ما مغزى حديث نتنياهو عن «هامان مصر» قبيل اجتياح «رفح»؟

وسط تحذيرات القاهرة من تنفيذ العملية العسكرية

امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)
امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)
TT

ما مغزى حديث نتنياهو عن «هامان مصر» قبيل اجتياح «رفح»؟

امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)
امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)

أثار الاستخدام المتكرر من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لمصطلحات دينية وقصص توراتية، في سياق الصراع مع حركة «حماس» تساؤلات عدة حول مغزى التوظيف السياسي من جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية للخطاب الديني في الصراع الراهن، وإذا ما كان الأمر يعكس «عقيدة دينية» لديه، أم محاولة لمغازلة قطاعات «اليهود المتشددين» في إسرائيل، والذين باتوا - بحسب متخصصين - «يمثلون كتلة تصويتية كبيرة في المشهد السياسي الإسرائيلي».

واستعار نتنياهو أخيراً في لقاء مع عناصر كتيبة «إيرز»، التابعة للشرطة العسكرية، بعض القصص التوراتية الخاصة بمواجهة «هامان» وزير فرعون في فترة خروج اليهود من مصر؛ لحث الجنود على القتال ضد حركات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال اللقاء: «نحن نحيي اليوم ذكرى (عيد المساخر)؛ إذ ظهرت قبل أكثر من 2000 عام شخصية (هامان الظالمة) المعادية للسامية، والتمس إزالة اليهود من على وجه الأرض، فنهض اليهود واتحدوا وحاربوا وانتصروا»، على حد قوله، وواصل: «سندخل إلى رفح وسنحقق النصر الحاسم وسنقضي على السنوار (في إشارة إلى زعيم حركة «حماس» في غزة، يحيى السنوار)، تماماً مثلما قضينا على هامان».

وحذرت مؤسسات عالمية ودول عدة، من بينها مصر، من خطورة إقدام إسرائيل على تنفيذ عملية عسكرية برية في مدينة رفح التي يتكدس فيها نحو 1.5 مليون فلسطيني معظمهم نزحوا إلى المدينة الملاصقة للحدود المصرية نتيجة استمرار الاستهداف الإسرائيلي المتواصل لجميع مناطق القطاع على مدى الأشهر الست الماضية، وأكدت القاهرة أن عواقب ذلك «ستكون وخيمة».

الدخان تصاعد في وقت سابق من البريج في قطاع غزة بعد قصف إسرائيلي (إ.ب.أ)

استدعاء متكرر

ولا يمثل هذا الاستدعاء للرموز الدينية استثناء في خطاب نتنياهو السياسي منذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ إذ حفلت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بالعديد من تلك الاستعارات الدينية، فقد استشهد في بداية الحرب بالتوراة، محفزاً جنود الاحتلال على القتال بعنف في غزة بقوله: «عليكم بتذكر ما فعله العماليق بالإسرائيليين، نحن نتذكر، ونحن نقاتل».

وقصة العماليق وردت في سفر التكوين بالتوراة، الذي تضمن آية تقول: «الآن اضربوا العماليق، دمروا تماماً كل ما يملكون لا تفلتوهم، اقتلوا الرجال والنساء، الرضع والمرضعات، العجول والخراف، الجمال والحمير».

كما وصف نتنياهو جنود الاحتلال بأنهم «جزء من إرث المحاربين اليهود الذي يعود تاريخه إلى 3000 عام منذ عهد يوشع بن نون»، قائلاً: «هدفهم واحد وهو دحر العدو القاتل، وضمان وجودنا في أرضنا».

هذا الاستخدام المكثف للرموز الدينية في الخطاب السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، كان من بين الأدلة التي استندت إليها جنوب أفريقيا في اتهامها لإسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بـ«ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة»؛ إذ أشار الفريق القانوني الجنوب أفريقي خلال جلسة المحكمة في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى أن «خطابات المسؤولين الإسرائيليين تؤكد نية ارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين»، وأشار حينها إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي استخدم الخطاب الديني لتبرير قتل المدنيين والأطفال في غزة.

