إثيوبيا وأرض الصومال... الأمن مقابل منفذ البحر

رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)
رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)
TT

إثيوبيا وأرض الصومال... الأمن مقابل منفذ البحر

رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)
رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)

ألقت إثيوبيا حجراً في بركة ساكنة، بتوقيعها مذكرة تفاهم للاستحواذ على حصة غير محددة من ميناء بربرة، الواقع في أراضي جمهورية أرض الصومال، المعلنة من جانب واحد، لتفجر خلافاً قديماً متجدداً، مع جارتها الشرقية الصومال، التي أعلنت رفضها للاتفاقية، وسحبت سفيرها في العاصمة أديس أبابا للتشاور.

وتبحث إثيوبيا، الدولة المحرومة من أي إطلالة بحرية، منذ فترة طويلة، للحصول على منفذ بحري يحقق لها طموحاتها الاقتصادية مع دول مطلة على البحر الأحمر في القرن الأفريقي. وتعتمد حالياً على ميناء جيبوتي المجاورة، في نحو 95 في المائة من تجارتها البحرية. وحاولت إثيوبيا خلال الأعوام السابقة إنجاز اتفاقات مع إريتريا والسودان وكينيا، لاستخدام موانئها (عصب/شمال شرق، وبورتسودان/شمال غرب، ولامو الكيني/جنوب غرب). لكن محاولاتها لم يكتب لها النجاح مع إريتريا، خاصة بعد حرب التغراي، كما فشلت مع السودان التي غرقت في انقلابات وحرب أهلية.

اتفاقية تحقق مصالح الطرفين

وينص الاتفاق على منح إثيوبيا منفذاً على البحر الأحمر على طول 20كلم، لا سيما في ميناء بربرة، لمدة 50 عاماً. في المقابل «ستعترف إثيوبيا رسمياً بجمهورية أرض الصومال» كما أعلن موسى بيهي عبدي، زعيم هذه المنطقة التي لم تعترف بها الأسرة الدولية منذ إعلان استقلالها عن الصومال في عام 1991.

ويتيح استخدام ميناء بربرة على البحر الأحمر، نقل ما مقداره 30 في المائة على الأقل، من التعاملات التجارية الإثيوبية مع جيبوتي. وحسب رضوان حسين، مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، فإن مذكرة التفاهم تمهد الطريق لإثيوبيا للتجارة البحرية في المنطقة، بمنحها إمكانية الوصول إلى قاعدة عسكرية مستأجرة على البحر الأحمر؛ ما يعني أن جمهورية أرض الصومال ستحصل على الأمن في المنطقة المضطربة، مقابل بيع جزء من أراضيها إلى أديس أبابا، كمنفذ على البحر الاحمر. وبحسب الاتفاقية، ستحصل أرض الصومال أيضاً على حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة.

الخبير في شؤون القرن الأفريقي، عبد الشكور عبد الصمد، يقول لـ«الشرق الأوسط»: إن الاتفاقية التي ستمتد لنحو نصف قرن من الزمان، ستفيد جمهورية أرض الصومال في تحديث بنيتها التحتية، وفي إقامة الطرق والسكك الحديدية، والاستفادة من كهرباء سد النهضة على وجه الخصوص، كما يمكن أن تحصل على حماية عسكرية، بعد توسيع الاتفاقية.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (أ.ب)

وكان آبي أحمد قال قبل أشهر إن بلاده في حاجة إلى تعزيز حقها في الوصول إلى البحر، في تصريح أثار مخاوف في المنطقة. وأكد أن «وجود إثيوبيا كأمة (كان) مرتبطاً بالبحر الأحمر»، وأن بلاده في حاجة إلى ميناء، عادّاً أن «السلام» في المنطقة يقوم على «تقاسم متبادل متوازن» بين إثيوبيا وجيرانها في القرن الأفريقي المطلّين على البحر الأحمر، ذاكراً تحديداً جيبوتي وإريتريا والصومال.

وفي مواجهة المخاوف التي أثارتها تصريحاته، أكد أنه «لن يحصل أبداً على مصالحه بالحرب».

وذكرت «وكالة الأنباء الإثيوبية» (إنا)، أن مذكرة التفاهم تؤكد من جديد الموقف المبدئي للحكومة الإثيوبية المتمثل في تعزيز المصالح المتبادلة، من خلال التعاون على أساس المعاملة بالمثل، في حين قال مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، عبر منصة «إكس»، الاثنين: إن الاتفاق «سيفتح الطريق أمام تحقيق تطلع إثيوبيا إلى تأمين وصولها إلى البحر، وتنويع وصولها إلى الموانئ البحرية». وأضاف، أن الاتفاق يعزز أيضاً الشراكة الأمنية والاقتصادية والسياسية للطرفين الموقعين.

