إثيوبيا وأرض الصومال... الأمن مقابل منفذ البحر

رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)
رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)
TT

إثيوبيا وأرض الصومال... الأمن مقابل منفذ البحر

رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)
رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)

ألقت إثيوبيا حجراً في بركة ساكنة، بتوقيعها مذكرة تفاهم للاستحواذ على حصة غير محددة من ميناء بربرة، الواقع في أراضي جمهورية أرض الصومال، المعلنة من جانب واحد، لتفجر خلافاً قديماً متجدداً، مع جارتها الشرقية الصومال، التي أعلنت رفضها للاتفاقية، وسحبت سفيرها في العاصمة أديس أبابا للتشاور.

وتبحث إثيوبيا، الدولة المحرومة من أي إطلالة بحرية، منذ فترة طويلة، للحصول على منفذ بحري يحقق لها طموحاتها الاقتصادية مع دول مطلة على البحر الأحمر في القرن الأفريقي. وتعتمد حالياً على ميناء جيبوتي المجاورة، في نحو 95 في المائة من تجارتها البحرية. وحاولت إثيوبيا خلال الأعوام السابقة إنجاز اتفاقات مع إريتريا والسودان وكينيا، لاستخدام موانئها (عصب/شمال شرق، وبورتسودان/شمال غرب، ولامو الكيني/جنوب غرب). لكن محاولاتها لم يكتب لها النجاح مع إريتريا، خاصة بعد حرب التغراي، كما فشلت مع السودان التي غرقت في انقلابات وحرب أهلية.

اتفاقية تحقق مصالح الطرفين

وينص الاتفاق على منح إثيوبيا منفذاً على البحر الأحمر على طول 20كلم، لا سيما في ميناء بربرة، لمدة 50 عاماً. في المقابل «ستعترف إثيوبيا رسمياً بجمهورية أرض الصومال» كما أعلن موسى بيهي عبدي، زعيم هذه المنطقة التي لم تعترف بها الأسرة الدولية منذ إعلان استقلالها عن الصومال في عام 1991.

ويتيح استخدام ميناء بربرة على البحر الأحمر، نقل ما مقداره 30 في المائة على الأقل، من التعاملات التجارية الإثيوبية مع جيبوتي. وحسب رضوان حسين، مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، فإن مذكرة التفاهم تمهد الطريق لإثيوبيا للتجارة البحرية في المنطقة، بمنحها إمكانية الوصول إلى قاعدة عسكرية مستأجرة على البحر الأحمر؛ ما يعني أن جمهورية أرض الصومال ستحصل على الأمن في المنطقة المضطربة، مقابل بيع جزء من أراضيها إلى أديس أبابا، كمنفذ على البحر الاحمر. وبحسب الاتفاقية، ستحصل أرض الصومال أيضاً على حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة.

الخبير في شؤون القرن الأفريقي، عبد الشكور عبد الصمد، يقول لـ«الشرق الأوسط»: إن الاتفاقية التي ستمتد لنحو نصف قرن من الزمان، ستفيد جمهورية أرض الصومال في تحديث بنيتها التحتية، وفي إقامة الطرق والسكك الحديدية، والاستفادة من كهرباء سد النهضة على وجه الخصوص، كما يمكن أن تحصل على حماية عسكرية، بعد توسيع الاتفاقية.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (أ.ب)

وكان آبي أحمد قال قبل أشهر إن بلاده في حاجة إلى تعزيز حقها في الوصول إلى البحر، في تصريح أثار مخاوف في المنطقة. وأكد أن «وجود إثيوبيا كأمة (كان) مرتبطاً بالبحر الأحمر»، وأن بلاده في حاجة إلى ميناء، عادّاً أن «السلام» في المنطقة يقوم على «تقاسم متبادل متوازن» بين إثيوبيا وجيرانها في القرن الأفريقي المطلّين على البحر الأحمر، ذاكراً تحديداً جيبوتي وإريتريا والصومال.

وفي مواجهة المخاوف التي أثارتها تصريحاته، أكد أنه «لن يحصل أبداً على مصالحه بالحرب».

