صحراء النقب... لماذا يتكرر ذكرها بوصفها وجهة لتهجير أهل غزة؟

إحدى القرى البدوية في صحراء النقب (أ.ف.ب)
إحدى القرى البدوية في صحراء النقب (أ.ف.ب)
TT

صحراء النقب... لماذا يتكرر ذكرها بوصفها وجهة لتهجير أهل غزة؟

إحدى القرى البدوية في صحراء النقب (أ.ف.ب)
إحدى القرى البدوية في صحراء النقب (أ.ف.ب)

أعاد حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن «صحراء النقب» بوصفها وجهة بديلة لنقل فلسطينيي غزة إليها «حتى تنهي إسرائيل عملياتها في غزة»، تسليط الأضواء على تلك المنطقة التي طالما كانت بنداً حاضراً في مشروعات «تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة»، أو ضمن صياغات متباينة لمشروعات ما يُعرف بـ«تبادل الأراضي».

وجرى طرح فكرة «صحراء النقب» بوصفها وجهة بديلة لتهجير الفلسطينيين منذ خمسينات القرن الماضي، من دون أن تحقّق نتائج تُذكر، نتيجة الرفض المتكرر لها إقليمياً ودولياً، بحسب متخصصين في الشؤون الإسرائيلية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»

وحذّر الرئيس المصري، (الأربعاء)، من استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة، وأنها ستكون لها «تداعيات أمنية وعسكرية يمكن أن تخرج عن السيطرة»، مشيراً في مؤتمر صحافي، خلال استقباله المستشار الألماني، أولاف شولتس، إلى أن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء «يعني نقل القتال إليها وستكون قاعدة لضرب إسرائيل». وأوضح السيسي أن الأمر لن يقتصر على تهجير الفلسطينيين من غزة، بل سيمتد إلى تهجيرهم أيضا من الضفة الغربية إلى الأردن، وأشار إلى أنه «من الممكن نقل الفلسطينيين إلى صحراء النقب حتى تنهي إسرائيل عمليتها في غزة».

حدود مشتركة

وتمتد صحراء النقب في المناطق الجنوبية للأراضي الفلسطينية المحتلة بمساحة تتجاوز 14 ألف كيلومتر مربع، وتشترك حدودها مع الأردن شرقاً وصحراء سيناء غرباً، ويفصلها عن البحر الأحمر مدينة «إيلات» من جهة الجنوب، أما من الجهة الشمالية فتعد مدينة الخليل (جنوب الضفة الغربية) من أقرب المدن الفلسطينية إليها.

قرى بدوية في النقب لا تحصل على ماء أو كهرباء أو خدمات طبية من إسرائيل (أ.ف.ب)

ورغم هذه المساحة الشاسعة؛ فإن عدد السكان بها محدود، ولا يتجاوز وفق تقديرات فلسطينية «100 ألف مواطن، يعيشون في نحو 46 قرية»، منها 36 لا تعترف بها سلطات الاحتلال، ويتراوح تعداد سكان الواحدة منها بين 400 حداً أدنى و5000 حداً أقصى.

وبحسب تقارير إعلامية فلسطينية، فإن التجمعات العربية في صحراء النقب «تعاني إهمالاً واضحاً من جانب سلطات الاحتلال الإسرائيلي»، رغم إقامة مشروعات استيطانية وعسكرية في مناطق محدودة من تلك المنطقة، أبرزها مفاعل «ديمونا» النووي.

فقر وإمكانات

من جانبه، أشار الخبير في الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور سعيد عكاشة، إلى أن منطقة صحراء النقب تعد منطقة فقيرة من حيث الموارد، وما تتمتع به من إمكانات يحتاج إلى تكلفة كبيرة لاستغلاله، عادّا ذلك أحد أسباب الرغبة الإسرائيلية المتكررة «في التخلص منها لصالح الحصول على أراضٍ أكثر فائدة لمشروعات الاستيطان الإسرائيلية، أو فيما يخدم مشروعات تهجير الفلسطينيين إلى دول الجوار».