استحواذ جزئي أم كامل؟

ورغم أن مذكرة التفاهم لم تحدد نسبة الاستحواذ لميناء بربرة، فإن عبد الصمد، من أديس أبابا، أشار إلى أنها قد تكون نسبة استحواذ كاملة، وسيكون الميناء تحت إشراف كامل من الدولة الإثيوبية. وتقول سلطات إثيوبيا إنها ستعلن التفاصيل كاملة رسمياً خلال فترة وجيزة.

وكانت اتفاقية سابقة أبرمت في مارس (آذار) 2018، تمتلك بموجبها «موانئ دبي العالمية» على 51 في المائة من المشروع، و30 في المائة لـ«موانئ أرض الصومال»، بينما تبلغ حصة إثيوبيا 19 في المائة. وكجزء من الاتفاقية، ستستثمر الحكومة الإثيوبية في البنية التحتية لتطوير ممر بربرة كبوابة تجارية لها، ولكن يبدو أن هذه الاتفاقية لم تر النور.

ولم يعد لإثيوبيا منفذ بحري منذ استقلال إريتريا في عام 1993. واستفادت من منفذ على ميناء عصب الإريتري، لكنها خسرته خلال النزاع بين البلدين بين عامي 1998 و2000. وتعتمد إثيوبيا الآن على ميناء جيبوتي في صادراتها ووارداتها.

ولم تحصل أرض الصومال على اعتراف دولي واسع النطاق، رغم إعلانها الحكم الذاتي بعيداً عن الصومال في عام 1991. وتعد إثيوبيا من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية أرض الصومال في عهد الرئيس مليس زيناوي (1955 - 2012)، في حين حصلت على اعترافات ضمنية من دول أخرى، من خلال السماح بإقامة ممثليات دبلوماسية، أو معاملات تجارية. وكان وفد من الاتحاد الأوروبي قد راقب الانتخابات التي جرت في أرض الصومال، وهنأ الشعب والحكومة ومفوضية الانتخابات والأحزاب السياسية في أرض الصومال على إجراء الانتخابات بنجاح.

وسجلت زيارات متبادلة بين المسؤولين في كينيا وأرض الصومال خلال الفترات الماضية. ويسافر الصوماليون بجوازات تابعة لأرض الصومال إلى جميع أنحاء العالم من دون أي عقبات.

رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي (رويترز)

وتقول الصومال: إن جمهورية أرض الصومال جزء من أراضيها. وقالت «وكالة الأنباء الوطنية الصومالية» (صونا)، الأسبوع الماضي: إنه بعد جهود وساطة تزعمتها جيبوتي، اتفقت الصومال وأرض الصومال على استئناف محادثات تستهدف حسم نزاعاتهما.

احتجاج صومالي شديد اللهجة

واستدعى الصومال سفيره لدى إثيوبيا للتشاور؛ احتجاجاً على مذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال. وعقد مجلس الوزراء الصومالي، برئاسة حمزة عبدي باري، اجتماعاً طارئاً، الثلاثاء؛ لبحث الخطوة التي وصفتها حكومة الصومال بأنها «انتهاك إقليمي غير قانوني»، وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء الصومالية. وقال الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في تدوينة على منصة «إكس»: «أدنّا الانتهاك غير المشروع الذي قامت به إثيوبيا لسيادتنا الوطنية وسلامتنا الإقليمية ورفضناه. لا يمكن، ولن يمكن لأحد، أن ينتزع شبراً من الصومال. الصومال ملك للشعب الصومالي. هذا أمر محسوم».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)

من جانبه، أكد رئيس الوزراء الصومالي عزم الحكومة على حماية سيادة البلاد، وقال: «ما من أحد يمكنه أن ينتهك أي جزء من أراضي الصومال أو بحره أو جوه». وأصدر مجلس الوزراء الصومالي بياناً عقب اجتماعه الطارئ، قال فيه: إن توقيع مذكرة التفاهم «لا أساس له من الصحة، وهو اعتداء سافر على السيادة الداخلية لجمهورية الصومال الفيدرالية».

ودعا البيان الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إلى اجتماع طارئ بهذا الخصوص.

