تونس: حملات أمنية وحالة استنفار في عطلة رأس السنة

تتزامن مع إقبال استثنائي من قبل آلاف السياح العرب والأجانب

قوات الأمن التونسية في حالة استنفار تحسباً لأي عمل إرهابي (وسائل إعلام تونسية)
قوات الأمن التونسية في حالة استنفار تحسباً لأي عمل إرهابي (وسائل إعلام تونسية)
TT

تونس: حملات أمنية وحالة استنفار في عطلة رأس السنة

قوات الأمن التونسية في حالة استنفار تحسباً لأي عمل إرهابي (وسائل إعلام تونسية)
قوات الأمن التونسية في حالة استنفار تحسباً لأي عمل إرهابي (وسائل إعلام تونسية)

أعلنت السلطات الأمنية والحكومية التونسية عن إجراءات استثنائية وعن برامج أمنية خاصة بمناسبة عطلة آخر السنة التي تتزامن مع الأيام الأخيرة من عطلة سنوية طويلة تشمل ملايين طلاب المدارس والجامعات والموظفين.

حالة استنفار لقوات الأمن التونسية تحسباً لأي عمل إرهابي (وسائل إعلام تونسية)

كما تشهد تونس بهذه المناسبة إقبالاً استثنائياً من قبل مئات آلاف السياح الليبيين والجزائريين والأوروبيين وأبناء العمالة التونسية في المهجر؛ لذلك استبق وزير الداخلية كمال الفقي وكوادر الوزارة الاحتفالات بزيارات تفقد أمني لكبرى المناطق السياحية في المناطق الساحلية للبلاد شمالاً وجنوباً.

وأعلنت وزارات الداخلية والنقل والتجارة ومصالح الشرطة البلدية بالمناسبة عن عدد كبير من الإجراءات الوقائية والأمنية والاقتصادية الاستثنائية.

قوات الأمن الخاصة في حالة استنفار قرب المؤسسات السياحية بمناسبة رأس السنة (أرشيف وسائل الإعلام التونسية)

حالة طوارئ

في نفس الوقت ذكّرت وسائل الإعلام التونسية بكون قرار «فرض حالة الطوارئ» الذي وقعه الرئيس التونسي مجدداً مطلع هذا العام يمتد إلى آخر يوم في العام الحالي. ومن المقرر أن يقع تجديده بأمر رئاسي جديد مثلما هو معمول به منذ 13 عاماً.

وفسر الرئيس التونسي قيس سعيد أن تمديد حالة الطوارئ في البلاد حتى نهاية العام الحالي 2023 بواجب «التصدي» لمن وصفهم بـ«أعداء الوطن»، وطلب من قوات الحرس الوطني «تنفيذ الخطة الأمنية الاستثنائية بحزم».

استنفار قوات الأمن السياحي والحرس الوطني في عطلة آخر السنة (أرشيف وسائل الإعلام التونسية)

وتمنح حالة الطوارئ وزارة الداخلية التونسية صلاحيات استثنائية، من بينها منع الاجتماعات، وحظر التجوال والإضرابات العمالية، وتفتيش المحلات، ومراقبة الصحافة والمنشورات والبث الإذاعي والعروض السينمائية والمسرحية. وهذه الصلاحيات تُطبق دون وجوب الحصول على إذن مسبق من القضاء.

حالة تأهب براً وبحراً وجواً

وكشف الناطق الرسمي باسم الحرس الوطني العميد حاسم الدين الجبابلي بالمناسبة أن القوات الأمنية التونسية في حالة استنفار وتأهب براً وبحراً بهدف تأمين التنقلات التي تزداد كثافة بين المدن والمناطق السياحية وفي المطارات والمواني.

وكشفت وزارة الداخلية أن من بين الإجراءات الأمنية الوقائية «تشديد الرقابة على استهلاك المشروبات الكحولية واستهلاك المواد المحظورة» من قبل سائقي السيارات، بهدف تجنب تضخم عدد حوادث السير القاتلة وأعمال العنف بأنواعها والانتهاكات لقوانين الطرقات والقيادة...

