ما أهمية نهر القذافي «الصناعي» لليبيا؟

دشنه الرئيس الراحل قبل 41 عاماً... ويتعرض لتعديات تُعيق تدفق مياهه

فنيون خلال عملية صيانة بمسار «النهر الصناعي» في ليبيا (إدارة النهر الصناعي)
فنيون خلال عملية صيانة بمسار «النهر الصناعي» في ليبيا (إدارة النهر الصناعي)
TT

ما أهمية نهر القذافي «الصناعي» لليبيا؟

فنيون خلال عملية صيانة بمسار «النهر الصناعي» في ليبيا (إدارة النهر الصناعي)
فنيون خلال عملية صيانة بمسار «النهر الصناعي» في ليبيا (إدارة النهر الصناعي)

قبل 41 عاماً من الآن هتفت الجماهير الليبية التي أحاطت بالرئيس الراحل معمر القذافي، «شق الصحراء، (الفاتح)... ثورة صناعية (الفاتح)» عندما كان يعلن وسط حضور جماهيري، عن تدشين «النهر الصناعي العظيم» عام 1984.

في تلك الأثناء وما قبلها، كان الحديث عن تدشين هذا النهر في ليبيا يُثير بعض التندر لدى قطاعات متحفظة على الفكرة، وتقلل من أهميتها، لكن الآن، وبعد ما يزيد عن 4 عقود، أصبح لسان حال الليبيين أن هذا النهر، الذي يحمل المياه الجوفية من الجنوب إلى الشمال، هو «شريان الحياة الوحيد» الذي من دونه تتعرض المدن للعطش.

فنيون خلال عملية صيانة بمسار «النهر الصناعي» في ليبيا (إدارة النهر الصناعي)

وتعود فكرة «النهر الصناعي»، عندما اكتشفت شركات عالمية للتنقيب عن النفط عام 1953 مخزوناً كبيراً من المياه الجوفية، وبعد سنوات من مجيء القذافي للحكم تبلورت الفكرة ليعلن في عام 1984 عن بدء تنفيذ المشروع لنقل المياه عبر أنابيب ضخمة تحت الأرض من عمق الصحراء.

وعند وضع حجر أساس المشروع، قال القذافي إن «النهر العظيم سيفجر ينابيع المياه من قلب الصحراء (السرير وتازربو) من سلسلة رائعة من الآبار ليتدفق الماء نحو الشمال عبر أنابيب ضخمة؛ يصل قطرها إلى 4 أمتار في أطول رحلة يقطعها الماء العذب (غضباً عنه تنفذاً لأوامر الإنسان الليبي العربي السيد ووفقاً لإرادته الثورية الحرة)، ليصل إلى حيث نريد و(نجبره) على قطع مسافة 4 آلاف كيلومتر من منقطة (السرير) إلى الشمال والشرق والغرب»، وشبّه الرئيس الراحل حينها مسار النهر «بمحاولة تشبه الخيال ليلتقي مع نهر صناعي آخر ينبع من جبل الحساونة».

فنيون خلال عملية صيانة بمسار «النهر الصناعي» في ليبيا (إدارة النهر الصناعي)

ومنظومة «الحساونة - سهل الجفارة»، هي المرحلة الثانية لمشروع النهر الصناعي، الذي دشنه القذافي فيما بعد، وصممت لنقل 2.5 مليون متر مكعب من المياه يومياً، من حقول الآبار بجبل الحساونة إلى الشريط الساحلي حتى مدينة طرابلس.

وقال مسؤول بإدارة منظومة «النهر الصناعي» لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه المشروع «أثبت أهميته الحيوية بالنسبة لليبيين»، داعياً إلى «ضرورة حماية جميع مساراته من التعديات التي تقع عليه من وقت إلى آخر».

ومنذ اندلاع «ثورة 17 فبراير» (شباط) عام 2011، لم تتوقف الاعتداءات على «النهر الصناعي» من التشكيلات المسلحة، وأصحاب «المصالح الفئوية»، فضلاً عن تعديات على مساره بإنشاء وصلات غير مشروعة للشرب أو لري الأراضي.

وسبق أن هاجم مسلحون منظومة «النهر الصناعي» في منطقة الحساونة، جنوب العاصمة طرابلس، ومنعوا تدفق المياه إلى مدن الشمال الغربي بشكل كامل، وطالبوا حينها بالإفراج عن قيادي تابع لهم معتقل لدى كتيبة «قوة الردع الخاصة».

بينما أرغمت في وقت سابق مجموعة مسلحة موالية لعبد الله السنوسي، رئيس جهاز الاستخبارات الليبية في النظام السابق، منظومة الحسونة، بالقوة، على وقف ضخ المياه يوم السبت الماضي، لحين الإفراج عنه.