وذكرت «وكالة الأنباء الإثيوبية» (إنا)، أن مذكرة التفاهم تؤكد من جديد الموقف المبدئي للحكومة الإثيوبية المتمثل في تعزيز المصالح المتبادلة، من خلال التعاون على أساس المعاملة بالمثل، في حين قال مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، عبر منصة «إكس»، الاثنين: إن الاتفاق «سيفتح الطريق أمام تحقيق تطلع إثيوبيا إلى تأمين وصولها إلى البحر، وتنويع وصولها إلى الموانئ البحرية». وأضاف، أن الاتفاق يعزز أيضاً الشراكة الأمنية والاقتصادية والسياسية للطرفين الموقعين.

استحواذ جزئي أم كامل؟

ورغم أن مذكرة التفاهم لم تحدد نسبة الاستحواذ لميناء بربرة، فإن عبد الصمد، من أديس أبابا، أشار إلى أنها قد تكون نسبة استحواذ كاملة، وسيكون الميناء تحت إشراف كامل من الدولة الإثيوبية. وتقول سلطات إثيوبيا إنها ستعلن التفاصيل كاملة رسمياً خلال فترة وجيزة.

وكانت اتفاقية سابقة أبرمت في مارس (آذار) 2018، تمتلك بموجبها «موانئ دبي العالمية» على 51 في المائة من المشروع، و30 في المائة لـ«موانئ أرض الصومال»، بينما تبلغ حصة إثيوبيا 19 في المائة. وكجزء من الاتفاقية، ستستثمر الحكومة الإثيوبية في البنية التحتية لتطوير ممر بربرة كبوابة تجارية لها، ولكن يبدو أن هذه الاتفاقية لم تر النور.

ولم يعد لإثيوبيا منفذ بحري منذ استقلال إريتريا في عام 1993. واستفادت من منفذ على ميناء عصب الإريتري، لكنها خسرته خلال النزاع بين البلدين بين عامي 1998 و2000. وتعتمد إثيوبيا الآن على ميناء جيبوتي في صادراتها ووارداتها.

ولم تحصل أرض الصومال على اعتراف دولي واسع النطاق، رغم إعلانها الحكم الذاتي بعيداً عن الصومال في عام 1991. وتعد إثيوبيا من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية أرض الصومال في عهد الرئيس مليس زيناوي (1955 - 2012)، في حين حصلت على اعترافات ضمنية من دول أخرى، من خلال السماح بإقامة ممثليات دبلوماسية، أو معاملات تجارية. وكان وفد من الاتحاد الأوروبي قد راقب الانتخابات التي جرت في أرض الصومال، وهنأ الشعب والحكومة ومفوضية الانتخابات والأحزاب السياسية في أرض الصومال على إجراء الانتخابات بنجاح.

وسجلت زيارات متبادلة بين المسؤولين في كينيا وأرض الصومال خلال الفترات الماضية. ويسافر الصوماليون بجوازات تابعة لأرض الصومال إلى جميع أنحاء العالم من دون أي عقبات.

رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي (رويترز)

وتقول الصومال: إن جمهورية أرض الصومال جزء من أراضيها. وقالت «وكالة الأنباء الوطنية الصومالية» (صونا)، الأسبوع الماضي: إنه بعد جهود وساطة تزعمتها جيبوتي، اتفقت الصومال وأرض الصومال على استئناف محادثات تستهدف حسم نزاعاتهما.

