ما مغزى حديث نتنياهو عن «هامان مصر» قبيل اجتياح «رفح»؟

وسط تحذيرات القاهرة من تنفيذ العملية العسكرية

امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)
امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)
TT

ما مغزى حديث نتنياهو عن «هامان مصر» قبيل اجتياح «رفح»؟

امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)
امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت في منطقة المواصي (أ.ب)

أثار الاستخدام المتكرر من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لمصطلحات دينية وقصص توراتية، في سياق الصراع مع حركة «حماس» تساؤلات عدة حول مغزى التوظيف السياسي من جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية للخطاب الديني في الصراع الراهن، وإذا ما كان الأمر يعكس «عقيدة دينية» لديه، أم محاولة لمغازلة قطاعات «اليهود المتشددين» في إسرائيل، والذين باتوا - بحسب متخصصين - «يمثلون كتلة تصويتية كبيرة في المشهد السياسي الإسرائيلي».

واستعار نتنياهو أخيراً في لقاء مع عناصر كتيبة «إيرز»، التابعة للشرطة العسكرية، بعض القصص التوراتية الخاصة بمواجهة «هامان» وزير فرعون في فترة خروج اليهود من مصر؛ لحث الجنود على القتال ضد حركات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال اللقاء: «نحن نحيي اليوم ذكرى (عيد المساخر)؛ إذ ظهرت قبل أكثر من 2000 عام شخصية (هامان الظالمة) المعادية للسامية، والتمس إزالة اليهود من على وجه الأرض، فنهض اليهود واتحدوا وحاربوا وانتصروا»، على حد قوله، وواصل: «سندخل إلى رفح وسنحقق النصر الحاسم وسنقضي على السنوار (في إشارة إلى زعيم حركة «حماس» في غزة، يحيى السنوار)، تماماً مثلما قضينا على هامان».

وحذرت مؤسسات عالمية ودول عدة، من بينها مصر، من خطورة إقدام إسرائيل على تنفيذ عملية عسكرية برية في مدينة رفح التي يتكدس فيها نحو 1.5 مليون فلسطيني معظمهم نزحوا إلى المدينة الملاصقة للحدود المصرية نتيجة استمرار الاستهداف الإسرائيلي المتواصل لجميع مناطق القطاع على مدى الأشهر الست الماضية، وأكدت القاهرة أن عواقب ذلك «ستكون وخيمة».

الدخان تصاعد في وقت سابق من البريج في قطاع غزة بعد قصف إسرائيلي (إ.ب.أ)

استدعاء متكرر

ولا يمثل هذا الاستدعاء للرموز الدينية استثناء في خطاب نتنياهو السياسي منذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ إذ حفلت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بالعديد من تلك الاستعارات الدينية، فقد استشهد في بداية الحرب بالتوراة، محفزاً جنود الاحتلال على القتال بعنف في غزة بقوله: «عليكم بتذكر ما فعله العماليق بالإسرائيليين، نحن نتذكر، ونحن نقاتل».

وقصة العماليق وردت في سفر التكوين بالتوراة، الذي تضمن آية تقول: «الآن اضربوا العماليق، دمروا تماماً كل ما يملكون لا تفلتوهم، اقتلوا الرجال والنساء، الرضع والمرضعات، العجول والخراف، الجمال والحمير».

كما وصف نتنياهو جنود الاحتلال بأنهم «جزء من إرث المحاربين اليهود الذي يعود تاريخه إلى 3000 عام منذ عهد يوشع بن نون»، قائلاً: «هدفهم واحد وهو دحر العدو القاتل، وضمان وجودنا في أرضنا».

هذا الاستخدام المكثف للرموز الدينية في الخطاب السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، كان من بين الأدلة التي استندت إليها جنوب أفريقيا في اتهامها لإسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بـ«ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة»؛ إذ أشار الفريق القانوني الجنوب أفريقي خلال جلسة المحكمة في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى أن «خطابات المسؤولين الإسرائيليين تؤكد نية ارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين»، وأشار حينها إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي استخدم الخطاب الديني لتبرير قتل المدنيين والأطفال في غزة.

