ماذا تستهدف حكومة الدبيبة من فتح قنوات مع طهران؟

سياسيون اعتبروا زيارة المنقوش لإيران محاولة «لبناء تحالفات»

وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان خلال استقباله نظيرته الليبية نجلاء المنقوش في طهران (وزارة الخارجية الإيرانية)
وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان خلال استقباله نظيرته الليبية نجلاء المنقوش في طهران (وزارة الخارجية الإيرانية)
TT

ماذا تستهدف حكومة الدبيبة من فتح قنوات مع طهران؟

وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان خلال استقباله نظيرته الليبية نجلاء المنقوش في طهران (وزارة الخارجية الإيرانية)
وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان خلال استقباله نظيرته الليبية نجلاء المنقوش في طهران (وزارة الخارجية الإيرانية)

تصدّرت الزيارة الرسمية، التي قامت بها نجلاء المنقوش، وزيرة الخارجية بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، للعاصمة الإيرانية، طهران، اهتمامات وسائل الإعلام المحلية والإقليمية خلال الأسبوع الماضي، ويأتي ذلك لكونها أول زيارة دبلوماسية لوفد ليبي رفيع المستوى، بعد قرابة 17 عاماً.

زيارة المنقوش، التي جاءت بناء على دعوة من نظيرها الإيراني حسين أمير عبداللهيان، طرحت تساؤلات عدة حول الاستفادة التي قد تحققها حكومة الدبيبة من ورائها، في ظل وجود مَن يعتقد بأنها ربما استهدفت بحث ملف هانيبال القذافي، المعتقل في لبنان.

ورأت عضو مجلس النواب الليبي، ربيعة أبو راص، أن حكومة الدبيبة «تحاول بناء تحالفات مع أطراف وقوى عديدة بالمنطقة وخارجها»، وأنها «تسعى لتكون طرفاً فاعلاً في السياسات الإقليمية الجديدة؛ بهدف تعزيز وضعها السياسي بالداخل الليبي، وقدرتها على الاحتفاظ بالسلطة لمدة أطول».

وبينما لفتت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «وجود مكاسب محتملة» لحكومة الدبيبة من وراء هذه الزيارة، استبعدت ما يطرحه البعض من قيام تركيا بدور الوسيط لإتمام هذه الزيارة. وعدّت الزيارة مجرد «اجتهاد خاص بالمنقوش، ربما تم التمهيد له خلال جولتها الخليجية في شهر مايو (أيار) الماضي، التي شملت الكويت ومملكة البحرين وسلطة عمان والمملكة العربية السعودية».

وتوافَق الباحث المصري بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور محمد ناجي عباس، مع النظرية القائلة إن زيارة المنقوش، قد تمكّن حكومة الدبيبة بالفعل من «توسيع هامش علاقاتها الخارجية»، مستفيدة من تحسّن العلاقات بين طهران ودول المنطقة العربية، مع تركيزها على إمكانية لعب دور بشأن رغبة إيران في الانفتاح على دول شمال أفريقيا.

وأوضح عباس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «إدارة الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، حريصة على معالجة الاتهامات التي كانت توجه لسلفه حسن روحاني، بعدم الاهتمام بمنطقة شمال أفريقيا والمنطقة العربية، والتعويل على الغرب فقط».

واستبعد الباحث المصري، المتخصص بالشأن الإيراني، ما يطرحه البعض من إمكانية وجود شراكات وعلاقات اقتصادية، أو أي دور لإيران في حل الأزمة السياسية في ليبيا، وقال بهذا الخصوص: «مَن يمارس التأثير في الساحة السياسية الليبية هو مَن يملك وجوداً واضحاً بها، مثل واشنطن والقاهرة وأنقرة، وباقي دول الجوار الليبي، وبالتالي لا يمكن تصور أن تقفز طهران على كل هؤلاء».

وأضاف الباحث المصري، موضحاً: «نعم، الإعلام الإيراني أشار إلى إبداء عبداللهيان خلال محادثاته مع المنقوش رغبة بلاده في المشاركة في جهود إعادة الإعمار في ليبيا؛ لكن هذا الأمر- وإن لم يكن مستبعداً - فهو سابق لأوانه بدرجة كبيرة، في ظل استمرار تعقد المشهد السياسي الليبي، فضلاً عن العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران».