احتجاج صومالي شديد اللهجة

واستدعى الصومال سفيره لدى إثيوبيا للتشاور؛ احتجاجاً على مذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال. وعقد مجلس الوزراء الصومالي، برئاسة حمزة عبدي باري، اجتماعاً طارئاً، الثلاثاء؛ لبحث الخطوة التي وصفتها حكومة الصومال بأنها «انتهاك إقليمي غير قانوني»، وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء الصومالية. وقال الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في تدوينة على منصة «إكس»: «أدنّا الانتهاك غير المشروع الذي قامت به إثيوبيا لسيادتنا الوطنية وسلامتنا الإقليمية ورفضناه. لا يمكن، ولن يمكن لأحد، أن ينتزع شبراً من الصومال. الصومال ملك للشعب الصومالي. هذا أمر محسوم».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)

من جانبه، أكد رئيس الوزراء الصومالي عزم الحكومة على حماية سيادة البلاد، وقال: «ما من أحد يمكنه أن ينتهك أي جزء من أراضي الصومال أو بحره أو جوه». وأصدر مجلس الوزراء الصومالي بياناً عقب اجتماعه الطارئ، قال فيه: إن توقيع مذكرة التفاهم «لا أساس له من الصحة، وهو اعتداء سافر على السيادة الداخلية لجمهورية الصومال الفيدرالية».

ودعا البيان الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إلى اجتماع طارئ بهذا الخصوص.

وتشهد العلاقات بين إثيوبيا والصومال توتراً حاداً منذ عقود، كما توجد خلافات تاريخية بين دول القرن الأفريقي، إلا أن الخبير عبد الصمد يقول: إن «مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر»، وصارت المصالح الاقتصادية وسياسات الانفتاح توفر باباً للتقارب بين هذه الدول.

الوضع مع إريتريا

ورغم أن السلطات الرسمية في إريتريا لاذت بالصمت إزاء الاتفاقية بين إثيوبيا وأرض الصومال، فإن مراقبين يرون أن أسمرا ربما لا تعجبها الاتفاقية، ولكنها لن تعلق عليها. ويقول عبد الصمد: إن إريتريا ربما تكون قد أضاعت فرص اتفاق سابق كان سيدرّ عليها أموالاً طائلة من إثيوبيا عن طريق استخدام ميناء عصب. ويضيف: إن إثيوبيا، بتوقيعها على هذه الاتفاقية، لن تغفل عن الاتفاقيات السابقة مع إريتريا والسودان، وربما تعود إليها في أوقات لاحقة «لأن إثيوبيا تعمل من أجل تنويع مصادر تعاملاتها التجارية، في ظل أن الدولة التي تحتضن كثافة سكانية عالية تقدر بنحو 120 مليون نسمة، تحتاج إلى تحريك عجلة اقتصادها لمواجهة التحديات الكبيرة».


مقالات ذات صلة

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رسائل مصرية جديدة بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

محمد محمود (القاهرة )
خاص مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)

خاص مصدر مصري ينفي تدخل القاهرة في اضطرابات إثيوبيا

رفض مصدر مصري مطلع، السبت، محاولة زج قيادة الجيش الإثيوبي لمصر في الأزمة الجديدة التي تثار حالياً في تيغراي شمالي البلاد.

محمد الريس (القاهرة )
أفريقيا دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أرشيفية - أ.ف.ب)

الحرب الإثيوبية تُعقّد طموحات آبي أحمد الإقليمية

تتسع دوائر الاضطراب داخل إثيوبيا، من «تيغراي» شمالاً إلى أمهرة وأوروميا، بينما تبدو تداعيات الأزمة أبعد من حدود الصراع الداخلي.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
أفريقيا أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)

اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

بعد شهور من المناوشات، تتجه «جبهة تحرير تيغراي» إلى فصل جديد من المعارك مع الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا عززها انضمام قوى أخرى عبر تدشين تحالف مسلح.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

من أمهرة إلى إريتريا... لماذا تتسع دائرة خصوم آبي أحمد؟

دخلت الأزمة الإثيوبية مرحلة جديدة مع إعلان سبع قوى مسلحة، بينها جبهة تيغراي، تشكيل تحالف لإنهاء حكم رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية شاملة.

