قيادي بتحالف «تقدم» يحضّ طرفي الحرب السودانية على التفاوض قبل انفلات الأوضاع

رئيس «التجمع الاتحادي»: الإسلاميون أطلقوا الرصاصة الأولى... وأفشلوا «اتفاق جدّة»

بابكر فيصل بابكر (الشرق الأوسط)
بابكر فيصل بابكر (الشرق الأوسط)
TT

قيادي بتحالف «تقدم» يحضّ طرفي الحرب السودانية على التفاوض قبل انفلات الأوضاع

بابكر فيصل بابكر (الشرق الأوسط)
بابكر فيصل بابكر (الشرق الأوسط)

دعا الزعيم السياسي البارز والقيادي في «تنسيقية القوى الديموقراطية المدنية» (تقدم) ورئيس حزب «التجمع الاتحادي» بابكر فيصل بابكر، أطراف الحرب السودانية، لشحذ ما أسماه «الهمم والإرادة» من أجل وقف القتال، وحلّ الأزمة عن طريق التفاوض، «من أجل إنقاذ البلاد من الانزلاق لمصائر دول أخرى استمرت فيها الحروب لعقود طويلة».

وقال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أُجريت بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا: «أقولها بكل صراحة، وطننا بلغ مرحلة من الخطورة نكاد نراها رأي العين، وأدعو الطرفين للتحلي بالإرادة والعزيمة لوقف الحرب اليوم قبل الغد، قبل أن تفلت الأوضاع من الأيدي».

رئيس حزب «التجمع الاتحادي» بابكر فيصل بابكر (الشرق الأوسط)

وناشد بابكر المتحاربين بقوله: «أتوجه إلى قيادة الجيش وقيادة (الدعم السريع) للنظر بعمق وشحذ الهمم والإرادة للوصول لحل سلمي متفاوض عليه، يحفظ بلادنا ويعيدها لمسار الثورة والتحول المدني الديموقراطي».

وبحكم عضويته في لجنة الاتصال التابعة لـ«تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير»، قال بابكر: «مساء الجمعة قبيل اندلاع الحرب السبت، بساعات، اجتمعت لجنة الاتصال – هو أحد أعضائها – بقائد الجيش لثلاث ساعات، واتفقنا معه على تقليل التوتر، وتكوين لجنة من رئيسَي هيئة العمليات في الجيش و(قوات الدعم السريع)، و(الحرية والتغيير)، برئاسة عضو مجلس السيادة وقتها الهادي إدريس، وتقرر أن تجتمع الساعة 11 من صباح السبت، لتذهب إلى منطقة مروي العسكرية لسحب الحشود من هناك، وتفريغ الخرطوم منها».

وبحسب بابكر، فإن لجنة الاتصال بعد اجتماعها مع قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ذهبت فوراً إلى منزل الفريق أول محمد حمدان دقلو قائد «قوات الدعم السريع»، ولم تجده، لكنها التقت شقيقه الذي يشغل منصب قائد ثاني «قوات الدعم» عبد الرحيم دقلو ، الذي أبدى موافقته على ما تم التوصل إليه، ثم تعهد رئيس هيئة عمليات قواته، بالمشاركة في اجتماع الساعة 11 صباح السبت.

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية)

عاد بابكرإلى منزله مطمئناً بأنهم أفلحوا في «نزع فتيل التوتر»، لكنهم تفاجأوا بأن «مجموعة مسلحة» حاصرت المدينة الرياضية – معسكر «الدعم السريع» – في وقت مبكر من الصباح، ثم أطلقت الرصاص عليها واشتعلت الحرب. وتابع: «المجموعة التي أطلقت الرصاص هي صاحبة مصلحة في إفشال (الاتفاق الإطاري)؛ لأنها تريد العودة للسلطة مجدداً»، واستطرد: «لقد شنّت المجموعة التابعة للحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، تهديدات عديدة بإجهاض الانتقال المدني، وفي سبيل ذلك أطلقت الرصاصة الأولى وأشعلت الحرب».

ولماذا لم يستطيعوا السيطرة على الأوضاع بعدها؟ قال، «إن الحرب بعد اندلاعها فرضت حقائق جديدة ومنطقاً خاصاً بها... قصف الطيران مناطق عديدة ومات آلاف الناس، وحشد كل طرف قواته، وبالتالي، فإن ديناميكية الحرب الداخلية كانت الأقوى؛ ما صعّب السيطرة عليها... وكلما تواصلت تتعقد طرق السيطرة عليها».

ذهب الطرفان إلى جدّة بعد شهر من اندلاع الحرب أي في مايو (أيار) 2023، لكن تطورات الحرب الداخلية حالت دون الوصول لاتفاق، وقال فيصل: «كان للإسلاميين دور كبير في إفشال اتفاق جدة، فقد ظلوا يتوعدون بمواصلة القتال حتى النصر الحاسم، وهو أمر موثق في تسجيلاتهم»، وتابع: «خدعوا الناس وأنفسهم بأن (الدعم السريع) تم تحطيمه بالكامل في الساعات الأولى للحرب، ولم تبقَ منه إلا صفحته على (فيسبوك)، كانوا على ثقة أنهم سيحسمون الحرب خلال ساعات بالطيران، وبعد تشتيته يعودون إلى السلطة مجدداً».

