وزير فرنسي سابق يحث ماكرون على «طلب الصفح» من الجزائر

دوفيلبان خاض في «ملف الذاكرة والاستعمار» الشائك

دومينيك دوفيلبان أثناء تقديمه محاضرة بالجزائر الاثنين (الإذاعة الجزائرية)
دومينيك دوفيلبان أثناء تقديمه محاضرة بالجزائر الاثنين (الإذاعة الجزائرية)
TT

وزير فرنسي سابق يحث ماكرون على «طلب الصفح» من الجزائر

دومينيك دوفيلبان أثناء تقديمه محاضرة بالجزائر الاثنين (الإذاعة الجزائرية)
دومينيك دوفيلبان أثناء تقديمه محاضرة بالجزائر الاثنين (الإذاعة الجزائرية)

بينما تواصلت أشغال «لجنة الذاكرة» في الجزائر، حيث يجري بحث تسوية «مشاكل الماضي الاستعماري الفرنسي»، حث رئيس وزراء فرنسا الأسبق، دومينيك دوفيلبان، الرئيس إيمانويل ماكرون على طلب «الصفح» من الجزائر عن الجرائم التي ارتُكبت خلال فترة الاحتلال، التي دامت 132 سنة (1830 - 1962).

ويزور دوفيلبان الجزائر حالياً بدعوة من كلية الإعلام بالجزائر العاصمة، وكان يتحدث الاثنين في محاضرة حول «المعطيات العالمية الجديدة»، عندما سأله باحث جزائري عن «مسألة الذاكرة والاعتذار عن الآلام التي سببها الاستعمار للجزائريين»، فقال إن «الرئيس نفسه لا يملك القدرة على محو مآسي الماضي بضربة واحدة»، داعياً إلى أن «نجعل من قضية الذاكرة ماضياً مشتركاً، وخطوة بعد خطوة سنحرز تقدماً إلى الأمام، شعباً وقادة».

أعضاء لجنة الذاكرة الجزائريون في اجتماع مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

وأكد دوفيلبان أنه «لا يمكن محو جرائم الاستعمار، لكن من واجبنا جميعاً الاعتراف بها. وفي بعض الأحيان، يستغرق الأمر سنوات للتأكد من صحة مواقف وحقائق معينة»، مبرزاً أن الوجود الاستعماري الفرنسي بالجزائر، «جزء من شعب بكامله»، ومشدداً على «أهمية ألا تحيد الأفعال التي تربط بين بلدين قريبين كفرنسا والجزائر، عن وجهتها»، من دون تفسير ما يقصد بذلك، لكن مراقبين فسروا ذلك على أنه دعوة إلى تفادي الانزلاقات في «ملف الذاكرة»، الذي يطرح صعوبات بالغة في التأسيس لعلاقات ثنائية عادية بين البلدين، تكون مبنية على المصلحة.

اجتماع وفدي الخارجيتين الجزائرية والفرنسية لتحضير زيارة الرئيس تبون إلى باريس (الخارجية الجزائرية)

والمعروف أن دوفيلبان تولى مسؤوليات كبيرة في فرنسا، منها وزير خارجية وأمين عام بقصر الإليزيه وسفير سابق لدى المغرب، وفوق ذلك هو روائي وشاعر. اشتهر بخطابه في الأمم المتحدة عندما ندد بالغزو الأميركي للعراق عام 2003. وواجه منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة هجوماً حاداً من طرف اليمين وقطاع من الإعلام في فرنسا، بسبب تنديده بالمجازر التي يتعرض لها سكان القطاع.

الحسن زغيدي رئيس لجنة الذاكرة من الجانب الجزائري (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وأفاض دوفيلبان في «موضوع الذاكرة»، موضحاً أنه «ملم به جيداً... فقد كنت أميناً عاماً بالإليزيه في عهد الرئيس جاك شيراك، وأنا أعلم أن هناك عقبات تشكل صعوبات في بعض الأحيان، كقضية الاشتغال على الذاكرة».

