ما مغزى حديث نتنياهو عن «هامان مصر» قبيل اجتياح «رفح»؟

وسط تحذيرات القاهرة من تنفيذ العملية العسكرية

امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)
امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)
TT

ما مغزى حديث نتنياهو عن «هامان مصر» قبيل اجتياح «رفح»؟

امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)
امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)

أثار الاستخدام المتكرر من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لمصطلحات دينية وقصص توراتية، في سياق الصراع مع حركة «حماس» تساؤلات عدة حول مغزى التوظيف السياسي من جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية للخطاب الديني في الصراع الراهن، وإذا ما كان الأمر يعكس «عقيدة دينية» لديه، أم محاولة لمغازلة قطاعات «اليهود المتشددين» في إسرائيل، والذين باتوا - بحسب متخصصين - «يمثلون كتلة تصويتية كبيرة في المشهد السياسي الإسرائيلي».

واستعار نتنياهو أخيراً في لقاء مع عناصر كتيبة «إيرز»، التابعة للشرطة العسكرية، بعض القصص التوراتية الخاصة بمواجهة «هامان» وزير فرعون في فترة خروج اليهود من مصر؛ لحث الجنود على القتال ضد حركات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال اللقاء: «نحن نحيي اليوم ذكرى (عيد المساخر)؛ إذ ظهرت قبل أكثر من 2000 عام شخصية (هامان الظالمة) المعادية للسامية، والتمس إزالة اليهود من على وجه الأرض، فنهض اليهود واتحدوا وحاربوا وانتصروا»، على حد قوله، وواصل: «سندخل إلى رفح وسنحقق النصر الحاسم وسنقضي على السنوار (في إشارة إلى زعيم حركة «حماس» في غزة، يحيى السنوار)، تماماً مثلما قضينا على هامان».

وحذرت مؤسسات عالمية ودول عدة، من بينها مصر، من خطورة إقدام إسرائيل على تنفيذ عملية عسكرية برية في مدينة رفح التي يتكدس فيها نحو 1.5 مليون فلسطيني معظمهم نزحوا إلى المدينة الملاصقة للحدود المصرية نتيجة استمرار الاستهداف الإسرائيلي المتواصل لجميع مناطق القطاع على مدى الأشهر الست الماضية، وأكدت القاهرة أن عواقب ذلك «ستكون وخيمة».

الدخان تصاعد في وقت سابق من البريج في قطاع غزة بعد قصف إسرائيلي (إ.ب.أ)

استدعاء متكرر

ولا يمثل هذا الاستدعاء للرموز الدينية استثناء في خطاب نتنياهو السياسي منذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ إذ حفلت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بالعديد من تلك الاستعارات الدينية، فقد استشهد في بداية الحرب بالتوراة، محفزاً جنود الاحتلال على القتال بعنف في غزة بقوله: «عليكم بتذكر ما فعله العماليق بالإسرائيليين، نحن نتذكر، ونحن نقاتل».

وقصة العماليق وردت في سفر التكوين بالتوراة، الذي تضمن آية تقول: «الآن اضربوا العماليق، دمروا تماماً كل ما يملكون لا تفلتوهم، اقتلوا الرجال والنساء، الرضع والمرضعات، العجول والخراف، الجمال والحمير».

كما وصف نتنياهو جنود الاحتلال بأنهم «جزء من إرث المحاربين اليهود الذي يعود تاريخه إلى 3000 عام منذ عهد يوشع بن نون»، قائلاً: «هدفهم واحد وهو دحر العدو القاتل، وضمان وجودنا في أرضنا».

هذا الاستخدام المكثف للرموز الدينية في الخطاب السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، كان من بين الأدلة التي استندت إليها جنوب أفريقيا في اتهامها لإسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بـ«ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة»؛ إذ أشار الفريق القانوني الجنوب أفريقي خلال جلسة المحكمة في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى أن «خطابات المسؤولين الإسرائيليين تؤكد نية ارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين»، وأشار حينها إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي استخدم الخطاب الديني لتبرير قتل المدنيين والأطفال في غزة.