من جهته، يعتقد رئيس حزب «الائتلاف الجمهوري»، المحلل السياسي الليبي، عز الدين عقيل، أن دوافع زيارة المنقوش إلى طهران «تستهدف نقل اقتراحات أميركية للجانب الإيراني، ومناقشة قضية هانيبال القذافي، لما تملكه طهران من نفوذ قوي لدى بعض القوى اللبنانية، التي تصر على استمرار اعتقال الأخير لديها منذ عام 2015».

وقال عقيل إن الدبيبة «إذا تمكن فعلاً في إعادة هانيبال إلى ليبيا، فسيضمن بذلك أصوات أنصار النظام السابق، والمحسوبين عليه، في السباق الرئاسي متى حل موعد إجراء الانتخابات»، بالإضافة إلى «تعزيز موقفه في مواجهة خصومه السياسيين، (مجلسي النواب والأعلى للدولة)».

ويرى عقيل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «طهران ترغب في تصفير أزماتها، والانفتاح على الجميع بالمنطقة العربية، والزيارة حققت جزءاً من هذا الهدف، وبما تملكه من خبرة دبلوماسية فإنها لن تتردد في البناء على الزيارة، ومحاولة توطيد العلاقات بالمستقبل بين البلدين بشتى السبل».

وقلل رئيس حزب «الائتلاف الجمهوري» مما يطرحه البعض من وجود اعتراضات داخل ليبيا على الزيارة، جراء التخوف من انتشار «التشييع»، وقال بهذا الخصوص: «على العكس من ذلك، فربما يؤدي انفتاح العلاقة مع طهران إلى التزامها بالابتعاد عن أي محاولة بهذا الصدد، في ظل حرصها على استدامة العلاقات».

وانضم الكاتب الليبي عبدالله الكبير، للطرح السابق، بأن الزيارة قد تتعلق بقضية هانيبال القذافي، واحتمال استفادة الدبيبة من أي تقدم إيجابي بها في استقطاب أنصار النظام السابق.

وأرجع الكبير في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «كثرة علامات الاستفهام حول الزيارة لانقطاع العلاقات مدة طويلة بين البلدين، مقارنة بالعلاقة القوية بين البلدين في عهد القذافي». وقال إن «إيران دولة إقليمية كبرى، وقد يكون من المفيد بدء صفحة جديدة معها، وإعادة فتح الأبواب المغلقة بين طرابلس وطهران، أما التخوفات من التشييع فهي مبالغة من قبل البعض في ظل رسوخ المذهب المالكي السُّني بين الليبيين».


مقالات ذات صلة

بريطانيا توسع عقوباتها لكبح نووي إيران

شؤون إقليمية بريطانيا توسع عقوباتها لكبح نووي إيران

بريطانيا توسع عقوباتها لكبح نووي إيران

أصدرت بريطانيا، الثلاثاء، تشريعاً يفرض عقوبات أشد على إيران، ويوسع القيود التجارية والصلاحيات المتعلقة باستهداف السفن، ضمن إجراءات لكبح برنامج طهران النووي.

«الشرق الأوسط» ( لندن)
الاقتصاد سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

الحصار يخنق صادرات النفط الإيرانية وطهران تقترب من نفاد مخزونها العائم

تتقلص عائدات النفط الإيرانية بسرعة، في وقت تتراجع فيه كميات النفط الإيراني الموجودة بالفعل على متن الناقلات خارج نطاق الحصار، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي سيارات متوقفة أمام معهد لغات في طهران في 7 سبتمبر 2026... دعت بغداد طهران لتوفير الظروف الملائمة لأمن وسلامة طلبة ومواطني العراق في إيران (أ.ف.ب)

العراق يدعو إيران لضمان حماية وسلامة أمن طلّابه الدارسين في جامعاتها

دعت الخارجية العراقية، طهران، إلى توفير الظُرُوف المُلائِمة التي تكفل أمن وسلامة الطلبة والمُواطِنين العراقيّين في إيران، وضمان عدم تكرار الاعتداء عليهم.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية سائقون يصطفون أمام محطة وقود للتزود بالبنزين في طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