وجاءت الإشارة إلى فترة رئاسة شيراك من جانب أن «قضية الذاكرة» طُرحت خلال هذه الفترة، وتحديداً في 2005 لما أصدر البرلمان الفرنسي قانوناً تحدث عن «منافع الوجود الفرنسي في شمال أفريقيا خلال القرنين الـ19 والـ20». وعدّت الجزائر التشريع «تمجيداً للاستعمار»، وطالبت بسحبه. ولاحقاً تم تعديله بإلغاء ما فيه من «إشادة بالاحتلال».

كما أشار دوفيلبان إلى «قضايا تثير الانقسام في فرنسا»، وأكد أن «بعضها يبدو سهل الحل، لكنه يؤدي إلى الانقسام»، مشيداً بـ«ما تم إنجازه حتى الآن»، وذكر على الخصوص تقديم ماكرون اعترافاً في سبتمبر (أيلول) 2018 بمسؤولية الجيش الاستعماري عن مقتل واختفاء موريس أودان، أستاذ الرياضيات والمناضل الشيوعي الذي كان مؤيداً لاستقلال الجزائر، مما عرضه للتعذيب عام 1957. واعترافاً آخر في مارس (آذار) 2021 بمسؤولية فرنسا عن تعذيب وقتل المحامي الجزائري الشهير علي بومنجل في العام نفسه، وذلك بعد فترة قصيرة من اعتقاله، في حين ادعى الفرنسيون أنه «انتحر برمي نفسه من طابق علوي من مقر الشرطة».

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

وتزامنت تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق مع بدء وفدين من الباحثين في التاريخ جزائريين وفرنسيين، اجتماعاً الاثنين بالجزائر، لبحث «تسوية النزاع حول الذاكرة»، بناء على توجيهات من رئيسي البلدين. وسيدوم هذا اللقاء أياماً، وهو الخامس منذ أبريل (نيسان) 2023.

وكان ماكرون استبعد تماماً «طلب الصفح» من الجزائر عن جرائم الاستعمار، خلال مقابلة مع مجلة «لوبوان» الفرنسية، نُشرت في 12 يناير (كانون الثاني) 2023؛ إذ أكد أن «أسوأ ما يمكن أن يحصل هو أن نقول: نحن نعتذر، وكل منا يذهب لحال سبيله»، مشدداً على أن «عمل الذاكرة والتاريخ ليس جردة حساب... إنه عكس ذلك تماماً».


مقالات ذات صلة

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

شمال افريقيا وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

دخلت مساعي التقارب بين الجزائر وباريس مرحلة جديدة، إثر الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى العاصمة الفرنسية يومي 2 و3 يونيو الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي عَلما إسرائيل واللواء غولاني في الجيش الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف (رويترز)

واشنطن تشعر بخيبة من موقف برّي لرفضه «النصيحة»

عبّرت واشنطن عن «خيبتها» من موقف رئيس البرلمان نبيه بري لوصفه الطلب من «حزب الله» أن يوقف أولاً هجماته ضد إسرائيل، بأنه مثابة «استسلام».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا وزير الداخلية الجزائري مستقبِلاً نظيره الفرنسي بمقر الوزارة في 16 فبراير الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وزير جزائري يبحث في فرنسا «أزمة المعارضين» و«أموال الفساد»

يبحث وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود الاثنين والثلاثاء بباريس ملفات عالقة بين البلدين تخص التعاون في مجال مكافحة الإرهاب وقضية شبكة «مافيا دي زاد» الإجرامية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

صعود اليمين المتطرف يهدد بنسف «مصالحة الذاكرة» بين الجزائر وباريس

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية يبرز تساؤل مُلحّ: ما مصير سنوات من العمل المشترك بين الجزائر وباريس حول ملف «مصالحة الذاكرتين» بين البلدين؟

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

صدور قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» للجزائر في الجريدة الرسمية

صدر في الجريدة الرسمية للدولة الجزائرية قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ 14 يونيو 1830 حتى الخامس من يونيو 1962، وآثاره المباشرة وغير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

حققت قوى سياسية ومدنية سودانية متباينة اختراقاً سياسياً مهماً بعد توصلها إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تمهد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي نحو الحكم المدني الديمقراطي، عقب مداولات استمرت عدة أيام.