وأورد الناطق باسم الإدارة العامة للحرس الوطني أن عمل القوات الأمنية التونسية يزداد كثافة في موسم العطلة الإدارية وإجازات رأس السنة في جل الطرقات وفي البوابات الحدودية البرية والجوية والبحرية وفي السواحل.

وتكثف قوات الأمن بالمناسبة خطة تحركها تحسباً لمحاولات تنظيم عمليات تهريب سلع ومهاجرين غير شرعيين، من قبل بعض المهربين الذين قد يستفيدون من انشغال جانب من الأمنيين بالحملات الأمنية المكثفة على الطرقات البرية وفي المواني والمطارات والملاهي، وبالقرب من المؤسسات السياحية خاصة منها تلك التي تنظم حفلات عشاء وسهرات غنائية خاصة بمناسبة رأس السنة.

وكشفت السلطات الأمنية قبل أيام عن إجهاض مجموعة من رحلات الهجرة غير القانونية عبر السواحل التونسية في اتجاه السواحل الأوروبية.

استنفار في قطاع النقل

في سياق متصل، أعلنت وزارة النقل عن مضاعفة عدد القطارات ورحلات الحافلات العمومية بمناسبة عطلة آخر السنة. كما أعلنت عن تأمين زيادة في عدد العربات في القطارات لتضمن ترفيعاً في نسبة المسافرين الذين يستخدمون النقل العمومي الحديدي يتراوح بين 20 و30 بالمائة.

كما قررت وزارة النقل أن تؤمن الشركة الوطنية للنقل بين المدن والشركات الجهوية للنقل 4122 سفرة منتظمة و796 سفرة إضافية على كامل خطوطها؛ أي بزيادة 20 في المائة بالمقارنة مع العرض الجملي العادي.

وبالنسبة لسيارات التاكسي الجماعي في المسافات البعيدة، تقرر السماح لأصحابها بصفة استثنائية بنقل المسافرين في كامل البلاد، وعدم التقيد بمحافظة واحدة، وذلك ضمن جهود تحسين الخدمات ومحاولة التحكم في عدد حوادث المرور، وخاصة الحوادث القاتلة.

وفي إطار مراقبة مسالك التوزيع والتصدي لظاهرة المضاربة والاحتكار التي تنتعش في عطلة رأس السنة، أعلنت مصالح وزارة الداخلية أنها حجزت مع مصالح وزارات العدل والصحة والتجارة وتنمية الصادرات والمالية كميات هائلة من المواد «معدة للبيع بمناسبة الاحتفال برأس السنة الإدارية بطرق غير شرعية، بينها مواد مدعومة من قبل الدولة». كما وقع حجز آلاف قطع «الكايك» (حلويات آخر السنة التي كانت مخزنة لتباع ليلة رأس العام الجديد) التي لا تتوفر فيها الشروط الصحية، بعضها حجز في «مخازن غير قانونية ومحلات تجارية عشوائية».

وقد أحيل أصحاب هذه المحلات والمخازن إلى المحاكم ومصالح الرقابة المركزية وإلى الشرطة البلدية.


مقالات ذات صلة

الأرجنتين تدرج «الحرس الثوري» في قائمتها للمنظمات «الإرهابية»

أميركا اللاتينية عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية - متداولة)

الأرجنتين تدرج «الحرس الثوري» في قائمتها للمنظمات «الإرهابية»

أدرجت الحكومة الأرجنتينية الثلاثاء الحرس الثوري الإيراني في قائمتها للأفراد والمنظمات «الإرهابية» وفق ما أعلنت الرئاسة الأرجنتينية في بيان.

«الشرق الأوسط» (بوينوس أيرس)
الولايات المتحدة​ قوات إنفاذ القانون الأميركية تستجيب لبلاغ في «معبد إسرائيل» اليهودي في ويست بلومفيلد بولاية ميشيغان يوم 12 مارس (أ.ب)

«إف بي آي»: هجوم كنيس ميشيغان «عمل إرهابي» بإيعاز من «حزب الله»

قال ‌مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي إن الهجوم الذي استهدف أكبر كنيس يهودي في ولاية ميشيغان هذا الشهر كان «عملاً إرهابياً» ​بإيعاز من «حزب الله» اللبناني.

