات دولار عن أبريل (نيسان)، وفق البنك المركزي المصري.

غير أن الخبير الاقتصادي وائل النحاس، عدّ شائعات ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء، «مرتبطةً بما تم تداوله عن طلب وفد صندوق النقد الدولي، خلال المراجعة الثالثة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، زيادة الاحتياطي النقدي لنحو 56 مليار دولار».

وفسر الخبير الاقتصادي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، ما يتم تداوله بخصوص سعر الدولار في السوق السوداء، بأنه «محاولة من بعض الأشخاص الذين يحتفظون بكميات كبيرة من الدولار، للتصرف فيها، بأسعار تفوق السعر الرسمي في البنوك»، مشيراً إلى أن «ما يحدث ليست حركة سوق، ولكنها بفعل فاعل».

وأوضح النحاس: «القيمة الحقيقية للدولار تتراوح بين 44 و46 دولاراً حتى شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ولا توجد أي ضغوط أو أعباء اقتصادية تغيّر من هذه القيمة في الفترة المقبلة». وطالب بضرورة «تدخل الحكومة لمنع مثل هذه المداولات، حتى لا تخرج أسعار الدولار عن السيطرة» على حد قوله.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، الأسبوع الماضي، ضبط مبالغ مالية تصل إلى 24 مليون جنيه متحصلة من قضايا الاتجار في العملة على خلفية تداول هذه المبالغ وإخفائها خارج نطاق السوق المصرفية.


مقالات ذات صلة

مصر تقرر إبطاء وتيرة مشاريع حكومية بسبب حرب إيران

شمال افريقيا مدبولي وبجانبه وزراء المجموعة الاقتصادية والإعلام يتحدث عن تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية على مصر (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تقرر إبطاء وتيرة مشاريع حكومية بسبب حرب إيران

قال رئيس الوزراء المصري إن الحكومة ستُبطئ وتيرة تنفيذ مشاريع حكومية كبرى تتطلب استهلاكاً عالياً للوقود والسولار لمدة شهرين على الأقل بسبب حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ نماذج مصغرة لبراميل نفط ومضخات نفط فوق نماذج من الدولار الأميركي (رويترز)

توقيع ترمب على الدولار في الذكرى الـ250 لتأسيس أميركا

في سابقة لرئيس في منصبه، سيظهر توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوراق الدولار الجديدة بدءاً من الصيف احتفاء بالذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتماسك قرب ذروته مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

استقر الدولار قرب أعلى مستوياته في عدة أشهر يوم الجمعة، مدعوماً بتزايد الطلب عليه كملاذ آمن، في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ )
الاقتصاد صائغ يزن حُلياً ذهبية داخل صالة عرض في أحمد آباد بالهند (رويترز)

رغم ارتفاعه... الذهب يتجه لتسجيل رابع خسارة أسبوعية

ارتفعت أسعار الذهب بنحو 2 في المائة يوم الجمعة، مدعومة بضعف الدولار وزيادة إقبال المستثمرين على الشراء، إلا أنها تتجه لتسجيل خسارتها الأسبوعية الرابعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستجمع قواه مع تعافي الثقة وتراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية

حافظ الدولار الأميركي على مكاسبه مع انطلاق التداولات الآسيوية، يوم الخميس، مدعوماً باستعادة المستثمرين لثقتهم تدريجياً في الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

احتواء توتر أمني بغريان الليبية عقب مناوشات مسلّحة

اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)
اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)
TT

احتواء توتر أمني بغريان الليبية عقب مناوشات مسلّحة

اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)
اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)

احتوت الأجهزة الأمنية في غرب ليبيا توتراً أمنياً في مدينة غريان جنوب غربي العاصمة طرابلس، وذلك إثر مناوشات وقعت مساء السبت بين أفراد من «اللواء 444 قتال» و«القوة العاشرة للدعم والإسناد»، التابعين لحكومة «الوحدة» بسبب خلاف تأمين «بوابة الهيرة».