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل بمخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

دغدغة مشاعر

ورأت أستاذة الدراسات العبرية المقارنة بجامعة عين شمس في مصر، الدكتورة نهلة رحيل، أن استخدام رئيس الوزراء الإسرائيلي المتكرر للروايات التوراتية في تبرير أعمال قوات الاحتلال في الصراع مع الفلسطينيين يمثل «سمة معتادة في الخطاب السياسي لنتنياهو»، مؤكدة أن ذلك الخطاب «يحقق تأثيراً كبيراً في دغدغة مشاعر قطاع كبير من المتدينين في إسرائيل، عبر محاولة الربط بين العقيدة الدينية والدفاع عن إسرائيل».

وأضافت رحيل لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التوظيف السياسي والعسكري للخطاب الديني لا يقتصر فقط على نتنياهو، بل هو «أمر معتاد في الذهنية الإسرائيلية»، لافتة إلى استعارة قوات الاحتلال لأسماء معارك توراتية وإطلاقها على ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من عمليات سواء ضد الفلسطينيين أو ضد غيرهم، في محاولة لإكساب تلك العمليات بعداً دينياً وتاريخياً، و«إشارة إلى فكرة الصراع بين الخير والشر، وهو ما تراه من المبررات المعتادة تاريخياً لتبرير المذابح الدموية عبر الزمن».

لكن في المقابل، يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، وسفير مصر سابقاً لدى إسرائيل، السفير حازم خيرت، أن شخصية نتنياهو «براغماتية ولا تتصف بالتدين»، لافتاً إلى أن استخدامه للرموز الدينية «ليس سوى وسيلة لاكتساب الشعبية في الشارع الذي باتت تهيمن عليه التيارات المتطرفة دينياً وسياسياً».

وأوضح خيرت لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي «فقد توازنه» في الفترة الأخيرة سواء نتيجة ضربة 7 أكتوبر، أو نتيجة فشله في الحسم العسكري للحرب، وهو ما يدفعه إلى استخدام كل الأدوات المتاحة لمغازلة الشارع الإسرائيلي الذي باتت تغلب عليه التيارات اليمينية المتطرفة، في مقابل تراجع دور وحضور الأحزاب العلمانية واليسارية التي كانت تمثل تاريخياً قُوى أقرب إلى الاعتدال، مثل حزبي «العمل» و«ميريتس».

مسعفون يفرغون جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا في شمال قطاع غزة (أ.ب)

تغذية التطرف

وبالفعل، أفادت نتائج استطلاعي رأي نُشرت في تل أبيب، الشهر الماضي، بأن الجمهور اليهودي في إسرائيل «زاد تديناً وتطرفاً عن ذي قبل»، وذلك بعد هجوم «حماس» على البلدات اليهودية في غلاف غزة والحرب الانتقامية التي شنتها إسرائيل، والتي اتسمت بمشاهد قتالية قاسية.

من زاوية أخرى، يرى الدكتور محمود أبو الفضل، من علماء الأزهر في مصر، أن التوظيف المغلوط للرواية الدينية من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي «لا يعكس فقط حجم التطرف الذي يعبر عنه نتنياهو، بل يشير كذلك إلى القدرة على التلاعب والتلفيق»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن شخصية «هامان» الواردة في عدد من الكتب السماوية ومنها القرآن الكريم، «كانت إشارة إلى مساندة الظلم في اضطهاد الضعفاء»، وبالتالي فالقياس الحقيقي هو أن تكون المقارنة بين ما يمارسه نتنياهو من قتل للمدنيين الأبرياء واضطهاد للفلسطينيين وبين ما يمثله «هامان» من رمزية على الظلم والعدوان، وليس العكس.

وقد سلطت ورقة بحثية صادرة عن «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الضوء على دوافع توظيف نتنياهو، الدين في تصريحاته؛ إذ رصدت أنه اقتبس في عدة مناسبات فقرات من العهد القديم في سفر التثنية وسفر إشعياء، يشبّه فيها الجيش الإسرائيلي بأداة الرب في الأرض ليخلصها من «حماس». ولفتت الورقة ذاتها إلى التأثيرات السلبية الناتجة عن هذا التوظيف التوراتي، مؤكدة أنها «تؤدي إلى تغذية اليمين المتطرف في إسرائيل».


