ما تأثير «قمة عنتيبي» على جهود دعم مقديشو في مواجهة الإرهاب؟

مصر دعت المجتمع الدولي لتحقيق السلام والاستقرار في الصومال

جانب من حضور «قمة عنتيبي» (مجلس الوزراء المصري)
جانب من حضور «قمة عنتيبي» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ما تأثير «قمة عنتيبي» على جهود دعم مقديشو في مواجهة الإرهاب؟

جانب من حضور «قمة عنتيبي» (مجلس الوزراء المصري)
جانب من حضور «قمة عنتيبي» (مجلس الوزراء المصري)

طرحت مخرجات قمة رؤساء الدول والحكومات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال بمدينة «عنتيبي» الأوغندية، تساؤلات عدة حول مدى دعم «القمة» لقدرات الحكومة الصومالية في مواجهة الإرهاب.

وأكد الإعلان الختامي لـ«قمة عنتيبي»، التي دعا لها الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، الجمعة، ضرورة «توفير الدعم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال»، مشيراً إلى «الحاجة لنشر 8 آلاف جندي إضافي، ضمن قوات الاتحاد الأفريقي لمعالجة الوضع الأمني الراهن في مقديشو».

وتشكل هذه القمة «نقلة نوعية لدعم وتفعيل دور بعثة الاتحاد الأفريقي في مكافحة الإرهاب بالصومال»، حسب خبراء، أشاروا إلى أن «البعثة الأفريقية تواجه تحديات عدة؛ خصوصاً في عمليات التمويل»، وطالبوا بضرورة «دعم الجيش الصومالي للحفاظ على المناطق المحررة من حركة (الشباب) الإرهابية».

وبدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً في بداية يناير (كانون الثاني) الماضي، خلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية «أتميس»، التي انتهت ولايتها في نهاية العام الماضي.

وشارك في «قمة عنتيبي» الرئيس الأوغندي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ومسؤولون من مصر وكينيا وجيبوتي، إلى جانب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، وممثلين عن الأمم المتحدة ومنظمة الإيغاد، وسفراء الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا.

إعلان «قمة عنتيبي» الختامي شدد على توفير الدعم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (مجلس الوزراء المصري)

وشدد الإعلان الختامي للقمة، مساء الجمعة، على «ضرورة عدم ترك الفرصة لعودة حركة (الشباب)»، وأكد «أهمية نشر قوات أخرى ثنائية لتعزيز دور بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، والعمل على سرعة نشر القوات المصرية»، مشيراً إلى أهمية «جهود الشركاء الدوليين لدعم الأمن والاستقرار في الصومال».

ودفعت حالة عدم اليقين وعدم الوضوح من المجتمع الدولي إلى عودة تهديد حركة «الشباب» الإرهابية للمكاسب، التي حققها الجيش الصومالي العام الماضي، وفق رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الذي أشار خلال القمة إلى «ضرورة تركيز الجهود الدولية على حشد أدوات التمكين اللازم للصومال، ومضاعفة قوته، وبرامج التدريب للجيش الصومالي، قصد تمكينه من الحفاظ على المكاسب العملياتية التي حققها سابقاً».

وأكد مدبولي «التزام بلاده بدعم الصومال، إلى جانب المجتمع الدولي»، وقال إن بعثة الاتحاد الأفريقي «تتيح فرصة للمجتمع الدولي لإعادة تركيز جهوده، وتجديد التزامه بمساعدة الصومال في تحقيق السلام والاستقرار والتنمية»، إلى جانب «تمكينه من القضاء على الإرهاب، وإعادة بناء دولة وطنية قابلة للحياة»، حسب إفادة لمجلس الوزراء المصري.

من جانبه، دعا الرئيس الصومالي خلال القمة إلى «ضرورة بذل مزيد من الجهد لتحقيق الاستقرار في بلاده»، وقال إن «التطور الذي تشهده بلاده أخيراً يأتي نتيجة للدعم المقدم من الشركاء الدوليين»، مشيراً إلى «تحديات تواجه جهود مكافحة الإرهاب، تستدعي إعادة بناء الجيش الصومالي ودعمه»، إلى جانب «تقديم التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي، بما يمكّنها من القيام بعملها».