ووسط معاناة قطاع واسع من مواطني المدن والبلدات الليبية بسبب انقطاع المياه، دعت البعثة الأممية لدى البلاد إلى ضرورة «مقاضاة المسلحين المعتدين على مسار النهر الصناعي»، منذ مطلع الأسبوع الحالي.

فنيون داخل أنبوب النهر الصناعي أثناء عملية صيانة سابقة (إدارة النهر الصناعي)

وأمام الاعتداءات المتكررة على «النهر الصناعي»، طالبت البعثة الأممية بالكف عن هذه الأفعال، التي «تشكل تهديداً للأمن المائي لملايين الليبيين، وتنذر بحدوث أزمة إنسانية».

ويعد «النهر الصناعي» المصدر الرئيسي للمياه النقية بالنسبة لغالبية سكان ليبيا، كما يوصف بأنه «أضخم مشروع لنقل المياه الجوفية في العالم كله»، بتكلفة بلغت حينها 35 مليار دولار، حيث وفر منذ عام 1991 المياه لمناطق ليبيا، التي كانت في السابق تعتمد على محطات تحلية المياه وعلى طبقات المياه الجوفية القريبة من الساحل.

وأعلنت إدارة «منظومة الحساونة - سهل الجفارة» اليوم (الاثنين) عن إيقاف الإمداد المائي بالمسار الشرقي لطرابلس، وذلك لوجود تسريبات مائية نتيجة «الاعتداءات والوصلات غير المشروعة».

وقالت المنظمة، في تصريح صحافي، إن صيانة هذا التسريب تتطلب 7 أيام، مما سيتسبب في توقف الإمداد المائي على المناطق الواقعة بالمسار من مصراتة حتى القرة بوللي، لافتة إلى أن مدينة طرابلس لن تتضرر من عمليات الصيانة، حيث سيتم تزويدها عبر المسار الأوسط.

صورة تُظهر غرق بعض المزارع والطرق بسبب انفجار خط بـ«النهر الصناعي أجدابيا - الزويتينة» في 21 يوليو الماضي (حكومة الاستقرار)

وسبق وانفجر خط مياه بـ«النهر الصناعي» (أجدابيا - الزويتينة)، في يوليو (تموز) الماضي، ما تسبب في غرق مزارع ومنازل، وتدمير بعض الطرق، وانقطاع المياه قرابة شهر عن أجدابيا وبنغازي شرق ليبيا.

وفتح مكتب النائب العام تحقيقاً في الواقعة، لمعرفة الأسباب التي أدت إلى تلف أحد خطوط النهر، ومن ثم غرق بعض أحياء مدينة أجدابيا، نتيجة ارتفاع منسوب المياه. وقال إن ممثل النيابة انتقل إلى محل الواقعة؛ لمعاينة الآثار المترتبة على الانهيار، ثم شرع في تسجيل الأضرار المادية، واتخذ الإجراءات اللازمة «لمعرفة الأسباب المؤدية إلى الواقعة، حتى تتحدد المسؤولية بمساعدة أهل الاختصاص».

ويتكون النهر من 1300 بئر يبلغ عمق أغلبها 500 متر، وتمتد الأنابيب في عمق الصحراء من الجنوب الشرقي والغربي إلى الشمال لنقل 6.5 مليون متر مكعب من المياه يومياً إلى المدن الرئيسية الكبرى مثل الزاوية وطرابلس وبنغازي وطبرق وسرت وأجدابيا.


مقالات ذات صلة

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا العلم البريطاني خارج إحدى محاكم لندن (رويترز-أرشيفية)

محاكمة سمسارَي أسلحة في بريطانيا أبرما صفقات مع ليبيا وجنوب السودان

أبلغ مدعون بريطانيون محكمة في لندن، اليوم الثلاثاء، أن اثنين من سماسرة الأسلحة رتبا صفقات غير قانونية لتزويد ليبيا وجنوب السودان بأسلحة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

تعهدت الجهات المانحة تقديم مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار إلى السودان، وذلك خلال المؤتمر الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين أمس، برعاية ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وعُقد «مؤتمر برلين» وسط غياب ممثلين عن طرفي الحرب، أي الجيش السوداني، والحكومة الموالية له، و«قوات الدعم السريع». وقبل انطلاقه، انتقدت الحكومة السودانية استضافة ألمانيا للمؤتمر، قائلة إن هذا «تدخل مفاجئ وغير مقبول» في الشأن الداخلي. ويعد هذا المؤتمر الدولي الثالث حول السودان بعد مؤتمرين سابقين في باريس، ولندن.

وحض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة مسجلة خلال المؤتمر، على السلام في السودان، و«إنهاء كابوس» الحرب، ووقف «التدخلات الخارجية، وتدفق الأسلحة اللذين يؤججان النزاع». وطالب طرفي القتال بـ«وقف فوري للأعمال الحربية».


رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.