كشف أسرار اغتيال رجل الثورة الجزائرية كريم بلقاسم

تحقيق صحافي ينشر تفاصيل عملية القتل التي حصلت قبل 54 سنة في ألمانيا

كريم بلقاسم (وسط) رئيس وفد مفاوضات الاستقلال (ارشيف الصحافة)
كريم بلقاسم (وسط) رئيس وفد مفاوضات الاستقلال (ارشيف الصحافة)
TT

كشف أسرار اغتيال رجل الثورة الجزائرية كريم بلقاسم

كريم بلقاسم (وسط) رئيس وفد مفاوضات الاستقلال (ارشيف الصحافة)
كريم بلقاسم (وسط) رئيس وفد مفاوضات الاستقلال (ارشيف الصحافة)

نشرت مجلة «جان أفريك» السياسية الفرنسية، اليوم (الثلاثاء)، تفاصيل تُعرف لأول مرة عن ملابسات اغتيال رجل الثورة الجزائرية الكبير كريم بلقاسم، في غرفة بفندق في ألمانيا، بعد 54 سنة من وقوع الجريمة المسكوت عنها في الجزائر.

كريم بلقاسم بمعاقل الثورة في حدود عام 1956 (أرشيف المكتبة الوطنية بالجزائر)

وأكد التحقيق، الذي اعتمد على وثائق «حصرية» من أرشيف جهاز الأمن الألماني، حسب المجلة، أن الكوماندوس الذي تكوَّن من ثلاثة رجال مخابرات انتقلوا من الجزائر إلى مكان إقامة بلقاسم، حيث التقوه بعد أن أوهموه بأن انقلاباً «وشيكاً» يجري التحضير له لإسقاط الرئيس الراحل هواري بومدين الذي كان خصماً شرساً لكريم بلقاسم بسبب خصومات شخصية مرتبطة بالزعامة في أيام الثورة وبدايات الاستقلال.

وحسب المجلة، فقد ابتلع رجل الثورة الطعم، ووقع في الفخ لاعتقاده أن ساعة تصفية الحساب مع «العدو» حانت، فقتله أحد أعضاء الكوماندوس خنقاً بربطة عنق داخل غرفة فندق «إنتركونتننتال» بمدينة فرنكفورت الألمانية في 18 من أكتوبر (تشرين الأول) 1970 الساعة الثامنة صباحاً.

القادة الستة الذين فجّروا ثورة الجزائر ومن بينهم كريم بلقاسم جالساً إلى اليسار (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

ووفق ما جاء في التحقيق، الذي أجراه الصحافي الجزائري فريد عليلات، فإن الوثائق التي حصل عليها بفضل رخصة «استثنائية» من السلطات الألمانية، تكشف عن أن التحريات حول الاغتيال السياسي تمت في ألمانيا وفرنسا وسويسرا ولبنان والمغرب، وهي بلدان كان قيادي الثورة يتنقل بينها منذ خروجه من الجزائر غداة الاستقلال. كما كان للشرطة الدولية بصمة في هذه التحريات، التي توصلت حسب «جان أفريك»، إلى كشف هوية عضوين من الكوماندوس، هما حميد آيت مصباح، ضابط بالمخابرات العسكرية الجزائرية، ومحمد أوسليماني، الذي يوضح التحقيق أنه أحد الكوادر السامين في الدولة، وأنه سافر إلى ألمانيا تحت الاسم الحركي «محمد دباعي». أما العنصر الثالث، فلم يتم تعريف على هويته الحقيقية أبداً، وفق المجلة، التي قالت إنه كان يحمل الاسم المستعار «محمد صلاح». مشيرةً إلى أن أعضاء الكوماندوس دخلوا ألمانيا بجوازات سفر مغربية، وأنهم تخلوا عن حقائبهم في محطة القطار بفرنكفورت، قبل التوجه إلى الفندق حيث كان لهم موعد مع كريم بلقاسم.

