سيناريوهات أمام البرهان بعد خروجه وكسر جدار الحصار

تتراوح بين وقف الحرب وطرد الإسلاميين أو الاستمرار في التحالف معهم

TT

سيناريوهات أمام البرهان بعد خروجه وكسر جدار الحصار

البرهان يتناول كوباً من الشاي مع إحدى البائعات في أحد محلات أمدرمان (موقع الجيش على «فيسبوك»)
البرهان يتناول كوباً من الشاي مع إحدى البائعات في أحد محلات أمدرمان (موقع الجيش على «فيسبوك»)

يتداول السودانيون تكهنات وتحليلات تبدو متناقضة ومتضاربة، تتعلق بالخطوة الأولى التي سيخطوها قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عقب خروجه من مقر القيادة العامة، وما إذا كان سيتجه لوقف الحرب وتوقيع اتفاق مع خصمه قائد قوات «الدعم السريع»، الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، أو استغلال النصر المعنوي الناجم عن الخروج لتقوية موقف قواته من أجل استمرار الحرب حتى القضاء على «الميليشيا المتمردة»، وهو الخط الذي يؤيده أنصار نظام الإسلاميين بقيادة الرئيس السابق عمر البشير.

وتتراوح التكهنات بين المحللين المتفائلين الذين يتوقعون مفاصلة بين قيادة الجيش ودعاة استمرار الحرب الرئيسيين المتمثلين في «جماعة الإخوان المسلمين» وأنصار النظام السابق، أو الدخول في مواجهة معهم، بينما يرى محللون آخرون أن البرهان سينتهز الفرصة، وسيخطو باتجاه تعزيز موقف قواته القتالي ومواصلة الحرب، مستفيداً من «الإسناد النفسي» والمعنوي الذي وفره خروجه من مقر القيادة العامة، حيث كانت تحاصره قوات «الدعم السريع».

فما الاتجاهات والسيناريوهات التي سيتبناها الرجل بعد أكثر من 4 أشهر قضاها داخل أنفاق القيادة العامة وسط الخرطوم؟

سيطرة الجيش

يقول مستشار الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، اللواء المتقاعد معتصم عبد القادر الحسن، لـ«الشرق الأوسط»، إن البرهان، إضافة لقيادته القوات المسلحة، فهو «رئيس الدولة»، ما يتطلب منه ممارسة مهامه بوصفه رئيساً على التراب السوداني كله، وتفقد القوات خارج القيادة وتوجيهها الذي يعد جزءاً أساسياً من واجبات القائد.

البرهان مع مواطنين من سكان الحارة 100 بأمدرمان (من موقع الجيش السوداني على «فيسبوك»)

ويوضح اللواء الحسن أن خروج الرجل، بغض النظر عن كيفيته، يؤكد سيطرة القوات المسلحة على الأرض، وأنها تتحرك في أي جزء منها وفق متطلبات الأوضاع، على عكس ما يزعمه «الدعم السريع» من أنه يسيطر على العاصمة بشكل شبه كامل.

ويصف الخبير العسكري التحليلات التي تدعو إلى الالتفات للملفات السودانية قبل التخلص الكامل من التمرد وآثاره وعودة الحياة لطبيعتها بـ «المبكر»، ويقول: «هذا ما عبّر عنه البرهان في خطابه في عيد الجيش، منتصف أغسطس (آب) الماضي».

طريق الحكم المدني

بيد أن للمحلل السياسي الجميل الفاضل زاوية نظر أخرى، إذ يقول في إفادته لـ«الشرق الأوسط» إن «طريق البرهان بعد خروجه من الأسر هي طريق باتجاه واحد، هو اتجاه العودة إلى نقطة جسر الانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي الذي لا تشوبه شائبة تدخلات العسكر، بشراكة أو بوصاية»، ويتابع: «هذا بالطبع من منافع الحرب رغم فداحة أثمانها».

ويرى الفاضل أن «الإخوان المسلمين» الذين يصفهم بأنهم الطرف الذي أوقد نار الحرب، «لا بد أن يدفعوا فاتورة الحرب، بفقدان بعضٍ من قادتهم والكثير من كوادرهم الجهادية المدربة التي أفتى نائب الرئيس السابق، علي عثمان محمد طه، بضرورة ادخار قوتهم ليوم كريهة آخر».

ويتابع: «أرجح أن يوقع الطرفان اللذان ورطهما الإسلاميون، وهما الجيش و(الدعم السريع)، في حرب لا ناقة لهما ولا جمل فيها، اتفاقاً ينهي رسمياً حالة الحرب بينهما». ويستطرد: «لكن في ظني أن الحرب لن تتوقف بموجب هذا الاتفاق فحسب، بل إنها ستستمر بعض الوقت خارج غطاء ومظلة المؤسسة العسكرية الرسمية النظامية، بل ستقودها كتائب لواء البراء بن مالك الجهادية، ومن عرفوا بالـ(مستنفرين) للقتال بدوافع شتى، وإغراق البلاد برمتها في حرب أهلية لا تبقي ولا تذر».