«الشرق الأوسط» (ديترويت)
المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

عاد «شبح داعش» ليثير قلقاً بين الليبيين بعد عشر سنوات على سقوط ما كانت تعرف بـ«إمارة التنظيم» في سرت، مدفوعاً بتحذيرات أميركية

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

قال سكان محليون إن 8 موريتانيين، قتلوا أمس (الخميس) داخل أراضي دولة مالي، حيث كانوا يعملون في رعاية قطعان من الماشية خلال رحلة انتجاع عبر الحدود.

الشيخ محمد (نواكشوط)

«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
TT

«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)

يرسخ ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا حضوره بوصفه من أبرز العقد الأمنية التي تثقل المشهد الداخلي، ليس فقط لكون البلاد وجهة لاستقرار مقاتلين سوريين ومن جنسيات أخرى، بل أيضاً لأنها ممر عبور وقاعدة عمليات تمتد تداعياتها إلى بؤر نزاع إقليمية، لا سيما في السودان.

ولطالما أشارت تقارير دولية متكررة، أبرزها وأحدثها مسودة تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة حول ترسخ هذا الدور، وهو ما يعكس تشابك الساحة الليبية مع محيطها الإقليمي. كما يعد الخبراء ليبيا محوراً نشطاً في حركة المقاتلين الأجانب، ليصبح هذا الواقع جزءاً من منظومة صراع أوسع تتقاطع فيها خطوط الإمداد والتحالفات العسكرية العابرة للحدود.

ويتزامن ذلك مع عجز مستمر عن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، الموقع في جنيف عام 2020، الذي نصّ على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة بحلول يناير (كانون الثاني)2021، ما يظهر استمرار الوجود الأجنبي، وتعمقه في موازين القوى الداخلية، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الاتفاق.

* أكثر من 7 آلاف مقاتل سوري

تعزز فئة المقاتلين السوريين وجودها بوصفها عنصراً مؤثراً داخل المشهد الأمني، حيث تنتشر في غرب ليبيا، خصوصاً في العاصمة طرابلس، وفي مواقع عسكرية وأمنية بارزة، بينها معسكر التكبالي ومعسكر صلاح الدين، ومنطقة أبو سليم وقاعدة اليرموك، إضافة إلى مدينة مصراتة، حسب مسودة التقرير الأممي.

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر خلال لقاء مع السفير التركي غوفين بيجيتش في بنغازي الاثنين (إعلام الجيش الوطني)

ولم يحدد الخبراء الأمميون أعداد هؤلاء المرتزقة بدقة، غير أن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» يقدر عددهم في طرابلس سابقاً بأكثر من 7 آلاف، فرّ نحو 3 آلاف منهم، وتحولوا إلى لاجئين في شمال أفريقيا وأوروبا.

ولا يقتصر دور هؤلاء على التمركز في ليبيا حسب مسودة التقرير، بل شاركوا فعلياً في مواجهات مسلحة، من بينها الاشتباكات التي وقعت في مايو (أيار) 2025 إثر مقتل قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» عبد الغني الكيكلي، كما جرى الدفع بهم مجدداً مع تصاعد التوترات، في إطار اعتماد الفصائل المسلحة على عناصر أجنبية، بوصفها «مضاعفات قوة» جاهزة للتدخل السريع.

وتعود جذور هذا الحضور الأجنبي إلى ذروة الصراع على طرابلس عام 2019، حين دفعت تركيا بمقاتلين سوريين من فصائل معارضة، أبرزها فصيل «السلطان مراد»، بموجب تفاهمات مع حكومة «الوفاق» السابقة، برئاسة فائز السراج، لدعم صد هجوم قوات الجيش الوطني على العاصمة.

ومنذ توقف العمليات العسكرية، لم يطرأ تغيير جوهري على تموضع هذه القوات، لتصبح مع مرور الوقت من الثوابت في المشهد الأمني الليبي.