وأصدرت هذه القوى، التي كانت يوماً تحت مظلة واحدة قبل أن تفرقها الحرب وتباعد مواقفها، بياناً مشتركاً ضم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش السوداني، و«حزب البعث العربي الاشتراكي»، إلى جانب أحزاب وقوى سياسية أخرى وشخصيات ومنظمات مدنية ونسوية وشبابية.

وأكد البيان توافق الأطراف على مسار سياسي جديد يهدف إلى تحقيق سلام شامل وإنهاء الحرب، ووضع أسس حل سلمي يحافظ على وحدة السودان وسيادته. ويُعد هذا التوافق الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023؛ إذ يجمع بين قوى مناهضة للحرب (تحالف صمود) و«الكتلة الديمقراطية» التي تُعد أكبر تحالف سياسي داعم للجيش السوداني.

وسلمت القوى السودانية، فجر الجمعة، «الآلية الخماسية» الدولية، التي تضم الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، مسودة الرؤية التي تم التوصل إليها بالإجماع.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

وجاء الاتفاق بعد تعذر انعقاد الاجتماع الرسمي الذي دعت إليه «الآلية الخماسية»؛ ما دفع القوى السياسية والمدنية إلى الانخراط في مشاورات جانبية مكثفة للتوافق على أسس عملية سياسية جديدة. وقالت القوى الموقعة إن هذا التوافق يعكس إرادة سياسية ومدنية مشتركة لوضع حد للاقتتال، وفتح الطريق أمام تسوية سلمية شاملة.

وشاركت في الاجتماعات إلى جانب الكتلة الديمقراطية، وتحالف صمود، تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، إلا أن المفاوضات التي جرت كانت بين الكتلة الديمقراطية وتحالف «صمود»، حيث رفض أعضاء في الكتلة الديمقراطية الجلوس مع وفد «تأسيس».

وشدد البيان المشترك على ضرورة تصميم عملية سياسية متكاملة تتصدر أولوياتها معالجة الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب، وتوسيع الفضاء المدني، وتهيئة المناخ اللازم لإنجاح الحوار الوطني. كما أكد أهمية المحاسبة على جرائم الحرب وتحقيق العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية لمعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية التي خلفها النزاع.

لجنة لصياغة الأجندة

واتفقت الأطراف على تشكيل لجنة تحضيرية لا يتجاوز عدد أعضائها 40 عضواً وعضوة، تمثل مختلف أطراف العملية السياسية، مع مراعاة التعدد السياسي والتوازن الجغرافي والتمثيل الاجتماعي والمهني والنسوي والشبابي، فضلاً عن تمثيل المتأثرين بالحرب من النازحين واللاجئين.

وستتولى اللجنة تحديد أطراف العملية السياسية، وفق معايير متوافق عليها، وصياغة أجندة الحوار ومبادئ الحل السياسي ومرتكزاته، والإشراف على إجراءات تهيئة المناخ، إضافة إلى وضع منهجية الحوار، وتحديد زمان ومكان انعقاده وتنسيق العلاقة مع الوسطاء والضامنين الإقليميين والدوليين.

وتتضمن الرؤية 3 مسارات متزامنة للعملية السياسية. ففي المسار الإنساني، دعت القوى إلى فك الحصار عن المدن والمعسكرات في دارفور وكردفان وغيرها من المناطق المتضررة، وفتح الممرات الآمنة لإيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، مع التزام الأطراف المتحاربة بتسهيل عمل المنظمات الإنسانية دون قيود.

البرهان أعلن قبل أيام إطلاق حوار سياسي شامل وسط توقعات بأنه لم يمانع مشاركة قوى موالية له في اجتماعات أديس أبابا (فيسبوك)

أما في المسار الأمني، فقد اشترطت التوصل إلى وقف إنساني لإطلاق النار يستند إلى بنود «إعلان جدة»، وتحت رقابة إقليمية ودولية وأممية، بالتزامن مع انطلاق العملية السياسية، بما يمهد للوصول إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار.

وفي المسار السياسي، نصت الرؤية على إطلاق حوار سوداني شامل بين القوى السياسية والمدنية لمعالجة جذور الأزمة الوطنية والوصول إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس للتحول المدني الديمقراطي.