وتشهد العلاقات بين إثيوبيا والصومال توتراً حاداً منذ عقود، كما توجد خلافات تاريخية بين دول القرن الأفريقي، إلا أن الخبير عبد الصمد يقول: إن «مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر»، وصارت المصالح الاقتصادية وسياسات الانفتاح توفر باباً للتقارب بين هذه الدول.

الوضع مع إريتريا

ورغم أن السلطات الرسمية في إريتريا لاذت بالصمت إزاء الاتفاقية بين إثيوبيا وأرض الصومال، فإن مراقبين يرون أن أسمرا ربما لا تعجبها الاتفاقية، ولكنها لن تعلق عليها. ويقول عبد الصمد: إن إريتريا ربما تكون قد أضاعت فرص اتفاق سابق كان سيدرّ عليها أموالاً طائلة من إثيوبيا عن طريق استخدام ميناء عصب. ويضيف: إن إثيوبيا، بتوقيعها على هذه الاتفاقية، لن تغفل عن الاتفاقيات السابقة مع إريتريا والسودان، وربما تعود إليها في أوقات لاحقة «لأن إثيوبيا تعمل من أجل تنويع مصادر تعاملاتها التجارية، في ظل أن الدولة التي تحتضن كثافة سكانية عالية تقدر بنحو 120 مليون نسمة، تحتاج إلى تحريك عجلة اقتصادها لمواجهة التحديات الكبيرة».


مقالات ذات صلة

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

تحرك أميركي جديد تجاه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مع تصاعد التحشيد على حدود كل منهما.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد استمرارها في تعزيز قدرات الصومال وبناء مؤسساته

أكدت مصر استمرارها في دعم جهود تعزيز قدرات الصومال وبناء مؤسساته، وشددت على رفض «أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا عناصر من الشرطة الفيدرالية في ميكيلي بعد انسحاب «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها (رويترز)

إثيوبيا تستعيد السيطرة على مدينة حدودية بعد أنباء عن توغل إريتري

تبادل البلدان الاتهامات بعدما أثارت تقارير عن توغل قوات إريترية - نفتها إريتريا ولم يتسن لـ«رويترز» التحقق منها بشكل مستقل.

«الشرق الأوسط» (أسمرة - أديس أبابا)
أفريقيا عناصر من الشرطة الإثيوبية يقومون بدورية في ميكيلي بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

ما التحركات الإثيوبية المحتملة إثر تزايد التوتر مع إريتريا؟

تبادلت إثيوبيا وإريتريا، الجمعة، الاتهامات بشنّ «حرب عدوانية»، في وقت يهدّد النزاع المتصاعد بين الجيش الإثيوبي ومتمرّدي تيغراي بالتحوّل إلى حرب إقليمية.

محمد محمود (القاهرة) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رفض أي إجراءات تستهدف «إنشاء ترتيبات جديدة» للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة.

أحمد جمال (القاهرة)

مقتل وإصابة أكثر من 70 مدنياً بهجوم مسيّرة في جنوب دارفور

سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)
سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)
TT

مقتل وإصابة أكثر من 70 مدنياً بهجوم مسيّرة في جنوب دارفور

سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)
سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)

قُتل 30 مدنياً وأُصيب 43 آخرون، الجمعة، في قصف بطائرة مسيّرة استهدف سوق المواشي في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، وفقاً لتحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الذي اتهم الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم.

وقال الناطق باسم التحالف، أحمد تقد لسان، في بيان، إن القصف وقع أثناء ازدحام السوق بالمواطنين، وأسفر عن سقوط ضحايا بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن تدمير محال تجارية وممتلكات، مشيراً إلى استمرار حصر الخسائر. وزعم البيان أن المسيّرة انطلقت من قاعدة شرق العوينات، وحمّل الجيش السوداني وداعميه مسؤولية الهجوم، الذي وصفه بأنه «جريمة حرب». وطالب بإجراء تحقيق مستقل وشفاف، ودعا إلى تحرك دولي لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين.

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من حصيلة الضحايا أو ملابسات استهداف السوق أو موقع انطلاق المسيّرة. كما لم يتضمن البيان أدلة قابلة للتحقق تدعم اتهامه بشأن مصدر الهجوم والجهة المشغّلة للطائرة، ولم يصدر تعليق عن الجيش السوداني على هذه الاتهامات.