وحذر الفاضل من قيام التنظيم الإسلاموي الذي يخوض حرباً وجودية بكل معنى الكلمة، في طور لاحق، بفتح حرب ذات آفاق أممية، تستقطب جماعات إرهابية عالمية تمتلكها شهوة تغيير العالم. ويضيف: «أعتقد أن البرهان، الذي عانى وعثاء الإقامة الجبرية تحت الأرض التي فرضها عليه (الإخوان) أكثر من 4 أشهر، قاموا أثناءها، كما يتردد، بتصفية حراسه الشخصيين، ونجا هو شخصياً من محاولتي اغتيال، ربما لم يعد لديه مخزون ثقة يكفي لبناء تقارب جديد معهم».

نهاية وشيكة للحرب

وبدوره، اهتم حزب «البعث العربي الاشتراكي» بخروج البرهان من القيادة العامة، والآثار ذات الدلالات والمغزى بالنسبة لقضيتي الحرب والسلام. وقال في كلمة نشرتها صحيفة «الهدف» الناطقة باسمه: «تمحورت التعليقات - أساساً - حول الكيفية، أو السيناريو الذي تم في إطاره حدث خروج الرجل، وعما إذا كان يمثل جزءاً من ترتيبات ما».

ورأى «البعث» أن الحقائق على الأرض لا يمكن أن تغفل محصلة العمليات العسكرية التي تمكنت فيها القوات المسلحة من بسط انتصارها في مناطق واسعة من مدينة أمدرمان وفقاً لاستراتيجية الدفاع الإيجابي، وصمودها بمواجهة الهجمات المتكررة من قوات «الدعم السريع» على مواقعها في مقر قيادة المدرعات في الخرطوم، ومقر سلاح المهندسين ووادي سيدنا في أمدرمان، وتراجع انتشار قوات «الدعم السريع». وتابع: «أياً كانت زوايا النظر، فإنها تلتقي عند مؤشر النهاية الوشيكة للحرب، وهو ما يستخلص من تصريحات البرهان نفسه».

وأوضح الحزب الذي خرج من تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» قبيل توقيع الاتفاقية الإطارية بوقت قصير، أن وقف الحرب بات مطلباً شعبياً ملحاً، وأن التقاعس عن بلوغه يعد تقصيراً في تحمل المسؤولية الوطنية، وخيانة لأماني الشعب وتطلعاته المشروعة. وأضاف: «بطء عملية التفاوض الجاري في جدة، والذي يبدو مقصوداً من بعض الأطراف، وربما تعثرها... لا يعود إلى عدم رغبة وجدية طرفي الحرب في إنهاء العدائيات ووقف الحرب فحسب، وإنما يعود أيضاً، إلى عدم تمكن القوى المدنية والسياسية والاجتماعية والمهنية، من بناء جبهتها المناهضة للحرب... ومحاصرة قوى الحرب والضغط على أطرافها لوقفها من دون شروط».

هروب جماعي من الخرطوم مع استمرار القتال (أ.ف.ب)

ودعا الحزب اليساري القوى السياسية والمدنية والمهنية لاستعادة ما أطلق عليه «الثقة بقدراتها وبقدرات جماهيرها»، للنهوض بمسؤوليتها وواجباتها تجاه الوطن الذي تهدده الحرب، ولقطع الطريق على محاولات إطالة آمادها بإضعاف وتقسيم القوى السياسية، وتهيئة الأجواء لفرض الوصايا عليها بحلول لا تعبر عن إرادة الشعب وتطلعاته».

نحو حكومة بحجم التحديات

أما المحلل السياسي المقرب من الجيش، الطاهر ساتي، فيقول إن عملية خروج البرهان أكبر من كونها متعلقة بالإسلاميين، بل بما فعله قبل أن يخرج، بابتدار مرحلة جديدة من إدارة الدولة وإنهاء التمرد. وتابع: «معارك المدرعات الأخيرة، على ما يبدو لي، كانت مقصودة من فترة طويلة، وأدت لتغيير مسرح العمليات بشكل كامل، وفرضت واقعاً جديداً». وأضاف: «الميليشيا لم تعد مهدداً للأمن القومي أو المؤسسات العسكرية، كما في الشهور الماضية، فقد تحولت إلى مجرد جيوب».

وعد ساتي ما حدث خلق واقع جديد يفرض على البرهان تشكيل حكومة بحجم تحديات المرحلة، وأضاف: «في تقديري، هذا هو السبب الرئيسي لانتقال البرهان من مسرح العمليات – ولا أسميه خروجاً – إلى مواقع إدارة الدولة، سواء في عطبرة أو بورتسودان أو غيرها من ولايات السودان الآمنة». وتابع: «لم يعد هو القائد العام للقوات المسلحة فقط، بل هو رئيس المجلس السيادي، بعد أن كان طوال الأشهر الماضية القائد العام فقط».

ويقول ساتي: «الآن، أصبح البرهان هو رئيس مجلس السيادة، وأتوقع أن تظهر الصفة الجديدة التي خرج بها أو يريد تفعيلها في الأيام المقبلة، في إدارة الدولة والحكومة، بجانب مواصلة العمل في الميدان».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

الولايات المتحدة​ أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

فرضت الأمم ‌المتحدة، عقوبات على الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع وعلى ​ثلاثة مرتزقة كولومبيين متهمين بتجنيد أفراد كولومبيين سابقين للقتال في السودان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».