كما دعت الوثيقة إلى اتخاذ إجراءات لبناء الثقة قبل بدء العملية السياسية، تشمل إطلاق سراح المحتجزين والأسرى والمختطفين، وإنشاء آليات للبحث عن المفقودين، وإلغاء الإجراءات التعسفية ضد القوى المدنية والسياسية، وضمان حرية النشاط السياسي والمدني، ووقف المحاكمات المرتبطة بالحرب ذات الطابع السياسي.

وأكد المشاركون في اجتماعات أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، على استبعاد حزب المؤتمر الوطني المعزول وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية المقبلة، بوصفه أحد الثوابت التي حظيت بإجماع واسع بين الأطراف المشاركة.

وأكد المشاركون في الاجتماعات التي جرت في أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، على إبعاد حزب المؤتمر الوطني المعزول بثورة 2018، وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية.

ولا يستبعد على نطاق واسع أن يكون مشاركة «الكتلة الديمقراطية» في اجتماع أديس أبابا، وما تم التوصل من توافق، كان بإيعاز من من قادة الجيش السوداني.

ومن بين المبادئ التي تضمنتها الرؤية التأكيد على وحدة السودان وسيادته، والربط بين المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية ضمن حزمة متكاملة تقود إلى إنهاء الحرب، واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.

أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين (إكس)

وكانت «الآلية الخماسية» قد دعت القوى السودانية، بما في ذلك تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» المرتبط بـ«قوات الدعم السريع»، إلى اجتماع استكشافي يهدف إلى تقريب وجهات النظر، وفتح مسار سياسي جديد لإنهاء النزاع المستمر في البلاد. وبحث إمكانية تشكيل آلية موحدة للمساهمة في جهود وقف الحرب، والتفاوض بشأن الترتيبات الانتقالية، تمهيداً لإطلاق حوار سياسي شامل بين السودانيين.

وقال مبارك أردول، رئيس «التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية» وأحد أبرز قيادات «الكتلة الديمقراطية»، إن المشاورات التي جرت في أديس أبابا تمثل خطوة كبيرة منذ اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن المشاركين توصلوا إلى موقف مشترك بشأن اللجنة التحضيرية للعملية السياسية والبيان الختامي، مع التمسك برفض مشاركة تحالف «تأسيس» في العملية السياسية.

وتضم «الكتلة الديمقراطية» عدداً من الحركات المسلحة والقوى السياسية، من أبرزها «حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«مؤتمر البجا»، و«الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، إلى جانب مكونات سياسية أخرى.

من جانبه، قال الأمين العام لحزب «الأمة» القومي، الواثق البرير، إن لقاء أديس أبابا استهدف التوافق على أسس وآليات التحضير لعملية سياسية سودانية شاملة، مؤكداً تمسك حزبه برفض عودة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.


مقترح تطبيق «الدعم النقدي» في مصر يثير مخاوف وانتقادات واسعة

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)
اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)
TT

مقترح تطبيق «الدعم النقدي» في مصر يثير مخاوف وانتقادات واسعة

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)
اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)

لا يزال مقترح تطبيق نظام «الدعم النقدي» في مصر يثير انتقادات لدى قطاعات من المستفيدين، وسط مخاوف من حرمان «الفئات الأولى بالرعاية» من «الدعم الحكومي».

وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي «بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي» في بلاده «اعتباراً من العام المالي المقبل، الذي سيبدأ في يوليو (تموز) العام الحالي»، وقال في مؤتمر صحافي، مساء الخميس، إن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي».

ورهن خبراء نجاح المقترح الجديد بـ«توافر قاعدة بيانات دقيقة لـ(الفئات الأولى بالرعاية)»، إلى جانب «آلية رقابية تضمن حصول المستحقين على الدعم الحكومي، وتحديث البيانات بشكل دقيق حتى لا تُستبعد فئات مستحقة».

وتطبق الحكومة منظومة لدعم السلع الضرورية منذ عقود طويلة، بهدف خفض نفقات المعيشة لـ«الفئات الأولى بالرعاية»، ويحصل المواطن على السلع المدعمة من خلال منظومة البطاقات التموينية.