وقالت مصادر محلية، إن آمر «اللواء 444 قتال» محمود حمزة، أخلى سبيل ناصر شطيبة، آمر «القوة العاشرة»، بعد أن أوقفته دورية تابعة لـ«اللواء» قرب بوابة الهيرة.

وأدى الحادث إلى مناوشات محدودة شارك فيها عناصر من «الكتيبة 420»، لكنها انتهت سريعاً بإفراج حمزة، عن شطيبة والمرافقين له، فيما أكد شطيبة انتهاء ما وصفه بـ«الإشكالية البسيطة، وعودة الاستقرار الأمني الكامل إلى مدينة غريان».

وجاءت هذه التوترات لتعيد التساؤلات عن تفاهمات جرت خلال اجتماع عقد العام الماضي، بحضور حمزة وشطيبة، وعماد الطرابلسي وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة، لبحث تمركزات «اللواء 444» و«القوة العاشرة» و«الأمن العام» في غريان.

ويتبع «اللواء 444 قتال» بقيادة محمود حمزة، و«القوة العاشرة» بقيادة ناصر شطيبة، المرتبطة بوكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، رسمياً، وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس. ومع ذلك، تتمتع هذه الوحدات باستقلالية واسعة، وغالباً ما تتنافس على النفوذ والسيطرة على الطرق والموارد في المنطقة الغربية.

خالد حفتر يتفقد قوات الجيش في الجفرة (شعبة الإعلام الحربي)

من جهة أخرى، تفقد رئيس أركان «الجيش الوطني»، الفريق خالد حفتر، منطقة الجفرة، وزار غرفة العمليات ومقرّ «اللواء 87 مهام خاصة»، واطّلع على سير العمل ومستوى الجاهزية، كما التقى جنود الجيش في تمركزاتهم.

وأشاد خالد حفتر بـ«جهود وانضباط الجنود»، مؤكداً أهمية الحفاظ على أعلى درجات الاستعداد والجاهزية لتنفيذ المهام الموكلة إليهم. وأعلن «الجيش الوطني» تفعيل مكتب الشكاوى والتظلمات التابع لرئاسة أركان وحداته الأمنية، بهدف تعزيز التواصل مع المواطنين والنظر في شكواهم ومعالجة التظلمات بكل شفافية.

في شأن مختلف، أكد عضو المجلس الرئاسي الليبي، عبد الله اللافي، أن استقرار ليبيا «خط أحمر» لا يمكن المساس به، محذراً من أن «أي عبث سيقوض التوازن الهش ويدخل البلاد في مسارات غير محسوبة».

وشدّد اللافي خلال لقائه مساء السبت بمدينة الزاوية، مع عمداء بلديات المنطقة الغربية، على حق الليبيين في «سلطة شرعية موحدة تستمد مشروعيتها من انتخابات حرة تنهي انقسام المؤسسات»، داعياً إلى «تبني الحكمة والتسامح لتجاوز الاستقطاب السياسي الحالي».

كما أكد اللافي «على وحدة ليبيا وعدم قابليتها للقسمة»، مشيداً «بدور القيادات الاجتماعية في دعم السلم الأهلي، والدفع نحو استكمال المسار السياسي واستعادة هيبة الدولة».


لماذا تفشل الجهود الليبية والأوروبية في كبح الهجرة غير النظامية؟

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

لماذا تفشل الجهود الليبية والأوروبية في كبح الهجرة غير النظامية؟

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أعاد حادث مصرع 22 مهاجراً غير نظامي قبالة سواحل اليونان، بعد انطلاق قارب كان قد أقلَّهم من مدينة طبرق بشرق ليبيا، طرح التساؤلات عن أسباب فشل الجهود الليبية والأوروبية في صدِّ هؤلاء الفارين قبل أن يقضوا في البحر المتوسط.

المنظمة الدولية للهجرة تجري مقابلات مع مهاجرين داخل مركز إيواء في شرق طرابلس (جهاز مكافحة الهجرة)

وحسب خفر السواحل اليوناني، انطلق القارب الذي كان يقل 48 مهاجراً، من شاطئ طبرق الليبية في 21 مارس (آذار) الحالي، إلا أن 22 منهم لقوا مصرعهم بعدما علقوا 6 أيام في قارب مطاطي بمياه البحر.