إيران تضاعف سعر البنزين الحر وسط ضغوط الحرب

أعلنت الحكومة الإيرانية، الأحد، مضاعفة سعر البنزين المبيع خارج الحصص المدعومة إلى 10 آلاف تومان للتر اعتباراً من فجر الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ) p-circle

طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

أنشأت وزارة الاقتصاد الإيرانية «مقراً للحرب الاقتصادية» لتسريع معالجة تداعيات الحرب والعقوبات والحصار الأميركي، مع تصاعد الضغوط على صادرات النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)

12 قتيلاً في هجوم بمسيّرة لـ«الدعم السريع» أمام محكمة بوسط السودان

الدخان يتصاعد فوق المباني بعد قصف جوي في الخرطوم بالسودان عام 2023 (رويترز)
الدخان يتصاعد فوق المباني بعد قصف جوي في الخرطوم بالسودان عام 2023 (رويترز)
TT

12 قتيلاً في هجوم بمسيّرة لـ«الدعم السريع» أمام محكمة بوسط السودان

الدخان يتصاعد فوق المباني بعد قصف جوي في الخرطوم بالسودان عام 2023 (رويترز)
الدخان يتصاعد فوق المباني بعد قصف جوي في الخرطوم بالسودان عام 2023 (رويترز)

قتل 12 شخصاً على الأقل في هجوم بطائرة مسيرة نُسب إلى «قوات الدعم السريع» أمام محكمة في مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان وسط السودان، بحسب ما أفاد مصدر طبي في مستشفى المدينة «وكالة الصحافة الفرنسية» اليوم الثلاثاء.

وقال المصدر طالباً عدم ذكر هويته «حتى الآن قُتل 12 شخصاً جراء سقوط المسيرة التي أطلقتها «قوات الدعم السريع» على منطقة المحكمة»، فيما أفاد شاهد قال إنه كان على مقربة بأن «المسيّرة ضربت خارج المحكمة وهي مزدحمة بالناس».

ويشهد السودان صراعاً على السلطة منذ شهر أبريل (نيسان) عام 2023 بين الجيش، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية.

وأدى الصراع إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، وفقاً للأمم المتحدة، حيث نزح أكثر من 11 مليون شخص داخل السودان أو فروا إلى الدول المجاورة.


المبعوث الأممي يبحث التهدئة مع المسؤولين السودانيين

لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو (مجلس السيادة)
لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو (مجلس السيادة)
TT

المبعوث الأممي يبحث التهدئة مع المسؤولين السودانيين

لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو (مجلس السيادة)
لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو (مجلس السيادة)

بحث رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، في العاصمة الخرطوم مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، جهود تعزيز الأمن والاستقرار، وإحلال السلام الشامل في البلاد.

وقال هافيستو: «نقلت إلى رئيس مجلس السيادة السوداني رسائل مهمة متعلقة بالتهدئة وحماية المدنيين». وأضاف: «نتطلع لمواصلة لقاءاتنا وصولاً إلى تبادل الأسرى والمحتجزين المدنيين، بالتعاون الوثيق مع اللجنة الدولية لـ(الصليب الأحمر)»، وفقاً لإعلام مجلس السيادة.

وأشار هافيستو إلى أن الحوار هو الطريق لتحقيق السلام المستدام، والوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار، مبدياً استعداده للتعاون والتحاور الوثيق مع جميع الجهات وأصحاب المصلحة السودانيين، بجانب العمل مع الشركاء في «الآلية الخماسية» لضمان أن تكون العملية السياسية شاملة ومتكاملة، وتستجيب لطموحات الشعب السوداني.

وشدد المبعوث الأممي على أهمية إجراء امتحانات موحدة في جميع أنحاء البلاد، موضحاً أن هذا الموضوع أصبح يشكل «قلقاً بالغاً» للمجتمع الدولي. وأوضح أن الأمم المتحدة تسعى للمحافظة على حقوق الأطفال الأساسية في الوصول إلى الامتحانات المعتمدة في جميع أنحاء السودان، بالعمل الوثيق مع منظمة «اليونيسيف». وذكر بيان مجلس السيادة أن هافيستو أشاد بجهود الإعمار في العاصمة الخرطوم.