تلاميذ فلسطينيون بقرية صوانين البدوية في النقب غير المعترف بها رسمياً وتعاني أوضاعاً معيشية صعبة (أ.ف.ب)

وأوضح عكاشة لـ«الشرق الأوسط» أن اقتراح صحراء النقب ضمن أفكار تبادل الأراضي مع دول الجوار أو مع السلطة الفلسطينية «مطروح منذ خمسينات القرن الماضي»، وجرى طرحه للمرة الأولى على الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، وقوبل حينها بالرفض، مضيفاً أن تبادل الأراضي جرى طرحه مجدداً عام 2000 على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مقابل التنازل عن 600 كم مربع من أراضي الضفة الغربية لتوسيع المستوطنات الإسرائيلية، لكن عرفات رفض أيضا.

وتابع الخبير في الشؤون الإسرائيلية أن هدف إسرائيل الدائم هو إزاحة العبء السكاني للفلسطينيين إلى دول الجوار، من خلال تهجير سكان غزة إلى مصر، والضفة إلى الأردن، لافتا إلى أن الرؤية الأمنية الإسرائيلية تخشى إعادة نشر تجمعات فلسطينية جديدة على حدودها، فضلاً عن أن فكرة الحفاظ على سلامة السكان الفلسطينيين «آخر ما يمكن أن تفكر به إسرائيل».

سيناريوهات متجددة

يُشار إلى أنه في مطلع عام 2010 نشر مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، جيورا إيلاند، دراسة أشار فيها إلى أن «مملكة الأردن الجديدة هي وطن الفلسطينيين، وينبغي أن تتكون من ثلاثة أقاليم تضم الضفتين الغربية والشرقية وغزة الكبرى التي تأخذ جزءاً من مصر».

بينما تناول أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، ووزير خارجية مصر خلال الفترة من 2004 وحتى نهاية حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عام 2011، في مذكراته التي حملت عنوان «شهادتي»، وصدرت عام 2012، واقعة طرح إسرائيل لمشروع تبادل الأراضي، الذي تضمن تخصيص مصر مساحات من الأراضي في سيناء للفلسطينيين، في مقابل تسليم إسرائيل أراضي لمصر في صحراء النقب.

وأشار حينها إلى أن تلك المقترحات «سبق طرحها على الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، وأعيد طرحها على الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي قابل المقترح برفض شديد، موصياً مسؤوليه قائلا: إياكم والوقوع في هذا الفخ»، بحسب مذكرات أبو الغيط.

آثار لمسجد يعود إلى أكثر من 1200 سنة في صحراء النقب واكتشف عام 2019 (أ.ف.ب)

ويرى الكاتب والمحلل السياسي المصري، سليمان جودة، أن إحساس الإسرائيليين الدائم بمحدودية العمق الاستراتيجي لأراضيهم، هو السبب وراء رغبتهم المستمرة في التوسع كلما سنحت الفرصة وأتيحت لهم الأدوات، مشيراً إلى أنهم سعوا إلى تحقيق ذلك بالحرب كما حدث في عام 1967، وعبر طرح مشروعات لتبادل الأراضي أو تهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن في عدة مناسبات.

ولفت جودة إلى أن مشروعات التهجير مطروحة منذ فترة طويلة، ومشروعات تبادل الأراضي «لم تكن جادة»، فالهدف الإسرائيلي الدائم كان التخلص من العبء الديموغرافي الفلسطيني عبر إزاحته باتجاه دول الجوار، وهو ما قوبل برفض مصري وأردني متكرر ومتجدد خلال الأزمة الراهنة، كما أنه مرفوض إقليمياً ودولياً، باستثناء الدعم الأميركي في فترات مختلفة وبصيغ متباينة. وعدّ مشروع تهجير الفلسطينيين «محكوما عليه بالفشل ولن ينتقل من مربع الأقوال إلى الأفعال»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أنه إذا كانت إعادة طرحه مجددا «بالون اختبار»، فقد «تلقت إسرائيل والولايات المتحدة ردا حاسما رسميا وشعبيا من مصر على ذلك».


مقالات ذات صلة

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
TT

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط، بعدما تحولت نقطةً متكررة لإنقاذ المهاجرين وانتشال الضحايا، في مشهد يعكس تصاعد المخاطر التي تحيط بمحاولات الوصول إلى «الحلم الأوروبي» عبر قوارب متهالكة تفتقر لأبسط شروط السلامة.