واعتمد مجلس الأمن الدولي قراراً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بتفويض تشكيل «البعثة الأفريقية لدعم الاستقرار في الصومال» (أوصوم) في مكافحة حركة «الشباب»، وتعزيز جهود الاستقرار، إلى جانب تسهيل تقديم المساعدات الإنسانية.

وحسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد الإماراتية الخبير في الشأن الأفريقي حمدي عبد الرحمن، فإن «قمة عنتيبي» تعد محطة مهمة لدعم الصومال، ووضع حلول لتحديات عمل «بعثة الاتحاد الأفريقي» في مواجهة الإرهاب، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «بعثة (أوصوم) تواجه عقبات كبيرة، تتعلق بجوانب التشغيل والعجز المالي والتعاون الإقليمي»، مبرزاً أن هناك «فجوة تمويلية للبعثة تقدر بنحو 96 مليون دولار، تُضعف قدراتها التشغيلية»، منوهاً بأن «مفوضية الاتحاد الأفريقي تطالب بدعم مالي يقدر بنحو 190 مليون دولار لضمان استقرار عمل البعثة».

المشاركون في «قمة عنتيبي» لدعم الصومال (مجلس الوزراء المصري)

وخلال مشاركته بالقمة، شدد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي على ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال»، إلى جانب «المضي قدماً في دعم وبناء مؤسسات الدولة الصومالية، وتحقيق التوافق الداخلي بين الشعب الصومالي».

ورغم تحديات عمل بعثة الاتحاد الأفريقي، يعتقد عبد الرحمن أن مخرجات القمة «تشكل نقلة نوعية لدعم الصومال في مكافحة الإرهاب»، وقال إن «من أهم نتائج القمة التأكيد على دعم الجيش الصومالي، وتعزيز قدراته، بعد تنامي هجمات حركة (الشباب) الإرهابية أخيراً، والتنسيق بين الدول المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي والأطراف المانحة»، وشدد على «أهمية حفاظ مقديشو على المناطق المحررة من الحركة الإرهابية».

ولا يختلف في ذلك الصحافي السوداني المتخصص في شؤون القرن الأفريقي عبد المنعم أبو إدريس، الذي أشار إلى أن قمة عنتيبي «تمثّل تطوراً كبيراً في جهود الدعم الإقليمي للصومال»، وقال إن «الاتفاق خلال القمة على دعم الجيش الصومالي في مجال التدريب والاستخبارات والدعم الجوي خطوة مهمة في خلق إجماع إقليمي داعم لمقديشو في مواجهة تهديدات الإرهاب».

من جانبه، قلل الباحث الصومالي، المقيم في مصر، نعمان حسن، من تأثير مخرجات «قمة عنتيبي»، معتبراً أن «بعض دول جوار الصومال، المشاركة في القمة، غير جادة في دعم مقديشو لمواجهة الإرهاب»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الدول «لديها مصالح أخرى، غير حفظ الأمن داخل الصومال».

ويعتقد حسن أن «الهدف من عقد اجتماع قمة للدول المساهمة في (أوصوم) وضْع حلول لمشكلة تمويل البعثة الأفريقية»، مشيراً إلى «وجود تحديات داخلية أخرى تفاقم من حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، من بينها اتجاه مقديشو إلى الترتيب لانتخابات رئاسية بالاقتراع السري المباشر، وسط عدم توافق سياسي داخلي»، مضيفاً أن هناك «صعوبة في إجراء الانتخابات مع الوضع الأمني الداخلي».


