ما فرص الوساطة المصرية للتهدئة في غزة؟

الرئيس المصري يتابع الأزمة في قطاع غزة من مركز إدارة الأزمات الاستراتيجي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يتابع الأزمة في قطاع غزة من مركز إدارة الأزمات الاستراتيجي (الرئاسة المصرية)
TT

ما فرص الوساطة المصرية للتهدئة في غزة؟

الرئيس المصري يتابع الأزمة في قطاع غزة من مركز إدارة الأزمات الاستراتيجي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يتابع الأزمة في قطاع غزة من مركز إدارة الأزمات الاستراتيجي (الرئاسة المصرية)

مع استمرار الاشتباكات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ودخول «حزب الله» اللبناني على خط النزاع المسلح بإطلاق صواريخ باتجاه القوات الإسرائيلية ورد الأخيرة بصواريخ مضادة، تتجه الأنظار إلى فرص مصر في الوساطة وتهدئة الأوضاع. فيما تتسارع التحركات المصرية الدبلوماسية على المستويين الإقليمي والدولي لتهدئة الأوضاع واحتواء تبعات الأزمة.

وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه منذ اللحظة الأولى لاندلاع الاشتباكات، بتكثيف اتصالات مصر مع جميع الأطراف ذات الصلة. وأضاف أن «مصر على اتصال مباشر مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وكذلك الأطراف الإقليمية والدولية منذ (السبت) وحتى الآن، سواء على مستوى الرئيس السيسي أو وزارة الخارجية والجهات المعنية».

فلسطينيون يتفقدون الأضرار في محيط مبنى البنك الوطني المدمر في أعقاب الغارات الجوية الإسرائيلية الأحد (إ.ب.أ)

وأكد فهمي، حرص الدولة المصرية على حقن الدماء أولاً، مضيفاً: «مصر تسعى جاهدة على مدار اللحظة للدفع بمسار تحقيق التسوية الشاملة والعادلة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وفقاً لمرجعيات الشرعية الدولية وعلى نحو يضمن إرساء السلام والاستقرار في المنطقة».

وعلى مدار يومين، دخلت مصر على خط الأزمة، وأجرى الرئيس اتصالات مُكثفة مع أطراف إقليمية ودولية، جاء آخرها عبر اتصال هاتفي مع الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن، لمواصلة التشاور والتنسيق بين مصر والأردن سعياً لتهدئة الأوضاع، والتشديد على «وقف التصعيد والعنف وضبط النفس».

الرئيس السيسي في استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في العلمين أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

من جانبه، يرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أن الموقف المصري ظهر سريعاً عقب ساعات من اندلاع الاشتباكات، بداية من خروج بيان رسمي وصفه بـ«المباشرة والقوة»، واستناداً إلى وجود خبرات متراكمة في جهود التهدئة، فضلاً عن أن مصر طرف مقبول من قبل الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.

وأشار فهمي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى «استمرار التنسيق العربي بين مصر والمملكة العربية السعودية والأردن»، مؤكداً على الدور المصري في مسار «تهدئة الأوضاع»، وهو الدور الذي سيظل مرهوناً بـ«توافر الإرادة السياسية والعسكرية لدى طرفي النزاع».

واعتبر فهمي أن دور مصر هذه المرة يختلف عن السابق، موضحاً: «سنرى ثمة تغييرات في المشهد، ستوسع دور القاهرة وتجعله أكثر حيوية في تفكيك الأزمة». ويردف: «النزاع الراهن تعقبه ملفات شائكة ومتشابكة بسبب حجم الضربة. بعد التهدئة على الأرض، سيواجه الطرفان أزمة أسرى ورهائن، كذلك حيثيات الاتفاق حول تثبيت الهدنة وضمانات ذلك وسط تشدد متوقع من قبل الجانبين».

ووسط هذا التشابك. يرى فهمي، أنه «لا أحد سوى مصر يستطيع فك هذا التعقيد، وتمهيد الطريق لتهدئة، ولكن بدعم عربي قد يتسع لأطراف أخرى مثل الجزائر التي أتوقع انضمامها للمساعي العربية لدرء تبعات الأزمة».

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في اجتماع الأمناء العامين للفصائل في العلمين 30 يوليو (إ.ب.أ)

وتؤدي مصر دوراً غالباً في احتواء أزمات الصراع المسلح بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، ونجحت في مرات عديدة آخرها في مدينة «العلمين» المصرية في يوليو الماضي بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في الوصول إلى اتفاقات «تهدئة» استمرت فعالة لفترات متباينة.

