ملك المغرب: نتطلع لتمكين أفريقيا من المكانة اللائقة بها ضمن الهيئات الدولية

اجتماع وزاري رفيع المستوى حول تسريع تمويل الانبثاق في أفريقيا يعتمد «إعلان مراكش»

العاهل المغربي أوضح أن دول القارة الأفريقية باتت تعد من أكثر بلدان العالم تضرراً من آثار التغيرات المناخية (ماب)
العاهل المغربي أوضح أن دول القارة الأفريقية باتت تعد من أكثر بلدان العالم تضرراً من آثار التغيرات المناخية (ماب)
TT

ملك المغرب: نتطلع لتمكين أفريقيا من المكانة اللائقة بها ضمن الهيئات الدولية

العاهل المغربي أوضح أن دول القارة الأفريقية باتت تعد من أكثر بلدان العالم تضرراً من آثار التغيرات المناخية (ماب)
العاهل المغربي أوضح أن دول القارة الأفريقية باتت تعد من أكثر بلدان العالم تضرراً من آثار التغيرات المناخية (ماب)

قال العاهل المغربي الملك محمد السادس إن المغرب يتطلع من منطلق انتمائه الأفريقي إلى تمكين القارة الأفريقية من المكانة اللائقة بها ضمن بقية الهيئات الدولية، بعد أن صار صوتها ممثلاً بالاتحاد الأفريقي، ومسموعاً في مجموعة العشرين، بما يمكنها من النهوض بخططها الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن صار صوتها ممثلاً بالاتحاد الأفريقي، ومسموعاً في مجموعة العشرين.

وأوضح عاهل المغرب في رسالة موجهة للمشاركين في الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، المنعقدة بمراكش، التي تلاها صباح اليوم (الجمعة) مستشاره عمر القباج، أن دول القارة تعد من أكثر بلدان العالم تضرراً من آثار التغيرات المناخية، رغم تصنيفها ضمن البلدان الأقل مساهمة في الأنشطة المسببة لارتفاع درجة حرارة الأرض. داعياً إلى إعادة ضبط القواعد والأطر المنظمة لمعالجة إشكالية المديونية، بما يجعلها تراعي بشكل أفضل ما تعانيه الفئة الأكثر مديونية من الدول ذات الدخل المنخفض من إكراهات، تحد من قدرتها على المبادرة ومواجهة التقلبات.

وعدّ محمد السادس أن أفريقيا، التي يرتقب أن تأوي ربع سكان العالم في سنة 2050، يحق لها أن تستفيد اليوم من الشروط الكفيلة بتمكينها من تعزيز هوامش المناورة التي تمتلكها، واستثمار مؤهلاتها في الاستجابة لاحتياجات سكانها، مذكراً في هذا السياق بأن المغرب عمد إلى جعل التعاون «جنوب - جنوب» منطلقاً أساسياً للانفتاح، معتمداً في ذلك نهجاً يروم تحقيق التنمية المشتركة مع البلدان الصديقة في القارة الأفريقية.

من جهة أخرى، قال الملك محمد السادس إن احتضان المغرب للاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي «يشكل شهادة على التزام المملكة بدورها في تعزيز العلاقات الدولية.

وثمرة لشراكة انطلقت منذ أمد بعيد بمعية مؤسسات (بريتون وودز)، وهو كذلك شهادة على الثقة في قوة إطارنا المؤسساتي، وبنياتنا التحتية، والتزامنا بدورنا في تعزيز العلاقات الدولية». مشيراً إلى أن المملكة انخرطت في مختلف الخطط والبرامج العالمية، سواء ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، أو بالتصدي للتغيرات المناخية، أو بمكافحة الإرهاب وتبييض الأموال، وتنامي انعدام الأمن السيبراني الذي أفرزته الثورة الرقمية.

إصلاحات بالجملة

على الصعيد الداخلي، أطلق المغرب منذ مطلع القرن الحالي، بحسب الملك محمد السادس، مجموعة من الإصلاحات المجتمعية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى، فضلاً عن برنامج ضخم للبنيات التحتية، بالموازاة مع الحرص على المحافظة على التوازنات الماكرو اقتصادية التي يعدّها «ضمانة للسيادة والمرونة الاقتصاديتين». مؤكداً أن الاقتصاد المغربي أبان عن قدرة مهمة على الصمود في ظل هذا السياق الدولي المعقد وغير المستقر، الذي شهد خلال السنوات الأخيرة صدمات متتالية خارجة عن إطار المتوقع والمألوف.