مقالات ذات صلة

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

تواجه فرق الإغاثة بقطاع غزة مهمة شاقة لإزالة نحو 61 مليون طن من الركام الذي خلّفته الحرب في ظل وجود جثامين وذخائر غير منفجرة

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش خلال حضوره اجتماعاً للحزب نُظّم على تلة تطل على بلدة مجد الكروم العربية في شمال إسرائيل وذلك في 24 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

سموتريتش يدعو إلى «حرب» في الضفة وضمّ «مناطق» من لبنان وغزة

دعا وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، اليوم (الأحد)، إلى ضم مناطق في جنوب لبنان وقطاع غزة إلى السيطرة الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

يستعد مسؤولون أردنيون للتعامل مع «هجمة» إسرائيلية محتملة على خلفية الخطاب الأخير للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: 12 خرقاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار في غزة منذ فجر اليوم

ارتكبت القوات الإسرائيلية، منذ فجر اليوم السبت، 12 خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، شملت قصفاً مدفعياً وإطلاق نار مكثفاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة توسع قائمة الشركات «غير القانونية» المرتبطة بالمستوطنات

أدرجت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان 61 شركة جديدة على قائمة الشركات العاملة في المستوطنات الإسرائيلية، والتي تعدُّها المنظمة الدولية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (جنيف )

موريتانيا: خفر السواحل ينقذ 260 مهاجراً غير نظامي

خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
TT

موريتانيا: خفر السواحل ينقذ 260 مهاجراً غير نظامي

خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)

أنقذت وحدات خفر السواحل الموريتانية، الأحد، 260 مهاجراً غير نظامي بعدما رصدت زورقين قبالة سواحل العاصمة نواكشوط كانا قد أبحرا من مدينة بانجول، عاصمة غامبيا، في طريقهما نحو جزر الكناري الإسبانية.

وذكر إيجاز صحافي صادر عن خفر السواحل أن الزورقين أمضيا نحو سبعة أيام في عرض البحر قبل أن تتمكن الوحدات البحرية من رصدهما، والتدخل لإنقاذ جميع من كانوا على متنهما.

وبحسب البيان، فإن الأشخاص الذين تم إنقاذهم هم 132 سنغالياً، و120 من غامبيا، و4 من غينيا، واثنان من نيجيريا، واثنان من مالي؛ وكان من بينهم 61 امرأة، و17 طفلاً.

يأتي هذا في سياق تصاعد لافت لحركة قوارب الهجرة على الساحل الموريتاني الذي بات يشكل أبرز نقاط العبور على «طريق الأطلسي» نحو جزر الكناري الإسبانية.

فمنذ مطلع العام الحالي، وحتى منتصف يوليو (تموز)، سجلت السلطات الموريتانية 17 عملية إنزال في نواكشوط ونواذيبو، أتاحت إنقاذ 2147 مهاجراً، بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين.

وفي 21 من الشهر ذاته، أعلنت المفوضية وفاة أو فقدان 144 مهاجراً في ثلاث عمليات إنقاذ متتالية قبالة السواحل الموريتانية خلال أسبوع واحد، كان أغلبهم في قارب انطلق من منطقة بوفالوتو في غامبيا، وظل تائهاً في البحر 25 يوماً قبل العثور عليه، ولم ينجُ منه سوى 38 شخصاً.

وفي 7 يونيو (حزيران) الماضي، أعلن خفر السواحل مقتل مهاجرة، وإنقاذ 192 آخرين قبالة نواكشوط، في ثاني عملية من نوعها خلال خمسة أيام فقط، بعد إنقاذ 110 مهاجرين من جنسيات أفريقية إثر تعطل زورقهم.

وفي 21 أغسطس (آب) أنقذ خفر السواحل أكثر من 300 مهاجر، بينهم 40 طفلاً، من قارب خشبي مكتظ قبالة ميناء نواذيبو، بعد أيام قليلة من إنقاذ 42 مهاجراً آخرين من قارب متعطل.

من عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين بينهم نساء وأطفال (خفر السواحل الموريتاني)

ويعكس هذا التواتر في عمليات الإنقاذ، التي لم تعد تفصل بينها سوى أيام معدودة في بعض الأحيان، ضغطاً متصاعداً على قدرات خفر السواحل الموريتاني، في وقت تشير فيه منظمات حقوقية إلى أن الأرقام الرسمية للناجين تخفي واقعاً أكثر قتامة من الوفيات، وحالات الفقد في عرض المحيط.

وبحسب منظمة «كاميناندو فرونتيراس» غير الحكومية، توفي أكثر من 1300 مهاجر أثناء محاولتهم بلوغ السواحل الإسبانية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي.