ولا يتوقف الاعتماد على المقاتلين السوريين على غرب البلاد، بل يمتد أيضاً إلى شرق وجنوب ليبيا الخاضعة لسيطرة «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، حيث ترصد المعطيات الأممية وجودهم في مواقع استراتيجية، من بينها قاعدة معطن السارة الجوية، التي شهدت تعزيزات لدعم عناصر سبق ارتباطها بشبكات «فاغنر».

رئيس الأركان التركي خلال زيارة سابقة لمركز قيادة العمليات في طرابلس (وزارة الدفاع التركية)

ويرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي، جلال حرشاوي، أن ملف المرتزقة لا يزال عقدة عالقة ومرشحة للاستمرار، مشيراً إلى أن ليبيا تضم مئات المرتزقة من جنسيات متعددة، من بينها روسيا وتشاد وسوريا، وأن وجودهم ليس طارئاً بل يمتد لسنوات، حيث استقر بعضهم منذ أكثر من خمس سنوات.

ويقول حرشاوي لـ«الشرق الأوسط»: «اللافت ليس ازدياد أعدادهم، بل ثباتها النسبي، ويستبعد مغادرتهم في المدى القريب»، مؤكداً أن خروج المرتزقة لن يحدث ما لم ينتهِ الانقسام الليبي.

* ليبيا نقطة لنقل المقاتلين إلى جبهات بالخارج

رغم هذا التمركز، فإن الأبعاد الإقليمية تفرض نفسها على الملف، إذ توثق المسودة الأممية استخدام الأراضي الليبية نقطة انطلاق لنقل مقاتلين إلى ساحات قتال خارجية.

وتشير المعطيات الأممية إلى أن مقاتلين من كولومبيا عبروا ليبيا في طريقهم إلى «قوات الدعم السريع» في السودان، مستفيدين من تسهيلات لوجيستية في مناطق تحت نفوذ الجيش الوطني، فيما اختصت مدينة الكفرة بمحور رئيسي ضمن هذا المسار، حسب تقديرات خبراء الأمم المتحدة.

في هذا السياق يقول حرشاوي: «يعبر الكولومبيون ليبيا إلى السودان لكنهم لا يقيمون فيها، غير أن هذا المرور يطرح معضلة أمنية إقليمية أوسع، إذ يحوّل الأراضي الليبية إلى معبر مفتوح لشبكات نقل المقاتلين الأجانب، مما يغذي تداخل مسارات النزاعات، وتدويرها عبر الإقليم».

ويشير التقرير الأممي إلى أن القوات المسلحة السودانية نفذت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 غارات جوية داخل الأراضي الليبية، استهدفت شحنات لمركبات ومقاتلين أجانب، في محاولة لقطع خطوط الإمداد الداعمة لخصومها.

ورغم تكرار الاتهامات للجيش الوطني الليبي، خلال العامين الماضيين، بتقديم دعم لأطراف في النزاع السوداني، فقد دأبت السلطات في شرق ليبيا على نفي أي ضلوع لها في الحرب الأهلية التي اندلعت في 15 أبريل (نيسان) 2023 بين القوات المسلحة السودانية، بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو.

وسبق أن أكد رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول خالد حفتر، أن «الصراع في السودان شأن داخلي»، وأن مهمتهم تقتصر على تأمين الحدود، دون التدخل في شؤون الدول المجاورة.

في المقابل، أبعد ملف المرتزقة الأجانب في ليبيا فيما يبدو عن أجندة تحركات المجتمع الدولي ودوله المتدخلة في الشأن الليبي، وتحول أحياناً إلى صيغة بروتوكولية دون صدى على الأرض، حسب محللين.

ولا يجد المحلل السياسي حسام الدين العبدلي تفسيراً لتراجع الاهتمام بهذا الملف، سوى بوصفه «انعكاساً لغياب إرادة دولية حقيقية للحل». ويشير إلى أن استمرار وجود المرتزقة ومرورهم عبر ليبيا لا يمكن نسبته فقط إلى قادة البلاد والمتحكمين في المشهد المحلي، مرجحاً وجود «أطراف إقليمية ودولية ضالعة في هذا الملف، ما يعقد الجهود الرامية إلى إخراج هؤلاء المقاتلين».

