قوش والمولى والحسين... «رجال البشير الأقوياء» تحت سيف عقوبات واشنطن

امتلكوا نفوذاً واسعاً ومارسوا أدواراً قبل وبعد «ثورة 2019» السودانية

(من اليمين) محمد عطا المولى وعثمان الحسين وصلاح قوش
(من اليمين) محمد عطا المولى وعثمان الحسين وصلاح قوش
TT

قوش والمولى والحسين... «رجال البشير الأقوياء» تحت سيف عقوبات واشنطن

(من اليمين) محمد عطا المولى وعثمان الحسين وصلاح قوش
(من اليمين) محمد عطا المولى وعثمان الحسين وصلاح قوش

أعاد إعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على ثلاث شخصيات قوية بارزة من أركان حكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير، تسليط الضوء على أدوارهم قبيل وبعد «ثورة عام 2019» التي أطاحت بحكمه، خصوصاً أن اتهامات واشنطن بحقهم لم تقتصر على فترة حكم النظام السابق، بل امتدت إلى ممارساتهم بعد الإطاحة به.

والمسؤولون النافذون المعاقبون أميركياً هم: الرئيس السابق لجهاز الأمن ورجل المخابرات صلاح عبد الله الشهير بـ«قوش»، وغريمه الذي تبادل معه رئاسة جهاز الأمن أيضاً محمد عطا المولى، وثالثاً جاء مدير مكاتب البشير، الوزير السابق، طه عثمان الحسين.

ورغم اختلاف مصالحهم حيناً بل والتصارع بين بعضهم أحياناً؛ فإن سيف العقوبات الأميركية التي أعلنت (مساء الاثنين)، جمع الزملاء والأفرقاء السودانيين الثلاثة، وتضمن البيان الأميركي اتهامات للثلاثي بأنهم «لعبوا دوراً في تقويض الأمن والاستقرار في البلاد»، مستنداً في ذلك إلى أمر تنفيذي يقضي بعقوبات على من يزعزعون الاستقرار ويقوضون الديمقراطية في السودان.

وحمّلت الخزانة الأميركية كلاً من قوش، وعطا المولى، المسؤولية عن «إعادة عناصر النظام السابق للسلطة، وتقويض جهود إنشاء الحكومة المدنية»، بينما وجهت لطه اتهامات بـ«تسهيل الدعم العسكري والمادي لـ(قوات الدعم السريع)».

وبقرار «الخزانة الأميركية»، انضم الرجال الثلاثة إلى قائمة العقوبات المفروضة على مسؤولين سابقين أشهرهم «رجل الإسلاميين» علي أحمد كرتي «المتهم بالوقوف خلف انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول)» 2021 بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، و«حرب 15 أبريل (نيسان)» الماضي بين الجيش و«الدعم السريع»، وكذلك الرجل الثاني بقوات «الدعم السريع» عبد الرحيم دقلو.

فمن هم الرجال الثلاثة الأحدث خضوعاً للعقوبات الأميركية؟ وماذا يعرف السودانيون عنهم؟

الصندوق الأسود

يُنظر إلى «صلاح قوش» باعتباره أحد أركان «الحركة الإسلامية الاستخبارية» منذ أن كانت سرية، إلى أن تمت تسميته عام 1999 مديراً لجهاز المخابرات العامة وامتد عمله لفترتين امتدتا لأكثر من عقد. وبعد إقالته وسجنه أعيد مديراً للجهاز مرة أخرى في 11 فبراير (شباط) 2018، وظل في المنصب حتى سقوط «نظام الإسلاميين» بقيادة البشير في 11 أبريل 2019.

وطوال فترة رئاسته للجهاز الأخطر في البلاد، اتُهم «قوش» بانتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان في البلاد، وجرائم ضد المدنيين في الخرطوم ودارفور، وشملت لائحة اتهاماته: «الاعتقال، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القانون»، وكان يُنظر إلى ممارسات الجهاز في عهده باعتبارها «مثيرة للرعب».

لم يعتد قوش السكون حتى بعد خروجه من المنصب، وجرّب ذلك في عهد البشير، إذ بعدما خرج من رئاسة جهاز الاستخبارات للمرة الأولى، تمت تسميته مستشاراً أمنياً لرئاسة الجمهورية، ومرة ثانية اتهم بالضلوع في محاولة انقلابية ضد البشير بالاشتراك مع ضباط في الجيش عام 2013، فأقيل من منصبه ووضع في الحبس إلى أن تم الإفراج عنه بعفو رئاسي.