ويغلب على شبكات التهريب النشطة على هذا المحور اعتماد قوارب خشبية تقليدية مكتظة تنطلق في معظمها من بانجول في غامبيا، وسواحل السنغال، وغينيا، في رحلات قد تمتد لأسابيع دون احتياطات كافية من الماء، والغذاء، والوقود، ما يعرض ركابها لمخاطر جسيمة حال تعطل المحركات، أو انحراف المسار.

وقد دفعت الضغوط الأمنية المتزايدة في المغرب وموريتانيا، بدعم أوروبي، بعض هذه الشبكات إلى إزاحة نقاط الانطلاق جنوباً نحو غامبيا، وغينيا، بحسب ما ترصده منظمات متخصصة في رصد حركة الهجرة.

وتصف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «طريق الأطلسي» بأنه «أحد أخطر ممرات الهجرة في العالم»، نظراً لطول المسافات، وصعوبة التوقعات البحرية، واكتظاظ القوارب غير الصالحة للإبحار، ومحدودية فرص الوصول السريع لعمليات الإنقاذ.


ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
TT

ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)

عزّز صعود 3 من أبناء المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني» الليبي، إلى مواقع مؤثرة في المشهدين العسكري والتنموي بشرق ليبيا، التساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بينهم، وما إذا كانت «تنافساً» على «مراكز النفوذ» أم توزيعاً للأدوار ضمن قيادة مركزية واحدة.

وخلال السنوات الأخيرة، تعزز حضور أبناء حفتر في مواقع قيادية داخل مؤسسات نافذة؛ إذ يشغل صدام (النجل الأصغر) منصب نائب قائد «الجيش الوطني» منذ صيف العام الماضي، فيما يتولى شقيقه خالد رئاسة الأركان العامة، بينما يدير بالقاسم منذ فبراير (شباط) 2024 «صندوق إعادة إعمار ليبيا»، الذي منحه البرلمان صلاحيات واسعة في ملف الإعمار.

أما صديق وعقبة حفتر، فيظهران في مواقع أقل تأثيراً؛ إذ ينشط الأول في الوساطات القبلية لـ«المصالحة الوطنية»، بينما يعمل الثاني في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي.

بالقاسم حفتر يقبل رأس والده خلال حفل افتتاح جامعة بنغازي هذا الشهر (القيادة العامة)

وأعادت تحركات 86 نائباً، الأسبوع الماضي، لتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب بما قد يفتح الطريق أمام تغيير رئيسه عقيلة صالح، التساؤلات بشأن احتمال وجود تباين بين صدام وخالد، سواء بين نشطاء محليين أو في وسائل إعلام دولية.

ووفق موقع «أفريكا إنتليجنس»، فقد دعم صدام هذه التحركات البرلمانية، فيما تحدثت تقارير عن دور لخالد في «منع انعقاد الجلسة، ودعمه عقيلة صالح في رئاسة المجلس». كذلك سبق أن سلطت صحيفة «لوموند» الفرنسية الضوء على هذا التنافس المحتمل، في تقرير نشرته الشهر الماضي.

تكهنات وفرضيات

ومن بين الليبيين من يتفق مع وجهة النظر القائلة بأن هناك «تنافساً»، بل «صراع نفوذ»؛ إذ يرى المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أنه «وصل إلى تصعيد غير مسبوق، بين مشروع يقوده صدام حفتر في مقابل خالد وبالقاسم».

وسلّط محفوظ، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الضوء على «إشارات سابقة على هذا الصراع أخرجتها الجلسة الأخيرة للبرلمان إلى العلن، وتحول إلى نزال بين مدونين تابعين للطرفين»، وهي وجهة نظر يتفق معها جلال حرشاوي، الباحث المشارك في «المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة».

في المقابل، تحدثت مصادر مقربة من قيادة «الجيش الوطني» إلى «الشرق الأوسط» عن أن هذه الفرضية «غير صحيحة»، وأن الأمر لا يتجاوز توزيعاً للمهام ضمن قيادة مركزية واحدة.

ويرى الباحث العسكري المقرب من «الجيش الوطني» محمد الترهوني أن «اختلاف وجهات النظر بين القادة في بعض الملفات أمر غير مستبعد، لكن الوصول إلى خلاف أو صراع علني مستبعد».