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (غيتي)

وسبق أن وصفت المبعوثة الأممية هانا تيتيه هذا الملف في أغسطس (آب) الماضي بأنه «من أهم الجوانب، وأكثرها تحدياً في استعادة الاستقرار والأمن في البلاد»، مؤكدة أن بعثة الأمم المتحدة «تعمل باستمرار على معالجة هذه الظاهرة، رغم تعقيدها».


مقترح تشكيل سلطة ليبية جديدة يثير مخاوف تمديد المرحلة الانتقالية

لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)
لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)
TT

مقترح تشكيل سلطة ليبية جديدة يثير مخاوف تمديد المرحلة الانتقالية

لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)
لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)

لا تنقطع دعوات الليبيين لطي صفحة المرحلة الانتقالية الممتدة منذ 2011، سواء على المستوى الرسمي والسياسي، أو على الصعيد الشعبي، في ظل تطلع واضح لإنهاء دوامة مؤقتة من الجمود والانقسام السياسي طال أمدها.

غير أن تسريباً منسوباً إلى «الحوار المهيكل»، الذي ترعاه الأمم المتحدة، أعاد إحياء المخاوف من انزلاق جديد نحو تمديد هذه المرحلة، عبر مقترحات تتحدث عن تشكيل سلطة انتقالية جديدة، في مشهد يراه عدد من الليبيين إعادة إنتاج للأزمة أكثر من كونه مدخلاً لحلها.

* تشكيل سلطة جديدة

تقترح المسودة تشكيل سلطة جديدة تشمل رئيساً للدولة ونائباً مع مراعاة التوازن الجغرافي بين برقة وطرابلس وفزان، ويكون الانتخاب بنظام «القائمة الموحدة» عبر حوار أممي، مع الحصول على تزكية 25 في المائة من أعضاء الحوار. على أن تكون مدة الولاية 36 شهراً غير قابلة للتمديد، مع ضمانات مالية محدودة، ورفع الاعتراف الدولي بعد انتهاء المدة.

تيتيه تلقي إحاطتها أمام مجلس الأمن في فبراير الماضي (أرشيفية - البعثة الأممية)

وفي حين سارع بعض أعضاء «الحوار المهيكل»، من بينهم أسعد زهيو، إلى التأكيد على أن المقترح «مجرد تصور خارج الإطار الرسمي ولا يعبر عن مجريات الحوار»، فإن مجرد تداوله كان كافياً لإثارة قلق ليبي، في ظل حالة إنهاك سياسي وشعبي، نتيجة مسارات انتقالية متعاقبة لم تُحقق الاستقرار، أو تنجح في تنظيم انتخابات حاسمة.

ووصف محمد الأسعدي، المتحدث باسم البعثة الأممية، خريطة الطريق التي اقترحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه في أغسطس (آب) الماضي، التي دعمها مجلس الأمن، بأنها مبادرة عملية تهدف إلى إنهاء المراحل الانتقالية التي تشهدها البلاد منذ عام 2011، عبر تمهيد الطريق، وتقليص المدى الزمني للوصول إلى انتخابات عامة نزيهة وشفافة، تحظى بإجماع على نتائجها.

يُذكر أن الحوار المهيكل، المزمع استئناف جلساته في أبريل (نيسان) الحالي، هو بند من خريطة تيتيه التي تشمل أيضاً تعديل القوانين الانتخابية، وملء الشواغر في مجلس المفوضية الانتخابية، إلى جانب تشكيل حكومة موحدة.

وأضاف الأسعدي لـ«الشرق الأوسط» أن «الخريطة التي تعمل البعثة على تنفيذها تهدف إلى وضع حد لحالة الجمود والانقسام في ليبيا»، مؤكداً أن أي مقترحات، أو تحركات ضمن المسار الأممي ينبغي أن تصدر بصورة رسمية عن البعثة، وأن أي مبادرات تُطرح خارج هذا الإطار تعبّر فقط عن وجهات نظر الجهات التي تقف وراءها.