مكنت القدرات الخاصة لقوش الرجل من استعادة عافيته مطلع عام 2018، ووسط دهشة الجميع، أصدر البشير قراراً أطاح فيه برئيس جهاز المخابرات محمد عطا المولى (المعاقب أميركياً أيضاً)، وأعاد تعيين «قوش» رئيساً للجهاز، وظل رئيساً لجهاز الأمن والمخابرات في دورته الثانية حتى سقوط حكم البشير الذي كان يأمل في أن يُفلح قوش في قمع الاحتجاجات المبكرة ضد حكمه، لكنه لم يُفلح في قمع «الثورة»، برغم العنف الذي واجه به المحتجين السلميين وأدى إلى مقتل العشرات.

وبسبب منصب قوش على رأس جهاز المخابرات السودانية المتشابك مع قطاعات واسعة من قوى التطرف وجماعات العنف التي كان السودان موئلاً لبعضها، تمكن الرجل من بناء علاقة خاصة مع «وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA)» تجاوزت حالة العداء العلني بين نظام البشير وواشنطن، والحصار والعقوبات الاقتصادية والتجارية التي تفرضها الأخيرة على الدولة المصنفة ضمن الدول الراعية للإرهاب.

أدار قوش علاقات حكومته الإسلامية مع الحركات المتطرفة، وخلق علاقات قوية معها، بما في ذلك استضافة زعيم القاعدة أسامة بن لادن، و«الإرهابي كارلوس» وغيرهما، لكنه وظف معلوماته لتعضيد العلاقة مع الـ«سي آي إي». إلى حد اتهامه من قبل مناوئيه بأنه «غدر بحلفائه المتطرفين، وسلم ملفاتهم كاملة للوكالة الأميركية»، لكن ذلك على أي حال لم يمنع واشنطن بعد سقوط البشير من حظر سفر قوش إلى الولايات المتحدة.

حاول قوش «تسلق الثورة» كما يرى البعض، بعد أن تيقن من سقوط حكم البشير بالتواصل مع بعض القوى السياسية مبدياً استعداده لدعمها، مقابل ضمان وجوده في المرحلة المقبلة، لكن الضغوط الشعبية أطاحت به، فاضطر للاستقالة من منصبه الأمني، وقبل القبض عليه وتقديمه لمحاكمة مزمعة «تسلل» الرجل إلى خارج البلاد، وخلال العام الماضي راجت صورة له أثناء لقائه مع بعثة لفريق سوداني أثناء وجودها في القاهرة.

الرجل الثاني

وكما جمعت العقوبات الأميركية بين قوش والفريق محمد عطا المولى، فإن الثاني جاء في رئاسة جهاز المخابرات السوداني خلفاً للأول، بعدما كان يشغل موقع النائب له، وكان بمثابة الرجل الثاني في جهاز المخابرات خلال عهد قوش.

ويُعتقد على نطاق واسع أن ثالث المعاقبين مدير مكاتب البشير طه عثمان الحسين، الذي لعب دوراً مهماً في إقالة قوش وتعيين عطا المولى بديلاً له.

وشكّل الرجلان (المولى، والحسين)، تحالفاً صلباً بعد إطاحة قوش، ظل يتحكم في جهاز الدولة وأجهزتها الأمنية بخاتم البشير. لكن حاكم السودان فاجأهم مجدداً وأعاد تعيين قوش مديراً لجهاز الأمن والاستخبارات، وأبعد المولى سفيراً للخرطوم في واشنطن فظل هناك حتى سقوط حكم البشير، وتردد أن خلافات البشير ونائبه بكري حسن صالح، أدت لإطاحة عطا المولى المحسوب على النائب.

مدير المكاتب

في 9 يونيو (حزيران) 2015 أصدر البشير مرسوماً عين بموجبه الفريق أمن، طه عثمان الحسين، وزير دولة ومديراً عاماً لمكاتب الرئيس برئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، بصلاحيات ونفوذ واسعين، وتردد على نطاق واسع أن طه بمعاونة عطا المولى لعب دوراً مهماً في الكيد لقوش ما دفع الرئيس البشير لإقالته.

تزايد نفوذ مدير مكاتب الرئيس كثيراً، وأصبح هو الحاكم الفعلي للبلاد، وفقاً لتسريبات من مناوئيه الإسلاميين، كما أصبح مسيطراً على المشهد السياسي؛ وإزاء هذه الحملات اضطر البشير لإعفائه من منصبه وتعيين قريبه حاتم حسن بخيت مكانه.