صورة أرشيفية تُظهر دخاناً يتصاعد فوق مدينة الخرطوم مع اشتباك الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (رويترز)

ضجت الميديا ووسائل التواصل الموالية للإسلاميين باتهامات وُجّهت إلى بابكر تستند إلى فيديو كليب «مجتزأ»، بأنه هدد بالحرب إذا فشل «الاتفاق الإطاري»، لكنه قال، إنه تحدث عن حالة الاحتقان الشديدة، وأن البلاد على شفا هاوية الحرب. وأضاف: «قلت إذا اندلعت الحرب ستقضي على الأخضر واليابس... ومن الأفضل حل المشكلة باللسان بدلاً عن السنان بتوقيع الاتفاق النهائي، ومعالجة قضية الإصلاح الأمني والعسكري عبر الحوار».

وقطع: «ما قلته إننا ما لم نذهب إلى الحل السياسي، سيكون البديل هو الحرب، ولم أكن أهدد، بل كنت أقرأ الواقع وأحلله وأتنبأ بما سيحدث».

ودأب مؤيدو استمرار الحرب، على وصم «تقدم» وقادتها بأنهم «ذراع مدنية لـ(قوات الدعم السريع)»، وهو الأمر الذي نفاه فيصل بقوله: «شخصياً، لا توجد اتصالات بيني و(الدعم السريع) حالياً، لكن التواصل مع طرفي الحرب يتم عبر لجنة الاتصال»، واستطرد: «لا أعلم تواريخ آخر اتصالات، لكني أعتقد أنهم يتواصلون، فقبل أكثر من شهر ذكر رئيس (تقدم) أنه تواصل مع الفريق البرهان».

وقّعت «تقدم» مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي، ما عرف بـ«إعلان أديس أبابا» مع قيادة «الدعم السريع»، وهو الاتفاق الذي أثار ضجة كبيرة، وقال عنه فيصل: «أعددنا خريطة طريق وإعلان مبادئ، وطرحناهما على الطرفين، وافق (الدعم السريع) في غضون 48 ساعة، ولم يستجب الجيش حتى الآن، مرة سمعنا أنهم سيلتقون معنا في بورتسودان، ومرات يصفوننا بأننا عملاء سفارات، لكن لم يصلنا منهم أي رد بعد».

أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (تويتر)

ونص «إعلان أديس أبابا» على وقف الانتهاكات وإيصال المساعدات الإنسانية، وعلى بعض ملامح العملية السياسية، ويقول عنه فيصل: «للأسف، لم يتم الإيفاء بالجانب المتعلق بالانتهاكات، لكنا انتزعنا من (الدعم السريع) تعهدات رئيسية، مثل تكوين الجيش المهني الواحد، وخروج العسكريين من العملية السياسية والاقتصادية، وعلى مدنية الدولة».

وما إن كان الاتفاق عقد علاقة «تقدم» بقيادة الجيش، قال بابكر: «نحن تحالف مدني يسعى لوقف الحرب، ولن نقف مكتوفي الأيدي استجابة للابتزاز، وكنا سنفعل الشيء نفسه مع الجيش، لكنه رفض».

ونفى بابكر أن يكون «إعلان أديس أبابا»، تحالفاً مع «الدعم السريع»، وأكد أن مواقف تحالفه تقوم على «عدم الانحياز لأي من الطرفين، بل الانحياز لقضايا الشعب»، واستطرد: «أما إذا اختار الجيش التماهي مع قوى أخرى ورفضنا فهذا موضوع آخر»، وتعهد: «لن نتوقف ونواصل السعي والتواصل مع الجيش و(الدعم السريع)، ومن يستجِب منهم نجلس معه؛ لأن هدفنا إيقاف الحرب».

 

إعدام وتصفيات

 

ورد اسم بابكر ضمن قائمة سياسيين اتهمتهم النيابة بجرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام، فكان الرد بأنهم لا يعترفون بشرعية الحكومة التي انقلبت على الحكومة المدنية في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، ونتج من عدم شرعيتها أن الاتحاد الأفريقي جمّد عضوية السودان، وتابع: «الحركة الإسلامية تريد إرسال رسائل أنها مسيطرة وأنها قابضة على زمام الأمر والقرار في كل مناطق سيطرة الجيش، وقرارات حكام هذه الولايات بحل تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير ولجان الخدمات والتغيير ولجان المقاومة، صادرة عنهم».