مقالات ذات صلة

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

تحرك أميركي جديد تجاه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مع تصاعد التحشيد على حدود كل منهما.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد استمرارها في تعزيز قدرات الصومال وبناء مؤسساته

أكدت مصر استمرارها في دعم جهود تعزيز قدرات الصومال وبناء مؤسساته، وشددت على رفض «أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا عناصر من الشرطة الفيدرالية في ميكيلي بعد انسحاب «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها (رويترز)

إثيوبيا تستعيد السيطرة على مدينة حدودية بعد أنباء عن توغل إريتري

تبادل البلدان الاتهامات بعدما أثارت تقارير عن توغل قوات إريترية - نفتها إريتريا ولم يتسن لـ«رويترز» التحقق منها بشكل مستقل.

«الشرق الأوسط» (أسمرة - أديس أبابا)
أفريقيا عناصر من الشرطة الإثيوبية يقومون بدورية في ميكيلي بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

ما التحركات الإثيوبية المحتملة إثر تزايد التوتر مع إريتريا؟

تبادلت إثيوبيا وإريتريا، الجمعة، الاتهامات بشنّ «حرب عدوانية»، في وقت يهدّد النزاع المتصاعد بين الجيش الإثيوبي ومتمرّدي تيغراي بالتحوّل إلى حرب إقليمية.

محمد محمود (القاهرة) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رفض أي إجراءات تستهدف «إنشاء ترتيبات جديدة» للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة.

أحمد جمال (القاهرة)

مقتل وإصابة أكثر من 70 مدنياً بهجوم مسيّرة في جنوب دارفور

سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)
سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)
TT

مقتل وإصابة أكثر من 70 مدنياً بهجوم مسيّرة في جنوب دارفور

سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)
سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)

قُتل 30 مدنياً وأُصيب 43 آخرون، الجمعة، في قصف بطائرة مسيّرة استهدف سوق المواشي في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، وفقاً لتحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الذي اتهم الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم.

وقال الناطق باسم التحالف، أحمد تقد لسان، في بيان، إن القصف وقع أثناء ازدحام السوق بالمواطنين، وأسفر عن سقوط ضحايا بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن تدمير محال تجارية وممتلكات، مشيراً إلى استمرار حصر الخسائر. وزعم البيان أن المسيّرة انطلقت من قاعدة شرق العوينات، وحمّل الجيش السوداني وداعميه مسؤولية الهجوم، الذي وصفه بأنه «جريمة حرب». وطالب بإجراء تحقيق مستقل وشفاف، ودعا إلى تحرك دولي لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين.

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من حصيلة الضحايا أو ملابسات استهداف السوق أو موقع انطلاق المسيّرة. كما لم يتضمن البيان أدلة قابلة للتحقق تدعم اتهامه بشأن مصدر الهجوم والجهة المشغّلة للطائرة، ولم يصدر تعليق عن الجيش السوداني على هذه الاتهامات.

ويأتي الهجوم وسط تصاعد الخسائر المدنية جراء استخدام طرفَي الحرب المسيّرات. وقالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، في إحاطة يوم 24 أغسطس (آب) الماضي، إن «مفوضية حقوق الإنسان» وثّقت مقتل نحو 1400 مدني خلال النصف الأول من العام الحالي، بينهم 1100 قُتلوا بضربات مسيّرات.

وكان المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قد أعلن، في مايو (أيار)، توثيق مقتل ما لا يقل عن 880 مدنياً بضربات مسيّرات بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان). وسجّل مكتبه 28 هجوماً على الأقل استهدف أسواقاً، وأوقع ضحايا مدنيين، إضافة إلى استهداف منشآت صحية 12 مرة على الأقل.

ومن أبرز تلك الوقائع الهجوم على مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور، في 20 مارس (آذار)، الذي قالت الأمم المتحدة إنه أودى بحياة 60 شخصاً على الأقل، بينهم أطفال وعاملون صحيون. وأوردت بعثة تقصي الحقائق الأممية لاحقاً حصيلة لا تقل عن 70 قتيلاً، في ضربات نسبتها إلى الجيش.

وفي يوليو (تموز)، نقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن «شبكة أطباء السودان» مقتل 10 مدنيين، بينهم 5 نساء من أسرة واحدة، في هجوم بمسيّرة نُسب إلى «الدعم السريع»، واستهدف سيارة غرب أم درمان أثناء توجه ركابها إلى حفل زفاف.