مقالات ذات صلة

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

شمال افريقيا عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، باتت أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان.

شمال افريقيا سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

فرضت الأمم ‌المتحدة، عقوبات على الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع وعلى ​ثلاثة مرتزقة كولومبيين متهمين بتجنيد أفراد كولومبيين سابقين للقتال في السودان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
TT

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء، في العاصمة الإيطالية روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم.

وأوضحت البعثة في بيان، تلقت «وكالة الأنباء الألمانية» نسخة منه، أن المناقشات جرت في أجواء بنّاءة وجدية، حيث عبّر المجتمعون عن ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم من خلال صناديق الاقتراع. كما شددوا على ضرورة إنهاء الانسداد السياسي، الذي حال دون تقدم المسار الانتخابي.

وتوصل الفريق إلى اتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وأوصى بأن يقوم النائب العام بترشيح أحد رجال القضاء، كما أعاد الفريق تسمية 3 أعضاء للمفوضية، كان مجلس النواب قد اختارهم سابقاً، و3 آخرين سماهم المجلس الأعلى للدولة في وقت سابق.

وبالإضافة لذلك، شرع أعضاء الفريق المصغر في مناقشة القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي، واتفقوا على مواصلة مشاوراتهم بتيسير من البعثة الأممية للتوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتطبيق، تلبي طموحات الليبيين في إجراء انتخابات وطنية.

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد أعلنت خلال إحاطتها لمجلس الأمن في فبراير (شباط) الماضي، عن مقاربة من خطوتين لتجاوز عجر مجلسي النواب والدولة عن التوصل لاتفاق بشأن استكمال مجلس المفوضية الوطنية للانتخابات، وتعديل القوانين الانتخابية. ويعد الفريق المصغر الخطوة الأولى في هذه المقاربة.

ويتكون الفريق المصغر من 8 أعضاء، مقسمين بين شرق وغرب البلاد. ومَثّل فريق الغرب عضوين من المجلس الأعلى للدولة، وآخرين سمتهم حكومة الوحدة الوطنية، أما الشرق فيمثله عضوان من مجلس النواب وعضوان سمتهم القيادة العامة للقوات المسلحة.

وبسبب الانقسام السياسي، وخلاف على القوانين الانتخابية وبعض المرشحين، فشل الليبيون في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية كانت مقررة في ديسمبر (كانون الأول) 2021.


«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تسارع بعثة الأمم المتحدة وتيرة تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر الجمود السياسي، الذي يخيم على ليبيا منذ سنوات: الأول عبر قطع خطوات على مسار «الحوار المهيكل» الذي أطلقته منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي بمشاركة شرائح ليبية متعددة. أما المسار الأممي الثاني فيتمثل في اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة»، بصيغة «4+4»، الذي تستضيفه روما، الأربعاء، لمعالجة أكثر الملفات الانتخابية تعقيداً، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية، والمناصب الشاغرة بمجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الليبية.

إحدى جلسات الحوار الليبي المهيكل في طرابلس (البعثة الأممية)

لكن هذه المقاربة المزدوجة، التي تتمسك البعثة الأممية بأنها تهدف إلى تحريك العملية السياسية، فتحت الباب مجدداً أمام تساؤلات ليبية متزايدة حول جدوى تعدد المبادرات، وما إذا كانت تعكس تكاملاً دولياً أم تنافساً بين مسارات الحل المختلفة، خصوصاً مع حديث دبلوماسيين عن دعم أميركي لصيغة «4+4»، التي تجمع ممثلين عن الأطراف السياسية المتنازعة في شرق ليبيا وغربها.

تشكيك في جدوى المسارين

لا يبدي السفير مراد حميمة، وكيل وزارة الخارجية الليبية السابق، تفاؤلاً باختراق حاسم في الأزمة السياسية عبر هذين المسارين، مبرزاً أن «تعدد المبادرات عزز الانطباع بوجود حالة من التنافس، بدلاً من التكامل بين خريطة الطريق الأممية، ومبادرة مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، الخاصة بتوحيد السلطتين المتنافستين في ليبيا».

وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق مراد حميمة خلال لقاء مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في وساطة محلية فبراير الماضي (فريق الوساطة الليبية)

ويعتقد حميمة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «غياب مؤشرات واضحة على وجود إرادة سياسية جادة لمعالجة العقبات، التي تحول دون إجراء الانتخابات، لا يزال يمثل العائق الأكبر أمام أي تقدم فعلي»، لافتاً إلى أن المبادرة الأميركية قوبلت بـ«رفض شعبي واسع».