آخر صورة لكريم بلقاسم قبل اغتياله عام 1970 (أرشيف الصحافة الجزائرية)

وجاء التحقيق الأمني الألماني في 1400 صفحة، لم يطّلع عليها من قبل أي أحد، حسبما كتب الصحافي عليلات، الذي أفاد بأن التحري حول ملابسات اغتيال رئيس وفد «مفاوضات إيفيان» بدأ في 1970، واستمر حتى 2003. وكان الصحافي قد كتب على حسابه في الإعلام الاجتماعي في وقت سابق أن شخصاً واحداً تكفّل بخنق من كان أحد الستة، الذين أخذوا على عاتقهم تفجير ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، يوم الاثنين، فاتح نوفمبر (تشرين الثاني) 1954.

الرئيس أحمد بن بلة (يسار) مع وزير دفاعه هواري بومدين في 1963 (أرشيف الصحافة الجزائرية)

ولفتت «جان أفريك» إلى أن أوامر اعتقال دولية أُطلقت ضد أعضاء الكوماندوس، من دون العثور على أي أثر لهم. مبرزةً أن السلطات الألمانية أرسلت نتائج التحقيق إلى الحكومة الجزائرية، التي رفضت نشرها للرأي العام المحلي، كما رفضت إعلان أسماء أعضاء الكوماندوس.

والمعروف في تلك الفترة أن بلقاسم كان قد أطلق حزباً معارضاً في السر عام 1967، سمّاه «الحركة الديمقراطية من أجل التجديد الجزائري»، بينما كان بومدين (توفي مريضاً في مشفى بموسكو نهاية 1978) يحكم البلاد بقبضة من حديد، منذ أن تسلم الحكم بالقوة، عقب تنفيذ انقلاب على الرئيس الراحل أحمد بن بلة في 19 من يونيو (حزيران) 1965. أما مدير المخابرات العسكرية فكان يومها الرجل القوي في النظام، قاصدي مرباح، الذي تعرض للاغتيال عام 1993 في كمين شرقي العاصمة الجزائرية، على أيدي متطرفين، وفق رواية رسمية ظلت دائماً محل تشكيك من طرف عائلة مرباح.


مقالات ذات صلة

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

شمال افريقيا بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

في حين كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تشهد استئنافاً جزئياً للتعاون، برز «قانون تجريم الاستعمار» عقبةً جديدةً أعادت المسار إلى مربعه الأول، وعرقلت جهود…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

سلطات الجزائر تتحرك لتفكيك معارضة الخارج وعزل جناحها الراديكالي

بدأت السلطات الجزائرية بتنفيذ خطة تهدف إلى تفكيك شبكة المعارضين في الخارج وعزل أكثرهم راديكالية، عبر «إجراءات تهدئة» تقضي بإنهاء الملاحقات الأمنية لهم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)

الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

تباينت ردود الفعل إزاء «تدابير تهدئة» أصدرتها الرئاسة الجزائرية لصالح معارضين في الخارج، بين ترحيب وتوجس.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الصحف الجزائرية تنتقد الخروج من أمم أفريقيا (رويترز)

صحف الجزائر تنتقد منتخب بلادها... وتهاجم التحكيم

أقرت الصحف الجزائرية بأفضلية منتخب نيجيريا لكنها أجمعت بالوقت نفسه على انتقاد التحكيم وذلك في التعليق على خروج منتخب بلادها من كأس أمم أفريقيا 2025

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«صفحات إسرائيلية» تثير ضجة بنشر تصريحات قديمة للسيسي عن الصومال

السيسي يصافح نظيره الصومالي خلال لقاء بمدينة العليمن في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يصافح نظيره الصومالي خلال لقاء بمدينة العليمن في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

«صفحات إسرائيلية» تثير ضجة بنشر تصريحات قديمة للسيسي عن الصومال

السيسي يصافح نظيره الصومالي خلال لقاء بمدينة العليمن في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يصافح نظيره الصومالي خلال لقاء بمدينة العليمن في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)

أثارت «صفحات إسرائيلية» ضجة عقب نشر تصريحات قديمة للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تزعم «إحراج الرئيس الصومالي في القاهرة»، فيما عدّ مصريون ما جرى تداوله من قبل بعض «الحسابات الإسرائيلية» على مواقع التواصل «محاولة يائسة لإحداث فتنة» بين القاهرة ومقديشو، خصوصاً وأن «المقطع المتداول قديم ولا يحمل أي إحراج».