وفي واقعة أحدث، نقلت الوكالة، في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول)، عن مجموعة «محامو الطوارئ» مقتل 41 شخصاً، بينهم 8 أطفال، في قصف بمسيّرة استهدف تجمعاً للنازحين في منطقة أبو شندي بالنيل الأزرق، قرب الحدود الإثيوبية. واتهمت المجموعة «الدعم السريع» بتنفيذه، فيما استنكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الهجوم المبلّغ عنه.

وحذّرت بعثة تقصي الحقائق الأممية، في سبتمبر (أيلول)، من أن الدعم الخارجي والتطور التقني للمسيّرات وسّعا قدرة طرفَي الحرب على استهداف مناطق بعيدة عن خطوط القتال. ووثّقت هجمات طالت مستشفيات ومدارس وأسواقاً ومواقع نزوح، معتبرة أن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب.


النساء والذكاء الاصطناعي يقودان التشكيل الحكومي الجديد بالمغرب

صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)
صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)
TT

النساء والذكاء الاصطناعي يقودان التشكيل الحكومي الجديد بالمغرب

صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)
صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)

شهد القصر الملكي بالرباط، اليوم (الجمعة)، حدثاً سياسياً بارزاً يعيد رسم ملامح المشهد التنفيذي في المملكة المغربية؛ إذ ترأس الملك محمد السادس مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة.

ويأتي هذا التشكيل الحكومي الذي يضم 4 أحزاب سياسية، والذي يتزامن مع مستهل ولاية تشريعية جديدة، ليعكس التوجهات الرسمية الرامية إلى تسريع وتيرة العمل الميداني على المستوى الترابي، ومواجهة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الملحّة بروح ترتكز على الكفاءة والنجاعة العمومية.

وقد تميزت هذه المحطة السياسية بإسناد رئاسة الفريق الحكومي إلى فاطمة الزهراء المنصوري، في خطوة تؤسس لمرحلة جديدة من التدبير السياسي داخل المرفق العمومي المغربي.

الاستقبال الملكي وتأدية القسم بالقصر الملكي

أدى الوزراء الجدد القسم بين يدي العاهل المغربي، معلنين بذلك التدشين الرسمي والفعلي لممارسة مهامهم التنفيذية، وإعطاء إشارة الانطلاق لمرحلة متجددة من الانتقال المؤسساتي، وهو المسار التنموي الذي يترقبه الشارع المغربي بكثير من الاهتمام، متطلعاً إلى التماس انعكاساته الإيجابية على معيشته اليومية، ورؤية الأثر الميداني المباشر لهذه الدينامية الحكومية الجديدة في تطوير الخدمات العامة، ودعم مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها المملكة.

القيادة النسائية والحضور الاستراتيجي للمرأة في التشكيل الجديد

يمثل الهيكل الحكومي الجديد إشارة قوية نحو تعزيز مكانة الكفاءات النسائية في مراكز صنع القرار الاستراتيجي بالمملكة؛ إذ سجل التشكيل حضوراً لافتاً للمرأة بوجود 6 وزيرات يتولين قطاعات حيوية ومفصلية. وفي مقدمة هذا الحضور، تأتي فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة والمشرفة على تنسيق السياسات العامة، تليها شرفات أفيلال التي أُسندت إليها حقيبة وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة المعنية بملفات السيادة الطاقية، ونجوى كوكوس وزيرة للأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة.

ويمتد التمثيل النسائي ليشمل المناصب الانتدابية المهمة، متمثلاً في قلوب فيطح المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، وماديحة خيير في قطاع التكوين المهني، وفاطمة السعدي المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، إلى جانب عائشة كلاع التي تولت مهمة إصلاح الإدارة وعصرنة المرفق العام.