عناصر كتيبة قوات المهام الخاصة التابعة للجيش السوداني في الولاية الشمالية (أ.ف.ب)

وكشف بابكر عن انتهاكات عديدة تواجه الأحزاب السياسية بقوله: «كوادر الأحزاب تواجه التصفية والاعتقال وتكميم الأفواه في مناطق سيطرة الجيش، وبالأمس اعتُقل أشخاص عدة كانوا في طريقهم للمشاركة في أعمال المؤتمر»، وتابع: «قبل أسابيع تمت تصفية أحد قادة حزب المؤتمر السوداني في الجزيرة، وأعضاء من حزبنا اعتقلتهم الاستخبارات العسكرية ولا نعرف أين هم»، وأضاف: «هذه مجرد محاولة تخويف بلا أساس جنائي، هذه اتهامات سياسية لن تجد من يستمع لها».

 

رؤية سياسية جديدة

 

أجاز مؤتمر «تنسيقية القوى الديموقراطية المدنية» (تقدم) الذي انعقد في أديس أبابا 26 – 30 مارس (آذار) الماضي رؤية سياسية جديدة، قال عنها بابكر: «أهم ملامحها إنها تناولت الأطراف المشاركة والقضايا الأساسية عن وحدة السودان وترابه وشعبه، إضافة إلى مطالب ثورة ديسمبر (كانون الأول)»، وتابع: «أهم ما جاء في الرؤية السياسية أنها أقرت مائدة مستديرة وحددت أطرافها بدقة شديدة؛ حرصاً على عدم إغراق المائدة بكيانات مصنوعة، وألا يشارك فيها المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية».

ووفقاً لبابكر، ترى «تقدم» أن يسير التفاوض بين طرفي الحرب ووقف العدائيات والعملية السياسية بالتزامن مع بعضها؛ حتى لا يحدث فراغ، وتابع: «هناك حديث بأن الاتحاد الأفريقي و(إيغاد) سيتبنيان العملية السياسية، ووفقاً لمعلوماتنا فإن الاتحاد الأفريقي سيدعو إلى جلسات أولية قريبة، لكن المهم بالنسبة لنا أن تسير العمليتان بالتزامن، إذا تم التوصل لوقف عدائيات تكون العملية السياسية قد وصلت للنتائج المطلوبة في الوقت ذاته».

 

من تخريج مقاتلين موالين للبرهان في القضارف (أ.ف.ب)

خروج الجيش من السياسة

 

قطع بابكربأن القوى المدنية ظلت تطالب منذ انقلاب أكتوبر الماضي، بخروج الجيش من العملية السياسية بالكامل، وترفض أي شراكة معه مرة أخرى، وأن تكون الحكومة مدنية بالكامل، وتابع: «الحرب جعلت خروج الجيش من السياسة أكثر إلحاحاً؛ لإتاحة الفرصة له للتركيز في بناء الجيش القومي الموحد، وهي عملية معقدة وتتعقد أكثر باستمرار الحرب... على الجيش الانصراف لمهامه في حماية الدستور والحدود، مثل الجيوش في البلدان الأخرى».

ويرى بابكر، «أن مشاركة الجيش في العملية السياسية ستقتصر في المرحلة المقبلة على تحديد مستقبل الجيش القومي المهني، مع ترك موضوع قيادته الحالية ودورها للشعب لينظر ويتخذ بشأنهما ما يشاء من قرارات». ويقول: «إذا رأى أن ثمن وقف هذه الحرب والحيلولة دون انزلاق البلاد نحو التقسيم والتفكيك والفوضى، هو إيجاد مخرج للبعض، فهذا سيقرر بشأنه الشعب».

ارتفعت الأصوات المطالبة بوقف الحرب كهدف في حد ذاته، وبموازاته يقول فيصل، «لذلك؛ نطالب بتزامن وقف العدائيات مع العملية السياسية من أجل التفرغ لقضايا الإعمار». ويتابع: «ستكون قضايا الإعمار معقدة ومركبة؛ لذلك هي الهم القادم».

مقاتلون موالون للبرهان في القضارف (أ.ف.ب)

وباطراد، يُطرح سؤال عن تمويل أنشطة «تقدم»، ويجيب بابكر بقوله، إنه «سؤال ابتزازي من طرف، وموضوعي من أطراف أخرى، ومن حق الجميع الحصول على رد: التمويل يتم من عضوية الأحزاب والداعمين السودانيين ورجال الأعمال، إلى جانب مساعدات لوجيستية تقدمها منظمات غربية وأفريقية متخصصة في عقد هذا النوع من المساعدات، بكل شفافية ودون إملاءات لأي أجندة خارجية... نحن نقوم بهذا الأمر من دون خجل؛ لأننا واثقون من نزاهتنا، ولن نترك التمويل يؤثر على أجندتنا السياسية الوطنية».

أمّا الرد على «الطرف المبتز»، فهو: «من الذي موّل اجتماع ما تسمى الكتلة الديموقراطية في القاهرة الأسبوع الماضي، والذي بلغت ميزانيته مليون دولار حسب أحد قادة التحالف؟ لماذا لم يسألهم أحد من أين جاء هذا المبلغ».


مقالات ذات صلة

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».