ومنذ أن أعلنت إسرائيل «الاعتراف بالإقليم الانفصالي»، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تتوالى التحركات والاتصالات المصرية الرافضة للخطوة الإسرائيلية. وشدّدت مصر، الأربعاء، على «تمسكها بوحدة وسيادة الصومال على أراضيه»، محذرة من أن يؤدي اعتراف إسرائيل بما يسمى «أرض الصومال» إلى تقويض أسس الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

ونشرت بعض الحسابات الإسرائيلية، مساء الأربعاء، مقطع فيديو تحدث فيه الرئيس المصري عن الأزمات التي تعرض لها الصومال، ولم يحدد المقطع توقيتاً محدداً له، فيما تفاعل متابعون على منصات التواصل الاجتماعي، لتوضيح مزاعم الحسابات الإسرائيلية، والتأكيد على متانة العلاقات بين القاهرة ومقديشو.

وذكر بعض المغردين أن «ما جرى تداوله حول إحراج مزعوم لرئيس الصومال في القاهرة، يقوم على تحريف زمني وسياسي متعمد، ويهدف إلى توفير غطاء دعائي لخطوة إسرائيلية غير قانونية بالاعتراف بإقليم أرض الصومال».

ويؤكد خبراء في الشؤون الإسرائيلية، أن ما جرى تداوله عبر بعض «الصفحات الإسرائيلية» «محاولة يائسة لإحداث فتنة» بين القاهرة ومقديشو، وأن «إسرائيل تحاول تصدير فكرة أن مصر هي من تقف ضد اعترافها بـ(أرض الصومال)، وكأن مصر تفعل ذلك بمفردها، والحقيقة أنه لا توجد دولة في الإقليم توافق على هذا الاعتراف».

وقال الإعلامي المصري، محمد مرعي، عبر صفحته على «إكس»، مساء الأربعاء، إن التصريح المشار إليه ليس حديثاً بل صدر في يناير (كانون الثاني) 2024 خلال مؤتمر صحافي رسمي جمع الرئيس السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود.

وتابع: جاء التصريح في سياق سياسي واضح ومحدد، تَمثّل في تأكيد الموقف المصري الداعم لوحدة وسيادة الدولة الصومالية، وذلك عقب إعلان إثيوبيا رغبتها في الحصول على ميناء وقاعدة بحرية في إقليم «أرض الصومال»، في خطوة كانت تمثل تهديداً مباشراً لوحدة الصومال واستقراره.

وأضاف مرعي أن «حديث الرئيس السيسي آنذاك عن التحديات الاقتصادية والمؤسسية التي تواجه الصومال، كان توصيفاً واقعياً معروفاً دولياً، ولم يكن موجّهاً للإساءة أو الإحراج، بل جاء في إطار تبرير الدعم المصري السياسي والأمني والعسكري للصومال، والتأكيد على أن استقرار الصومال يمثل مصلحة إقليمية وأمناً قومياً مصرياً وعربياً، وليس مادة للتشهير أو التوظيف السياسي».

وذكر مرعي أن «إعادة تدوير تصريح قديم خارج سياقه الزمني والسياسي، وتقديمه على أنه حدث أخيراً كما روجت الحسابات الإسرائيلية يكشف عن محاولة دعائية مكشوفة تهدف إلى إحداث شرخ بين القاهرة ومقديشو، وتشويه الدور المصري الداعم للصومال، والأهم تبرير خطوة إسرائيلية مرفوضة إقليمياً ودولياً بالاعتراف بإقليم انفصالي، في سابقة خطيرة تمس مبدأ وحدة الدول وسيادتها».