موازنة الحقائب السيادية وإدماج التكنولوجيا الحديثة

حافظ التشكيل الوزاري الجديد على استقرار المحاور السيادية والأمنية للمملكة المغربية لضمان استمرارية التوجهات الاستراتيجية للدولة، إذ جدّد العاهل المغربي ثقته في عبد الوافي لفتيت وزيراً للداخلية، وناصر بوريطة وزيراً للشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وإلى جانبهما استمر أحمد التوفيق في منصبه وزيراً للأوقاف والشؤون الإسلامية.

كما تجسد هذا الاستقرار في تجديد الثقة في عدد من الوزراء الذين حافظوا على حضورهم في الحقائب الحيوية؛ إذ بقي عبد اللطيف وهبي وزيراً للعدل، ومحمد المهدي بن سعيد وزيراً للشباب والثقافة والرياضة، بالإضافة إلى تعيين فوزي لقجع وزيراً للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية.

ويعكس هذا التعيين رغبة واضحة في الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية الكبرى للمملكة، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية في مجالات التمويل، وإدارة الميزانية، ورفع كفاءة الإنفاق العام.

ويأتي وضع لقجع على رأس الهرم المالي كخطوة تهدف إلى ضمان الاستقرار المالي والاستثماري، لا سيما في ظل الالتزامات الدولية الكبرى المقبلة للمغرب ومشاريع التنمية المستدامة الجاري تنفيذها على المستوى الترابي. وفي إطار الاستجابة لمتطلبات العصر وتحديث البنية الاقتصادية والإدارية، استحدثت الحكومة قطاعات مواكبة للمستجدات الدولية، تجسدت في تعيين أحمد رحو وزيراً للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، مما يوضح رغبة الرباط في دمج التكنولوجيا المتقدمة كركيزة أساسية لتطوير الاقتصاد الصاعد، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


مناوشات دبلوماسية جديدة بين إريتريا وإثيوبيا بعد أزمة «الطرد»

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
TT

مناوشات دبلوماسية جديدة بين إريتريا وإثيوبيا بعد أزمة «الطرد»

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)

توتر دبلوماسي جديد كشفت عنه أسمرة بعد رسالة وجهتها لمفوضية الاتحاد الأفريقي، بشأن طلب استعادة تمثيلها في مقر الاتحاد بأديس أبابا بعد طرد ممثلها من جانب إثيوبيا، مع التصعيد الذي بدأ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) بقطع علاقات البلدين.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، دافع برلماني إثيوبي عن «حق بلاده في ذلك مع تدخل إريتريا في شؤون بلاده»، مقابل تقديرات خبير في الشؤون الأفريقية، تذهب إلى «تعمد أديس أبابا لتلك الخطوة المخالفة للوائح الأفريقية للحفاظ على سرديتها فقط وتغييب وجهة نظر أسمرة».

ونشرت وزارة الخارجية الإريترية عبر موقعها الإلكتروني، الخميس، رسالة قالت إنها أرسلتها لمفوضية الاتحاد الأفريقي للمطالبة بـ«استعادة تمثيل إريتريا في مقره بأديس أبابا»، مؤكدة أنها «حرمت من حقوق عضويتها بما في ذلك التمثيل والمشاركة بالاتحاد».

وأوضحت أنه في الأول من أكتوبر الماضي، أعلنت حكومة إثيوبيا اعتبار 10 دبلوماسيين إريتريين مقيمين في سفارة إريتريا بأديس أبابا وبعثتها الدائمة لدى الاتحاد الأفريقي أشخاصاً غير مرغوب فيهم.

وأضافت: «بطرد الممثل الدائم وكامل الطاقم الدبلوماسي المكلف بالمشاركة في الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، تكون الحكومة الإثيوبية قد حرمت دولة إريتريا فعلياً من حقوقها الأساسية كدولة عضو في أن تمثَّل في الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا والمشاركة في أنشطتهما».

وشددت على أن «الاتحاد الأفريقي منظمة حكومية دولية تأسست على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء بموجب القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي». وبناءً على ذلك، «لا يمكن تقليص حقوق العضوية القانونية لإريتريا في الاتحاد الأفريقي أو المساس بها وفق أهواء دولة عضو أخرى».

