سارع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، بتشكيل لجنة وزارية لمراجعة وتقييم جميع الملاحظات الواردة بتقرير ديوان المحاسبة لسنة 2022، الصادر الأسبوع الماضي، والذي كشف عن جملة من المخالفات في أداء الحكومة وبعض مؤسسات الدولة. إلا أن بعض السياسيين والمحللين استبعدوا أن تحتل متابعة هذه التجاوزات والخروقات أولوية لدى الشارع الليبي، مرجحين أن يكون مصيرها «التجاهل مثل غيرها من القضايا التي تضمنها تقرير الديوان العام الماضي، وغيره من تقارير الأجهزة الرقابية، لأسباب يتعلق بعضها بالانقسام السياسي».
وعدّ عضو مجلس الأعلى للدولة، عادل كرموس، أن التقرير السنوي لديوان المحاسبة «عادة ما يثير ردود أفعال وضجة إعلامية لدى النخب السياسية، حيث يسعى البعض لتوظيفه في إطار الخصومة السياسية، فيما بات الشارع الليبي معتاداً على قصص الفساد الصغيرة والكبيرة، دون أن يسمع بالمقابل عن معاقبة أي مسؤول كبير عن تلك الجرائم، إلا فيما ندر».
وحمّل كرموس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» جزءاً كبيراً من المسؤولية عن تراجع الاهتمام بتقارير الأجهزة الرقابية على مناخ الانقسام السياسي، وتحديداً الخلافات بين مجلسه والبرلمان بشأن القوانين الانتخابية، وقضايا المسار السياسي بشكل عام، ورأى أنها «قوضت قدرة المجلسين على متابعة القضايا المتعلقة بجرائم المال العام وتبديده، والتي ترد بتقارير الأجهزة الرقابية، رغم تكاثر عددها، وتضخم أرقامها العام تلو الآخر».
ويترأس وزير النقل بحكومة «الوحدة»، محمد سالم الشهوبي، اللجنة المشكلة لمراجعة وتقييم الملاحظات، الواردة بتقرير ديوان المحاسبة. فيما توقع كرموس أن يأتي رد حكومة الدبيبة عبر تلك اللجنة على ما تضمنه التقرير «مقتصرا على بعض المخالفات المحدودة». وقال كرموس بهذا الخصوص إن إعلام حكومة الدبيبة «سلّط الضوء حول قضايا بعينها أوردها التقرير السابق للمحاسبة، وعُدت مثيرة للجدل والسخرية، مثل قضية حصول وزير على جوّال حديث، بينما تم التغافل عن الرد على ما ورد بباقي التقرير، من إهدار المال العام، وتوسُّع الإنفاق الحكومي بشكل يرتقي للفساد».
ودعا كرموس النيابة العامة إلى «سرعة مباشرة التحقيق بالتجاوزات كافة، الواردة بتقرير ديوان المحاسبة، لضمان عدم ضياع مزيد من الثروات والحقوق».

وكلف رئيس هيئة الرقابة الإدارية، عبد الله قادربوه، جميع الإدارات التابعة للهيئة بمتابعة المخالفات، التي وردت في تقرير ديوان المحاسبة لعام 2022، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.
ورغم إقراره بأن الدبيبة قد يكون أول رئيس حكومة يطالب بالرد على ملاحظات ديوان المحاسبة، فقد شدّد المحلل السياسي الليبي، عبد الله الكبير، على أن ذلك «لا يعفيه من المسؤولية إذا ثبتت صحة الملاحظات الواردة بالتقرير، وهو ما يعني عندها وجود ضعف بأداء حكومته في المتابعة والمراقبة المبكرة».
ودعا الكبير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «ضرورة رصد التجاوزات الموجودة بمؤسسات المنطقة الشرقية التنفيذية والتشريعية والعسكرية»، وقال إن التجاوزات المتضمنة بتقارير ديوان المحاسبة «ليست وليدة العامين الأخيرين فقط، بل إن بعضها يعود لعهد النظام السابق، وإن زادت وتيرتها مع الأسف بعد (ثورة فبراير 2011)».
وتوافق المحلل السياسي مع الطرح السابق بأن ضعف الاهتمام الشعبي بمتابعة سير قضايا الفساد، التي ترد بتقارير الأجهزة الرقابية راجع إلى «اليأس وعدم الوعي بالقدرة على التغيير، خاصة في ظل عدم الإجابة عن تساؤل رئيسي حول الخطوات العملية، المطلوب مباشرتها لإيقاف هذه المخالفات التي تمتلئ بها التقارير الرقابية كل عام»، وقال إن هذا الوضع «يدفع الجميع للتسليم بأن الحد من الفساد المستشري لن يبدأ قبل تحقق الاستقرار السياسي عبر بوابة الانتخابات».
بدوره، لم يبتعد المحلل السياسي، أحمد المهدوي، عن ذات الطرح في تفسيره لتراجع الاهتمام بمسار قضايا الفساد، حيث ربط بين مواجهة الفساد وإجراء الانتخابات. وانتقد المهدوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» استمرار التعويل على الاستحقاق الانتخابي، واستبعاد التفكير في تفعيل دور الرقابة الشعبية، عبر تبني منظمات مدنية وحقوقية وأحزاب متابعة قضايا الفساد، التي ترد بالتقارير السنوية للأجهزة الرقابية.
وقال المهدوي: «يمكن للرقابة الشعبية الضغط لإبقاء هذه القضايا حية بمواقع الإعلام والتواصل الاجتماعي، ومن ثم تكوين رأي عام يدفع النيابة العامة للإسراع بفتح التحقيق حولها، مع متابعة مسارها، والتعريف بقائمة المتهمين فيها والأحكام التي ستصدر بحقهم».
وانتهى المهدوي إلى ضرورة تشكيل لجنة من الأجهزة الرقابية بالدولة «لمواجهة اللجنة المشكلة من قبل حكومة الدبيبة عن التجاوزات كافة، الواردة بتقرير المحاسبة الأخير، وأيضا لمواجهة أي مؤسسة رصد بها تجاوزات، على أن تكون المواجهة بالمستندات الرسمية لإيضاح الحقائق أمام الرأي العام».