ويأتي الهجوم وسط تصاعد الخسائر المدنية جراء استخدام طرفَي الحرب المسيّرات. وقالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، في إحاطة يوم 24 أغسطس (آب) الماضي، إن «مفوضية حقوق الإنسان» وثّقت مقتل نحو 1400 مدني خلال النصف الأول من العام الحالي، بينهم 1100 قُتلوا بضربات مسيّرات.

وكان المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قد أعلن، في مايو (أيار)، توثيق مقتل ما لا يقل عن 880 مدنياً بضربات مسيّرات بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان). وسجّل مكتبه 28 هجوماً على الأقل استهدف أسواقاً، وأوقع ضحايا مدنيين، إضافة إلى استهداف منشآت صحية 12 مرة على الأقل.

ومن أبرز تلك الوقائع الهجوم على مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور، في 20 مارس (آذار)، الذي قالت الأمم المتحدة إنه أودى بحياة 60 شخصاً على الأقل، بينهم أطفال وعاملون صحيون. وأوردت بعثة تقصي الحقائق الأممية لاحقاً حصيلة لا تقل عن 70 قتيلاً، في ضربات نسبتها إلى الجيش.

وفي يوليو (تموز)، نقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن «شبكة أطباء السودان» مقتل 10 مدنيين، بينهم 5 نساء من أسرة واحدة، في هجوم بمسيّرة نُسب إلى «الدعم السريع»، واستهدف سيارة غرب أم درمان أثناء توجه ركابها إلى حفل زفاف.

وفي واقعة أحدث، نقلت الوكالة، في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول)، عن مجموعة «محامو الطوارئ» مقتل 41 شخصاً، بينهم 8 أطفال، في قصف بمسيّرة استهدف تجمعاً للنازحين في منطقة أبو شندي بالنيل الأزرق، قرب الحدود الإثيوبية. واتهمت المجموعة «الدعم السريع» بتنفيذه، فيما استنكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الهجوم المبلّغ عنه.

وحذّرت بعثة تقصي الحقائق الأممية، في سبتمبر (أيلول)، من أن الدعم الخارجي والتطور التقني للمسيّرات وسّعا قدرة طرفَي الحرب على استهداف مناطق بعيدة عن خطوط القتال. ووثّقت هجمات طالت مستشفيات ومدارس وأسواقاً ومواقع نزوح، معتبرة أن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب.


النساء والذكاء الاصطناعي يقودان التشكيل الحكومي الجديد بالمغرب

صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)
صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)
TT

النساء والذكاء الاصطناعي يقودان التشكيل الحكومي الجديد بالمغرب

صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)
صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)

شهد القصر الملكي بالرباط، اليوم (الجمعة)، حدثاً سياسياً بارزاً يعيد رسم ملامح المشهد التنفيذي في المملكة المغربية؛ إذ ترأس الملك محمد السادس مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة.

ويأتي هذا التشكيل الحكومي الذي يضم 4 أحزاب سياسية، والذي يتزامن مع مستهل ولاية تشريعية جديدة، ليعكس التوجهات الرسمية الرامية إلى تسريع وتيرة العمل الميداني على المستوى الترابي، ومواجهة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الملحّة بروح ترتكز على الكفاءة والنجاعة العمومية.

وقد تميزت هذه المحطة السياسية بإسناد رئاسة الفريق الحكومي إلى فاطمة الزهراء المنصوري، في خطوة تؤسس لمرحلة جديدة من التدبير السياسي داخل المرفق العمومي المغربي.

الاستقبال الملكي وتأدية القسم بالقصر الملكي

أدى الوزراء الجدد القسم بين يدي العاهل المغربي، معلنين بذلك التدشين الرسمي والفعلي لممارسة مهامهم التنفيذية، وإعطاء إشارة الانطلاق لمرحلة متجددة من الانتقال المؤسساتي، وهو المسار التنموي الذي يترقبه الشارع المغربي بكثير من الاهتمام، متطلعاً إلى التماس انعكاساته الإيجابية على معيشته اليومية، ورؤية الأثر الميداني المباشر لهذه الدينامية الحكومية الجديدة في تطوير الخدمات العامة، ودعم مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها المملكة.

القيادة النسائية والحضور الاستراتيجي للمرأة في التشكيل الجديد

يمثل الهيكل الحكومي الجديد إشارة قوية نحو تعزيز مكانة الكفاءات النسائية في مراكز صنع القرار الاستراتيجي بالمملكة؛ إذ سجل التشكيل حضوراً لافتاً للمرأة بوجود 6 وزيرات يتولين قطاعات حيوية ومفصلية. وفي مقدمة هذا الحضور، تأتي فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة والمشرفة على تنسيق السياسات العامة، تليها شرفات أفيلال التي أُسندت إليها حقيبة وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة المعنية بملفات السيادة الطاقية، ونجوى كوكوس وزيرة للأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة.