جانب من ندوات الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (أ.ف.ب)

كما أوضح الملك محمد السادس أن بلاده تمكنت من توطيد تموقعها، باعتبارها أرضاً للسلام والأمن والاستقرار، وبوصفها شريكاً ذا مصداقية، وقطباً اقتصادياً ومالياً على الصعيدين الإقليمي والقاري.

وأعرب في هذا السياق عن سعادته بانعقاد هذا المنتدى المرموق مرة أخرى في القارة الأفريقية بعد نصف قرن، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد 20 سنة من دورة دبي 2003. كما أعرب عن تقديره للمشاركين لما أبانوا عنه من «مشاعر الصداقة والثقة في بلادنا، من خلال حضوركم اليوم بمراكش، بعيد الزلزال المؤلم الذي ضرب بلادنا»، وكذا للدول والهيئات التي عبّرت عن استعدادها لدعم المغرب، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار.

في سياق ذلك، تطرق ملك المغرب إلى التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي شهدتها السنوات الأخيرة، والتي قال إنها تستدعي إصلاح المؤسسات والقواعد التي تحكم نظام تعددية الأطراف. مبرزاً أن «ما نشهده اليوم من تشرذم جيو اقتصادي، وتنامٍ للنزعات السيادية... بات يشكل تهديداً للتقدم الكبير الذي تم إحرازه خلال العقود الأخيرة في ظل تعددية الأطراف». وموضحاً أن إصلاح المؤسسات والقواعد التي تحكم نظام تعددية الأطراف يقتضي كذلك توطيد المبادئ الأساسية، التي يقوم عليها هذا النظام وإذكاء الروح التي تلهمه.

وزير المالية المصري محمد معيط خلال مشاركته في الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بمراكش (رويترز)

بالموازاة مع ذلك، قال الملك محمد السادس إن العولمة، التي بدأ مدّها منذ ثمانينات القرن الماضي وساهمت في خفض تكاليف الإنتاج وتشجيع التجارة العالمية، كانت من بين العوامل المساهمة في تخفيف حدة التضخم، الذي ينهك اليوم القدرة الشرائية للأسر في جميع أنحاء العالم، وذلك رغم السياسات النقدية المتشددة التي «إن كان جلّها قد طبّق بشكل متزامن، لم تخلُ من تداعيات على النشاط الاقتصادي».

اعتماد إعلان مراكش

من جهة أخرى، توج الاجتماع الوزاري رفيع المستوى حول تسريع تمويل الانبثاق الأفريقي، المنعقد أمس (الخميس) بمراكش، على هامش الاجتماعات السنوية للبنك وصندوق النقد الدوليين، باعتماد «إعلان مراكش»، الذي دعا إلى إرساء «بنية مالية عالمية أكثر إنصافاً ومواءمة لتنمية أفريقيا».

رئيس الحكومة المغربية خلال مشاركته في نقاشات الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (أ.ف.ب)

ودعت البلدان الـ48 المشاركة في هذا الاجتماع إلى تحقيق أولويات نمو القارة، التي تحترم سيادة الدول الأفريقية ووحدة أراضيها، وتسهم في رفاه سكانها. كما حثّت على تعزيز جهود التعاون، سواء في إطار ثنائي أو متعدد الأطراف، لدعم البلدان الأفريقية بهدف الحد من عجز البنية التحتية، وخصوصاً من خلال زيادة التمويل، وتوفير ونقل الخبرات التقنية والتكنولوجية، وكذا تعزيز القدرات.

وطالبت البلدان الأفريقية، مخاطبة الجهات المانحة والشركاء والبلدان الصديقة، بدعم انبثاق قطاع خاص حيوي، يخلق ثروة قادرة على مواكبة تطوير مشروعات مهيكلة للبنيات التحتية، وسد فجوة تمويل البنيات التحتية. كما دعت هذه البلدان وزيرة الاقتصاد والمالية المغربية إلى «العمل على تتبع تنفيذ هذا الإعلان، وإحداث فريق عمل أفريقي يتم وضعه رهن إشارة بلدان القارة لتبادل الممارسات الفضلى، والخبرات في مهن تطوير وتمويل البنيات التحتية بأفريقيا، ومواكبة تطوير مشروعات البنيات التحتية المهيكلة والقابلة للتمويل، ودعم مشروعات البنية التحتية الأفريقية خلال الحملات الترويجية لرصد الموارد المالية لدى المستثمرين المحتملين».