وكانت حركة «حماس» قد شنت هجمات على إسرائيل أطلقت عليها «طوفان الأقصى»، (السبت)، شملت إطلاق صواريخ، كما تسلل مسلحون إلى مستوطنات إسرائيلية وقاموا بأسر عدد من الإسرائيليين، ليرد الجانب الإسرائيلي بعملية أطلق عليها اسم «السيوف الحديدية»؛ ما أسفر عن خسائر لدى الطرفين.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

تحليل إخباري البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)

«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

أعطت الزيارة التي قام بها وفد من «حزب الله» إلى بكركي زخماً للعلاقة بين الطرفين، وأظهرت نية واضحة لدى «حزب الله» بابقاء التواصل قائماً مع البطريركية المارونية

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت مرتفعات جبل الريحان في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تستأنف قصف جنوب لبنان بعد لقاء نتنياهو - ترمب

استأنف الجيش الإسرائيلي الجمعة غاراته الجوية في جنوب لبنان، بعد انتهاء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت مرتفعات جبل الريحان في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي: استهداف منشآت وموقع تدريب لـ«حزب الله» جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الجمعة، تنفيذ هجمات على عدة أهداف في لبنان، شملت منشآت تابعة لـ«حزب الله» في مناطق متعددة في الجنوب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

جنوب لبنان ساحة غير مستقرة بانتظار التسويات الكبرى

لم يكن جنوب لبنان، منذ انتهاء حرب يوليو (تموز) 2006، خارج دائرة الحرب بقدر ما كان خارج توقيتها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مداهمة قوة خاصة مشتركة من القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية أوكار عدد من المهربين وتجار المخدرات قرب المواقع الحدودية الشرقية في يناير الماضي (القوات المسلحة الأردنية)

الأردن... جهود ذاتية في مواجهة ميليشيات المخدرات في الجنوب السوري

لا تملك المصادر الأردنية إجابات محددة عن التقديرات الرسمية للخطر القادم من الجنوب السوري بعد أن انتعشت الفوضى فيه مجدداً لتضارب المصالح لمجموعات وفصائل مسلحة.

محمد خير الرواشدة (عمان)

مصر تتحرك لإعادة رعاياها «المهاجرين» من السجون الليبية

السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية مع عائلات مصريين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)
السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية مع عائلات مصريين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تتحرك لإعادة رعاياها «المهاجرين» من السجون الليبية

السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية مع عائلات مصريين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)
السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية مع عائلات مصريين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)

كثّفت مصر، ممثلة في وزارة خارجيتها، خلال الأيام الأخيرة، جهودها لمتابعة أوضاع رعاياها من «المهاجرين غير النظاميين» إلى ليبيا، والعمل على إعادة المحتجزين منهم، إلى جانب بحث مصير المتغيبين، بالتواصل مع عشرات من عائلاتهم.

وللمرة الثانية خلال أسبوع واحد، التقى السفير حداد الجوهري، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية، بعائلات مصريين متغيبين في ليبيا، لبحث أزمتهم وسبل إعادتهم إلى البلاد.

وقالت وزارة الخارجية، الجمعة، إن الجوهري التقى أكثر من 200 من عائلات المواطنين المصريين المتغيبين داخل الأراضي الليبية، مؤكداً «المتابعة الحثيثة التي تقوم بها سفارة مصر وقنصليتها في طرابلس وبنغازي لكافة بلاغات المتغيبين في السجون الليبية».

السفير حداد الجوهري مع أسر مهاجرين غير نظاميين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)

وأشار الجوهري إلى أن «جهود وزارة الخارجية أسفرت خلال عام 2025 عن ترحيل أكثر من 3 آلاف مواطن مصري من ليبيا، ممن كانوا متهمين في قضايا الهجرة غير المشروعة، والإفراج عن أكثر من 1200 مواطن من السجون الليبية»، لافتاً إلى «شحن 300 جثمان على نفقة الدولة، إثر غرق مراكب للهجرة قبالة السواحل الليبية».