بدوره، قال رئيس وزراء السودان، كامل إدريس، إنه ناقش مع المبعوث الأممي الوضع الحالي في السودان ودور الأمم المتحدة في دعم السلام والاستقرار، وأكد في تدوينة على منصة «إكس» رفضه القاطع لكل أشكال التدخل الأجنبي في البلاد، مشدداً على التزام السودان الثابت بالسيادة الوطنية.

وأضاف إدريس قائلاً: «نتطلع إلى مواصلة التعاون مع الأمم المتحدة في دعم السلام والاستقرار والتنمية من أجل مستقبل أفضل للشعب السوداني».

رفض توسيع الحظر

البرهان يلتقي وفد الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (مجلس السيادة)

وخلال زيارته، التقى هافيستو بوزير المالية، إبراهيم جبريل، الذي يتزعم حركة مسلحة باسم «العدل والمساواة»، واستمع منه إلى تطورات الأوضاع الإنسانية في ظل الانتهاكات المستمرة التي يتعرض لها المدنيون في أثناء الحرب، وأكَّد إبراهيم رفض الحكومة السودانية توسيع حظر السلاح المفروض على إقليم دارفور ليشمل كل أنحاء البلاد.

وقال في منشور على صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك» إن مثل هذا الإجراء يتعارض مع السيادة الوطنية، ويُقيد قدرة الجيش في أداء واجبه الدستوري لحماية البلاد. ودعا إبراهيم المجتمع الدولي إلى دعم سيادة السودان ووحدة أراضيه وشرعية مؤسساته الوطنية.

وتقدمت واشنطن بمقترح أمام الأمم المتحدة، مؤخراً، لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور ليشمل كامل البلاد، مشيرة إلى أن الصراع في السودان قد يتوسع إقليمياً. ومن المقرر أن ينتهي حظر توريد الأسلحة إلى دارفور، والمفروض منذ أكثر من عقدين، في 12 سبتمبر (أيلول) 2026 إذا لم يتم التوصل إلى قرار جديد بشأنه.

وخلال اللقاء، حض وزير المالية الأمم المتحدة على دعم مبادرة الحوار السوداني - السوداني، بما يفضي إلى عملية سياسية شاملة بملكية سودانية تضع حداً للحرب، وتؤسس لسلام مستدام.

وفي السياق نفسه، شدد إبراهيم على أهمية التحرك المتزامن على مسارين متكاملين، المسار الأمني استناداً إلى اتفاق «إعلان جدة»، ومسار سياسي عبر حوار سوداني شامل لا يستثني أحداً. لكن قوى سياسية ومدنية أعلنت عن رفضها الدعوة لحوار داخل البلاد، معتبرة أن الخطوة تُكرّس لتقسيم السودان بحكم الأمر الواقع.

وجدد وزير المالية التأكيد على التزام «حركة العدل والمساواة» بدمج قواتها في الجيش، مناشداً كل الفصائل المسلحة الأخرى أن تفعل الشيء نفسه بهدف بناء جيش قومي موحد.

وقف مساندة «الدعم السريع»

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)

من جهة ثانية، دعت النائبة العامة في السودان، انتصار أحمد عبد العال، إلى وقف الدعم الخارجي لـ«قوات الدعم السريع» والذي تسبب في استمرار الانتهاكات ضد المدنيين، وإطالة أمد الحرب.

وأكدت لدى مخاطبتها، يوم الاثنين، جلسة حوار بشأن أوضاع السودان في مجلس حقوق الإنسان في جنيف، رفض بلادها أي آليات خارجية تتجاوز الجهود الوطنية، وتتمسك بموقفها الثابت من القرار المنشئ للجنة تقصِّي الحقائق.

وشددت النائبة العامة على أهمية أن يطّلع مجلس حقوق الإنسان وآليات الأمم المتحدة في دعم اللجنة الوطنية، وإعمال مبدأ التكاملية داخل البلاد.

وتأتي تصريحات المسؤولة السودانية، بالتزامن مع تقديم بعثة تقصّي الحقائق الدولية المستقلة في السودان، إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقريرها عن الأوضاع في السودان، على وجه الخصوص في مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، غرب البلاد.

وكان «مجلس السلم والأمن» التابع للاتحاد الأفريقي قد جدد دعوته إلى هدنة إنسانية في السودان تمهد لوقف شامل لإطلاق النار، بهدف تهيئة الظروف المناسبة لحوار بقيادة سودانية خالصة.