وفي ظل تعدد حوادث غرق مهاجرين غير نظاميين، أو إعادة غيرهم من عرض البحر، تفرض أسئلة كثيرة نفسها عن حقيقة الجهود المبذولة للحد من تسربهم إلى الشواطئ الأوروبية، والأسباب التي تقف وراء استمرار تدفق مجموعات منهم على ليبيا.

عرض لمهاجرين داخل جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في ليبيا بعد ضبطهم بشقة بمدينة البيضاء شرق البلاد (الجهاز)

ويسود اعتقاد لدى حقوقيين وسياسيين ليبيين، بـ«تورط نافذين من شخصيات عسكرية وقيادات ميليشياوية» في عمليات تهريب المهاجرين عبر البحر، وهو الأمر الذي أكَّده مسؤول أمني سابق كان يتبع جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في غرب ليبيا لـ«الشرق الأوسط».

وقال المسؤول السابق الذي رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية: «عمليات تهريب البشر تدر عوائد مالية ضخمة على هؤلاء النافذين شرقاً وغرباً، وكثير من القوارب التي تنطلق من ليبيا محمَّلة بالمهاجرين، تُدار عبر رجالهم وأجهزتهم».

وكثيراً ما تعلن الأجهزة العسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها عن ضبط مهاجرين، وإدخالهم إلى مراكز الإيواء قبيل ترحيلهم إلى بلدانهم، أو توقيف وإعادة قوارب من البحر إلى البلاد.

غير أن المصدر الأمني قال إن «مئات المهاجرين ممن يعادون إلى غرب ليبيا، يتم الدفع بهم إلى مركز إيواء بئر الغنم؛ وهو مقر سيئ السمعة، وعليه علامات استفهام كبيرة». و«بئر الغنم» هو مقر لتجميع المهاجرين غير النظاميين، جنوب غربي العاصمة، ويضم مئات الأطفال المصريين، ومن جنسيات أخرى.

المنظمة الدولية للهجرة تجري مقابلات مع مهاجرين داخل مركز إيواء في شرق طرابلس (جهاز مكافحة الهجرة)

وسبق أن تحدث الحقوقي الليبي طارق لملوم عن «قيام زوارق خفر السواحل، ليلة العيد، بنقل أكثر من 80 مهاجراً، غالبيتهم من الجنسية المصرية، بعد إعادتهم من البحر إلى ميناء الشعاب».

ونقل لملوم عن مصادر أن «غالبية المهاجرين تم نقلهم إلى مركز احتجاز بئر الغنم سيئ السمعة، وهو المركز الذي سبق أن زعم وزير الداخلية بحكومة (الوحدة الوطنية) وجهاز مكافحة الهجرة، أنه غير قانوني».

وقال لملوم إن «نقل مهاجرين من وسط طرابلس، وهم في حالة هلع وخوف، ويحتاجون إلى رعاية صحية عاجلة، إلى مخازن وعنابر في بئر الغنم، يمثل مؤشراً واضحاً على وجود تنسيق بين جهات أمنية في طرابلس وقيادات داخل جهاز الهجرة».

ولم تعلِّق الأجهزة الأمنية المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في شرق ليبيا على واقعة مصرع 22 مهاجراً. وخلال الأشهر الماضية عملت السلطات في شرق ليبيا وغربها على تعزيز العمل مع الجانب الأوروبي، للحد من تهريب المهاجرين.

وأُنقذ 26 شخصاً، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية» لم تُحدد جنسياتهم، بينهم امرأة وقاصر، بواسطة قارب تابع لـ«الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود» (فرونتكس) قبالة جزيرة كريت اليونانية، وفقاً لبيان مقتضب صادر عن خفر السواحل اليونانيين.

ونقل البيان عن الناجين أن القارب غادر منطقة طبرق في شرق ليبيا في 21 مارس، متجهاً إلى اليونان التي تعد بوابة لكثير من الساعين للجوء في الاتحاد الأوروبي. وأفاد البيان بأن «الركاب فقدوا خلال الرحلة اتجاههم، وبقوا في البحر 6 أيام من دون ماء ولا طعام»، وأوقفت السلطات شابين من جنوب السودان سنهما 19 و22 عاماً، للاشتباه بأنهما مهرِّبان.