وتشكو الحكومة باستمرار من الأعباء الاقتصادية لمنظومة الدعم على الموازنة العامة، خصوصاً بعد التوسع في السلع المدعمة خلال السنوات الماضية.

وبحسب رئيس الوزراء المصري، فإن «بدء تطبيق نظام الدعم النقدي بداية من العام المالي المقبل، سيشكّل نقلة نوعية في أسلوب تقديم الدعم للمواطنين»، وقال إن حكومته «تركز على معالجة أوجه القصور في منظومة الدعم الحالية، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، والاستفادة القصوى من الموارد المخصصة للدعم».

وأشار مدبولي، الخميس، إلى أن المقترح الجديد لنظام الدعم النقدي سيعتمد على «تقسيم المستحقين إلى عدة شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، وقال إن «الفئات (الأكثر احتياجاً) ستحصل على أعلى قيمة من الدعم النقدي، في حين تحصل الشرائح (الأقل احتياجاً) على مبالغ أقل وفق نظام تدريجي يحقق العدالة في التوزيع».

وأكد مدبولي أن هدف حكومته «توجيه الجزء الأكبر من الدعم للفئات (الأشد احتياجاً)، بما يضمن تحقيق أكبر أثر اجتماعي ممكن من الأموال التي تخصصها الدولة لهذا الملف»، وقال إن «الحكومة تعمل على تصميم آلية تضمن استمرار الدعم بصورة عادلة ومتوازنة مع مراعاة المتغيرات الاقتصادية المختلفة».

و«رفعت الحكومة قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة التي ستطبق بداية من يوليو المقبل إلى 832.3 مليار جنيه»، وفق وزارة المالية (الدولار يساوي 51.7 جنيه).

الحكومة تدرس التحول إلى نظام «الدعم النقدي» بدلاً من «العيني» (وزارة التموين)

وكيل «لجنة الخطة والموازنة» بمجلس النواب مصطفى سالم، يرى أن «الحديث عن حوكمة ملف الدعم وضمان وصوله للمستحقين الحقيقيين من الأهداف الإيجابية»، غير أنه أشار إلى أن «التحول للنظام النقدي يحتاج إلى دراسات واستعدادات مستفيضة لضمان تحقيق هدفه بالفعل».

وأوضح سالم لـ«الشرق الأوسط» أن «النظام النقدي يحتاج إلى قاعدة بيانات دقيقة بأسماء المستحقين للدعم، مع نظام مميكن يضمن وصول الدعم لـ(الفئات الأولى بالرعاية)»، وقال إن «الحكومة لم تعلن أي إجراءات بشأن المنظومة الجديدة»، مشيراً إلى أنه من الأفضل «التطبيق التدريجي لبعض فئات الدعم، وفي محافظات معينة، لضمان تلافي أي أخطاء قد تثير غضب المواطنين».

وأبدى متابعون على منصات التواصل الاجتماعي، الجمعة، مخاوفهم من تطبيق «الدعم النقدي»، وانتقدوا مقترح الحكومة في هذا الشأن، وطالبوا بـ«استمرار النظام القديم (الدعم السلعي) مع زيادته بصورة أكبر بدلاً من إلغائه».

ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من منظومة الدعم التمويني بمصر، حسب وزارة التموين.

وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن «هناك مخاوف من آليات تطبيق الدعم النقدي»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التحدي الأساسي أمام الحكومة هو توفير منصة تجمع كل شرائح المستحقين للدعم»، إلى جانب «آلية دقيقة للرقابة على إجراءات توزيع الدعم النقدي».

الحكومة المصرية تشكو باستمرار من الأعباء الاقتصادية لمنظومة الدعم على الموازنة (وزارة التموين)

ويرى بدرة أن «القبول المجتمعي بالمنظومة الجديدة مرهون بشكل أساسي بإجراءات تطبيقها بشكل آمن ودقيق دون أخطاء تؤدي لاستبعاد مستحقين للدعم». ويقول إنه «يجب توافر مجموعة من الضوابط لإنجاح التحول للدعم النقدي، تتضمن تحديد فئة المستحقين للدعم، ومن سيحصل عليه، هل الأسرة أو كل فرد على حدة، وقيمته... ».

