تجدد الجدل بشأن قضية «إعادة إعمار ليبيا»، خصوصاً بعد إعصار «دانيال» الذي اجتاح مناطق بشرق البلاد في سبتمبر (أيلول) الماضي، وألحق أضراراً واسعة بمدينة درنة (شمال شرق)، وسط تحديات يفرضها الانقسام السياسي بين حكومتين متنازعتين على السلطة.
ولم يدم التقارب القصير بين طرفي المعادلة الليبية إبان كارثة السيول؛ إذ ما لبث أن انخرط الطرفان المتنافسان في شرق البلاد وغربها فيما وصفه متابعون للشأن الليبي بـ«سباق أرقام» على المخصصات المالية لإعادة إعمار المناطق المتضررة، دونما تحديد واضح لمصادر مواردها وجهات إنفاقها، مما أثار انتقادات المجتمع الدولي ودول غربية كبرى.

وضربت السيول والفيضانات سبع مدن بشرق ليبيا، مخلفة خسائر هائلة في الأرواح والممتلكات. فيما لا تزال فرق الإغاثة تعمل على انتشال الجثث من تحت الركام. ومنتصف الأسبوع الماضي، أعلن المتحدث باسم القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، اللواء أحمد المسماري، ارتفاع عدد ضحايا الإعصار إلى 4209 حالات وفاة، بالإضافة إلى آلاف المفقودين.
وفي شرق ليبيا كانت مخصصات الإعمار أكثر سخاء؛ إذ أقر مجلس النواب، برئاسة عقيلة صالح، 10 مليارات دينار (الدولار يساوي 5.34 دينار)، لميزانية طوارئ للمدن المنكوبة بالفيضانات، وأسند لحكومة أسامة حماد مهمة إعادة الوضع إلى طبيعته خلال 6 أشهر.
وكانت الحكومة، التي تتخذ من شرق ليبيا مقراً لها، قد دعت لمؤتمر دولي لإعادة إعمار المدن المنكوبة، لكنها أجلته إلى مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، مبررة قرارها بما عدته «أسباباً لوجيستية لمنح الشركات الوقت اللازم لتقديم الدراسات والمشروعات»، فيما قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن قرار التأجيل «جاء بعد ضغوط دولية، وتحديداً أميركية».
وفي الطرف السياسي المقابل بغرب البلاد، تعهد رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة في اليوم الثاني للإعصار بتخصيص ملياري دينار (446.4 مليون دولار)، لصالح صندوق إعمار مدينتي بنغازي ودرنة، كما طلبت حكومته رسيماً من البنك الدولي المساعدة في ثلاثة مجالات هي: «تقييم سريع للأضرار، وإنشاء برامج للتحويلات النقدية السريعة والطارئة للمتضررين بالمناطق المنكوبة، وإدارة أموال إعادة الإعمار المرتقبة»، وفق رسالة من وزير المالية خالد المبروك إلى الممثلة المقيمة لمجموعة البنك الدولي في ليبيا، هنرييت فون كالتنبورن في 12 من سبتمبر (أيلول) الماضي.
في هذه الأثناء، كان المجتمع الدولي يراقب هذا التنافس باهتمام مشوب بالقلق، وهو ما عكسته تصريحات المبعوث الأممي عبد الله باتيلي، الذي انتقد ظهور مبادرات أحادية الجانب ومتضاربة من مختلف الأطراف، ومن ثم كانت دعوته إلى تأسيس «آلية وطنية موحدة للإعمار»، وهو ما حظي بتأييد أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، في بيان مشترك لسفراء هذه الدول.
وفي هذا السياق، يرصد الخبير الاقتصادي الليبي علي الصلح «اهتماماً بالغاً من الحكومات الليبية والمجتمع الدولي بإعمار ليبيا بشكل عام، ودرنة على وجه الخصوص»، مشيراً إلى ما اعتبره «سعي حكومة حمّاد للاستفادة من الدراسات والأبحاث العلمية، والتجارب السابقة بخصوص كيفية التعامل مع ملفات الكوارث الطبيعية، فضلاً عن آلية البدء في العمل».
يقول الصلح لـ«الشرق الأوسط»: «عادة ما تخرج المؤتمرات الدولية بنتائج إيجابية تستحق الاهتمام والتنفيذ... والتنافس هنا على ملفات التخطيط والتنفيذ بين الحكومتين، لكن في النهاية أعتقد أنه لا خلاف على إعمار المدن المتضررة».
ومنذ سنوات لم يتوقف الحديث داخلياً، ومن أطراف دولية، عن ملف إعادة إعمار ليبيا المجمد منذ عام 2011، وهو ما يفسره مراقبون بحالة الانقسام العام الذي يحكم ليبيا بسلطتين تنفيذيتين متنافستين. وفي هذا السياق يقول الخبير الاقتصادي، محمد أحمد، إن «الخلافات الداخلية بشأن إعمار درنة هي امتداد أصيل لانقسامات موجودة أساساً في هيكل السلطة، وأزمة الشرعية في الدولة، وهي مؤسفة بالتأكيد لكنه الواقع الأليم».
ولا يبدي الخبير الليبي «تفاؤلاً على الرغم من الدعاية الداخلية والخارجية التي تحاول ترميم هذه الخلافات»، بقوله: «لا أظن أن المجتمع الدولي مهتماً كثيراً بهذه القضية، وسنحتاج إلى الكثير من الجهود الأهلية لتحييد قضية الإعمار بين الأطراف المتنازعة، ولا مفر كذلك من بعض الدعم الدولي الفني والمالي أيضاً في هذا الخصوص».

وتتسع رقعة الخلافات بشأن مجمل فاتورة إعادة الإعمار في سائر أنحاء ليبيا التي قدرها تقرير للبنك الدولي منذ 7 سنوات بنحو 200 مليار دولار.
وكان لافتاً عدم اقتصار مباحثات الدبيبة مع المبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، السفير ريتشارد نورلاند، نهاية الأسبوع الماضي على ملف إعمار درنة، بل امتدت إلى إعمار الجنوب الليبي، وتحديداً إعادة إعمار مُرزق، والبدء بتوفير الكهرباء والخدمات الأساسية المختلفة لضمان عودة سكانها.
ومنذ عامين أصدر الدبيبة قرارات بإنشاء صناديق إعمار خصصت لعدد من المدن الليبية، وذلك من رسوم النقد الأجنبي، من بينها مُرزق بنحو 500 مليون دينار، بالإضافة إلى 1.5 مليار دينار ليبي لمدينتي بنغازي ودرنة، ومليار دينار لجنوب طرابلس، ومليار دينار أخرى لإعمار سرت.
في هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي محمد أحمد: «من الأفضل إعادة الإعمار في درنة أو مرزق، أو غيرها من المدن الليبية بآليات محلية، مثل تأسيس مجلس إعمار، وتقليل التدخل الدولي ليقتصر على الجانب الفني».
وفي مطلع الأسبوع الماضي، طالب عبد الله اللافي، نائب رئيس المجلس الرئاسي، خلال لقائه سفير ألمانيا لدى ليبيا، ميخائيل أونماخت، بضرورة إنشاء هيئة تتولى الإشراف الكامل على عملية إعادة إعمار درنة، والمدن المتضررة الأخرى من الإعصار «دانيال»، بعيداً عن أي تجاذبات أو استغلال سياسي. إلا أن التجاذبات السياسية بين حكومتي الدبيبة وحماد ما زالت تلقي بظلالها على ملف إعادة الإعمار، على الرغم من نداءات مواطني درنة بضرورة إنقاذهم قبل دخول فصل الشتاء.