محمد الريس (القاهرة)

الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

شهدت الحرب في السودان تطورات متسارعة على المسارين العسكري والإنساني، مع إعلان الجيش استعادة مدينة سودري الاستراتيجية في شمال كردفان، وتصاعد الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة وسقوط ضحايا مدنيين في الأبيض والمزروب، في وقت كشفت فيه الأمم المتحدة عن ارتفاع حاد في أعداد السودانيين الفارين إلى تشاد، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة لوزير الخارجية محيي الدين سالم في نيويورك، حيث حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من التداعيات المدمرة للحرب وخطر امتدادها إلى دول المنطقة.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان مساء الجمعة، إن قوات الجيش والقوات المتحالفة معها «حررت» مدينة سودري بعد معارك مع «قوات الدعم السريع»، قال إنها أوقعت في صفوفها خسائر في الأرواح والعتاد. ولم تعلق «قوات الدعم السريع» فوراً على إعلان الجيش، فيما أظهرت صور ومقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي عناصر من الجيش و«القوة المشتركة» يحتفلون داخل المدينة. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مجمل التطورات الميدانية أو حجم الخسائر التي أعلنها الجيش.

لاجئة سودانية من دارفور بجوار خيمة تابعة لمفوضية اللاجئين داخل مخيم في تشاد (رويترز)

وتكتسب سودري أهمية عسكرية بسبب موقعها على طرق تربط مناطق شمال كردفان بغرب الولاية ودارفور، كما أن السيطرة عليها تتيح للجيش توسيع نطاق انتشاره شمالاً وشمال غربي الأبيض، بعد سلسلة من العمليات التي حقق خلالها تقدماً في عدد من البلدات خلال الأسابيع الأخيرة.

وجاء التقدم في سودري بالتزامن مع تصاعد حرب المسيّرات. فقد تعرضت الأبيض، عاصمة شمال كردفان، الجمعة، لهجمات بطائرات مسيّرة، وقالت حكومة الولاية ولجنتها الأمنية إن مسيّرات تابعة لـ«الدعم السريع» استهدفت مركزاً لإيواء النازحين ومواقع مدنية وخدمية، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة نحو 20 آخرين.

ووفقاً لشهود، طالت الهجمات شمال ووسط الأبيض، بما في ذلك مركز لإيواء النازحين قرب مستشفى الشرطة ومحطة وقود وحافلة ركاب ومنزلاً في حي عرفات. ولم يصدر تعليق فوري من «الدعم السريع» على الاتهامات، فيما تداولت منصات مؤيدة لها أنباء قصف المدينة.

وفي الجهة المقابلة من خطوط القتال، اتهم تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المتحالف مع «الدعم السريع»، الجيش بتنفيذ ضربة بمسيّرة على المزروب، وقال إنها أسفرت عن مقتل تسعة مدنيين وإصابة 24 آخرين. ولم يؤكد الجيش تنفيذ الضربة، كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مصدر المسيّرة أو حصيلة الضحايا.

موجة نزوح جديدة

وتزامنت التطورات العسكرية مع ارتفاع حاد في أعداد السودانيين الفارين عبر الحدود إلى تشاد. وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 400 سوداني يعبرون يومياً إلى شرق تشاد، بزيادة تصل إلى نحو 20 ضعفاً مقارنة بالمعدل المسجل خلال الأشهر القليلة الماضية.

ونقلت «رويترز» عن المنسق الإقليمي لشؤون اللاجئين مامادو ديان بالدي أن الوافدين الجدد تحدثوا عن فرارهم من القتال والقصف الجوي وهجمات الطائرات المسيّرة، وأن الموجة الجديدة تأتي خصوصاً من دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

ومنذ بداية العام، عبر أكثر من 55 ألف سوداني إلى تشاد، فيما يقترب عدد السودانيين الذين لجأوا إليها منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 من مليون شخص.

وتواجه الاستجابة الإنسانية بدورها أزمة تمويل حادة؛ إذ قالت المفوضية إنها حصلت على 18 في المائة فقط من مبلغ 1.6 مليار دولار تحتاج إليه للاستجابة الإقليمية، ما يهدد قدرتها على توفير الغذاء والمأوى ونقل اللاجئين إلى مناطق أكثر أمناً.

تحركات في نيويورك

وفي نيويورك، كثف وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم لقاءاته على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبحث مع مسؤولين دوليين وأمميين الحرب والوضع الإنساني ومسارات التسوية السياسية.