وأعلنت رئاسة الأركان البحرية التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي، الأربعاء، عن إنقاذ 106 مهاجرين غير نظاميين، كانوا على متن قاربين في عرض البحر الأبيض المتوسط، بعد تعرضهم لظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وضمت المجموعة مهاجرين من جنسيات متعددة، بينها اليمن والسودان وبنغلاديش، إضافة إلى عدد من النساء، حيث جرى نقلهم إلى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في طبرق، قبل أن تتولى فرق الهلال الأحمر تقديم الإسعافات الأولية والدعم الإنساني اللازم لهم.

وحمّلت السلطات الليبية شبكات تهريب البشر، أو ما وصفتهم بـ«العصابات الإجرامية» مسؤولية هذا الحوادث، مشيرة إلى أنها تدفع بالمهاجرين نحو البحر في قوارب خشبية أو مطاطية بدائية، غير صالحة للإبحار لمسافات طويلة، في رحلات غالباً ما تنتهي بالموت أو الفقدان قبل بلوغ شواطئ «الحلم الأوروبي»، الذي يطاردهم من دول النزاع والفقر.

جثة مهاجر غير نظامي لحظة انتشالها في شاطئ بمدينة طبرق الليبية الثلاثاء (الهلال الأحمر الليبي)

ولم تكن هذه هي عملية الإنقاذ الأولى في محيط طبرق خلال الفترة الأخيرة؛ إذ شهدت المنطقة سلسلة متواصلة من هذه العمليات. فقد أعلن الهلال الأحمر الليبي، الثلاثاء، تقديم مساعدات إنسانية لـ41 مهاجراً من جنسيات مختلفة بعد إنقاذهم من رحلة بحرية شاقة في عرض المتوسط، وسط تزايد البلاغات عن قوارب تواجه أعطالاً، وظروفاً خطيرة أثناء محاولتها الوصول إلى أوروبا.

كما سبق ذلك إعلان آخر يوم الاثنين عن إنقاذ 36 مهاجراً غير نظامي، 23 مصرياً و13 سودانياً، إضافة إلى نساء وأطفال دون السن القانونية، في مشهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المهاجرون في رحلات محفوفة بالمخاطر، حيث يتحول السعي وراء «الحلم الأوروبي» تجربةً إنسانية قاسية، تختلط فيها الهجرة بالألم والموت المحتمل.

ويلحظ طارق لملوم، مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، أن مناطق شرق ليبيا، لا سيما طبرق، باتت تشهد في الآونة الأخيرة موجة خروج ملحوظة لقوارب الهجرة غير النظامية، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن بعض هذه القوارب يتم اعتراضها وإعادتها، في حين ينجح بعضها الآخر في مواصلة الرحلة.

ناجون من أحد قوارب الموت في مدينة طبرق الليبية (الهلال الأحمر الليبي)

وتعيد هذه التطورات التأكيد على أن ليبيا ما زالت تمثل أحد أهم ممرات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، وما تبعه من حالة انقسام أمني وسياسي سمحت بازدهار شبكات التهريب عبر السواحل والصحراء.

وحسب أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، فقد بلغ عدد المهاجرين، الذين جرى اعتراضهم وإعادتهم إلى الأراضي الليبية منذ بداية عام 2026 نحو 4407 مهاجرين، بينهم 181 خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر على استمرار محاولات الوصول إلى «الحلم الأوروبي»، رغم تصاعد المخاطر البحرية. وتقدر المنظمة أن مئات المهاجرين فقدوا حياتهم، أو اختفوا في مسارات وسط البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة.

في غضون ذلك، لا تزال شواطئ طبرق تستقبل المزيد من الجثث بعد غرق قارب مهاجرين قبالة سواحلها السبت، أسفر عن مصرع ستة أشخاص على الأقل وإنقاذ أربعة آخرين. ومنذ ذلك الحادث، تتوالى عمليات انتشال الجثث على فترات متقطعة، حيث تم العثور على 12 جثة، من بينها مهاجرون مصريون وسودانيون.

ووفق أحدث بيانات «مصفوفة تتبع النزوح» للفترة الممتدة من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى ديسمبر (كانون الأول) 2025، فقد سُجل وجود 939638 مهاجراً في ليبيا، وهو أعلى رقم منذ بدء عمليات الرصد، ويمثل زيادة مقارنة بالتقديرات السابقة.