وأكّد مساعد وزير الخارجية أن الفترة المقبلة ستشهد الإفراج عن «عدة مئات» من المصريين المحتجزين في السجون الليبية، موضحاً أنه جارٍ إنهاء إجراءات الإفراج عنهم، وتسوية أوضاعهم القانونية، تمهيداً لترحيلهم إلى مصر. داعياً أهالي المتغيبين إلى «ضرورة الحصول على المعلومات من مصادرها الشرعية»، ومحذراً من الانسياق وراء أفراد أو جهات مجهولة تمارس الابتزاز المالي، مقابل تقديم معلومات «يتبين لاحقاً عدم صحتها».

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية أنها نجحت منذ بداية عام 2025 في استعادة 1132 مواطناً من طرابلس والمنطقة الغربية، وأكثر من 1500 مواطن من بنغازي والمنطقة الشرقية.

مصريون قبيل إعادتهم من مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين شرق طرابلس (المركز)

وتأتي عمليات ترحيل المهاجرين في إطار ما أطلقت عليه سلطات طرابلس «البرنامج الوطني»، بعدما أحصت وجود نحو 3 ملايين مهاجر داخل البلاد، فيما تواصل السلطات في بنغازي شرق ليبيا إجراءات مماثلة.

وتقوم الجهات المعنية بملف الهجرة في عموم ليبيا بإلقاء القبض على «عشرات» المهاجرين المصريين بين الحين والآخر، وإيداعهم مراكز الإيواء إلى حين ترحيلهم إلى القاهرة.

وأعلن جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية في طرابلس، الجمعة، إعادة 19 مهاجراً مصرياً عبر مطار معيتيقة الدولي، من بينهم قُصَّر كانوا محتجزين في مركز تاجوراء شرق العاصمة، بعد إعادتهم من البحر، وذلك بالتنسيق مع السفارة المصرية، فيما لا يزال نحو 200 مهاجر بانتظار إعادتهم.

وناشد الجوهري أهالي المتغيبين «اتخاذ الإجراءات القانونية ضد السماسرة والمهربين، وعصابات الهجرة غير المشروعة»، التي «تعرض أرواح المواطنين لمخاطر جسيمة مقابل مبالغ طائلة»، داعياً في الوقت نفسه إلى «احترام قواعد الدخول إلى الدول المجاورة عبر تأشيرات رسمية وعقود عمل موثقة، حفاظاً على حقوق وأرواح المواطنين المصريين».

في السياق ذاته، أعلنت «المنظمة الدولية للهجرة» اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا خلال الفترة من 2 إلى 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مشيرة إلى اعتراض وإعادة 23 ألفاً و513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة و851 طفلاً.

ولا توجد في ليبيا إحصاءات رسمية دقيقة حول عدد السكان أو المهاجرين غير النظاميين، في ظل دخول الآلاف عبر طرق التهريب الصحراوية، أو المنافذ غير الخاضعة لرقابة موحدة بسبب الانقسام الحكومي. وكانت منظمات أوروبية قدّرت عدد المهاجرين في ليبيا بنحو مليون ونصف مليون مهاجر، بينهم آلاف محتجزون في مراكز الإيواء غرب البلاد وشرقها.

مصريون قبيل إعادتهم من مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين (المركز)

وفي منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أجرى وفد من السفارة المصرية في طرابلس جولة تفقدية إلى مركز إيواء «بئر الغنم» للوقوف على أعداد الرعايا المصريين المحتجزين فيه وأوضاعهم الإنسانية. ويُعدّ المركز معسكراً لتجميع المهاجرين غير النظاميين جنوب غربي العاصمة الليبية.

وتشير تقارير دولية وشهادات حقوقية إلى ارتكاب «انتهاكات جسيمة» بحقّ المحتجزين في المركز، في ظل ما يوصف بـ«فوضى إدارية وانقسام داخلي داخل جهاز مكافحة الهجرة». كما تعكس تقارير دولية وشهادات حقوقية ليبية واقعاً مأساوياً، يتعلق بأوضاع المهاجرين غير النظاميين في ليبيا.

في السياق ذاته، تؤكد منظمات حقوقية محلية ودولية أن جميع مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا تشهد «انتهاكات واسعة»، إلا أن اسم «بئر الغنم» يتكرر في شكاوى عديدة، خصوصاً من عائلات مصرية تتحدث عن احتجاز أبنائها في هذا المركز.