والتقى سالم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، وبحث الجانبان جهود وقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية، فيما أكد رئيس المفوضية دعم الاتحاد الأفريقي لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه وعملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

كما أجرى وزير الخارجية مباحثات مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، ومسؤولين أمميين معنيين بالملف الإنساني.

وفي أبرز لقاءاته، اجتمع سالم بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي أعرب، وفق البيان الرسمي للأمم المتحدة، عن «قلق عميق» إزاء استمرار النزاع وتأثيره المدمر على المدنيين، وحذر من خطر امتداد الحرب بصورة أكبر إلى المنطقة.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال لقائه وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم في نيويورك الخميس (الأمم المتحدة)

وشدد غوتيريش على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، والحاجة الملحة إلى وقف الأعمال العدائية والدفع نحو عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

وقالت وكالة السودان للأنباء إن سالم أطلع الأمين العام على تطورات الأوضاع، وأكد استمرار تعاون الحكومة مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية وتقديم التسهيلات اللازمة لانسياب المساعدات.

ونقلت «سونا» كذلك عن غوتيريش إعرابه عن الأسف لعدم حصول رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة. لكن البيان الرسمي للأمم المتحدة عن اللقاء لم يتطرق إلى قضية التأشيرة، وركز على الحرب والوضع الإنساني ووقف الأعمال العدائية والمسار السياسي.


«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)
TT

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)

رسائل مصرية جديدة بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، متمسكاً بحق بلاده في «الدفاع عن أمنها المائي في ظل الإجراءات الأحادية».

وتأتي كلمة مدبولي بالمنبر الأممي، بعد تصريحات حادة من وزيري الري هاني سويلم والخارجية بدر عبد العاطي، ويراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ضمن تصعيد مصري يحمل مطالب واضحة بشأن أزمة السد، متوقعين «عدم إحياء المفاوضات بين البلدين في ظل الأزمات الداخلية الإثيوبية والعناد الإثيوبي».

وأكد الخبراء أن «القاهرة ستواصل شرح رؤيتها التي تكسبها مساحات أفريقية ودولية تدعم مواقفها ولو وصلت لحد الدفاع عن حقها في حماية الأمن المائي».

وجرت مفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً، وتقرر تجميدها لمدة 3 أعوام قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

وقال مدبولي، في كلمة، مساء الجمعة، أمام المنبر الأممي، إن الأمن المائي لبلاده «قضية وجودية لا تحتمل المساومة»، مؤكداً «أن موارد المياه العابرة للحدود يجب أن تكون مجالاً للتعاون لا للصراع، وأن الإرادة السياسية وحسن النوايا ضروريان للتكامل بين الأمن المائي والتنمية».

وشدد على عدم معارضة مصر لمساعي التنمية لدى الدول الأخرى، لكنها تدافع عن مبدأ «عادل» يقوم على عدم بناء بعض الأطراف تنميتها على إلحاق الضرر بالآخرين، داعياً إلى التعاون وحسن الجوار والتوصل إلى اتفاقيات ملزمة وفق القانون الدولي تحقق مصالح الجميع، بدلاً من السياسات الأحادية الطرف، وفرض الأمر الواقع.

وأكد مدبولي على «احتفاظ مصر بحقها المشروع والمكفول في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في حماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها».

وخلال مؤتمر صحافي أمام 80 مراسلاً أجنبياً، قبل نحو أسبوع لوزير الري المصري، أكد أن السد الإثيوبي «غير شرعي»، لافتاً إلى أن «كل الخيارات المشروعة تظل متاحه أمام الدولة المصرية»، مشدداً على أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل، ولن تقبل بأوهام التحكم والسيطرة في تدفقات المياه لدولتي المصب».

مصطفى مدبولي أكد أن الأمن المائي لمصر «قضية وجودية لا تحتمل المساومة» (مجلس الوزراء المصري)

وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوّح وزير الخارجية المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».