ويمتد التمثيل النسائي ليشمل المناصب الانتدابية المهمة، متمثلاً في قلوب فيطح المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، وماديحة خيير في قطاع التكوين المهني، وفاطمة السعدي المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، إلى جانب عائشة كلاع التي تولت مهمة إصلاح الإدارة وعصرنة المرفق العام.

موازنة الحقائب السيادية وإدماج التكنولوجيا الحديثة

حافظ التشكيل الوزاري الجديد على استقرار المحاور السيادية والأمنية للمملكة المغربية لضمان استمرارية التوجهات الاستراتيجية للدولة، إذ جدّد العاهل المغربي ثقته في عبد الوافي لفتيت وزيراً للداخلية، وناصر بوريطة وزيراً للشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وإلى جانبهما استمر أحمد التوفيق في منصبه وزيراً للأوقاف والشؤون الإسلامية.

كما تجسد هذا الاستقرار في تجديد الثقة في عدد من الوزراء الذين حافظوا على حضورهم في الحقائب الحيوية؛ إذ بقي عبد اللطيف وهبي وزيراً للعدل، ومحمد المهدي بن سعيد وزيراً للشباب والثقافة والرياضة، بالإضافة إلى تعيين فوزي لقجع وزيراً للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية.

ويعكس هذا التعيين رغبة واضحة في الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية الكبرى للمملكة، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية في مجالات التمويل، وإدارة الميزانية، ورفع كفاءة الإنفاق العام.

ويأتي وضع لقجع على رأس الهرم المالي كخطوة تهدف إلى ضمان الاستقرار المالي والاستثماري، لا سيما في ظل الالتزامات الدولية الكبرى المقبلة للمغرب ومشاريع التنمية المستدامة الجاري تنفيذها على المستوى الترابي. وفي إطار الاستجابة لمتطلبات العصر وتحديث البنية الاقتصادية والإدارية، استحدثت الحكومة قطاعات مواكبة للمستجدات الدولية، تجسدت في تعيين أحمد رحو وزيراً للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، مما يوضح رغبة الرباط في دمج التكنولوجيا المتقدمة كركيزة أساسية لتطوير الاقتصاد الصاعد، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


مناوشات دبلوماسية جديدة بين إريتريا وإثيوبيا بعد أزمة «الطرد»

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
TT

مناوشات دبلوماسية جديدة بين إريتريا وإثيوبيا بعد أزمة «الطرد»

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)

توتر دبلوماسي جديد كشفت عنه أسمرة بعد رسالة وجهتها لمفوضية الاتحاد الأفريقي، بشأن طلب استعادة تمثيلها في مقر الاتحاد بأديس أبابا بعد طرد ممثلها من جانب إثيوبيا، مع التصعيد الذي بدأ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) بقطع علاقات البلدين.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، دافع برلماني إثيوبي عن «حق بلاده في ذلك مع تدخل إريتريا في شؤون بلاده»، مقابل تقديرات خبير في الشؤون الأفريقية، تذهب إلى «تعمد أديس أبابا لتلك الخطوة المخالفة للوائح الأفريقية للحفاظ على سرديتها فقط وتغييب وجهة نظر أسمرة».

ونشرت وزارة الخارجية الإريترية عبر موقعها الإلكتروني، الخميس، رسالة قالت إنها أرسلتها لمفوضية الاتحاد الأفريقي للمطالبة بـ«استعادة تمثيل إريتريا في مقره بأديس أبابا»، مؤكدة أنها «حرمت من حقوق عضويتها بما في ذلك التمثيل والمشاركة بالاتحاد».

وأوضحت أنه في الأول من أكتوبر الماضي، أعلنت حكومة إثيوبيا اعتبار 10 دبلوماسيين إريتريين مقيمين في سفارة إريتريا بأديس أبابا وبعثتها الدائمة لدى الاتحاد الأفريقي أشخاصاً غير مرغوب فيهم.

وأضافت: «بطرد الممثل الدائم وكامل الطاقم الدبلوماسي المكلف بالمشاركة في الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، تكون الحكومة الإثيوبية قد حرمت دولة إريتريا فعلياً من حقوقها الأساسية كدولة عضو في أن تمثَّل في الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا والمشاركة في أنشطتهما».