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل بمخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

دغدغة مشاعر

ورأت أستاذة الدراسات العبرية المقارنة بجامعة عين شمس في مصر، الدكتورة نهلة رحيل، أن استخدام رئيس الوزراء الإسرائيلي المتكرر للروايات التوراتية في تبرير أعمال قوات الاحتلال في الصراع مع الفلسطينيين يمثل «سمة معتادة في الخطاب السياسي لنتنياهو»، مؤكدة أن ذلك الخطاب «يحقق تأثيراً كبيراً في دغدغة مشاعر قطاع كبير من المتدينين في إسرائيل، عبر محاولة الربط بين العقيدة الدينية والدفاع عن إسرائيل».

وأضافت رحيل لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التوظيف السياسي والعسكري للخطاب الديني لا يقتصر فقط على نتنياهو، بل هو «أمر معتاد في الذهنية الإسرائيلية»، لافتة إلى استعارة قوات الاحتلال لأسماء معارك توراتية وإطلاقها على ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من عمليات سواء ضد الفلسطينيين أو ضد غيرهم، في محاولة لإكساب تلك العمليات بعداً دينياً وتاريخياً، و«إشارة إلى فكرة الصراع بين الخير والشر، وهو ما تراه من المبررات المعتادة تاريخياً لتبرير المذابح الدموية عبر الزمن».

لكن في المقابل، يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، وسفير مصر سابقاً لدى إسرائيل، السفير حازم خيرت، أن شخصية نتنياهو «براغماتية ولا تتصف بالتدين»، لافتاً إلى أن استخدامه للرموز الدينية «ليس سوى وسيلة لاكتساب الشعبية في الشارع الذي باتت تهيمن عليه التيارات المتطرفة دينياً وسياسياً».

وأوضح خيرت لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي «فقد توازنه» في الفترة الأخيرة سواء نتيجة ضربة 7 أكتوبر، أو نتيجة فشله في الحسم العسكري للحرب، وهو ما يدفعه إلى استخدام كل الأدوات المتاحة لمغازلة الشارع الإسرائيلي الذي باتت تغلب عليه التيارات اليمينية المتطرفة، في مقابل تراجع دور وحضور الأحزاب العلمانية واليسارية التي كانت تمثل تاريخياً قُوى أقرب إلى الاعتدال، مثل حزبي «العمل» و«ميريتس».

مسعفون يفرغون جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا في شمال قطاع غزة (أ.ب)

تغذية التطرف

وبالفعل، أفادت نتائج استطلاعي رأي نُشرت في تل أبيب، الشهر الماضي، بأن الجمهور اليهودي في إسرائيل «زاد تديناً وتطرفاً عن ذي قبل»، وذلك بعد هجوم «حماس» على البلدات اليهودية في غلاف غزة والحرب الانتقامية التي شنتها إسرائيل، والتي اتسمت بمشاهد قتالية قاسية.

من زاوية أخرى، يرى الدكتور محمود أبو الفضل، من علماء الأزهر في مصر، أن التوظيف المغلوط للرواية الدينية من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي «لا يعكس فقط حجم التطرف الذي يعبر عنه نتنياهو، بل يشير كذلك إلى القدرة على التلاعب والتلفيق»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن شخصية «هامان» الواردة في عدد من الكتب السماوية ومنها القرآن الكريم، «كانت إشارة إلى مساندة الظلم في اضطهاد الضعفاء»، وبالتالي فالقياس الحقيقي هو أن تكون المقارنة بين ما يمارسه نتنياهو من قتل للمدنيين الأبرياء واضطهاد للفلسطينيين وبين ما يمثله «هامان» من رمزية على الظلم والعدوان، وليس العكس.

وقد سلطت ورقة بحثية صادرة عن «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الضوء على دوافع توظيف نتنياهو، الدين في تصريحاته؛ إذ رصدت أنه اقتبس في عدة مناسبات فقرات من العهد القديم في سفر التثنية وسفر إشعياء، يشبّه فيها الجيش الإسرائيلي بأداة الرب في الأرض ليخلصها من «حماس». ولفتت الورقة ذاتها إلى التأثيرات السلبية الناتجة عن هذا التوظيف التوراتي، مؤكدة أنها «تؤدي إلى تغذية اليمين المتطرف في إسرائيل».