الخبير في الشؤون الأفريقية رمضان قرني يرى أن الموقف المصري بشأن ملف الأمن المائي و«سد النهضة» «شهد تحولاً حازماً خلال الفترة الأخيرة عبر تبنّي لهجة دبلوماسية وإعلامية صريحة كاشفة للسياسات الإثيوبية الأحادية».

وأكد أن كلمة مصر أمام الجمعية العام للأمم المتحدة «كانت حاسمة وصارمة في تأكيد ذلك والتمسك بحقها المشروع والمكفول دولياً للدفاع عن أمنها المائي بكل الطرق والوسائل المتاحة، سواء عبر الأدوات الدبلوماسية والقانونية، أو أدوات القوة الشاملة الأخرى بمفهومها الواسع في العلاقات الدولية».

وتشير الخبيرة في الشؤون الأفريقية أسماء الحسيني، إلى أن كلمة رئيس مجلس الوزراء «حملت رسائل حاسمة تؤكد على الموقف المصري الثابت والرافض لسياسة فرض الأمر الواقع الإثيوبية بشأن (سد النهضة)»، مشددة على أن حق مصر في الدفاع عن أمنها المائي «هو حق وجودي لا يقبل المساومة».

ولفتت إلى أن تصاعد اللهجة المصرية في المحافل الدولية «يعكس موقفاً حازماً ومبدئياً يفند الخطاب العدواني الإثيوبي المحاول للسيطرة على مياه النيل الأزرق»، ويؤكد أن «المخاوف المصرية والسودانية هي مواقف حقيقية وليست ادعاءات».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وعلى مدار نحو شهرين، وجهت مصر رسائلها لإثيوبيا، مقابل تصعيد من جانب أديس أبابا في منابرها الإعلامية ضد القاهرة، ووسط هذا التراشق أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، استعداد روما للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصُّل إلى حلٍّ لأزمة المياه بين البلدين.

ويعتقد قرني أن «استمرار الوضع الراهن، هو السيناريو الأرجح مرحلياً مع استمرار تجديد مصر موقفها الثابت بعدم معارضة التنمية في إثيوبيا، شريطة الالتزام التام بقواعد القانون الدولي، والمواثيق التاريخية، والأطر التفاوضية المعتمدة».

ويرجع «عدم إمكانية إحياء المفاوضات بين مصر وإثيوبيا في ظل ما وصفه بتمسك أديس أبابا بالنهج الأحادي والخطاب العدائي، وكذلك مع تجدد الصراعات المسلحة في أقاليم أمهرة، وتيغراي، والعفر؛ ما يجعل ترتيب البيت الداخلي أولوية لدى صانع القرار الإثيوبي، وانشغال المجتمع الدولي بالأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط وغزة والحرب الروسية الأوكراني».

وتشير الحسيني إلى أن «مصر ستتبع في ظل عدم التجاوب الإثيوبي منهجاً سلمياً وقانونياً عبر التوجه للمؤسسات الدولية كمجلس الأمن، وتعزيز التعاون المباشر مع دول حوض النيل؛ ما يسهم على المدى الطويل في كسب تفهم المجتمع الدولي لمطالبها المشروعة أو اتخاذ ما يناسب للدفاع عن حقها في حماية الأمن المائي».


مصدر مصري ينفي تدخل القاهرة في اضطرابات إثيوبيا

مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

مصدر مصري ينفي تدخل القاهرة في اضطرابات إثيوبيا

مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)

رفض مصدر مصري مطلع، السبت، محاولة زج قيادة الجيش الإثيوبي لمصر في الأزمة الجديدة التي تثار حالياً في تيغراي شمالي البلاد، بعد عودة المعارك قبل نحو أسبوع بين الجبهة المعارضة والحكومة الفيدرالية، غداة 4 سنوات من اتفاق سلام أنهى عامين من الحرب.

وتحدث رئيس الأركان العامة لـ«قوات الدفاع الوطني» الإثيوبية برهانو جولا، عن أن «قوى أجنبية تدعم التحالف المسلح الحديث لمحاولة زعزعة استقرار إثيوبيا وإضعافها»، مؤكداً أنه «لا تستطيع جبهة تيغراي والتحالف تحقيق أي شيء بمفردها، ما لم يتم دفعهما ودعمهما وإمدادهما من جانب السودان ومصر وقوى أخرى».