مصر لتطوير منظومة رعاية الطلاب الوافدين وتيسير إجراءات قبولهم

وافدون يحملون لافتة مكتوباً عليها منصة «ادرس في مصر» (مجلس الوزراء المصري)
وافدون يحملون لافتة مكتوباً عليها منصة «ادرس في مصر» (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر لتطوير منظومة رعاية الطلاب الوافدين وتيسير إجراءات قبولهم

وافدون يحملون لافتة مكتوباً عليها منصة «ادرس في مصر» (مجلس الوزراء المصري)
وافدون يحملون لافتة مكتوباً عليها منصة «ادرس في مصر» (مجلس الوزراء المصري)

أكدت الحكومة المصرية على «متابعة تطوير منظومة جذب ورعاية الطلاب الوافدين، من خلال تحسين جودة الخدمات التعليمية وتيسير إجراءات القبول»، وأرجعت ذلك إلى «تقديم تجربة تعليمية وثقافية متكاملة تواكب المعايير الدولية، وتسهم في ترسيخ صورة مصر بوصفها وجهة تعليمية آمنة وجاذبة».

وأوضح وزير التعليم العالي المصري، أيمن عاشور، الجمعة، أن ملف الطلاب الوافدين «يحظى بأولوية» ضمن استراتيجية وزارته، بعدّه «أحد أهم محاور القوة الناعمة المصرية، وأداة فعالة لتعميق الروابط الثقافية والعلمية مع مختلف دول العالم».

ويبلغ إجمالي عدد الطلاب الوافدين الدارسين في مصر «نحو 198 ألف طالب، من بينهم 138 ألفاً ملتحقون بمنظومة التعليم العالي، موزعين على 28 جامعة حكومية، و34 جامعة خاصة، و22 جامعة أهلية (حكومية بمصروفات)، ويمثل هؤلاء الطلاب 119 جنسية من مختلف دول العالم»، بحسب «التعليم العالي»، التي أوضحت أن «القطاع الطبي استحوذ على النسبة الكبرى من إقبال الطلاب الوافدين، يليه القطاع الهندسي، ثم العلوم الإنسانية».

وفند مجلس الوزراء المصري في إفادة، الجمعة، حصاد «منظومة الطلاب الوافدين خلال عام 2025»، إذ قال مساعد وزير التعليم العالي، رئيس قطاع الشؤون الثقافية والبعثات، أيمن فريد، إن التطوير المستمر جاء نتاج عمل مؤسسي متكامل بين وزارة التعليم العالي، والجامعات المصرية والمكاتب الثقافية بالخارج، مؤكداً أن «الاستراتيجية المعتمدة ترتكز على تنويع الأسواق التعليمية، وتطوير أدوات التسويق الدولي للتعليم المصري، وتعظيم الاستفادة من التحول الرقمي، بما يواكب المتغيرات العالمية في منظومة التعليم العالي، ويعزز القدرة التنافسية للجامعات المصرية».

من جانبه، أوضح رئيس الإدارة المركزية لشؤون الطلاب الوافدين بـ«التعليم العالي»، أحمد عبد الغني، الجمعة، أن «العام الماضي شهد نقلة نوعية في إدارة منظومة الطلاب الوافدين، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ أو جودة الخدمات المقدمة». فيما أكدت وزارة التعليم العالي حرصها على «تعزيز التعاون مع الدول العربية، وكذا توسيع قاعدة الاستقطاب من القارة الأفريقية، إلى جانب زيادة نسب الطلاب القادمين من دول آسيا وأوروبا، وذلك في إطار استراتيجية تنويع الأسواق التعليمية».

ملف الطلاب الوافدين يحظى بأولوية ضمن استراتيجية وزارة التعليم العالي في مصر (مجلس الوزراء المصري)

هناك معطى آخر تحدث عنه الخبير التربوي المصري، عاصم حجازي، قائلاً إن وزارة التعليم العالي «سهلت الكثير على الطلاب الوافدين عبر المنصة الرقمية (ادرس في مصر)»، لافتاً إلى أن الطالب الوافد يُقدم أوراقه عبر (المنصة) ويتابع طلب الالتحاق بالجامعات المصرية.