مقالات ذات صلة

المشرق العربي والدة الفتى الفلسطيني أدهم سيد صالح دهمان تقود جنازته في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة (رويترز) p-circle

مقتل فتى فلسطيني برصاص إسرائيلي في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، عن مقتل فتى في الـ15 من عمره بنيران جنود إسرائيليين، في مخيّم للاجئين في الضفة الغربية المحتلّة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي قوات الأمن الإسرائيلية تفرّق مصلين حاولوا التجمع خارج أسوار البلدة القديمة في القدس لأداء صلاة الفجر بمناسبة عيد الفطر (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني خلال عملية اعتقال نفذتها الشرطة الإسرائيلية بالقدس الشرقية

كشفت الشرطة الإسرائيلية، اليوم (الأربعاء)، عن أنها قتلت شاباً فلسطينياً حاول «خطف» سلاح أحد عناصرها خلال عملية ليلية في بلدة جبل المكبر بالقدس الشرقية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

نعت الرئاسة الجزائرية رئيس الجمهورية الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي مساء أمس (السبت) عن 84 عاماً، بينما أقرَّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون، حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وكشف بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية عن أن زروال توفي بالمستشفى العسكري «محمد الصغير نقاش» بالعاصمة الجزائرية مساء أمس (السبت) بعد صراع مع مرض عضال.

واحتفظ الراحل زروال، بصداقة قوية مع الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة شرق الجزائر، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك، تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال، أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن زروال، في 11 سبتمبر (أيلول) 1998، إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.


الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

بعد سنوات من النزاع المسلح الذي خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية بالسودان، لم يكن سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم مَن دفعوا الثمن، بل امتدت الأضرار لتطال النظام البيئي الهشَّ للمدينة، حيث تلوَّثت الموارد الطبيعية، وتراكمت النفايات، وتدهور الهواء والتربة، مع تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.

وأدى القتال العنيف والقصف العشوائي إلى تدمير منشآت صناعية وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن تسرُّب الوقود؛ ما تسبَّب في مستويات مرتفعة من التلوث داخل المدينة. كما تضرَّرت الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وتحوَّلت بعض المناطق إلى مكبات نفايات عشوائية؛ نتيجة انهيار خدمات النظافة.

في ظلِّ هذه الظروف، فرَّت الحيوانات من بيئاتها الطبيعية، بينما نفقت أخرى بسبب نقص الغذاء والماء والمأوى. كذلك واجهت الطيور المهاجرة، التي كانت تتخذ من ضفاف النيل محطةً موسميةً، بيئةً أكثر قسوةً وتلوثاً وأقل أماناً.

حريق في إحدى مساحات الخرطوم التي كانت خضراء (الشرق الأوسط)

في عام 2024، شهدت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم حريقاً هائلاً أدى إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ ما شَّكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان والحيوان، وأسهم في تدهور جودة الهواء. كما تسبَّب الحريق في إطلاق غازات مرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى تلوث التربة والمياه، مُهدِّداً التوازن البيئي في المنطقة. ولم تسلم الأشجار المعمرة في شارع النيل من تداعيات الحرب، إذ جرى قطع أعداد كبيرة منها، رغم ما كانت تُمثِّله من قيمة جمالية وبيئية، ودورها في تلطيف المناخ المحلي وتحسين جودة الحياة، ما يجعل فقدانها خسارة مزدوجة، بيئية وبصرية.