ويستند الدبلوماسي الليبي في تقييمه إلى ما وصفه بـ«التباين في سرعة معالجة الملفات العالقة»، موضحاً أن توحيد مصرف ليبيا المركزي تم خلال بضعة أشهر في عام 2023، بينما لا تزال ملفات القوانين الانتخابية والمفوضية العليا للانتخابات تراوح مكانها، وهو ما عَدّه «دليلاً على اختلال أولويات العملية السياسية».

حفتر في لقاء سابق قبل سنوات مع عبد الرحمن العبار في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

وتحرص المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، في مواجهة الانتقادات المتزايدة، على التأكيد على أن «الحوار المهيكل» يمثل ركناً أساسياً في العملية السياسية، لأنه يساعد الليبيين على تحديد أولوياتهم الوطنية، وصياغة رؤية للإصلاحات السياسية والتشريعية، وهو ما أكدته في إحاطة في وقت سابق هذا الأسبوع على وقع أصوات رافضة في مدن بغرب ليبيا.

وتدافع تيتيه عن المسارين بالقول إن اجتماع «4+4»، أو «الاجتماع المصغر»، لن يكون بديلاً عن الحوار المهيكل، موضحة أنه «آلية تكميلية» تستهدف معالجة العقبات المحددة المرتبطة بالإطار الانتخابي والهيئة العليا للانتخابات، بينما يهدف الحوار الأوسع إلى بناء توافق وطني شامل، «بقيادة وملكية ليبية».

وكان مشاركون في «الحوار المهيكل» قد طرحوا، خلال جلسة عقدت الأسبوع الماضي، بحضور دبلوماسيين دوليين، تصورات متنوعة لتجاوز الانقسام السياسي والمؤسسي. وقال أبو عجيلة سيف النصر إن أولوية المرحلة الراهنة يجب أن تتمثل في «إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، عبر تشكيل حكومة واحدة تتولى توحيد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية».

«ميثاق وطني ملزم»

من بين هذه الاقتراحات للمشاركين في الحوار ما تحدث عنه الدكتور عبد الله الحاسي من ضرورة التوصل إلى «ميثاق وطني ملزم»، يضمن قبول نتائج الانتخابات، أما السياسية أماني محمود فرأت أن أي ترتيبات سياسية لا تضمن مشاركة النساء بنسبة لا تقل عن 35 في المائة «ستظل مساراً منقوصاً يفتقر إلى الاستدامة».

الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي خلال حفل افتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس شهر مارس الماضي (مكتب الدبيبة)

ورغم ذلك، يرى وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق أن «الحوار المهيكل» لا يزال يفتقر إلى مقومات التنفيذ الفعلي، باعتبار أنه تجاوز، وفق رأيه، المراحل الأساسية في الخطة الأممية، وهي استكمال تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وإنجاز القوانين الانتخابية، وتشكيل حكومة موحدة، ما يجعل مخرجاته «أقرب إلى توصيات يصعب تطبيقها في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة ومنتخبة».

ويأتي هذا الجدل في وقت أخفق فيه مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» في حسم الملفات المطلوبة ضمن «خريطة الطريق»، التي طرحتها تيتيه والمدعومة بقرار من مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، وهو ما دفع البعثة الأممية إلى التحرك بصورة أكثر مباشرة، عبر الدفع نحو اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة» في روما (اليوم) الأربعاء.

وبحسب معلومات رشحت عن المشاورات الجارية، مثل حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة»، عضوي المجلس الأعلى للدولة علي عبد العزيز وعبد الجليل الشاوش، إلى جانب مستشار رئيس الحكومة مصطفى المانع، ووزير الدولة للاتصال وليد اللافي للمشاركة في الاجتماع، فيما أناب «الجيش الوطني» عضوي مجلس النواب آدم بوصخرة وزايد هدية، إضافة إلى الدبلوماسي الشيباني بوهمود، وعميد بلدية بنغازي السابق عبد الرحمن العبار.

ويرجح حميمة، من واقع تجربته الدبلوماسية، أن «المشاورات التي تقودها تيتيه تبدو أقرب إلى محاولة لدمج مبادرة بولس داخل خريطة الطريق الأممية، عبر حصر دور (4+4) في ملفي المفوضية والقوانين الانتخابية، مع توسيع عضوية المجموعة، وتقليص نفوذ الأطراف التقليدية داخلها، إلى جانب وضع سقف زمني لعملها».