وسبق هذا الإجراء من جانب الحكومة الإثيوبية، قيامها بإغلاق سفارتها في أسمرة في أغسطس (آب) 2026، وهو إغلاق غير معلن عنه حتى ذلك الحين، حسب الرسالة.

وحسب البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد، فإن «تمثيل إريتريا يعد مطلباً طبيعياً وعادياً، إلا أن التدخلات في دول الجوار وتجاوز الحدود الإثيوبية بمسافات تتراوح ما بين 50 و60 كيلومتراً يُعدّان أمرين مرفوضين وفقاً للأعراف الدولية ولوائح الاتحاد الأفريقي والقانون الدولي».

وشدد على أن «الأزمة تعود جذورها إلى منبعها الأساسي ومن بدأ بالحرب وتجاوز سيادة دول الجوار وتخطى القانون الدولي، وثبوت تجاوز إريتريا للحدود الإثيوبية على مرأى ومسمع من العالم أجمع».

منظر عام لمقر الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا في 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وعن موقف أديس أبابا من طلب أسمرة، أضاف أحمد أن «إثيوبيا تتبنى دائماً وأبداً خيار الطرق السلمية، والحوار، والجلوس إلى الطاولة لحل الخلافات عبر الدبلوماسية، مع إعطاء الأولوية للاتحاد الأفريقي باعتباره الجهة المعنية الأولى بحل مشكلات القارة الأفريقية داخل البيت الأفريقي دون تدخلات خارجية مثل الأمم المتحدة». كما شدد على أنه «إذا كانت أسمرة جادة في مساعي السلام، فعليها مراجعة مواقفها، والاعتراف بالخطأ».

ونفت أسمرة التدخل في الصراع الداخلي بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية و«جبهة تحرير تيغراي» منذ اندلاعه في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، وتراجعه الأيام الأخيرة مع دخول قوات حكومية لإقليم تيغراي، والإعلان، الجمعة، عن إدارة تابعة للحكومة لإدارته.

في المقابل، يقول الخبير في الشؤون الأفريقية رمضان قرني إن «هناك تعمداً إثيوبياً واضحاً في معاقبة إريتريا أو منعها من حقها في التمثيل الدبلوماسي لدعم سرديتها الإثيوبية وخطابها»، ويؤكد أن «هناك مخالفة واضحة بدرجة كبيرة لمجموعة من الاتفاقيات الدولية والاتفاقيات الخاصة بمنظمة الاتحاد الأفريقي واتفاقية مقر المنظمة الخاصة بالاتحاد الأفريقي».

ويضيف: «يمكن قراءة المطالبة الإريترية بتمكينها من التمثيل في أروقة مفوضية الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا في إطار سياق أعم وأشمل، وهو الخلاف الإثيوبي - الإريتري»، ويشير إلى أنه «ربما القضية هنا لم تصبح خلافاً سياسياً ولا مناوشة دبلوماسية أو تبادل طرد الدبلوماسيين، إنما أصبحت أقرب إلى الصراع».

ويلفت قرني إلى أن هذا يأتي «بالنظر إلى مجموعة من المعطيات على أرض الواقع تتعلق باتهام إثيوبيا لإريتريا رسمياً بالضلوع في حرب تيغراي، وشروع إثيوبيا في التحرك عسكرياً باتجاه منطقة حدودية فاصلة بينها وبين إريتريا من جانب إقليم تيغراي تحددها بعض التقارير بنحو 30 كم على أقصى تقدير».

كما يضيف أن «هذا الخلاف أو هذه المناوشات، أو بالأحرى هذا الصراع القائم بطبيعة الحال، من الواضح أنه لا يوجد أفق سياسي في اللحظة الراهنة أو دبلوماسي لإنهائه، ولا توجد حتى هذه اللحظة مبادرات دبلوماسية سواء من قبل الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة... وحتى القوى الدولية الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اكتفت بتوجيه رسائل للطرفين الإريتري والإثيوبي بالالتزام بضبط النفس وعدم التصعيد».

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات بالكامل هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.