3 أطفال أشقاء لا يتجاوز عمر أكبرهم 7 سنوات، كانوا يلعبون ويضحكون بصوت عالٍ داخل منزل أسرتهم في الخرطوم، نظرت إليهم أمهم بحنان وشاركتهم الحديث والضحكات، ثم ذهبت إلى المطبخ لتعد وجبتهم، ولم تكن تعلم أنها النظرة الأخيرة وأن فلذات كبدها على موعد مع الموت... بعد لحظات خرج الأطفال لمواصلة لعبهم بالشارع بالقرب من باب المنزل، فوجدوا جسماً غريباً استرعى انتباههم، وببراءة الأطفال أخذوه ليلعبوا به، وفجأة انفجر الجسم في وجوههم وحولهم إلى شظايا من لحم ودم، وفارقوا الحياة التي لم يكونوا منتبهين لشرورها.
تبلغ نسبة الأطفال في السودان 48 في المائة من عدد السكان البالغ نحو 40 مليوناً، وتتعرض هذه النسبة المرتفعة من السكان لأخطار كثيرة بسبب الحرب، ويفقدون حقهم في الحياة، فمنذ اندلاع القتال بين الجيش و«الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، حصدت أسلحة المتقاتلين أرواح مئات الأطفال. وتشير تقارير إعلامية إلى أن عدد الأطفال الذين سقطوا ضحايا لقتال المتحاربين، تجاوز 300 طفل، لكن ناشطين أكدوا أن العدد قليل مقارنة بالحرب التي دفع ثمنها المدنيون ودمرت البلاد، لكن لا توجد إحصاءات رسمية حول عدد الأطفال الضحايا، أو إحصاءات طرف ثالث موثوق.
ويوم السبت الماضي أصدر الجيش بياناً قال فيه إن قوات «الدعم السريع» قتلت 4 أطفال من أسرة واحدة وأصابت والدتهم إصابة بليغة، بقصف مدفعي على منطقة الرميلة بالقرب من سلاح المدرعات، حيث تدور معارك عنيفة بين قوات الجيش التي تدافع عن المقر الأكثر أهمية، وقوات «الدعم السريع» التي تهاجمه بإصرار.
وقال سكرتير نقابة أطباء السودان عطية عبد الله لـ«الشرق الأوسط» إن مئات الأطفال قتلوا بسبب إصابتهم بطلق ناري أو سقوط قذائف عليهم. وأضاف: «توقفت النقابة عن حصرهم بسبب صعوبة الحركة، فضلاً عن أن كثيراً من حالات الوفاة تحدث بالمنازل أو الشارع، ولا يجري إحصاؤها، إثر توقف أكثر من 100 مستشفى عن العمل وخروجها من الخدمة، فالمعارك التي حدثت في بعض مناطق شمال كردفان كان ثلثا القتلي فيها من الأطفال».

تجنيد الأطفال
وأظهرت مقاطع فيديو؛ جرى تداولها على نطاق واسع، أطفالاً يرتدون زي قوات «الدعم السريع»، يؤكدون أنهم احتلوا منازل مواطنين، وبعضهم يتباهي بالمال الذي حصل عليه في حرب الخرطوم. وقال الأمين العام لـ«المجلس القومي لرعاية الطفولة» عبد القادر عبد الله لـ«الشرق الأوسط» إن قوات «الدعم السريع» جندت 800 طفل في أجزاء واسعة من مدينة بحري خلال الأيام الأولى للحرب، مضيفاً: «هي تقوم بتجنيد أطفال بولاية شمال كردفان ليلاً»، وطالب «منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)» والمنظمات الأخرى المعنية بالطفولة بالتدخل السريع لإنقاذ أولئك الأطفال، وهو ما نقلته تقارير صادرة عن الجيش عن وجود أطفال يقاتلون في صفوف قوات «الدعم السريع».

اختلال النظام
ولأن الحرب سببت كثيراً من الفوضى الناتجة عن توقف أقسام الشرطة والنيابات في الخرطوم عن العمل، فلا توجد إحصاءات دقيقة حول العنف الذي تعرض له الأطفال بكل أنواعه؛ بما في ذلك «العنف الجنسي»، وهو ما أشارت إليه «وحدة العنف ضد المرأة» بتعرض «طفلات للاغتصاب أكثر من مرة في المناطق التي تشتد فيها المعارك»، ونسبت إلى بعض الناجيات أن «معظم المغتصبين كانوا يرتدون زي (الدعم السريع)، فيما شارك في العمليات آخرون بثياب مدنية»، وهي الاتهامات التي نفتها قوات «الدعم السريع» رسمياً و«تبرأت منها»، واتهمت عناصر من النظام السابق والإسلاميين، بارتداء زيها الرسمي، في محاولة منها لتشويه صورتها وإلصاق التهمة بها.
وقال قاضي محكمة الطفل بالخرطوم، محمد المرتضى، لـ«الشرق الأوسط»، إن من الصعب الحديث الآن عن الانتهاكات التي تعرض ويتعرض لها الأطفال، مضيفاً: «لكن بعد نهاية الحرب سنكتشف أن التقديرات التي تحملها تقارير بعض المنظمات المحلية والدولية أقل بكثير من حجم الانتهاكات. بعض الانتهاكات يقوم بها معتادو الإجرام الذين يمارسون إجرامهم ضد الأطفال بحرية كاملة في ظل غياب القانون».

مناطق سيطرة الجيش
ويطالب ناشطون ومواطنون في مناطق الاشتباكات بضرورة فتح ممرات آمنة لوصول المساعدات الإنسانية لملايين الأسر التي أصبحت عاجزة عن توفير الغذاء، ونتج عن ذلك ظهور أمراض سوء التغذية عند الأطفال والكبار معاً، وقالوا: «كذلك أصبح الأطفال محرومين من العلاج، بسبب إغلاق أو إخلاء المستشفيات الخاصة بالأطفال».
وأوضح الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة، عبد القادر عبد الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنه ناشد مجلسي السيادة والوزراء ووالى الخرطوم لتقديم مواد غذائية عاجلة إلى بعض مناطق أمدرمان التي تضم آلاف الأطفال الذين يعانون من الجوع، وقال إن أكثر من 27 ألف أسرة بمناطق السكن الشعبي يعانون من الجوع، موضحاً أن «الشباب المتطوعين يعدون وجبة من العدس لتوزع على الأسر، وهي مناطق تقع تحت سيطرة الجيش». وأضاف أن «معاناة الأطفال تبدو أكثر قتامة بسبب الحرب، فهم يعانون للحصول على الدواء والغذاء وحتى مياه الشرب النقية».