وأضاف حجازي موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن التوسع في الخدمات الرقمية المتاحة للطلاب الوافدين، «يُعدّ من أهم التسهيلات وأشكال الدعم التي تقدمها (التعليم العالي) للوافدين بمصر»، مبرزاً أن «هناك من يدرس عن بُعد في بلده، ويأتي فقط لمصر خلال الامتحانات، وهناك آخرون ينتظمون في الحضور بالجامعات بمصر»، فضلاً عما «يتلقاه الوافدون من برامج الرعاية الاجتماعية والثقافية، التي تطورت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة».

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت وزارة التعليم العالي بمصر تقديم تسهيلات لالتحاق الطلاب السودانيين الوافدين بالجامعات، وكذلك تسهيل إجراءات من يرغبون في التحويل من جامعات أخرى لاستكمال دراستهم في مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا.

وتحدث «مجلس الوزراء المصري»، الجمعة، عن منصة «ادرس في مصر» للوافدين، مؤكداً أنها بثلاث لغات «العربية والإنجليزية والفرنسية» لضمان سهولة الاستخدام، ومنح خدمات التقديم كافة للمرحلة الجامعية والدراسات العليا.

مصر تؤكد تطوير منظومة جذب ورعاية الطلاب الوافدين (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب حجازي، تسعى وزارة التعليم العالي في مصر إلى «مزيد من التحاق الطلاب العرب للتعليم في الجامعات المصرية»، عبر «برامج متنوعة سواء في الجامعات الحكومية أو الأهلية أو الخاصة، وكذا تسهيلات في إجراءات القبول وتلقي العلم، فالطالب يمكنه أن يدرس وهو في بلده، ثم يحضر لمصر خلال الامتحانات».

وفي إطار التعاون المستمر بين وزارتي «التعليم العالي والخارجية»، تم إقرار الأعداد المقترحة لمنح الطلاب الوافدين للعام الدراسي 2025 - 2026، وإعداد ملفات تعريفية بالجامعات المصرية وتصنيفاتها، وتوضيح خطوات التقديم بثلاث لغات، وتوفير رموز QR تتضمن شروط وإجراءات القبول، إلى جانب استقبال المستشارين والملحقين الثقافيين لمتابعة أوضاع الطلاب الوافدين، والمشاركة في الفعاليات المختلفة، وفق «مجلس الوزراء المصري»، الجمعة.

وبخصوص تسهيلات أخرى محتملة قد تتاح للوافدين مستقبلاً، تمنى الخبير التربوي المصري «إقامة أفرع للجامعات المصرية في الدول العربية والأفريقية»، لكنه رأى أن «هذه الخطوة تحتاج إلى ترتيبات كبيرة». وأرجع مطلبه هذا إلى أن بعض الطلاب «لا يفضلون التعليم الإلكتروني (عن بُعد)، ويحبون الحضور بشكل رسمي»، لافتاً إلى أن ذلك لو تحقق «فسيكون إنجازاً كبيراً»، و«أعتقد أن وزارة التعليم العالي تسعى لهذا الأمر حالياً».

وبرزت العام الماضي أزمة زيادة أعداد الطلاب السودانيين الراسبين في الجامعات المصرية، وقدرت السفارة السودانية في القاهرة عددهم بـ3 آلاف طالب، ووصفت حينها عملية الرسوب بأنها «ظاهرة مزعجة وتحتاج إلى مراجعة».

ووفق عاصم حجازي فإنه «لا توجد مشاكل لدى الطلاب الوافدين بمصر، فقط بعضهم يشكو من مصروفات الجامعات المصرية، رغم أنها عادية وغير مُبالغ فيها، وتتضمن الخدمات التي يتلقاها الوافد في مصر».

متحدث وزارة التعليم العالي، عادل عبد الغفار، أكد من جانبه أن «منظومة الطلاب الوافدين في مصر تشهد تطوراً مؤسسياً وتنظيمياً واضحاً، قائماً على التحول الرقمي والتنسيق المؤسسي وتحسين جودة الخدمات، بما يدعم تحقيق رؤية الدولة في جعل مصر مركزاً إقليمياً للتعليم العالي والسياحة التعليمية، ويعزز حضورها الأكاديمي والثقافي على المستويين الإقليمي والدولي».