وشددت على أن «الاتحاد الأفريقي منظمة حكومية دولية تأسست على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء بموجب القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي». وبناءً على ذلك، «لا يمكن تقليص حقوق العضوية القانونية لإريتريا في الاتحاد الأفريقي أو المساس بها وفق أهواء دولة عضو أخرى».

وسبق هذا الإجراء من جانب الحكومة الإثيوبية، قيامها بإغلاق سفارتها في أسمرة في أغسطس (آب) 2026، وهو إغلاق غير معلن عنه حتى ذلك الحين، حسب الرسالة.

وحسب البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد، فإن «تمثيل إريتريا يعد مطلباً طبيعياً وعادياً، إلا أن التدخلات في دول الجوار وتجاوز الحدود الإثيوبية بمسافات تتراوح ما بين 50 و60 كيلومتراً يُعدّان أمرين مرفوضين وفقاً للأعراف الدولية ولوائح الاتحاد الأفريقي والقانون الدولي».

وشدد على أن «الأزمة تعود جذورها إلى منبعها الأساسي ومن بدأ بالحرب وتجاوز سيادة دول الجوار وتخطى القانون الدولي، وثبوت تجاوز إريتريا للحدود الإثيوبية على مرأى ومسمع من العالم أجمع».

منظر عام لمقر الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا في 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وعن موقف أديس أبابا من طلب أسمرة، أضاف أحمد أن «إثيوبيا تتبنى دائماً وأبداً خيار الطرق السلمية، والحوار، والجلوس إلى الطاولة لحل الخلافات عبر الدبلوماسية، مع إعطاء الأولوية للاتحاد الأفريقي باعتباره الجهة المعنية الأولى بحل مشكلات القارة الأفريقية داخل البيت الأفريقي دون تدخلات خارجية مثل الأمم المتحدة». كما شدد على أنه «إذا كانت أسمرة جادة في مساعي السلام، فعليها مراجعة مواقفها، والاعتراف بالخطأ».

ونفت أسمرة التدخل في الصراع الداخلي بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية و«جبهة تحرير تيغراي» منذ اندلاعه في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، وتراجعه الأيام الأخيرة مع دخول قوات حكومية لإقليم تيغراي، والإعلان، الجمعة، عن إدارة تابعة للحكومة لإدارته.

في المقابل، يقول الخبير في الشؤون الأفريقية رمضان قرني إن «هناك تعمداً إثيوبياً واضحاً في معاقبة إريتريا أو منعها من حقها في التمثيل الدبلوماسي لدعم سرديتها الإثيوبية وخطابها»، ويؤكد أن «هناك مخالفة واضحة بدرجة كبيرة لمجموعة من الاتفاقيات الدولية والاتفاقيات الخاصة بمنظمة الاتحاد الأفريقي واتفاقية مقر المنظمة الخاصة بالاتحاد الأفريقي».

ويضيف: «يمكن قراءة المطالبة الإريترية بتمكينها من التمثيل في أروقة مفوضية الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا في إطار سياق أعم وأشمل، وهو الخلاف الإثيوبي - الإريتري»، ويشير إلى أنه «ربما القضية هنا لم تصبح خلافاً سياسياً ولا مناوشة دبلوماسية أو تبادل طرد الدبلوماسيين، إنما أصبحت أقرب إلى الصراع».

ويلفت قرني إلى أن هذا يأتي «بالنظر إلى مجموعة من المعطيات على أرض الواقع تتعلق باتهام إثيوبيا لإريتريا رسمياً بالضلوع في حرب تيغراي، وشروع إثيوبيا في التحرك عسكرياً باتجاه منطقة حدودية فاصلة بينها وبين إريتريا من جانب إقليم تيغراي تحددها بعض التقارير بنحو 30 كم على أقصى تقدير».

كما يضيف أن «هذا الخلاف أو هذه المناوشات، أو بالأحرى هذا الصراع القائم بطبيعة الحال، من الواضح أنه لا يوجد أفق سياسي في اللحظة الراهنة أو دبلوماسي لإنهائه، ولا توجد حتى هذه اللحظة مبادرات دبلوماسية سواء من قبل الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة... وحتى القوى الدولية الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اكتفت بتوجيه رسائل للطرفين الإريتري والإثيوبي بالالتزام بضبط النفس وعدم التصعيد».

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات بالكامل هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.