وأكد نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن «الموقف المصري واضح، يدعم ويؤكد على وحدة الدولة الصومالية وسلامتها الإقليمية وسيادتها التي يجب احترامها»، والرئيس السيسي أكد مراراً على «دعم وحدة الصومال»، لافتاً إلى أن «العلاقات مع الصومال قوية، وهناك اتفاقيات بين البلدين في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية».

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي بمدينة العلمين في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)

وقال السفير صلاح حليمة لـ«الشرق الأوسط» إن ما اتخذته إسرائيل في «أرض الصومال» إجراء أحادي الجانب، ويتعارض مع القانون والاتفاقيات الدولية التي تؤكد على وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية، لافتاً إلى أنه «يوجد مبدأ متعارف عليه في الاتحاد الأفريقي وهو قدسية الحدود، وهذا الإقليم الانفصالي في الصومال يعد انتهاكاً لو تم الاعتراف به».

وأكد الرئيس السيسي خلال لقاء نظيره الصومالي، في القاهرة، نهاية يناير 2025 أن أمن واستقرار الصومال «جزء لا يتجزأ من أمننا القومي». كما استقبل السيسي شيخ محمود في يوليو (تموز) الماضي بمدينة العلمين. وأشاد السيسي حينها بجهود الرئيس حسن شيخ محمود في «تحقيق اصطفاف وطني بين مكونات المجتمع الصومالي، إزاء القضايا المُلحة التي تواجه بلاده مثل مكافحة الإرهاب، والحفاظ على وحدة الدولة، وبناء مؤسساتها».


تعيين «الإخواني» الصلابي مستشاراً لـ«المصالحة» الليبية يوسّع انقسامات «الرئاسي»

المنفي يتوسط اللافي والدبيبة (يمين) والكوني 21 سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يتوسط اللافي والدبيبة (يمين) والكوني 21 سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي الليبي)
TT

تعيين «الإخواني» الصلابي مستشاراً لـ«المصالحة» الليبية يوسّع انقسامات «الرئاسي»

المنفي يتوسط اللافي والدبيبة (يمين) والكوني 21 سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يتوسط اللافي والدبيبة (يمين) والكوني 21 سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي الليبي)

وسّع قرارٌ اتخذه رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، منتصف الأسبوع، بتعيين علي الصلابي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مستشاراً لشؤون «المصالحة الوطنية» في البلاد، هوة الانقسام مع نائبه موسى الكوني.

المنفي ونائبه الكوني في جولة مسائية على كورنيش طرابلس مايو 2021 (المجلس الرئاسي الليبي)

كان المنفي قد أثار عاصفة من الانتقادات والجدل في الأوساط الليبية، بعد قرار تعيين الصلابي، الذي يُعد من الشخصيات المحسوبة على تنظيم «الإخوان»، كما أن اسمه مُدرَج منذ يونيو (حزيران) 2017 على قوائم الإرهاب الصادرة عن السعودية ومصر والإمارات والبحرين، ضمن قائمة شملت 59 شخصية و12 كياناً، دون صدور قرار لاحق برفع اسمه منها.

وصعّد الكوني، في مواجهة المنفي، في أول رد منه على قرار تعيين الصلابي دون أن يأتي على ذكر اسمه، متحدثاً عن ضرورة أن يُدار ملف المصالحة الوطنية «في إطار جماعي تشاركي، وألا يُختزل في اجتهادات فردية أو ترتيبات لا تُعبر عن التوافق المؤسسي داخل المجلس»، في إشارة إلى قرار تعيين الصلابي.

وتحدّث الكوني عن «طبيعة ملف المصالحة، بحكم تعقيداته الاجتماعية والسياسية»، لذا شدد على «ضرورة التوافق بين أعضائه، بوصفهم ممثلين للأقاليم الليبية الثلاثة، وبما ينسجم مع روح الشراكة التي قام عليها المجلس الرئاسي».