وأعلنت «جمعية الهلال الأحمر» في طبرق، الأربعاء الماضي، إنقاذ مركب لمهاجرين غير نظاميين كان يقل 32 مهاجراً من جنسيات مختلفة، مشيرة إلى أنه تم اقتيادهم إلى نقطة الإنزال بقاعدة طبرق البحرية، وتقديم الإسعافات الأولية والرعاية الإنسانية اللازمة لهم، بدعم من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

عرض لمهاجرين داخل جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في ليبيا بعد ضبطهم بشقة بمدينة البيضاء شرق البلاد (الجهاز)

وفي السياق، أعلنت رئاسة «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» في شرق ليبيا، ضبط 18 مهاجراً داخل شقة بمدينة البيضاء، كانوا يستعدون للهجرة عبر «قوارب الموت» إلى أوروبا.

وأوضح الجهاز في بيان، أن معلومات وردت إلى مكتب الدوريات الصحراوية بالجبل الأخضر تفيد بوجود مجموعة من المهاجرين داخل شقة بمدينة البيضاء، تُستخدم من قبل مهربين كموقع للتجميع والإيواء قبيل التهريب إلى أوروبا عبر البحر. وقال إنه تبيَّن بعد مداهمة الشقة وجود 18 مهاجراً من الجنسية البنغلاديشية، جميعهم من دون أوراق ثبوتية، وكانوا في حالة استعداد تمهيداً لتهريبهم عبر البحر باتجاه السواحل الأوروبية، لافتاً إلى أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم، وجارٍ التحقيق معهم، إلى حين تسليمهم إلى مركز إيواء البيضاء.

وسبق أن أعلنت «المنظمة الدولية للهجرة»، اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا، خلال الفترة من 2 إلى 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لافتة إلى اعتراض وإعادة 23513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة، و851 طفلاً.


الجزائر تودع اليامين زروال... جنرال المرحلة الانتقالية و«رجل المواجهة مع الإنقاذ»

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجزائر تودع اليامين زروال... جنرال المرحلة الانتقالية و«رجل المواجهة مع الإنقاذ»

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

يجسّد الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال، الذي توفي ليل السبت-الأحد عن عمر ناهز 84 سنة، لدى غالبية الجزائريين سيرة رجل زاهد في السلطة، سيّر البلاد في أحلك ظرف مرّت به في تاريخها.

أما بالنسبة لخصومه الإسلاميين، فقد ارتبط اسمه بالمشاركة في تكريس «الانقلاب على الشرعية»، عندما حرم الجيش «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» من الوصول إلى السلطة مطلع تسعينات القرن الماضي.

توفي اليامين زروال بالمستشفى العسكري بالعاصمة، حيث نُقل على جناح السرعة قبل يومين من منزله بمدينة باتنة (400 كلم شرق العاصمة)، إثر تدهور حالته الصحية.

الرئيس تبون عند وصوله إلى المستشفى العسكري حيث توفي الرئيس الراحل زروال (الرئاسة)

ووفقاً لمصادر صحافية من باتنة، فإن تشييع جنازته سيكون ظهر الاثنين بمسقط رأسه، وذلك خلافاً لما جرى مع الرؤساء السابقين الذين دُفنوا في «مقبرة العالية» بالعاصمة. وأكدت المصادر ذاتها أن اختيار مكان دفنه بناءً على رغبته الشخصية، كما أنه عندما غادر السلطة في 1998 رفض الإقامة في السكن الرسمي الذي تخصصه الدولة للرؤساء السابقين.

ونعت الرئاسة الجزائرية زروال، بينما أقرّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني، وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وتم إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الرئيس الراحل، الأحد، في الإقامة الرسمية (قصر الشعب) بالعاصمة، بحضور الرئيس تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، والوزير الأول سيفي غريب وأعضاء الحكومة، وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، والسفراء والقناصل الأجانب المعتمدين في الجزائر.