كريستين لاغارد، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، خلال حضورها الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (أ.ف.ب)

كما جدّدت هذه البلدان التأكيد على التزامها بالعمل من أجل إرساء تنمية أفريقية مشتركة مستدامة، يضطلع فيها الاستثمار في البنية التحتية بدور قاطرة للتنمية، وذلك في إطار المبادرات القارية والإقليمية المشتركة، والاستفادة من المبادرات الدولية في مجال البنيات التحتية لصالح انبثاق القارة الأفريقية، وتكثيف جهودها المشتركة لتعزيز مناخ الأعمال من خلال تحسين الظروف الهيكلية للاستثمار، وتعبئة التمويل لتحفيز الانتعاش الاقتصادي وخلق بيئة مواتية لريادة الأعمال والابتكار.

من جهة أخرى، أفاد الإعلان أنه بالرغم من الجهود المبذولة لا تزال بلدان القارة تواجه تحديات كبيرة، من حيث البنيات التحتية التي تلعب دوراً حاسماً في تطوير صناعاتها، وسلاسل القيمة الخاصة بها، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة سكانها، والمساهمة في تحقيق أهداف أجندة 2030 و2063. كما أكد «إعلان مراكش» على أن مسألة التمويل تظل بالتالي رهاناً حاسماً يتعين رفعه من أجل تطوير برامج طموحة للبنيات التحتية، قادرة على سد العجز في البنيات الأساسية الذي تعاني منه البلدان الأفريقية، مبرزاً أن هذا الجهد التمويلي لا يمكن ضمانه من خلال الموارد العمومية فقط.

وعدّ المشاركون أن التقدم المحرز من طرف القارة على عدة مستويات، خصوصاً على صعيد البنيات التحتية، يتجسد في تنزيل برامج مهمة، ويعكس إرادة بلدانهم في الحد من العجز الذي تعرفه القارة الأفريقية على هذا المستوى، وتحقيق تنمية مستدامة ونمو قوي. مشيرين إلى أن «تعزيز العلاقات الاقتصادية القارية، تماشياً مع أهداف والتزامات بلداننا من أجل تنمية التعاون (جنوب - جنوب) يشكل شرطاً رئيسياً للتنمية المستقبلية لقارتنا، ويتطلب إحداث بنيات تحتية ذات جودة من أجل مواكبة هذه الطموحات».

كما أعربت البلدان الأفريقية في هذا الإعلان عن شكرها للملك محمد السادس على ريادته وتشبثه بتعزيز التعاون الأفريقي، وللحكومة والشعب المغربيين على استضافة الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وعلى حسن ضيافة جميع المشاركين. وهنّأت المغرب على اختياره لتنظيم كأس العالم 2030، وهو ما يشكل فرصة فريدة لتحفيز النمو، وتحديث البنيات التحتية بالمملكة، ما يجسد الثقة في قدرة أفريقيا على رفع التحديات الكبرى.


مقالات ذات صلة

«تصفيات أمم أفريقيا»: أوناحي يقود المغرب للفوز على ليسوتو... والجزائر تنجو من بوروندي

رياضة عربية «أسود الأطلس» هزموا ليسوتو بجنوب أفريقيا (منتخب المغرب)

«تصفيات أمم أفريقيا»: أوناحي يقود المغرب للفوز على ليسوتو... والجزائر تنجو من بوروندي

عاد منتخب المغرب بـ3 نقاط ثمينة من خارج ملعبه بالفوز على ليسوتو بنتيجة 2 / 0، الثلاثاء، ضمن منافسات الجولة الثانية من التصفيات المؤهلة لكأس أمم أفريقيا.