والعلاقة بين المنفي ونائبيْه عبد الله اللافي وموسى الكوني تفتقد إلى التوافق في كثير من المسائل السياسية. وجاءت هذه الرسالة التي وجّهها الأخير إلى المنفي لتكشف عن مدى توسع هُوة الخلاف في المجلس الرئاسي.

مفوضية عليا للمصالحة

وقال الكوني إن الاتفاق السياسي الليبي، الذي يُعد مرجعية حاكمة لعمل المجلس الرئاسي، نص بوضوحٍ على «إنشاء مفوضية عليا للمصالحة الوطنية تُشكَّل وفق تمثيل متوازن للأقاليم الليبية الثلاثة، وبما يعكس التنوع الاجتماعي والجغرافي للدولة الليبية».

وشدد على أن تفعيل هذا الاستحقاق المؤسسي «يعدّ خطوة جوهرية وأساسية لضمان أن تكون المصالحة مساراً وطنياً جامعاً، لا يرتبط بمقاربات فردية، أو أدوار محدودة الإطار».

ورأى الكوني أن «الإسراع في إنشاء المفوضية العليا، وفق ما نص عليه الاتفاق السياسي، مِن شأنه أن يعزز الثقة بين مكونات المجتمع الليبي، ويمنح المجلس الرئاسي غطاءً وطنياً جامعاً لإدارة هذا الملف، ويحصن مسار المصالحة من أي تأويلات سياسية أو اصطفافات محتملة».

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مستقبلاً الشيخ علي أبو سبيحة قبيل مراسم اعتماد الميثاق الوطني للمصالحة 7 يناير 2026 (المجلس الرئاسي)

وقال الشيخ علي أبو سبيحة إن قرار المنفي بتعيين الصلابي مستشاراً للمصالحة الوطنية - كما كان متوقعاً - «سيكون محل خلاف داخل المجلس الرئاسي».

وأضاف أبو سبيحة، في تصريح صحافي: «بصفتي أحد أعضاء مجلس المصالحة ممثلاً للمرشح الرئاسي الدكتور سيف الإسلام القذافي، أؤكد سرعة تشكيل الهيئة العليا للمصالحة، تنفيذاً لاستحقاق أحد البنود المهمة من مُخرجات مؤتمر حوار جنيف».

ووفق ما طرحه الكوني من رؤية، قال إن «أي أدوار استشارية أو مساندة تسند في هذا السياق، سيكون أثرها الإيجابي أكبر عندما تمارَس ضمن مظلة مؤسسية واضحة، وتحت إشراف المفوضية المزمع إنشاؤها، بما يضمن التكامل بين الجهود وعدم تحميل أي مسار أو مبادرة أبعاداً تتجاوز الهدف الوطني الجامع للمصالحة».

«منظمة إرهابية»

وانتهى الكوني مؤكداً «أن نجاح المصالحة الوطنية لا يُقاس بسرعة الخطوات، بل بمدى قدرتها على استيعاب مختلف الحساسيات الوطنية، وتعزيز الثقة الإقليمية والدولية، والحفاظ على التوازن الداخلي، وضمان دعم الحاضنة الاجتماعية، في مسار ليبي خالص ومستقر».

وأبدى فتحي الشبلي، رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي، استغرابه من توقيت قرار تعيين علي الصلابي مستشاراً للمصالحة، وقال، لـ«الشرق الأوسط»، إن تكليف المنفي أحد أقطاب الاتحاد العالمي للإخوان في وقت تَعدُّ فيه الولايات المتحدة التنظيم «منظمة إرهابية» في عدة دول عربية هو أمر «يدعو إلى الدهشة».

وسبق أن اعتمد المنفي، في السابع من يناير (كانون الثاني) الحالي، الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية، وعَدَّه «بداية مرحلة جديدة تتطلب مواصلة العمل الجاد والمسؤول من أجل وضع الميثاق موضع التنفيذ، وتحويل مبادئه ونصوصه إلى واقع عملي يلمسه المواطن في حياته اليومية».