عبد المجيد تبون وقائد الجيش أسعيد شنقريحة أمام جثمان الرئيس الراحل اليامين زروال (الرئاسة)

واحتفظ الراحل زروال بصداقة قوية مع الرئيس تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال غربي العاصمة، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد (1979-1992)، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية، في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب في استحقاق تعددي، وذلك في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن في 11 سبتمبر (أيلول) 1998 إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

وتهاطلت بيانات التعازي والتعبير عن المواساة من الطبقة السياسية في الساعات الأولى من الأحد. وأكد «التجمع الوطني الديمقراطي»، وهو الحزب الذي كان زروال أحد مؤسسيه عام 1997، في بيان، أن الجزائر «فقدت برحيله أحد أبنائها البررة، ورجلاً من رجال الدولة الذين خدموا الوطن بإخلاص وتفانٍ، وتركوا بصمات راسخة في مسار بناء الدولة الجزائرية».

وأفادت «جبهة التحرير الوطني» (الحزب الواحد سابقاً)، في بيان، أن زروال «كان رمزاً من رموز الوطنية الصادقة، ورجل دولة حكيماً، أسهم بحنكة ومسؤولية في قيادة البلاد خلال مرحلة دقيقة من تاريخها، وساهم في إرساء مسار الوئام الوطني حفاظاً على وحدة الجزائر واستقرارها». مبرزاً أن «رحيل هذا الرجل العظيم يُعد خسارة جسيمة للجزائر، التي فقدت أحد أبنائها البررة الذين أحبّوها بصدق وأخلصوا لها العطاء».

من جهتها، أشارت «حركة البناء الوطني» إلى «الظروف التي دفعت الرئيس الراحل لحمل همّ الدولة بكل صدق مسهماً في صون مؤسساتها وتعزيز استقرارها، مستنداً إلى حس وطني عالٍ وروح مسؤولية راسخة، عرفه الجزائريون بوصفه رجل دولة متزناً متسامحاً، زاهداً، وفياً لمبادئه، بإرادة ثابتة تجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار»، في إشارة إلى قبوله عرض قيادة الجيش، رئاسة الدولة عام 1994 في وقت كانت المعركة ضارية مع الجماعات الإسلامية المتشددة.

الرئيسان الراحلان اليامين زروال وعبد العزيز بوتفليقة (حسابات ناشطين سياسيين)

ووفق البيان، «ترك الراحل إرثاً من المواقف التي ستبقى شاهدة على إخلاصه وتفانيه في خدمة الجزائر، وسيظل حضوره في الذاكرة الوطنية مرتبطاً بقيم التضحية والحوار والدفاع عن السيادة من أجل المصلحة العليا للبلاد».

ويجمع السياسيون والمثقفون، ومعهم عامة الشعب، على نظافة الذمة المالية للرئيس زروال، وعلى كونه حالة نادرة في الترفع عن صراعات مراكز القوى التي شهدتها البلاد في التسعينات.

وبهذا الخصوص كتب صحافي الإذاعة العمومية زين شرفاوي: «قد نختلف على نقاط عديدة طبعت فترة حكمه، بجوانبها الإيجابية والسلبية، لكن لا يمكننا الاختلاف على أن الرجل كان شجاعاً ووطنياً مخلصاً؛ فقد قَبِلَ تحمل المسؤولية في وقت كان الجميع يرفضها. لقد كانت البلاد تمر حينها بأخطر وأحلك مرحلة منذ الاستقلال: إرهاب في غاية العنف، مشهد سياسي فوضوي، وانهيار اقتصادي شامل، إلى درجة أن الدولة كانت تجد صعوبة في دفع أجور العمال والموظفين، لا سيما بعد سقوط أسعار النفط إلى ما دون 11 دولاراً للبرميل. كما يجب أن نُقر للرئيس زروال بفضله في العمل على تحديد الولايات الرئاسية بعهدتين فقط في دستور 1996، وهو ما يعد دليلاً بلا شك على أنه لم يكن يرغب في البقاء طويلاً في السلطة، وهي صفة نادرة في دول الجنوب».