إحدى جلسات الحوار الليبي المهيكل في العاصمة طرابلس فبراير الماضي (أرشيفية - البعثة الأممية)

ومع ذلك، يبرز الحديث عن المراحل الانتقالية فجوة بين تطلعات الشارع الليبي نحو إنهاء المرحلة المؤقتة، وبين واقع سياسي لا يزال أسير التوازنات الداخلية والتجاذبات الدولية.

وفي هذا السياق يرى عضو المجلس الأعلى للدولة، أبو القاسم قزيط، أن البلاد «لا تزال بعيدة عن تجاوز المراحل الانتقالية»، مشيراً إلى «تصاعد المخاوف من ترسيخ الفساد، وإعادة إنتاج أنماط حكم سلطوية داخل مؤسسات يفترض أن تكون دائمة في المستقبل».

وقال قزيط في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «شريحة واسعة من الليبيين ترفض انتقال شخصيات مثيرة للجدل، أو موصومة بالفساد، إلى بنية الدولة المستقرة».

في المقابل، تتواصل التحركات الرسمية التي تؤكد التمسك بهدف إنهاء المرحلة الانتقالية، وهو ما تركزت عليه مباحثات رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، عبر «خطوات عملية» لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية.

كما أعلن مسؤولون محليون وقيادات اجتماعية قبلية في منطقة الجبل الغربي دعمهم للمساعي، الرامية إلى إنهاء المراحل المؤقتة، خلال لقاء مع النائب بالمجلس الرئاسي عبد الله اللافي مؤخراً.

* حالة «سأم عام»

هذا الزخم السياسي لا يخفي، وفق تقديرات بحثية، حالة «سأم عام» من مسارات المرحلة الانتقالية المتعاقبة. ويشير السنوسي بسيكري، مدير «المركز الليبي للبحوث والتنمية»، إلى أن «البلاد تعيش حالة من الإنهاك السياسي، والانقسام الأمني والعسكري، التي انعكست مباشرة على الأوضاع المعيشية، من تضخم ونقص السيولة وتراجع الخدمات».

وقال بسيكري لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الأزمات تتفاقم في ظل مستويات مرتفعة من الفساد، لافتاً إلى ما ورد في مسودة تقرير أممي عن تورط شخصيات عسكرية في تهريب النفط، وعادّاً أن التسريبات المرتبطة بالحوار المهيكل تحمل «رسائل سياسية» رغم غياب الإجماع حولها.

القائم بالأعمال الأميركي جيريمي برنت خلال إحدى جلسات الحوار المهيكل في طرابلس فبراير الماضي (البعثة الأممية)

كما تحدث بسيكري عن تعثر جهود توحيد الحكومتين في شرق وغرب البلاد، بما في ذلك مساعٍ يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ظل استمرار الخلافات بين الأطراف.

وسبق أن قاد بولس مشاورات بين أطراف سياسية في شرق ليبيا وغربها بعواصم أوروبية هدفت - حسب تقارير - إلى دمج الحكومتين، لكنها لقيت انتقادات سياسية، أبرزها كتلة الوفاق بالمجلس الأعلى للدولة.

من جهته، يرى المحلل السياسي حازم الرايس أن حالة الاستياء الشعبي «باتت واضحة»، تجاه ما يُنظر إليه بوصفه توجهاً نحو «تدوير الأزمة» بدلاً من حلها، مشيراً إلى أن استمرار الاعتماد على الأجسام السياسية القائمة يضعف الثقة في أي مسار يقود إلى انتخابات، وفق ما قاله لـ«الشرق الأوسط».

ويعتقد الرايس أن إطلاق «الحوار المهيكل» لم يبدد هذه المخاوف، خصوصاً مع التأكيد أن مخرجاته غير ملزمة، ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة لم تحقق اختراقاً يُذكر في مسار القوانين الانتخابية. كما حذّر من أن التحركات الدولية الموازية، وعلى رأسها تحركات بولس التي قد تدفع نحو «تسويات تلفيقية» تراعي مصالح الفاعلين الخارجيين أكثر من المصلحة الوطنية.