اعتراض نواب المنفي على قراراته ليس الأول، فقد سبق أن رفض اللافي «انفراد المنفي بالقرار»، عندما شكَّل، بالتوافق مع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، في يونيو (حزيران) 2015، لجنتين أمنية وحقوقية في طرابلس. وعَدَّ اللافي حينها أن هذه الخطوات «تُخالف الاتفاق السياسي وتمس بصلاحيات المجلس الرئاسي».

وانضم «تجمع الأحزاب الليبية» في طرابلس إلى جبهة الرافضين لتعيين الصلابي، وقال إن «المصالحة الوطنية لا يمكن أن تُدار بعقلية الإقصاء أو الرهان على شخصيات خلافية، ولا يجوز أن تُختزل في أسماء جدلية تفتقد القبول العام والتوافق الوطني الواسع».

مناخ الشك

وعبّر «تجمع الأحزاب»، في بيان، الخميس، عن «تحفظه الشديد إزاء قرار تكليف الصلابي مستشاراً في هذا الملف المصيري؛ لما يحمله هذا الاختيار من دلالات سياسية وإشكالية وطنية لا يمكن تجاهلها في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ ليبيا». وزاد: «أن تعيين شخصية مَثارِ جدل وانقسام حادّ داخل المشهد الليبي لا يخدم مسار المصالحة، بل يُنذر بتقويضه وإفراغه من مضمونه، ويعيد إنتاج مناخ الشك وعدم الثقة».

ونوّه «التجمع» بأن «ملف المصالحة الوطنية يجب أن يبقى فوق الحسابات السياسية الضيقة، وأن يُدار بشراكة حقيقية مع جميع القوى السياسية والاجتماعية، وبإشراك ممثلين للضحايا والمهجّرين وكل مكونات المجتمع الليبي، بعيداً عن فرض أمر واقع أو قرارات أحادية قد تكون لها تداعيات خطيرة».

ولفت «تجمع الأحزاب» إلى أن «ليبيا لا تحتمل مزيداً من الاستقطاب، ولا تحتمل أخطاءً سياسية في ملفات مصيرية، والمصالحة الوطنية ليست مشروع أشخاص، بل مشروع وطن، وأيُّ مساس بها أو توظيفها سياسياً سيُحمَّل أصحابه مسؤولية تاريخية أمام الشعب الليبي». وانتهى إلى أن «ليبيا، اليوم، في حاجة إلى قرارات تُرمّم ما تبقَّى من الثقة بين أبنائها، لا إلى خطوات تُفاقم الاحتقان وتُربك المسارات الوطنية».


«الإخوان» تواجه عزلة دولية بعد قرار ترمب

محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
TT

«الإخوان» تواجه عزلة دولية بعد قرار ترمب

محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)

تواجه جماعة «الإخوان» عزلة دولية بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصنيف فروعها في مصر والأردن ولبنان «منظمات إرهابية».

وانضمت الأرجنتين إلى قائمة الدول التي اتخذت قراراً بحظر «الإخوان»، حيث أعلنت، الخميس، «إدراج فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان ضمن قائمتها للمنظمات الإرهابية»، حسب ما أعلن مكتب الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.

ويرى خبراء وباحثون أن قرار ترمب «سوف يوسع من الحظر الدولي لفروع (تنظيم الإخوان)»، وتحدثوا عن أن «هناك دولاً سوف تتخذ نفس الخطوات، رغم أن الإجراءات الأميركية لن تؤثر على كافة فروع الجماعة في الخارج».

وجاء التحرك الأرجنتيني بعد يومين، من إعلان وزارتي الخزانة والخارجية الأميركيتين، الثلاثاء، «تصنيف (جماعة الإخوان) بمصر رفقة فرعيها في الأردن ولبنان كـ(منظمات إرهابية)».