وتوقع حميمة أن البعثة الأممية قد تتجه، في حال فشل هذا المسار، إلى تفعيل المادة «64» من الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية 2015، وهو خيار عقد حوار سياسي موسع، قال إن «فريق تيتيه داخل البعثة يميل إلى دعمه».

ويبدي قطاع من المحللين الليبيين تشاؤماً حيال فرص نجاح المقاربة الأممية المزدوجة، على خلفية إخفاق مبعوثين سابقين في فرض تسويات دائمة. وقال المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، لـ«الشرق الأوسط» إن المسارات المطروحة قد تنتهي إلى تفاهمات مؤقتة بشأن القوانين الانتخابية، وهو ما عزاه إلى «غياب رغبة حقيقية لدى الأطراف السياسية في مغادرة المشهد عبر الانتخابات، رغم الدعم الأميركي لصيغة (4+4)».

وفي ظل مشهد معقد يسوده الانقسام السياسي بين حكومتين في غرب وشرق البلاد، وأطراف عسكرية داعمة لها، لا يرى حميمة بديلاً عن تبني «مقاربات غير تقليدية» لمعالجة الأزمة، من بينها دعم جهود «الوساطة السياسية الليبية»، التي انخرطت في مفاوضات بين مجلسي النواب والدولة منذ فبراير للتوصل إلى حلول توافقية بشأن المفوضية والقوانين الانتخابية، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ضمن إطار وطني جامع، بحلول سبق أن أقرتها البعثة الأممية وتحظى بقبول دولي واضح.


ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
TT

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ناقض الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، اليوم الأربعاء، مساعده السابق كلود غيان، نافياً أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية ملف قضائي لعبد الله السنوسي، صهر الزعيم الليبي، الذي كان متهماً بتفجير طائرة. وتُعاد محاكمة ساركوزي، منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، للاشتباه في تلقيه أموالاً سراً من ليبيا في زمن القذافي، من أجل تمويل حملته الانتخابية للرئاسة.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نفى ساركوزي، الأربعاء، أن يكون القذافي قد أثار معه خلال عشاء رسمي في طرابلس عام 2007، مباشرة بعد توليه الرئاسة، الوضع القضائي لصهره المحكوم عليه في فرنسا، أو أن يكون طلب بنفسه من غيان الاهتمام بهذا الأمر.

وأضاف ساركوزي موضحاً: «المرة الوحيدة التي تحدث فيها القذافي معي عن هذا الأمر كانت عام 2005»، وذلك أثناء زيارة إلى ليبيا فيما كان يتولى ساركوزي حينها وزارة الداخلية، مؤكداً أنه رفض الطلب حينها.

وتُعد هذه النقطة محورية، إذ تشتبه النيابة العامة في إبرام «اتفاق فساد» بين فريق ساركوزي والسلطات الليبية السابقة، يقوم على تمويل حملته الرئاسية لعام 2007، مقابل امتيازات، من بينها النظر في الوضع القانوني لعبد الله السنوسي الذي حُكم عليه في فرنسا بالسجن المؤبد، لدوره في تفجير طائرة عام 1989.

وناقض ساركوزي ما قاله غيان، الذي نقل في رسالة تلاها محاميه أن رئيس الدولة استدعاه لكي يكرر معمر القذافي أمامه «الاهتمام، الذي عبّر عنه بشأن السنوسي»، قائلاً: «كلود، تولَّ هذا الأمر»، وذلك في 25 من يوليو (تموز) 2007.

وأوضح غيان لاحقاً أنه أدرك أن من المستحيل تلبية طلب القذافي. وأضاف ساركوزي أمام المحكمة: «أؤكد ما يقوله السيد غيان، لم نرغب أبداً، لا هو ولا أنا، في القيام بأي شيء لصالح السنوسي، أو في إعطاء الليبيين انطباعاً بأننا سنفعل ذلك».

مؤكداً: «أنا لا أقول إن غيان يكذب (...)، لكن فيما يتعلق بأحداث مضى عليها 19 عاماً يمكن لذاكرة الإنسان أن تتغير». وكان كل من ساركوزي وغيان قد استأنفا حكماً صادراً بحقهما قضى بالسجن خمس سنوات وست سنوات على التوالي. وينفي الاثنان ضلوعهما في أي اتفاق فساد مع السلطات الليبية السابقة.