وتعمل الحكومة بصورة شبه يومية لإنهاء الدراسات الخاصة بملف التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، بحسب مصطفى مدبولي، قائلاً إن «هذا الملف يخضع لمناقشات موسعة مع مختلف الجهات المختصة والخبراء لضمان الوصول إلى أفضل آلية للتنفيذ»، وأضاف أنه «يتم دراسة كافة الملاحظات والآراء المطروحة بشأن الدعم النقدي، خاصة ما يتعلق بتأثيرات التضخم، وكيفية الحفاظ على القوة الشرائية للمستفيدين».

في حين عدّ الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن مقترح الحكومة تطبيق الدعم النقدي «ضرورة في ظل الأعباء الاقتصادية التي تواجهها البلاد»، مشيراً إلى أن «الحكومة في حاجة لتحرير الدعم من الموازنة العامة كإصلاحات اقتصادية مطلوبة من المؤسسات الدولية التي من بينها صندوق النقد الدولي».

ويضيف النحاس لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة ستضطر إلى خفض عدد المستحقين للدعم مع تطبيق النظام النقدي»، حسب قوله.


مقترح بتشكيل لجنة لصياغة «قانون الأسرة المصرية»... هل يُهدئ الجدل بشأنه؟

رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)
رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مقترح بتشكيل لجنة لصياغة «قانون الأسرة المصرية»... هل يُهدئ الجدل بشأنه؟

رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)
رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)

تحاول الحكومة المصرية تهدئة الجدل المثار حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، بتأكيد انفتاحها الكامل على أي تعديلات بخصوصه، بل اقتراحها «تشكيل لجنة مشتركة من تنفيذيين وأعضاء بالبرلمان لإعادة صياغته، بعد أخذ رأي الأطراف المعنية المختلفة والمؤسسات، بما في ذلك الأزهر»، وفق رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي.

ورأى مراقبون أن مقترح الحكومة ليس سوى محاولة لتهدئة الرأي العام، ولا يحمل جديداً من حيث سير العمل بعد تقديم الحكومة لمشروع قانون إلى المجلس، إذ تقوم دورة إعداد المشاريع التقليدية على الاستماع إلى آراء الجهات المختلفة، واستدعاء الوزارات والجهات الرسمية المختصة، ثم إعادة صياغة المواد وفق ما انتهى إليه المشرعون.

وكانت الحكومة قد نفت قبل أيام سحب مشروع القانون من البرلمان. وقالت وزارة الشؤون النيابية، في بيان، إن «الحكومة قد استوفت دورها بتقديم مشروع القانون رسمياً إلى مجلس النواب؛ ليصبح حالياً في حوزته، وتحت ولايته التشريعية»، ووصفته بأنه «لبنة أولى للحصول على صياغات متوازنة تحقق الغايات النهائية لمثل هذه القوانين».

وقال مدبولي، خلال مؤتمر صحافي، الخميس: «نعي تماماً حساسية هذا القانون، إننا نتحدث مع معسكرين مصالحهما متعارضة، وأي مادة يفهم منها أنها تنحاز لجانب سيكون الجانب الآخر ممتعضاً منها، والعكس بالعكس»، مضيفاً: «الأهم أننا نقترح أن تكون هناك لجنة مشتركة من مجلس النواب والحكومة تصيغ المواد بالشكل المناسب...»، لافتاً إلى أنه اقترح ذلك في مراسلاته مع رئيس البرلمان: «الحكومة تعي أن ما قدمته ليست مسودة نهائية، والأمر سيأخذ وقتاً للنقاش».

وانتقد العديد من النشطاء نهج الحكومة في إعداد المشروع دون الاستعانة برأي الأزهر، معتبرين المشروع مرفوضاً ومخالفاً، خلال تعليقات على مقطع المؤتمر الصحافي المنشور عبر الصفحة الرسمية لرئاسة الوزراء.

وعلّق عضو مجلس النواب ضياء الدين داوود، على المقترح الحكومي قائلاً، إن «تشكيل لجان مشتركة ليس جديداً، فعادة ما يحدث ذلك في مشاريع القوانين الكبيرة مثل الأحوال الشخصية»، لافتاً إلى أن الأمر يظل تحت إدارة وإشراف اللجان المختصة التي «تستدعي ممثلي الحكومة المعنيين بالملف، كما تستمع إلى آراء كافة الأطراف ذات الصلة، وفي مقدمتها مؤسسة الأزهر».