ورغم حجم الدمار، فإنَّ خبراء يرون أن التعافي البيئي يظلُّ ممكناً، شريطة تبني نهج «إعادة البناء الأخضر»، الذي يدمج بين إعادة الإعمار وحماية البيئة، ويستثمر المرحلة الحالية لإعادة تخطيط المدينة بصورة أكثر استدامة، عبر توسيع المساحات الخضراء والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة وآمنة.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق مما أسهم في تردي البيئة نتيجة الغازات السامة المنبعثة منها (إكس)

وأكدت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية» بولاية الخرطوم، غادة حسين العوض، أنَّ الحرب خلَّفت أضراراً بيئية جسيمة، شملت تلوث المياه والهواء والتربة، وتدمير منشآت حيوية، من بينها مصفاة الجيلي، إلى جانب نهب وتخريب الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفقدان المختبر البيئي المرجعي. وأوضحت أن خطة استراتيجية عشرية للفترة 2026 - 2036، يجري إعدادها لإعادة الإعمار، مع التركيز على قطاع النظافة الذي فقد نحو 90 في المائة من آلياته، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لإدارة النفايات؛ تشمل تأهيل المرافق البيئية، ومعالجة النفايات الطبية، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتعويض الغطاء النباتي. كما أشارت إلى إطلاق مبادرات للتشجير وتأهيل الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المشاتل، ضمن خطة واسعة لإعادة تشجير العاصمة وتعزيز الاستدامة البيئية.

دراسة أممية لرصد الأضرار

وفي السياق ذاته، أجرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان دراسةً ميدانيةً عقب اندلاع الحرب في 2023؛ لتقييم الآثار البيئية في ولايتَي الخرطوم والجزيرة، حيث اعتمدت في مرحلتها الأولى على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيُّرات في الغطاء النباتي والتربة، وقياس مستويات التلوث في الهواء والمياه، وتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ومع تحسُّن الأوضاع الأمنية، انتقلت الفرق إلى العمل الميداني، حيث زارت المناطق الأكثر تضرراً، وأجرت مشاورات مع الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية، ما أظهر تدهوراً كبيراً في الغابات؛ نتيجة القطع الجائر واستخدام الأخشاب وقوداً، إلى جانب تلوث ملحوظ في المياه، في حين سجَّلت الانبعاثات انخفاضاً مؤقتاً؛ بسبب توقف الأنشطة الصناعية وحركة النقل.

مساحات شاسعة في الخرطوم أصبحت قاحلة بعد أن كانت خضراء في أوقات سابقة (الشرق الأوسط)

وأشار البرنامج إلى إطلاق مبادرة تحت شعار «معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة»، تهدف إلى تعزيز الشراكات لدعم التعافي البيئي، عادّاً أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصةً لمعالجة اختلالات إدارة النفايات والبنية التحتية، رغم التحديات المرتبطة بمخلفات الحرب.

من جهته، يرى أستاذ الغابات والموارد الطبيعية، طلعت دفع الله، أنَّ تعافي النظام البيئي ممكن، لكنه يتطلَّب وقتاً طويلاً وجهوداً متواصلة، نظراً لحجم الدمار الذي طال قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب تراكم النفايات والأنقاض ومخاطر المخلفات المُتفجِّرة. وأوضح أن التعافي البيئي للخرطوم يرتبط بتعافي السودان كله، مشيراً إلى أن تركيز المساعدات الدولية على الجوانب الإنسانية جاء على حساب البرامج البيئية والتنموية طويلة الأجل، ما يجعل التعافي مشروطاً بوقف الحرب، وإزالة مخلفات القتال، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات البيئية، ضمن رؤية متكاملة تربط بين الغابات والمياه والمراعي والحياة البرية.

ما تبقَّى من الأشجار المعمرة في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، أكد الخبير البيئي، ساري نقد، أنَّ التعافي البيئي يقوم على مسارَين متكاملَين، أولهما التعافي الطبيعي الذي يحدث تدريجياً مع تراجع الضغوط البشرية، وثانيهما التدخل المنظم، الذي يسرّع استعادة التوازن البيئي عبر إعادة التشجير، ومعالجة التربة والمياه، وإزالة المخلفات، وتنظيم استغلال الموارد، مع تفعيل الرقابة البيئية.

ورغم حجم الأضرار، فإنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ الخرطوم لا تزال قابلةً للتعافي، وأن الاستثمار في البيئة خلال هذه المرحلة يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال المقبلة.


الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).