وفي تقييمه لأداء البعثة الأممية، عدّ الرايس أن تعاملها يتسم بـ«التردد والتناقض»، بين الاستمرار في التعاطي مع المؤسسات القائمة، والتلويح بإمكانية تجاوزها، في ظل غياب دعم دولي حاسم داخل مجلس الأمن، مؤكداً أن هذا الجمود «يعزز الانطباع بأن التسوية لا تزال رهينة لتوازنات دولية، أكثر من كونها نتاج إرادة سياسية داخلية حقيقية».

وسبق أن انتقدت المبعوثة الأممية هانا تيتيه خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن في فبراير (شباط) الماضي فشل مجلسي النواب والدولة في إحراز تقدم بخريطة الطريق الانتخابية، وذهبت إلى إعلان عزمها تشكيل مجموعة مصغرة لمعالجة الخطوتين الأساسيتين في الخريطة مباشرة، وهو ما لم يتحقق على الأرض حتى اللحظة.


حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

في تطور أثار مخاوف واسعة من ترسيخ واقع الانقسام السياسي والإداري في السودان، أعلنت حكومة «تأسيس» المدعومة من «قوات الدعم السريع»، وتتخذ من مدينة نيالا عاصمة لها، عزمها تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية في المناطق الخاضعة لسيطرتها خلال يونيو (حزيران) المقبل، بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة السودانية التي يرعاها الجيش اكتمال ترتيبات انعقاد الامتحانات في الولايات الواقعة تحت سيطرتها.

وجاء الإعلانان المتوازيان في وقت أطلقت فيه شخصيات وطنية وأكاديمية، الأسبوع الماضي، «المبادرة القومية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية»، داعية إلى تأجيل الامتحانات التي أعلنتها الحكومتان، والعمل بدلاً من ذلك على تنظيم امتحانات موحدة لجميع الطلاب في أنحاء البلاد كافة.

وحظيت المبادرة بترحيب واسع من القوى المدنية المناهضة للحرب، التي طالبت طرفي النزاع بالاستجابة العاجلة، بما يضمن إجراء امتحانات آمنة وعادلة، بعيداً من الاستقطاب العسكري والسياسي.

وتستهدف المبادرة، بحسب القائمين عليها، حماية مستقبل نحو 280 ألف طالب وطالبة في ولايات دارفور وكردفان ومناطق أخرى تقع تحت سيطرة تحالف «تأسيس»، حُرموا من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية طوال الأعوام الثلاثة الماضية بسبب الحرب.

اتصالات مع طرفي الصراع

وقال منظمو المبادرة إنهم أجروا اتصالات مع قيادات في حكومة «الأمل» برئاسة كامل إدريس، وأعضاء في مجلس السيادة الانتقالي، إلى جانب قيادات في المجلس الرئاسي لحكومة «تأسيس»، سعياً إلى التوصل إلى تفاهم يضمن تمكين الطلاب من أداء الامتحانات في مناطق وجودهم، مع توفير الضمانات الأمنية اللازمة للطلاب والمعلمين والكوادر التربوية قبل الامتحانات وأثناءها وبعدها.

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

وكانت وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السودانية قد أعلنت اكتمال الاستعدادات لجلوس 544 ألف طالب وطالبة داخل البلاد وخارجها لامتحانات الشهادة الثانوية المقررة في 13 أبريل (نيسان) المقبل.

في المقابل، قال وزير التربية والتعليم في حكومة «تأسيس»، كوكو جقدول، إن حكومته ماضية في إجراء الامتحانات خلال يونيو المقبل في المناطق التي تسيطر عليها. وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «نحن جاهزون لإقامة امتحانات الشهادة الثانوية، ونعمل على تسهيل جلوس جميع الطلاب هذا العام، لأن ما يهمنا هو ألا يضيع مستقبلهم». ونفى جقدول علمه بالمبادرة القومية لتوحيد الامتحانات، فيما لم يصدر تعليق رسمي من وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السودانية، بعد تعذر التواصل مع وكيل الوزارة أحمد خليفة. وتعد هذه المرة الأولى التي يعلن فيها عن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية داخل إقليم دارفور منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023.