السودان: كيف أنقذ مستشفى واحد آلاف الأرواح في أقسى ظروف الحرب؟

مدير «مستشفى النو» الطبيب جمال الطيب الحاصل على جائزة «أورورا» الإنسانية في مكتبه (الشرق الأوسط)
مدير «مستشفى النو» الطبيب جمال الطيب الحاصل على جائزة «أورورا» الإنسانية في مكتبه (الشرق الأوسط)
TT

السودان: كيف أنقذ مستشفى واحد آلاف الأرواح في أقسى ظروف الحرب؟

مدير «مستشفى النو» الطبيب جمال الطيب الحاصل على جائزة «أورورا» الإنسانية في مكتبه (الشرق الأوسط)
مدير «مستشفى النو» الطبيب جمال الطيب الحاصل على جائزة «أورورا» الإنسانية في مكتبه (الشرق الأوسط)

أثناء استمرار الحرب السودانية واشتعالها في العاصمة الخرطوم، توقفت خدمة المستشفيات، ولم يتبقَّ سوى مستشفى واحد في مدينة أم درمان، وهو «مستشفى النو» الواقع غرب المدينة، على خط النار والمواجهات العسكرية، وظل هو المرفق الصحي الوحيد الذي استطاع تلبية احتياجات الطوارئ واستقبال الجرحى، وإنقاذ آلاف الأرواح في أسوأ الظروف.

رغم الضغوط الأمنية والنفسية الكبيرة، صمدت مجموعة محدودة من الأطباء والكوادر الصحية والمتطوعين والفنيين للمحافظة على استمرارية العمل داخل المستشفى رغم القصف العشوائي، وسقوط الصواريخ والدانات، ونقص الموارد، وانقطاع خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، وضغط الحالات الطارئة المتزايدة.

واجهة «مستشفى النو» بأم درمان (الشرق الأوسط)

وطيلة فترة الحصار والتضييق داخل المستشفى كان الأطباء والطاقم الصحي ومجموعة المتطوعين يسعفون الجرحى بعدد 3 سيارات إسعاف متهالكة، ويتناولون وجبات قوامها الفول والعدس في وجبتَي الفطور والعشاء، لعدم وجود مطاعم توفر الطعام في محيط المكان الذي تغطيه رائحة الدم والبارود، فاستحقوا جائزة مؤسسة «أورورا» لإيقاظ الإنسانية العالمية، التي تُمنح للأشخاص الذين خاطروا بحياتهم أو حريتهم أو صحتهم لإنقاذ حياة الآخرين.

أيام قاسية

أظهر المُستشفى الميداني قدرته على العمل في أحلك الأوقات. يقول مدير المستشفى الدكتور جمال الطيب لـ«الشرق الأوسط»: «تأثرت جداً بموت الأطفال وكانوا بأعداد كبيرة... كنا نستقبل في اليوم أكثر من 100 حالة، وأحياناً في ساعة واحدة، و4 آلاف شهرياً بإصابات متفاوتة شديدة وطفيفة، وعالجنا أعداداً كبيرة من المصابين».

«مستشفى النو» يستقبل عشرات الحالات يومياً باعتباره الوحيد في العاصمة إبان الحرب (الشرق الأوسط)

وأضاف الطيب: «بدأ المستشفى العمل بمبادرة من الشباب المتطوعين في 17 أبريل (نيسان) 2023؛ أي بعد أيام من انطلاق الحرب، بإمكانات بسيطة جداً لإسعاف الجرحى بشتى الطرق». وأوضح: «هزتني الإصابات الناتجة عن القصف العشوائي، خصوصاً وسط الأطفال والنساء، ووفاة الأطفال الصغار تعد الأكثر إيلاماً»، وتابع: «حتى لو كنت طبيباً، فلن تعتاد على مناظر أطفال مبتوري الأيدي والأرجل ومبقوري البطون».

غرق في الفوضى

كانت شوارع مدينة أم درمان تغرق في الفوضى، لكن المستشفى كان ينبض بالحياة. يواصل مديره: «كنا نعمل بالكادر الطبي المتاح والأدوية الموجودة لدينا على قلتها. ساعدتنا منظمة (أطباء بلا حدود) الهولندية بدور كبير». ويضيف الطبيب جمال لـ«الشرق الأوسط»: «بعد اندلاع الحرب انتقلت من الخرطوم لأم درمان متطوعاً، لكن وزارة الصحة بولاية الخرطوم طلبت مني شخصياً إدارة المستشفى رسمياً في يوليو (تموز) 2023». ويتابع: «مع زملائي الدكتور أمير محمد الحسن، اختصاصي الباطنية والقلب، والدكتور ياسر شمبول، اختصاصي الباطنية، اللذين حضرا للمستشفى في وقت مبكر، بدأنا العمل دون إمكانات من أي نوع. الوزارات والهيئات لم تكن موجودة. الجرحى والمرضى وكبار السن والأطفال لا يقبلون عذراً، فقط يريدون من يداويهم».

