وسط دعوات سياسية في ليبيا لضرورة الاستمرار في جهود توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة بين شرق البلاد وغربها، منذ سقوط النظام السابق عام 2011، لا يزال الجمود السياسي المسيطر على البلاد يلقي بظلاله على مساعي عملية توحيدها، بالإضافة إلى إشكاليات أخرى، بينها نقص التسليح والتشكيلات المسلحة.
وعد وزير الدفاع الليبي الأسبق، محمد البرغثي، أن «خطوة البداية» لتشكيل جيش موحد يلبي تطلعات الليبيين تكمن في إنهاء حالة الازدواجية الراهنة في قيادته، بوجود رئاسي أركان بشرق البلاد وغربها.
ويرى البرغثي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه في حال توافقت القوى الليبية المتصارعة وحلفاؤها بالمنطقة وخارجها على توحيد قيادة الجيش بناء على أسس تحكمها التراتبية العسكرية والكفاءة، فستحتاج للكثير من العمل لتعويض ما فاتها على مستوى التسليح والتدريب.
وقال: «الأمر لا يتوقف على الـ12 عاماً الماضية من عمر ليبيا، والتي كانت الصراعات والفوضى الأمنية عنوانها الرئيسي، وإنما الأمر يمتد إلى حقبة الرئيس الراحل معمر القذافي، حيث فقد قناعته بفكرة الجيش النظامي منذ تسعينات القرن الماضي واستبدل بها الشعب المسلح ونظام الكتائب».

وشهد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، ورئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، عرضاً عسكرياً في إطار الاحتفال بذكرى تأسيس الجيش، أقيم بميدان الشهداء بوسط العاصمة طرابلس، فيما التقى قائد «الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، في بنغازي بضباط «رئاسة أركان الوحدات الأمنية» التي شكلها قبل شهر وأسند رئاستها إلى نجله العميد خالد حفتر.
وتحدث البرغثي عن عملية التسليح اللازمة، وقال إن جميع قطع السلاح بكافة أنواعها المتواجدة في ليبيا «لا تفي بمتطلبات تأسيس جيش نظامي موحد وقوي»، متابعاً: «بناء الجيش يتطلب امتلاكه طائرات ومدرعات قتالية ونظما وتقنيات دفاعية حديثة، تسهم في اضطلاعه بمهمته الرئيسية وهي حماية حدود ليبيا الواسعة والعميقة».
ويرى مراقبون أن القرار الأممي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا تم انتهاكه مرارا منذ صدوره عام 2011، جراء قيام دول بدعم حلفائها من القوى الليبية المتصارعة على السلطة.
ولفت البرغثي في السياق لما لحق بـ13 قاعدة جوية عسكرية بالبلاد -كانت تضم العديد من الطائرات القتالية الحديثة والصواريخ- من تدمير كامل جراء ضربات حلف شمال الأطلسي الـ(ناتو).
ونوه إلى تحول القاعدة الاستراتيجية الأهم بالغرب الليبي «الوطية» إلى مقر لتواجد القوات التركية المتواجدة فوق الأراضي الليبية منذ عدة سنوات.

وتوقف الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أحمد عليبة، بدوره عند عقبة توحيد قيادة وقواعد المؤسسة العسكرية، خاصة مع استمرار وضعية الجمود السياسي، وارتفاع أعداد منتسبي عناصر الفصائل المسلحة وتعمّق نفوذهم بالبلاد.
وقدّر عليبة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عدد عناصر الفصائل المسلحة خارج المنظومة الأمنية والعسكرية التقليدية بما يتراوح من 200 إلى 250 ألف عنصر.
وأوضح أن هذا العدد «يتضمن عناصر تتبع فصائل مسلحة تم الاعتراف بها رسمياً ككيانات أمنية من قبل حكومات غرب ليبيا المتعاقبة خلال حرصها على استحداث قوى أمنية مساندة لها»، متابعاً: «هؤلاء يمثلون حالياً الدولة العميقة البديلة جراء تفوقهم عدديا وتسليحا، وتمتعهم بتنظيم شبه عسكري، بجانب ارتباطهم بشبكة واسعة من العلاقات والمصالح».
ويرى الباحث المصري أن سعي الأمم المتحدة لتطبيق استراتيجية نزع السلاح من التشكيلات وتسريحها وإعادة دمجها في المؤسسات الرسمية، التي طالما استخدمت برامج حفظ السلام التي تعقب الحروب الأهلية، «لن تؤدي لأي تقدم بعملية توحيد الجيش كما يأمل البعض».
وأرجع ذلك إلى وضعية الحالة الليبية و«تعثر عملية الانتقال السياسي في البلاد بشكل كبير»، فضلا عن وجود «تباين في هيكلية القوات المسلحة التابعة لحكومة (الوحدة الوطنية) في الغرب، و(الجيش الوطني) المتمركز بالشرق، والذي يعد الأقرب للنسق العسكري النظامي».
وحول تقييمه لقدرات التسليح لدى الجانبين، رأى عليبة أنها «محدودة ولا تقارن بما تمتلكه القوات الأجنبية المتواجدة داخل الأراضي الليبية»، سواء الأتراك أو عناصر (فاغنر) التابعة لروسيا، مشيراً إلى أن تركيز القوى الليبية لا يزال منصبا على امتلاك قدرات تسليحية خفيفة يستطيع عبرها كل طرف تحقيق الانتصار على الآخر بجولات الاشتباك المحدودة التي قد تنشب بينهما.