«الشرق الأوسط» (بلومفونتين)
بروفايل فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المغربية (أ.ف.ب) p-circle 00:33

بروفايل فاطمة الزهراء المنصوري تدخل التاريخ السياسي للمغرب من أوسع أبوابه

الملك محمد السادس يعيّن فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية، كأول امرأة تتقلد المنصب في تاريخ البلاد لتقود مرحلة جديدة من الإصلاحات ورهانات المونديال

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر أمس (أ.ف.ب) p-circle 00:33

المنصوري أول امرأة تترأس الحكومة المغربية بقرار ملكي

«المرأة الحديدية» في سدة الرئاسة التنفيذية بالرباط... تكليف رسمي يقود المغرب نحو مرحلة جديدة

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا مغربيتان تستعدان للإدلاء بصوتيهما في الانتخابات التشريعية بالمغرب يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

توقيف عمدة طنجة على ذمة التحقيق بسبب شبهة خروقات انتخابية في المغرب

قررت النيابة العامة المغربية، الاثنين، توقيف عمدة مدينة طنجة منير ليموري على ذمّة التحقيق، على خلفية شبهة تتعلّق بخروقات انتخابية لصالح حزب «الأصالة والمعاصرة».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الخليج الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

السعودية والمغرب تبحثان تعزيز التعاون الدفاعي

بحث الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي مع عبد اللطيف لوديي الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني المغربي، سبل تعزيز التعاون الدفاعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم وسط حديث عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
TT

نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم وسط حديث عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)

نُقل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، البالغ من العمر 80 عاماً، من مدينة مروي في شمال البلاد إلى مستشفى علياء العسكري، التابع للسلاح الطبي في العاصمة الخرطوم، لمواصلة العلاج وإجراء فحوصات، في ظل ظهور أعراض لم تُعرف أسبابها.

وقال محاميه محمد الحسن الأمين لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن موكله نُقل إلى الخرطوم قبل أسبوعين لإجراء فحوصات دورية، مؤكداً أنه «لا جديد في وضعه الصحي». لكنه أشار إلى ظهور بعض الأعراض التي «لم يتم التعرف على أسبابها»، وهو ما قد يستدعي سفره إلى خارج البلاد لاحقاً لإجراء فحوصات باستخدام أجهزة متطورة.

وأحجم الأمين عن تقديم مزيد من التفاصيل بشأن الحالة الصحية للبشير، التزاماً بالقوانين المتعلقة بحماية خصوصية المرضى وسرية معلوماتهم الطبية. غير أنه ذكر أن الرئيس السابق يعاني، بصورة متكررة، انخفاضاً في ضغط الدم والتهابات، مضيفاً: «هذا كل ما نستطيع الإفصاح عنه في هذه المرحلة».

محمد الحسن الأمين محامي الرئيس السابق عمر البشير (الشرق الأوسط)

وأوضح الأمين أن نقل البشير إلى الخرطوم جاء بعد استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية مؤخراً، مشيراً إلى أنه لم تعد هناك دواعٍ لبقائه في المعتقل بمدينة مروي. وأضاف أن موكله يتنقل بين السجن والمستشفى لاستكمال علاجه.

وبشأن ما يُتداول عن موافقة السلطات السودانية على سفر البشير إلى الخارج، قال الأمين: «لا يوجد قرار رسمي حتى الآن»، لكنه أشار إلى أن بعض المسؤولين في الحكومة، الذين لم يسمّهم، أبدوا عدم ممانعتهم. وأضاف: «هذا الطلب أُثير قبل أكثر من عام، لكن لم يحدث أي تقدم في تنفيذه».

وأكد الأمين أن الجهات الرسمية نفسها سهّلت سفر نائب الرئيس السابق، بكري حسن صالح، إلى العاصمة التركية أنقرة لتلقي العلاج، كاشفاً للمرة الأولى عن وجوده خارج البلاد.

عمر البشير أثناء محاكمته في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وتتهم المحكمة الجنائية الدولية البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور خلال حكمه. كما أُدين بتهم فساد وتمويل غير مشروع، وواجه محاكمات أخرى قبل اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وكان آنذاك محتجزاً في قاعدة عسكرية بأم درمان، قبل نقله إلى مروي في شمال السودان.

وكانت تقارير إعلامية سودانية قد أفادت بتدهور الحالة الصحية للرئيس السابق بصورة كبيرة خلال الأيام الماضية، ما استدعى نقله إلى الخرطوم.

في المقابل، فندت مصادر رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط» ما يقال عن تدهور صحة البشير، وقالت إن الإجراءات الأخيرة تهدف إلى التمهيد لسفره إلى خارج البلاد، استباقاً لأي تحولات سياسية في الداخل أو تطورات في دول الإقليم.