كما أكد في تصريحات نقلها إعلام إثيوبي، مساء الجمعة، أن إريتريا، تعمل كوسيط بين القوى الخارجية والجماعات المسلحة داخل إثيوبيا، مشيراً إلى أن جبهة تيغراي وإريتريا لا تستطيعان مواجهة الحكومة الفيدرالية بشكل مستقل.

واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك قبل أيام، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

من جهته، قال المصدر المصري المطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تلمِّح إليه إثيوبيا «ادعاءات لا تستحق الرد، والقاهرة غير معنية بهذه المهاترات». ودعا السلطات الإثيوبية إلى «معالجة أزماتها ومشكلاتها الداخلية بنفسها، بدلاً من محاولة تعليق فشلها الداخلي على الخارج».

وأشار المصدر إلى أن أزمة تيغراي «موضوع قديم ومكرر منذ سنوات، ولا يوجد أي داعٍ لإقحام اسم مصر فيه أو ربطها به»، مؤكدا أن مصر «تتتبع سياسة ثابتة وصارمة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول» الأخرى.

مسلحون سابقون في تيغراي خلال إعادة تأهيلهم ودمجهم من الحكومة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ما يؤكده المصدر المطلع، في إطار المعلومات، يؤكده الخبير الاستراتيجي والعسكري سمير راغب، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن المسؤول العسكري والتي زجّت باسم مصر في ملف الصراع المسلح الداخلي مع جبهة تحرير تيغراي، لا تعدو كونها جملة شرطية حمَّالة أوجه وافتراضات مجردة تهدف إلى ترحيل أزمات أديس أبابا الداخلية إلى أطراف خارجية.

وأوضح راغب أن حديث الجانب الإثيوبي عن اشتراط تلقي المعارضة المسلحة دعماً خارجياً لتحقيق مكاسب ميدانية، بُني على افتراضات جغرافية مجردة نظراً إلى كون الحدود الشمالية المفتوحة لإقليم تيغراي تقع باتجاه السودان وإريتريا.

وبالنسبة إلى مصر، شدد راغب على أنه «لو كانت مصر تسعى للتدخل في إثيوبيا للضغط في ملفات أخرى لكانت تدخلت في أثناء مواجهات عام 2020 حينما كان الصراع في أوجّه وقبل اكتمال مراحل بناء سد النهضة».

ولفت إلى أن الصراع المسلح القائم «هو احتراب أهلي وصراع سلطة وثروة قديم ناتج عن سوء إدارة الحكم ومحاولات تقويض النظام الفيدرالي وتحويل الدولة إلى نظام مركزي يُلغي حق تقرير المصير للأقاليم، وهو ما رفضته الأقاليم الإثيوبية وخاضت من أجله مواجهات ضد حكومة أديس أبابا دون أي تحريض أو طرف خارجي».

جانب من الأسلحة التي سلمتها في وقت سابق تيغراي لقوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ودعا الخبير العسكري إلى فصل أزمة إقليم تيغراي عن ملف «سد النهضة»، موضحاً أن «الإقليم والجبهة المعارضة فيه يبعدان كل البعد جغرافياً وسياسياً عن موقع سد النهضة الإثيوبي، ولا يوجد أي رابط ميداني أو استراتيجي بين العمليات العسكرية في الإقليم وبين ملف السد».

وخلص إلى التأكيد أن «محاولات أديس أبابا إقحام القاهرة في أزماتها الهيكلية تأتي للتغطية على عدم الالتزام» باستحقاقات اتفاق بريتوريا للسلام الموقَّع عام 2022، مشدداً على أن القاهرة «تقف على مسافة واحدة من استقرار دول الجوار كافة ولا تدعم أي فصائل أو تحركات مسلحة ضد أي دولة أفريقية».

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991وحكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018، مما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي وحشدت قواتها على حدود الإقليم.