إلا أن رئيس «جهاز مكافحة الهجرة»، في شرق ليبيا، اللواء صلاح الخفيفي، قال في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» إن الأرقام الرسمية المتاحة لدى السلطات في شرق ليبيا، تشير إلى أن «مراكز الاحتجاز تستوعب نحو 7 آلاف مهاجر غير نظامي، وقد تم ترحيل 41 ألف شخص العام الماضي».

وتعيد هذه الحوادث المتكررة تسليط الضوء على المفارقة القاسية، التي يعيشها آلاف المهاجرين، بين حلم الوصول إلى «الحلم الأوروبي»، وبين واقع بحري شديد الخطورة، تتحول فيه الرحلة من أمل بالنجاة مواجهةً مفتوحةً مع الموت في عرض المتوسط.


تعطل «سيستم» التأمينات الاجتماعية يبرز تحديات «التحول الرقمي» في مصر

لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
TT

تعطل «سيستم» التأمينات الاجتماعية يبرز تحديات «التحول الرقمي» في مصر

لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)

وسط انتقادات برلمانية ومطالبات بمحاسبة المسؤولين، أبرز تعطل أنظمة (سيستم) هيئة التأمينات الاجتماعية المستمر منذ نحو شهر، تحديات «التحول الرقمي» في مصر مع تكرار المشكلات التقنية.

ويواجه النظام الإلكتروني للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عطلاً فنياً على مستوى المحافظات، ما أدى إلى تعطل عدد من الخدمات الحيوية التي يعتمد عليها المواطنون بشكل يومي، وتوقف استخراج العديد من المستندات الأساسية، بينها صرف مستحقات عدد من أصحاب المعاشات.

وأثار استمرار العطل انتقادات برلمانية، وتقدم عدد من أعضاء مجلس النواب، بينهم سحر البزار، بسؤال برلماني إلى رئيس الوزراء، مطالبين بتوضيحٍ بشأن ما تم رصده من شكاوى متزايدة حول تأخر صرف المعاشات وتعطل عدد من خدمات منظومة التأمينات الاجتماعية خلال الفترة الأخيرة، وما ترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على أصحاب المعاشات، باعتبارهم من الفئات الأكثر احتياجاً واعتماداً على هذا الدخل مصدراً أساسياً للمعيشة.

وزير الاتصالات المصري رأفت هندي خلال افتتاح أحد مراكز تطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات)

كما تقدم النائب أحمد بلال البرلس بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس النواب، موجَّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، بشأن ما وصفه بتعطل منظومة الخدمات داخل هيئة التأمينات الاجتماعية في أعقاب تطبيق نظام التحول الرقمي الجديد (CRM).

تسهيل أم تعطيل؟

يقول خبير أمن المعلومات، المهندس إسلام غانم، لـ«الشرق الأوسط»، إن أهم العناصر التي تسبب مشكلات تتعلق بالتحول الرقمي هو العامل الاقتصادي، موضحاً: «تقوم المؤسسات بشراء نظام تشغيل أقل تكلفة، وقد يتبين بعد ذلك عدم ملاءمته للاستخدامات، أو ضعف جودته».

وتابع قائلاً: «في بعض المؤسسات يقوم المحاسبون بتحديد نظام التشغيل الذي تشتريه المؤسسة بالاختيار بين عروض شركات مختلفة انطلاقاً من التكلفة، دون الالتفات لرأي خبراء التكنولوجيا والمعلومات».

واعتبر عضو مجلس النواب فريدي البياضي، في طلب إحاطة عاجل موجّه إلى رئيس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، الأربعاء، أن ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد عطل فني عابر، بل هو «فضيحة إدارية ورقمية مكتملة الأركان، دفعت ثمنها الفئات الأضعف، وفي مقدمتها أصحاب المعاشات والأسر التي تنتظر مستحقاتها، والمواطنون الذين فوجئوا بأن حقوقهم أصبحت معلقة على جملة واحدة: السيستم واقع».

وقال البياضي في طلب الإحاطة إن «التحول الرقمي لا يكون بتعطيل الناس، ولا بإغلاق أبواب المصالح العامة في وجوه المواطنين»، مضيفاً أن الحكومة «لا يجوز لها أن تنفق أموالاً طائلة على منظومات يفترض أنها لتسهيل الخدمة، ثم تكون النتيجة النهائية هي شلل كامل في الأداء ووقف حال الناس».

افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية بمحافظة الجيزة قبل أيام (وزارة الاتصالات المصرية)

العراقيل والحلول

ويرى خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، محمد حمزة، أن التحول الرقمي في مصر يواجه تحديات مركبة، أبرزها «ضعف البنية التحتية في بعض المناطق؛ فما زال الإنترنت والخدمات الرقمية غير مستقرة أو بطيئة، ما يعرقل استخدام الأنظمة الإلكترونية».

وأشار أيضاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى نقص المهارات الرقمية كأحد المعوقات، قائلاً: «يحتاج جزء كبير من المواطنين والموظفين إلى تدريب أفضل». كما تحدث عن ارتفاع تكلفة التحول الرقمي الذي قال إنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة في الأجهزة والبرامج والتدريب والصيانة والتأمين الإلكتروني.

واستطرد: «البيروقراطية ومقاومة التغيير يقفان عائقاً أمام انطلاق التحول الرقمي؛ فبعض الجهات ما زالت تعتمد على الإجراءات الورقية التقليدية مما يبطئ الانتقال، فضلاً عن مشكلة عدم تكامل البيانات بين الجهات المختلفة، ويؤدي ذلك إلى وجود قواعد بيانات منفصلة بين الجهات المختلفة ينتج عنها تكرار إدخال البيانات».

وهو يرى أن مصر في حاجة إلى تحديثات تشريعية؛ «لأن التطور التكنولوجي السريع يتطلب قوانين تنظم المعاملات الرقمية وتحمي الحقوق، وتضمن الأمن السيبراني وحماية البيانات».

وتحدث حمزة عن خسائر تتسبب فيها مشكلات التحول الرقمي، منها «تعطيل أو بطء الخدمات والأنشطة، وما يصحبه من خسائر مالية، وانخفاض الإنتاج، وزيادة تكلفة التشغيل؛ حيث تضطر الوزارات إلى العودة للنظام الورقي. وأحياناً يؤدي تكرار الأعطال إلى فقدان ثقة المستثمرين بالأنظمة التكنولوجية».

وبحسب تصريحات أدلى بها مصدر مسؤول بالهيئة القومية للتأمينات لوسائل إعلام محلية، الثلاثاء، فإنه «يتم حالياً تطبيق نظام إلكتروني جديد على مستوى الجمهورية، وهو ما صاحبه ظهور بعض التحديات التشغيلية خلال مرحلة الإطلاق الأولى»، مؤكداً أن «الفرق الفنية تبذل جهوداً مكثفة للانتهاء من تشغيل السيستم الجديد بشكل كامل»، متوقعاً عودة الخدمات تدريجياً خلال الفترة القريبة المقبلة.


تركيا تؤكد دعمها لليبيا لإنجاح العملية السياسية وتعزيز التعاون العسكري

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التقى رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 17 أبريل الحالي (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التقى رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 17 أبريل الحالي (الرئاسة التركية)
TT

تركيا تؤكد دعمها لليبيا لإنجاح العملية السياسية وتعزيز التعاون العسكري

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التقى رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 17 أبريل الحالي (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التقى رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 17 أبريل الحالي (الرئاسة التركية)

أكّدت تركيا دعمها للعملية السياسية في ليبيا، التي تقودها الأمم المتحدة، بما يضمن سيادتها ووحدة أراضيها واستمرارها بعيداً عن التدخلات الخارجية. كما شددت على التزامها بالتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتقديم التدريبات والاستشارات العسكرية.

رئيس الأركان التركي خلال زيارة سابقة لمركز قيادة العمليات التركي الليبي في طرابلس (وزارة الدفاع التركية)

وقالت وزارة الدفاع التركية إن أنقرة تواصل دعمها للعملية السياسية الشاملة للأمم المتحدة التي تشمل جميع الأطراف في ليبيا، والقائمة على تحقيق إرادة الشعب بعيداً عن التدخل الخارجي، وكذلك استمرار التعاون وتنفيذ أنشطة التدريب والاستشارات، والدعم الفني لتعزيز قدرات ليبيا الدفاعية والأمنية.