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل بمخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

دغدغة مشاعر

ورأت أستاذة الدراسات العبرية المقارنة بجامعة عين شمس في مصر، الدكتورة نهلة رحيل، أن استخدام رئيس الوزراء الإسرائيلي المتكرر للروايات التوراتية في تبرير أعمال قوات الاحتلال في الصراع مع الفلسطينيين يمثل «سمة معتادة في الخطاب السياسي لنتنياهو»، مؤكدة أن ذلك الخطاب «يحقق تأثيراً كبيراً في دغدغة مشاعر قطاع كبير من المتدينين في إسرائيل، عبر محاولة الربط بين العقيدة الدينية والدفاع عن إسرائيل».

وأضافت رحيل لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التوظيف السياسي والعسكري للخطاب الديني لا يقتصر فقط على نتنياهو، بل هو «أمر معتاد في الذهنية الإسرائيلية»، لافتة إلى استعارة قوات الاحتلال لأسماء معارك توراتية وإطلاقها على ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من عمليات سواء ضد الفلسطينيين أو ضد غيرهم، في محاولة لإكساب تلك العمليات بعداً دينياً وتاريخياً، و«إشارة إلى فكرة الصراع بين الخير والشر، وهو ما تراه من المبررات المعتادة تاريخياً لتبرير المذابح الدموية عبر الزمن».

لكن في المقابل، يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، وسفير مصر سابقاً لدى إسرائيل، السفير حازم خيرت، أن شخصية نتنياهو «براغماتية ولا تتصف بالتدين»، لافتاً إلى أن استخدامه للرموز الدينية «ليس سوى وسيلة لاكتساب الشعبية في الشارع الذي باتت تهيمن عليه التيارات المتطرفة دينياً وسياسياً».

وأوضح خيرت لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي «فقد توازنه» في الفترة الأخيرة سواء نتيجة ضربة 7 أكتوبر، أو نتيجة فشله في الحسم العسكري للحرب، وهو ما يدفعه إلى استخدام كل الأدوات المتاحة لمغازلة الشارع الإسرائيلي الذي باتت تغلب عليه التيارات اليمينية المتطرفة، في مقابل تراجع دور وحضور الأحزاب العلمانية واليسارية التي كانت تمثل تاريخياً قُوى أقرب إلى الاعتدال، مثل حزبي «العمل» و«ميريتس».

مسعفون يفرغون جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا في شمال قطاع غزة (أ.ب)

تغذية التطرف

وبالفعل، أفادت نتائج استطلاعي رأي نُشرت في تل أبيب، الشهر الماضي، بأن الجمهور اليهودي في إسرائيل «زاد تديناً وتطرفاً عن ذي قبل»، وذلك بعد هجوم «حماس» على البلدات اليهودية في غلاف غزة والحرب الانتقامية التي شنتها إسرائيل، والتي اتسمت بمشاهد قتالية قاسية.

من زاوية أخرى، يرى الدكتور محمود أبو الفضل، من علماء الأزهر في مصر، أن التوظيف المغلوط للرواية الدينية من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي «لا يعكس فقط حجم التطرف الذي يعبر عنه نتنياهو، بل يشير كذلك إلى القدرة على التلاعب والتلفيق»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن شخصية «هامان» الواردة في عدد من الكتب السماوية ومنها القرآن الكريم، «كانت إشارة إلى مساندة الظلم في اضطهاد الضعفاء»، وبالتالي فالقياس الحقيقي هو أن تكون المقارنة بين ما يمارسه نتنياهو من قتل للمدنيين الأبرياء واضطهاد للفلسطينيين وبين ما يمثله «هامان» من رمزية على الظلم والعدوان، وليس العكس.

وقد سلطت ورقة بحثية صادرة عن «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الضوء على دوافع توظيف نتنياهو، الدين في تصريحاته؛ إذ رصدت أنه اقتبس في عدة مناسبات فقرات من العهد القديم في سفر التثنية وسفر إشعياء، يشبّه فيها الجيش الإسرائيلي بأداة الرب في الأرض ليخلصها من «حماس». ولفتت الورقة ذاتها إلى التأثيرات السلبية الناتجة عن هذا التوظيف التوراتي، مؤكدة أنها «تؤدي إلى تغذية اليمين المتطرف في إسرائيل».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.