وشدّد داوود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن «الأزهر وإمامه لهما كل التقدير من المجلس، ولا يمكن أن يخرج القانون إلا بعد أخذ رأيه في ظل المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع».

الحكومة تعي حساسية مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد ومنفتحة على تعديله (رئاسة مجلس الوزراء)

وأثار مشروع القانون جدلاً واسعاً مع استحداث العديد من المواد التي رآها البعض مخالفة للشريعة، منها تقييد الطلاق في أول 3 سنوات إلا بحكم محكمة، أو فسخ عقد الزواج خلال 6 شهور إذا اتضح أن أحد طرفي العقد أخفى عيباً أصيلاً عن الطرف الآخر ما لم تكن الزوجة حاملاً. كما تطرق مشروع القانون إلى الطلاق الشفهي المثير للجدل، وألزم الزوج في مادة منه بتوثيق الطلاق خلال 15 يوماً من النطق به.

وزاد الجدل بعدما أصدر الأزهر بياناً في 20 مايو (أيار) الماضي، بأنه لم يطلع حتى الآن على مشروع قانون الأحوال الشخصية، ولم يعرض عليه لأخذ رأيه فيه، ما فسره البعض آنذاك بأنه بيان يعبر عن «استياء مكتوم لدى المؤسسة الدينية».

وقال العالم الأزهري أستاذ الفقه المقارن، عبد الحليم منصور، لـ«الشرق الأوسط»، إن «النظر إلى مشروعات قوانين الأحوال الشخصية ينبغي أن ينطلق من مبدأ أن الأسرة ليست شأناً فردياً فحسب، بل هي مؤسسة اجتماعية تمس استقرار المجتمع بأسره، ومن ثم فإن أي تعديل تشريعي يجب أن يوازن بين الأحكام الشرعية المعتبرة، ومتطلبات الواقع المعاصر، ومصالح الأسرة والأطفال».

ورأى منصور أن المواد المثيرة للجدل لها تخريجات تجمع بين الرأي الشرعي والمصلحة المجتمعية، مثلما حدث في مقترح الطلاق الشفهي، بإلزام الزوج بتوثيقه دون الإخلال بالرأي الشرعي بوقوع الطلاق عند النطق به. مضيفاً أن «المطلوب هو حوار علمي هادئ تشارك فيه المؤسسات الشرعية، ولا سيما الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، والقانونية والاجتماعية، للوصول إلى حلول متوازنة تراعي ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع، وتحقق المصلحة العامة للأسرة المصرية».

مجلس النواب المصري خلال انعقاده في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية (مجلس النواب المصري)

ولا يعد مشروع قانون الأحوال الشخصية المُقترح حالياً، هو الأول من نوعه، إذ يجري الحديث في مصر عن إصدار تشريع شامل لشؤون الأسرة منذ سنوات، وسبق أن عرضت الحكومة نسخة على الأزهر في عام 2019، وناقشتها هيئة كبار العلماء، وأرسلت رأيها بشأنها إلى الحكومة، لكن هذا المشروع لم يرَ النور.

وعاد التشريع الأسري كحاجة ملحة بعدما وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي في أبريل (نيسان) الماضي، بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين، وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان.

ورغم ذلك لا يستبعد النائب البرلماني ضياء الدين داوود إمكانية تعثر مشروع قانون الأحوال الشخصية مجدداً، ما لم تتحرر كافة الأطراف المعنية والنواب من الضغوطات الممارسة عليهم، عند تناوله، وضرورة مناقشته بتجرد من أجل الصالح العام.

وأضاف أن «المجلس سيأخذ رأي كل المعنيين، وسيوجد عند النقاش ممثلون من الحكومة، والنيابة العامة، ونقابة المحامين والمؤسسات الحقوقية»، مشدداً على ضرورة أن «تتحرر السلطة التشريعية بعد ذلك من التجاذبات الخارجية من أطراف النزاع، وتضع تشريعاً ذا عمومية يضع قواعد عامة ومجردة».