وقالت الحكومة الأرجنتينية إن «قرارها استند إلى تقارير رسمية تُثبت وجود أنشطة غير مشروعة ذات طابع عابر للحدود تشمل أعمالاً إرهابية ودعوات علنية للتطرف العنيف، فضلاً عن صلات مع منظمات إرهابية أخرى وتأثيرها المحتمل على جمهورية الأرجنتين».

وأشارت إلى أن «هذا الإجراء يعزّز آليات منع الإرهاب والكشف المبكر عنه ومعاقبة مموليه، بحيث لا يتمكن أعضاء (تنظيم الإخوان) وحلفاؤهم من الإفلات من العقاب».

ووفق الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي، فإن «قرار الرئيس الأميركي ضد (الإخوان) سوف يشجع دولاً أخرى لحظر الجماعة وفروعها في الخارج»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك توقعات لاتخاذ دول أخرى في أميركا اللاتينية، مثل كولومبيا وفنزويلا، قرارات مشابهة بتصنيف الجماعة كـ(منظمة إرهابية)».

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وأشار فرغلي إلى أن «الحظر المتتالي لجماعة (الإخوان) توازيه تحركات أوروبية مماثلة في النمسا والسويد». وقال إن «الأهم في القرارات الدولية هو مدى تأثيرها على تحركات التنظيم في الخارج»، منوهاً إلى أن «الإجراءات الأميركية تعدّ جزئية، لأنها شملت فروعاً بعينها محيطة بإسرائيل»، في حين أن «هناك فروعاً ومنظمات أخرى تابعة لـ(الإخوان) تحمل أسماء أخرى، لم يطلها قرار الحظر».

وجاء في البيان الرسمي الأميركي: «تدّعي فروع (الإخوان المسلمين) أنها منظمات مدنية شرعية، بينما تدعم في الخفاء وبحماسة جماعات إرهابية مثل (حماس).

وبناء على ذلك، يُدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) الفرعين المصري والأردني لجماعة (الإخوان) بسبب تقديمهما دعماً مادياً لـ(حماس)، بوصفهما (إرهابيين عالميين مصنّفين بشكل خاص)»، بموجب سلطة مكافحة الإرهاب المنصوص عليها في الأمر التنفيذي رقم «13224» بصيغته المعدّلة.

«تثبت التحركات الدولية لعزل تنظيم (الإخوان) صحة الرؤية العربية والمصرية تجاه التنظيم»، بحسب تقدير فرغلي، الذي أشار إلى أن «القاهرة كانت سبّاقة بتصنيف (الإخوان) كجماعة إرهابية».

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان» كـ«جماعة إرهابية» منذ عام 2013، ويقبع معظم قيادات «الإخوان» وفي مقدمهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت بمصر بعد رحيل الجماعة عن السلطة في العام نفسه. وهناك آخرون من أعضاء الجماعة هاربون في الخارج ومطلوبون للقضاء المصري، ويديرون حالياً التنظيم، وسط انقسامات حادة، بحسب مراقبين.

خبير مكافحة الإرهاب الدولي، حاتم صابر، يرى أن «(جماعة الإخوان) تواجه عزلة دولية بعد القرارات الأميركية الأخيرة». وأشار إلى أن «تصنيف التنظيم (كجماعة إرهابية) سيحدّ من تحركاته، خصوصاً في مصر ولبنان والأردن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «من تأثير القرار تجميد أموال التنظيم، وحظر سفر أعضائه، ومنع حصول أعضائه على أي دعم، مع تجريم أي شخص أو مؤسسة تقدم مساعدة للجماعة».

صابر يعتقد أن «هناك صعوبة في إدراج التنظيم كاملاً كحظر عابر للحدود، بسبب صعوبات قانونية في تصنيف منظمات تابعة للجماعة، لكنها تحمل أسماء أخرى». وقال إن «إجراءات واشنطن لن تطبق في الداخل الأميركي فقط، إنما ستطول أي معاملات خارجية لفروع الجماعة التي جرى حظرها».