مشاهد مؤلمة

أحد العنابر داخل المستشفى حيث يكتظ بالمرضى (الشرق الأوسط)

في فبراير (شباط) 2025، دوى انفجار كبير في سوق شعبي بمدينة أم درمان، وسرعان ما امتلأت غرفة طوارئ المستشفى بالجثث والإصابات المتفاوتة. يقول الطيب: «كان ذاك من الأيام الصعبة جداً. كان سوق (صابرين) يعج بالمتسوقين. استقبلنا يومها نحو 170 إصابة خلال ساعتين لا أكثر، نُقلوا إلينا بالشاحنات دون وجود خدمة إسعاف». ويضيف: «كان يوماً صعباً، فالذين حاولوا مساعدة المصابين ليسوا أطباء أو كوادر صحية؛ لذلك نقلوا المصابين بشكل عشوائي، ووضعوا الموتى مع المصابين في مكان واحد... بعدها قمنا بفرز الموتى من الأحياء داخل تلك الشاحنات، واتضح وجود 48 وفاة، مع مصابين بإصابات متفاوتة، بعضهم بُترت أطرافهم، وبعضهم خرجوا بعاهة مستديمة». ويتابع: «لكنا – والحمد لله - أنقذنا حياة البقية».

تعرض المستشفى نفسه للقصف العشوائي، لكن الأطباء والكوادر الطبية أصروا على مواصلة العمل. يقول الدكتور الطيب: «فقدنا عدداً من كوادر المستشفى بالقصف والصواريخ، وتُوفي أحد المتطوعين داخل المسجد الملحق، فضلاً عن اثنين من أفراد الحراسة، وأصيب جندي برصاصة قناص داخل المستشفى».

جائزة «أورورا» الإنسانية

قررت مؤسسة «أورورا» لإيقاظ الإنسانية (Aurora Prize for Awakening Humanity) منح جائزتها لعام 2025 للطبيب جمال الطيب، وقيمتها مليون دولار، على جهوده في إدارة المستشفى الذي ظل شمعة في جوف الظلام؛ إذ كان خط الدفاع الطبي الأخير في العاصمة الخرطوم إبان النزاع المسلح فيها. وتعد جائزة «أورورا» لإيقاظ الإنسانية جائزة إنسانية عالمية كبرى تُمنح للأشخاص الذين خاطروا بحياتهم أو حريتهم أو صحتهم لإنقاذ حياة الآخرين، والتخفيف من معاناة البشر في حالات الصراع، أو الجرائم ضد الإنسان، أو انتهاكات حقوق الإنسان.

مدير المستشفى الطبيب جمال الطيب خلال حديثه مع مراسل الصحيفة (الشرق الأوسط)

يقول الطيب لـ«الشرق الأوسط»: «لا أدري من رشحني لتلك الجائزة. تم اختياري من بين 880 مرشحاً، دون علمي، وحين وصلت الترشيحات بالقائمة القصيرة إلى 25 شخصاً، عرفت ساعتها بترشيحي. وأثناء قيام فريق الجائزة بالبحث عني، أرسلوا تعميماً إلى المستشفيات في أوروبا، يبحثون عن طبيب اسمه جمال الطيب وعنوانه».

ويضيف: «أحد زملائي في مجال التخدير بلندن أرسل بريداً لزميلتي في المستشفى الدكتورة شذى، فأرسلته لي، وحين قرأت الرسالة ظننت أن الأمر لا يخلو عن فكاهة، ولم أرد عليه». ويتابع: «حثتني الدكتورة شذى على الرد، وكتبت بريدي وتليفوني. وفي اليوم الثاني، تلقيت اتصالاً من المنظمة، بعد أن تقلص العدد إلى 15 شخصاً، ثم إلى 4 أشخاص، وأخيراً كنت أنا الفائز الأول». ويستطرد: «الجائزة لا تمثلني على المستوى الشخصي، بل تمثل أسرة المستشفى: أطباء، وإداريين، وعمالاً... فقط أنا كنت أقودهم، ولست أحق بالجائزة منهم».