مخاوف من ترسيخ التقسيم

يرى مراقبون أن إجراء امتحانات منفصلة في مناطق سيطرة كل طرف قد يفتح الباب أمام تكريس واقع الانقسام، ليس على المستوى السياسي والعسكري فقط، وإنما على مستوى المؤسسات التعليمية والخدمات العامة أيضاً.

وفي هذا السياق، قال عضو لجنة المعلمين سامي الباقر إن تنظيم امتحانات مستقلة في مناطق سيطرة الجيش و«الدعم السريع» يمثل «مدخلاً خطيراً لتقسيم البلاد إدارياً وسياسياً». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «طالبنا مراراً بإبعاد ملف التعليم عن الصراع، وأن تتولى وزارة التربية والتعليم الاتحادية الإشراف على امتحانات الشهادة السودانية في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرة طرفي النزاع». واقترح الباقر تشكيل لجنة قومية مستقلة ومحايدة تضم خبراء تربويين مشهوداً لهم بالكفاءة والنزاهة، تتولى تنسيق الامتحانات والإشراف عليها في كل أنحاء السودان.

أسر سودانية تحتمي بأسوار إحدى المدارس في أم درمان هرباً من الحرب (أ.ب)

ويسيطر الجيش السوداني حالياً على ولايات الوسط والشرق والشمال، بما في ذلك سنار، ومعظم ولاية النيل الأزرق، وأجزاء واسعة من جنوب كردفان، إضافة إلى ولايات القضارف وكسلا والبحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، فضلاً عن أجزاء من ولاية شمال كردفان.

في المقابل، تسيطر «قوات الدعم السريع» على ولايات دارفور الخمس: جنوب وغرب وشرق ووسط وشمال دارفور، إلى جانب أجزاء واسعة من ولايتي شمال وغرب كردفان، فيما تسيطر «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو، الحليفة لحكومة «تأسيس»، على منطقة كاودا في جنوب كردفان.

وفي محاولة لمعالجة أوضاع الطلاب النازحين من دارفور، قال وزير التربية والتعليم في الولاية الشمالية، التجاني إبراهيم، إن الوزارة الاتحادية خصصت مراكز خاصة لاستقبال طلاب دارفور النازحين وتمكينهم من أداء الامتحانات دون عوائق.

وسبق أن أعلنت وزارة التربية والتعليم الاتحادية اكتمال ترتيبات السكن والإعاشة للطلاب والطالبات القادمين من دارفور إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش.

إبعاد التعليم عن الصراع

ويستحضر كثير من التربويين تجربة الحرب السابقة في دارفور بين عامي 2003 و2010، حين كانت امتحانات الشهادة السودانية تُنظم في مناطق يتم التوافق عليها مسبقاً، مع توفير ترتيبات تضمن وصول الطلاب إلى مراكز الامتحانات ثم إعادتهم إلى مناطقهم بأمان.

من جانبه، قال الخبير في فضّ النزاعات عبد الله آدم خاطر إن الطلاب يمثلون الشريحة الأكثر تضرراً من الحرب، بعدما حُرم آلاف منهم من حقهم في التعليم والامتحانات لأكثر من 3 أعوام متتالية.

الحرب ساهمت في ضياع 3 أعوام دراسية في السودان (أ.ف.ب)

وأضاف: «رغم الدعوات الداخلية والدولية المتكررة لإبعاد التعليم والصحة عن دائرة الصراع، فإن طرفي الحرب لم يستجيبا حتى الآن بالشكل المطلوب».

وأشار خاطر إلى أن تجربة التفاهمات التي جرت بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بشأن تحييد منشآت النفط في منطقة هجليج بغرب كردفان من العمليات العسكرية، يمكن أن تشكل نموذجاً قابلاً للتطبيق في ملف التعليم أيضاً. وقال: «إذا تمكن الطرفان من الاتفاق على حماية منشآت النفط، فمن الممكن، بالتنسيق مع المنظمات الدولية المعنية بالتعليم، التوصل إلى تفاهم يضمن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية بصورة موحدة في جميع أنحاء البلاد، بعيداً من خطوط القتال والانقسام السياسي».