البشير مع زعيم الحركة الإسلامية حسن الترابي في الأيام الأولى لانقلاب 1989 (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الإسلاميين يسعون إلى استباق تحولات متسارعة محتملة في المشهد السياسي، قد تضع السلطة بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في حرج بالغ أمام المحكمة الجنائية الدولية إذا ظل البشير داخل البلاد. ووفقاً للمصادر، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، فإن قيادات إسلامية بارزة في حزب المؤتمر الوطني المعزول، أجرت اتصالات، في وقت سابق، لترتيب نقل البشير إلى دولة خارجية، بعد الحصول على موافقتها على استقباله. وأضافت المصادر أنه سبق أن عُرض على الرئيس المعزول الانتقال إلى إريتريا، لكنه رفض، رغم أن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي كان قد أبدى استعداده لاستضافته.

واعتبرت المصادر أن الحديث عن تدهور صحة البشير لا يرتبط بحالته الصحية، وإنما يندرج في إطار ترتيبات ذات دوافع سياسية بحتة.

من جانبه، قال الناطق الرسمي باسم هيئة الاتهام في قضية انقلاب عام 1989، الذي قاده البشير، المحامي معز حضرة، إن قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 لا يجيز السماح لأي متهم أو محكوم عليه بالسفر خارج البلاد. وأوضح حضرة لـ«الشرق الأوسط» أن «السلطة القضائية، وفقاً للقانون، هي الجهة الوحيدة التي تتحكم في مكان وجود المتهم، وليس أي جهة أخرى، سياسية أو عسكرية أو غيرها».

وأضاف أن البشير يواجه عدة بلاغات، ولذلك فإن «الإجراء القانوني السليم هو أن يتلقى العلاج في السجن أو في مستشفيات حكومية تحت رقابة السلطة القضائية». واعتبر أنه «إذا صح ما يُتداول عن محاولة نقله إلى الخارج، فإن ذلك يشكّل تهريباً لمتهم».

عمر البشير (أ.ف.ب)

ويخضع البشير و27 من شركائه الإسلاميين للمحاكمة بتهم تقويض النظام الدستوري، التي تصل عقوبتها إلى الإعدام وفقاً للقوانين السودانية، على خلفية انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989، الذي استولت بموجبه الجبهة الإسلامية على السلطة. ومن أبرز المتهمين في القضية علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق لحسن الترابي، وبكري حسن صالح، نائب البشير السابق، إلى جانب قيادات عسكرية ومدنية شاركت في الانقلاب.


مصر تدعم الجهود الأممية لتسوية سياسية ليبية شاملة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لدى استقباله مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لدى استقباله مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم الجهود الأممية لتسوية سياسية ليبية شاملة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لدى استقباله مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لدى استقباله مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

تجددت، الأربعاء، التأكيدات المصرية على دعم الجهود الأممية الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية ليبية - ليبية شاملة، مع التشديد على تمسك القاهرة بملكية الليبيين للعملية السياسية، وذلك خلال استقبال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة.

ويأتي اللقاء في توقيت تتجه فيه الأنظار إلى جلسة مرتقبة لمجلس الأمن خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل لبحث مستجدات المسار السياسي في ليبيا، في وقت تسعى فيه البعثة الأممية إلى دفع خريطة الطريق التي طرحتها لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها اتفاق رعته الشهر الماضي بين «الجيش الوطني» شرقاً وحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة غرباً (4 + 4) حول الإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات.

اجتماع اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية طرابلس يوم الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)

وحسب بيان البعثة الأممية، تناولت مشاورات عبد العاطي وتيتيه سبل البناء على الاتفاق الأخير للجنة «4 + 4»، والخطوات اللازمة لتهيئة الظروف المواتية لإجراء الانتخابات خلال مهلة 24 شهراً. وفي المقابل، جاء بيان وزارة الخارجية المصرية أكثر اتساعاً، إذ أشار إلى «مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والجهود المبذولة للدفع بالعملية السياسية في إطار خريطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة».