ويعتقد الترهوني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بوجود تنافس «على الإنجاز وليس النفوذ»، عادّاً أن تحركات خالد وصدام تستهدف «حماية مستقبل المؤسسة العسكرية والحيلولة دون محاولات بعض القوى السياسية التأثير في القيادة العامة».

المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)

وكان تعيين صدام نائباً لقائد «الجيش الوطني» في صيف العام الماضي قد فتح مبكراً باب التكهنات بشأن مستقبل القيادة في شرق ليبيا. وطرح مركز سيمبسون الأميركي للأبحاث قراءة عن احتمال ترسيخ موقع صدام في مسار الخلافة، مقابل ما قد يؤدي إليه ذلك من تهميش لشقيقه خالد، رغم توليه رئاسة الأركان.

وزادت التساؤلات بشأن دور صدام مستقبلاً مع «المبادرة الأميركية» لتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية في ليبيا، مع تداول تقارير إعلامية عن تسريبات بشأن صيغة مقترحة تقضي بتولي صدام رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل تولي عبد الحميد الدبيبة رئاسة الحكومة الموحدة.

«تسلسل هرمي واضح»

في أبريل (نيسان) الماضي، صدرت تصريحات منسوبة إلى خالد حفتر تتحدث عن «رفض الاستمرار في أي ترتيبات سياسية مدعومة بأجندات خارجية من شأنها إطالة أمد الأزمة»، وهو ما فُهم حينها على أنه إشارة إلى رفض مبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.

لكن الباحث السياسي محمد مطيريد يرى أن موقف قيادة «الجيش الوطني» المرحِب بـ«المبادرة الأميركية»، الصادر بعد ذلك بشهرين، ينفي هذه الفرضية. واستشهد، في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، بـ«اجتماع غير معلن إعلامياً قبل أسبوعين بين خالد وصدام لبحث آخر المستجدات».

ويرى الترهوني أن كلاً من صدام وخالد ينتمي إلى «مؤسسة عسكرية منضبطة، تقوم على تسلسل هرمي واضح في إصدار الأوامر وتنفيذها»، مضيفاً: «لم نرَ حتى الآن تدخلاً مباشراً من خالد وصدام في المشهد السياسي، أو تحركات تشير إلى وجود تنافس معلن بينهما».

وفي ما يتعلق ببالقاسم، قال الترهوني إن عمله في «صندوق إعادة إعمار ليبيا» ينصبّ على تنفيذ المشروعات ودفع العملية التنموية في شرق البلاد.

وسبق أن طرح «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» احتمال نشوء صراع يتجاوز حدود التنافس بين الأبناء ضمن سيناريوهات تتعلق بمستقبل القيادة.

ويقلل المحلل السياسي المقرب من «الجيش الوطني» عبد الله الديباني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، من احتمالات نشوب صراع مستقبلي بين أبناء حفتر، معتبراً أن «توزيع المهام يجري وفق رؤية مركزية واحدة؛ وأن الأدوار العسكرية والأمنية والتنموية تمضي في إطار تكاملي، ولا تعني وجود تنافس على النفوذ».

وبين حديث عن «تنافس محتمل وتوزيع للأدوار»، تبقى مواقع أبناء حفتر مؤثرة في قراءة مستقبل القيادة بشرق ليبيا، من دون دليل حاسم، حتى الآن، على وجود صراع بينهم.


البرهان يتحدّى واشنطن بعد رفض تأشيرته


البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
TT

البرهان يتحدّى واشنطن بعد رفض تأشيرته


البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)

أبدى رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، تحدّيه لواشنطن، رافضاً ما وصفه بـ«الابتزاز»، معلناً عدم رغبته في الحصول على أي تأشيرة سفر، وبقاءه داخل السودان، وذلك في إشارة إلى قرار الولايات المتحدة عدم منحه تأشيرة دخول إلى أراضيها للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي.

وكان البرهان يعتزم قيادة وفد بلاده إلى الدورة الـ81 للجمعية العامة في نيويورك لإلقاء كلمته يوم 24 سبتمبر (أيلول) الحالي، إلا أن واشنطن رفضت منحه تأشيرة دخول.

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مصادر قولها إن إصدار التأشيرة الأميركية كان مرهوناً بموافقة البرهان على هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً في الحرب الأهلية الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، اقترحها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، لكن البرهان رفضها وتعهد مواصلة الحرب.