تدريبات عسكرية

قال مستشار العلاقات العامة والإعلام بوزارة الدفاع التركية، زكي أكتورك، خلال إفادة صحافية أسبوعية للوزارة، الأربعاء، إنه حتى الآن، تم تدريب أكثر من 23 ألف عسكري ليبي (من قوات حكومة «الوحدة» الوطنية في غرب ليبيا) في مراكز تدريب بكل من تركيا وليبيا، وبالإضافة إلى ذلك، تستمر أنشطة الدعم بحزم في مجالات مختلفة، مثل إزالة الألغام والعبوات الناسفة، والذخائر غير المنفجرة، فضلاً عن مكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية والإرهاب.

تدريب مشترك للقوات التركية والليبية في مدينة سرت ضمن فعاليات تمرين «فلينتلوك 2026» (الدفاع التركية)

وتطرق أكتورك إلى تمرين «فلينتلوك 2026» متعدد الجنسيات للقوات الخاصة، الذي انطلق في ليبيا وكوت ديفوار الأسبوع الماضي لمدة أسبوعين، مشيراً إلى أنه جمع عناصر عمليات خاصة من دول صديقة وحليفة، ما يُظهر دعماً قوياً لسيادة ليبيا واستقلالها.

وأكد أكتورك أن التمرين أسهم في تطوير القدرات العملياتية المشتركة، مشيراً إلى مشاركة تركيا الفاعلة في التدريبات التي أُجريت في ليبيا وكوت ديفوار. كما أوضح أن نائب رئيس الأركان العامة للجيش التركي حضر افتتاح التمرين في ليبيا بصفة ضيف شرف. وأضاف أنه في إطار هذا التدريب، أقلعت طائرتان مسيّرتان من طراز «أكسونغور» و«أكينجي» من دالامان في تركيا، ونُقلتا إلى ليبيا عبر رحلة جوية عابرة للقارات.

ونشرت وزارة الدفاع التركية، الثلاثاء، مشاهد من المرحلة البحرية لمناورات القوات الخاصة متعددة الجنسيات «فلينتلوك 2026» الجارية في ليبيا. وقالت عبر حسابها في «إكس» إن المناورات التي تجمع عناصر من القوات الخاصة للدول الصديقة والحليفة (30 دولة)، تواصل الإسهام في تطوير القدرات العملياتية المشتركة، إلى جانب تقديم دعم قوي لسيادة ليبيا واستقلالها.

وأضافت: «في المرحلة البحرية من المناورات، نُفذت في 18 أبريل (نيسان) تدريبات الإنزال بالحبال من المروحية في ميدان التدريب البحري بمدينة سرت، بمشاركة مروحية (إس إتش-70) المتمركزة على متن الفرقاطة التركية (تي جي جي غاليبولو)، وفريق (سات) العامل على متنها». مشيرة إلى إجراء تدريبات «ضبط السفن والسيطرة عليها» في 19 أبريل الحالي بمشاركة فريق «سات» وعناصر ليبية.

و«فلينتلوك» هو تمرين عسكري سنوي تقوده القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» منذ عام 2005، ويهدف إلى تعزيز قدرات القوات المسلحة للدول المشاركة في مكافحة الإرهاب وحماية الحدود، وهو أكبر تمرين للقوات الخاصة يُجرى في القارة، ويركز على بناء الشراكات بين القوات الأفريقية والولايات المتحدة والشركاء الدوليين الآخرين.

دعم مستمر

زقال أكتورك إن تركيا تواصل نهجها تجاه ليبيا في إطار مبدأ «جيش واحد، ليبيا واحدة»، داعمةً تحقيق وحدة وتضامن وسلام واستقرار البلاد غرباً وشرقاً، مبرزاً أن أولويتها وهدفها الحفاظ على الاستقرار والهدوء والتوازن على الأرض استناداً إلى الحوار والتوافق.

وقالت وزارة الدفاع التركية، في بيان آخر عبر حسابها في «إكس: «قدّم أفراد فرقاطتنا (تي جي جي غاليبولي)، التابعة لمجموعة العمليات البحرية، تدريباً عملياً لطلاب الأكاديمية البحرية الليبية، في إطار أنشطة التدريب والمساعدة المتبادلة والاستشارات الليبية التركية، التي تُنسّقها قيادة مركز التدريب المشترك».

وأوضحت أنه «تمّ تسليم شهادات المشاركة رسمياً لطلاب الأكاديمية البحرية الليبية، الذين حضروا التدريب في ختامه».