وأعاد عبد العاطي، وفق البيان، التأكيد على «دعم مصر للجهود الأممية الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية ليبية - ليبية شاملة»، مشدداً على «ضرورة أن تظل العملية السياسية ذات ملكية وقيادة ليبية». كما شدّد على أهمية الدفع نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، وإنهاء المراحل الانتقالية، وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية، بما يحترم وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها.

يأتي موقف القاهرة في ظل استمرار التباين الليبي بشأن مخرجات المسار المصغر الذي رعته البعثة الأممية بين ممثلين عن المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية في شرق البلاد وغربها، والذي توصل في نهاية أغسطس (آب) الماضي إلى ترتيبات تتعلق بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية.

وسبق أن أشار رئيس لجنة الشؤون العربية بمجلس النواب المصري، محمد صلاح أبو هميلة، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الجهود المصرية في الملف الليبي تستند إلى استراتيجية ترفض أي مساس بوحدة البلاد أو تقسيمها، عادّاً أن الملف الليبي «يمثل محوراً مهماً من محاور الأمن القومي المصري»، وأن أمن ليبيا واستقرارها «يشكلان هدفاً رئيسياً للسياسة الخارجية المصرية».

ولا يزال «المجلس الأعلى للدولة» بليبيا يتحفظ على مخرجات مسار «4 + 4»، التي أقرها مجلس النواب وأدرجها ضمن قراراته الرسمية مؤخراً. وخلصت اللجنة السياسية بالمجلس، الثلاثاء، إلى رفض الإجراءات المرتبطة بهذه المخرجات «شكلاً وموضوعاً»، مع التوجه إلى إعداد مذكرة موجزة تتضمن ملاحظاتها القانونية والسياسية، تمهيداً لإحالتها إلى رئاسة المجلس والجهات المعنية.

وذهبت اللجنة إلى تأكيد ضرورة أن تتم أي تعديلات أو ترتيبات مرتبطة بالعملية الانتخابية داخل الأطر القانونية والدستورية، وبما يراعي آليات التوافق بين المؤسسات المختصة. كما عقد النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للدولة ناجي مختار، برفقة عدد من أعضاء المجلس، اجتماعاً مع ممثلي حكومة «الوحدة الوطنية» المشاركين في مسار «4 + 4»، للاستفسار عن تفاصيل المسار ومخرجاته.

وفي هذا الشأن نقلت البعثة الأممية، في بيان أعقب لقاء عبد العاطي وتيتيه، الأربعاء، أن «البعثة ستواصل انخراطها مع المجلسين لإتاحة الفرصة للمضي قدماً في تنفيذ الاتفاق السياسي».

وتتزامن التحركات الأممية والمصرية مع استمرار مسار أميركي موازٍ يقوده مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، يركز على توحيد المؤسسات الليبية ودعم مسار يقود إلى انتخابات وطنية، يتضمن أيضا - وفق ما تسرب عنه - توحيد أطراف الصراع الليبي في سلطة تنفيذية موحدة.

ويختلف المساران الأميركي والأممي في أدواتهما، لكنهما يلتقيان عند هدف توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف أمام انتخابات وطنية. وكان بولس قد أكد في وقت سابق دعم واشنطن لخريطة الطريق الأممية، التي تستهدف الوصول إلى حكم موحد وإجراء انتخابات وطنية.


مصر: إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» الجديد لـ«عدم الجاهزية الفنية»

مجلس النواب المصري يوافق الأربعاء على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» (وزارة الشؤون النيابية)
مجلس النواب المصري يوافق الأربعاء على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» (وزارة الشؤون النيابية)
TT

مصر: إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» الجديد لـ«عدم الجاهزية الفنية»

مجلس النواب المصري يوافق الأربعاء على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» (وزارة الشؤون النيابية)
مجلس النواب المصري يوافق الأربعاء على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» (وزارة الشؤون النيابية)

وافق مجلس النواب المصري، الأربعاء، على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» -الذي صدر قبل نحو عام، وكان من المفترض أن يدخل حيّز النفاذ الخميس- إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2027، بدعوى «عدم الجاهزية الفنية لتطبيقه»، في وقت عزّز القرار «آمال منتقدي القانون باستبداله أو تعديل بعض مواده المثيرة للجدل».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد دعا، مساء الثلاثاء، مجلس النواب إلى الانعقاد في جلسة طارئة الأربعاء، قبل يوم واحد من الموعد المقرر لانعقاد المجلس لبدء فصل تشريعي جديد مطلع أكتوبر 2026.

ويُعد قانون «الإجراءات الجنائية» من أكثر القوانين إثارة للجدل في مصر، إذ استغرق شهوراً في مناقشته داخل المجلس، وسط رفض حقوقيين ونقابات مهنية عدداً من مواده، قبل أن يقره مجلس النواب في أبريل (نيسان) 2025.

وبعد عدة أشهر، رفض الرئيس السيسي التوقيع عليه، وطالب البرلمان بإعادة النظر في بعض مواده، وذلك في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، قبل أن يصدره في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، متضمناً مادة تُحدد موعد دخوله حيّز النفاذ مع بداية العام القضائي الجديد، في أكتوبر 2026.

وجاء قرار مجلس النواب، الأربعاء، «نتيجة تقديم عُشر أعضاء المجلس مشروع قانون من مادة واحدة تنص على التأجيل لعدم جاهزية البنية التحتية»، حسب عضو «اللجنة التشريعية» في المجلس، الخبير الدستوري صلاح فوزي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «التأجيل بغرض حُسن أداء العدالة».

وأضاف فوزي أن «ما حدث، الأربعاء، مثال على التكامل بين السلطات، وليس الفصل التام كما ينادي البعض، فالنواب لاحظوا عدم الجاهزية، وقدموا المشروع، والحكومة وافقت عليه ودعّمته في المجلس، حتى تم التأجيل بما يصب في صالح منظومة العدالة».

مصطفى مدبولي خلال مناقشة مشروع «قانون الإجراءات الجنائية» العام الماضي (وزارة الشؤون النيابية)

ودفعت الحكومة خلال الجلسة العامة، الأربعاء، نحو إرجاء تطبيق «الإجراءات الجنائية»، وقال وزير الشؤون النيابية، هاني حنا، إن «محاكم الجنايات جاهزة، لكن بعض محاكم الدرجة الثانية يجري تنفيذها»، مؤكداً أن «مدة عام كافية للانتهاء من التجهيزات».

وثمّن جهود النواب الذين تقدموا بمشروع القانون، وحرصهم على ضمان إنفاذه بصورة متكاملة، بما يُحقق أهدافه من دون أن تترتب على تطبيقه أي مشكلات أو آثار غير مقصودة.

وفيما كانت الحكومة تستعرض جهودها في تدريب العاملين في المحاكم، وتوفير تدريبات للمحامين على منظومة التقاضي عن بُعد، كان محامون وحقوقيون يشيدون بقرار الإرجاء، انطلاقاً من تصورات أخرى ترى أن «البنية التحتية» ليست سوى مبرر لإرجاء التطبيق، قد تتبعه خطوات أخرى، سواء بإعادة النقاش حول القانون وإصدار قانون آخر، أو تعديل بعض مواده.

وزير الشؤون النيابية داخل مجلس النواب الأربعاء (وزارة الشؤون النيابية)

ويرى المحامي حسن شومان أن «في القانون بعض المواد المثيرة للجدل»، وفق قوله، ومنها «السماح للنيابة العامة بالتحقيق مع المتهم في حالات خاصة دون حضور المحامي»، وكذلك الغموض بشأن منظومة التقاضي عن بُعد، وكيفية تطبيقها، معتبراً أن «مشروع القانون لم يأخذ الوقت الكافي في مناقشته».

وأعاد قرار تأجيل تطبيق «الإجراءات الجنائية» زخم الحديث حول مواد القانون والاعتراضات عليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ونشر أكثر من محامٍ حقوقي توضيحات حول أسباب رفضهم القانون.

وأكد الأمين العام لنقابة المحامين محمود الداخلي لـ«الشرق الأوسط» أن «للنقابة اعتراضات على القانون، بعضها تم النظر فيه، والآخر لم تتم الاستجابة له»، لكن «الطعن بعدم دستورية بعض المواد يستوجب أيضاً بدء تطبيق القانون».

ويرجح أن يكون سبب الإرجاء هو ما جرى الإعلان عنه بالفعل من «عدم الجاهزية الفنية»، وليس لأغراض أخرى خاصة بتعديل مواده. والأمر نفسه أكده فوزي، قائلاً إن «الغرض من التأجيل هو إتاحة الفرصة للتدريب والتأهيل، وليس له أي علاقة بتعديل مواد القانون».