وشدد الاتحاد الأفريقي على عدم وجود حل عسكري للنزاع، ولا بد من اللجوء إلى الحوار. وقال رئيس الوفد الذي زار السودان مؤخراً، محمد خالد، في تصريحات صحافية بعد اللقاء: إن لقاءه مع رئيس مجلس السيادة قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، تناول القضايا المتصلة بالسلام والأمن والاستقرار في السودان، وفقاً لإعلام مجلس السيادة السوداني.


«الوحدة» الليبية تحت ضغط «احتجاجات فئوية» متصاعدة

وقفة احتجاجية في وحدة الرعاية الصحية بمدينة سمنو جنوب ليبيا الأحد (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية في وحدة الرعاية الصحية بمدينة سمنو جنوب ليبيا الأحد (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
TT

«الوحدة» الليبية تحت ضغط «احتجاجات فئوية» متصاعدة

وقفة احتجاجية في وحدة الرعاية الصحية بمدينة سمنو جنوب ليبيا الأحد (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية في وحدة الرعاية الصحية بمدينة سمنو جنوب ليبيا الأحد (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

تواجه حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة ضغوطاً متزايدة على خلفية تحركات احتجاجية يقودها أطباء ومعلمون ومتقاعدون، للمطالبة بتحسين أوضاعهم المالية وتسوية مستحقات متأخرة، في وقت يتصاعد فيه الجدل بشأن عدالة توزيع الزيادات في المرتبات، خصوصاً بعد زيادات أُقرت للعسكريين في شرق البلاد وغربها.

وفي ظل صمت حكومي، رصد «المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان» في ليبيا اتساع الاحتجاجات الفئوية المطالبة بالعدالة في الأجور الحكومية، خصوصاً بقطاعي التعليم والصحة.

وحذر المجلس، وهو منظمة حقوقية في طرابلس، في بيان مساء الأحد، من أن «تأخر معالجة أزمة المرتبات قد يوسع نطاق الاعتصامات والمطالبات، ويمتد إلى قطاعات حكومية أخرى».

ويأتي هذا التحذير في وقت بدأت فيه المطالب تأخذ طابعاً أكثر تصعيداً؛ إذ دعا «اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا» إلى إضراب عام في المؤسسات الصحية، للمطالبة بتسوية الأجور والفروقات المالية المستحقة للأطباء منذ سنوات، إلى جانب توفير التأمين الصحي للعاملين في القطاع.

ويشدد مؤسس الحراك، الدكتور سليمان الصومادي، على «مشروعية المطالب»، ملوحاً بالتصعيد القانوني ضد وزارة الصحة. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن الإضراب يستثني الحالات الطارئة والمزمنة، ولا يخالف التشريعات الطبية، مشيراً إلى استجابة مؤسسات صحية في شرق ليبيا وغربها وجنوبها.

وتعكس مطالب الأطباء الضغوط المالية التي يواجهها العاملون بالقطاع الصحي. وأشارت طبيبة الأسنان آية كعبار، عبر «فيسبوك»، إلى أن مرتب الطبيب لا يتجاوز نحو 200 دولار، معتبرة أنه لا يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية في ظل غلاء المعيشة والتضخم.

وأبدى وزير الصحة الأسبق، رضا العوكلي، استغرابه من استمرار عمل آلاف الأطباء والعاملين في المهن الطبية والكوادر الصحية والفنية من دون الحصول على مرتباتهم لسنوات، في ظل ظروف مهنية ومعيشية صعبة، بينما تتجه الدولة في الوقت نفسه إلى بحث إمكانية استقدام أطباء وكوادر تمريض من الخارج.

وسبق أن نشر الحراك الاحتجاجي مستندات قال إنها تتعلق باستقدام أطباء وكوادر طبية سورية، برواتب تتجاوز 2500 دولار شهرياً، لكن وزارة الصحة نفت ذلك، مؤكدة عدم إبرام تعاقدات نهائية، وأن الأمر لا يزال قيد دراسة الاحتياجات والخيارات.

المعلمون

لا يقتصر الاحتقان على القطاع الصحي؛ إذ تتصاعد مطالب المعلمين بتحسين أوضاعهم المالية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. ولا يتجاوز مرتب المعلم نحو ألفي دينار ليبي شهرياً، وهو دخل يرى معلمون أنه لم يعد كافياً لتلبية احتياجات أسرهم. (الدولار يساوي 6.35 دينار في السوق الرسمية. و9.27 دينار في الموازية).

وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد القريو (الصفحة الرسمية لوزارة التعليم)

ويتمسك حراك احتجاجي يعرف بـ«حراك المعلمين في ليبيا» بـ3 شروط لإنهاء الاعتصام؛ تتمثل في: تأجيل بدء العام الدراسي إلى أكتوبر (تشرين الأول) مع صرف منحة الأبناء، وصرف الفروقات المالية المستحقة ولو على دفعات، وزيادة المرتبات بما يتناسب مع طبيعة العمل والجهود المبذولة.

وحذر أشرف بوراوي، رئيس نقابة معلمي طرابلس الكبرى، في تصريحات إعلامية، من اللجوء إلى العصيان والاعتصام مع بداية العام الدراسي، مطالباً بزيادة الرواتب بما يتناسب مع المعيشة، وصرف الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي للمعلمين، أسوة بالمتقاعدين.

المتقاعدون

امتد الاحتقان كذلك إلى شريحة المتقاعدين؛ إذ دعا المكتب الإعلامي للنقابة العامة للمتقاعدين في ليبيا إلى تنظيم وقفات احتجاجية، الثلاثاء، في ظل ما وصفه باستمرار تجاهل مطالبهم المتعلقة بتسوية المعاشات.

وتطالب النقابة بتفعيل قانون 2013 الذي يربط زيادة معاشات المتقاعدين بزيادات العاملين بالدولة، داعية الحكومة والجهات التشريعية والتنفيذية إلى تسوية مستحقاتهم، ومهددة بالتصعيد عبر تنظيم اعتصام مفتوح أمام مقرات الجهات التي تتجاهل مطالبها.

ملتقى للمتقاعدين في الزنتان غرب ليبيا الجمعة الماضي (بلدية الزنتان)

ووصفت النقابة أوضاع المتقاعدين بأنها تتسم بـ«التهميش والتجويع والموت البطيء»، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم تنفيذ القوانين والقرارات المتعلقة بتسوية معاشاتهم، مقارنة بزيادات حصلت عليها شرائح أخرى من العاملين في الدولة، بحسب بيان صدر عقب ملتقى في مدينة الزنتان أخيراً.

جدل الزيادات

امتد الجدل إلى الأجهزة الأمنية؛ إذ دعا عبد الحكيم الخيتوني، مدير إدارة إنفاذ القانون في غرب ليبيا، إلى «إنصاف رجال الشرطة والأمن»، مطالباً بزيادة مرتباتهم ومنحهم امتيازات مماثلة لتلك المقررة لمنتسبي وزارة الدفاع.

ويربط مراقبون تصاعد المطالب المهنية بحالة استياء مكتومة من الزيادات التي أُقرت لمنتسبي المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا وغربها، في وقت لم تشمل فيه الزيادات قطاعات أخرى، من بينها التعليم والصحة.

وكانت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» قد اعتمدت في يوليو (تموز) الماضي، مرتبات منتسبيها، في خطوة جاءت بعد قرار مماثل اتخذه مجلس النواب الليبي بشأن زيادة مرتبات منتسبي القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» المتمركز في شرق وجنوب البلاد.

ومن دون الإشارة إلى مرتبات العسكريين، رأى «المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان» أن معالجة أزمة الأجور لا ينبغي أن تقتصر على زيادة مرتبات فئة دون أخرى، مشدداً على أن العدالة الاجتماعية تتطلب منظومة وطنية موحدة ومنصفة تحفظ كرامة جميع العاملين وتكفل لهم أجراً عادلاً، بالتوازي مع ضمان استمرار الخدمات العامة الأساسية للمواطنين.

ويرى المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، أن زيادة مرتبات العسكريين تقف وراء جانب من السخط المكتوم، في ظل غياب زيادات مماثلة لقطاعات أخرى تواجه ضغوطاً تضخمية. ويقر في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الزيادات تحمل أبعاداً سياسية تتصل بتعزيز النفوذ أكثر من كونها معالجة لاختلالات الأجور، محذراً من تداعياتها التضخمية واتساع فجوة المرتبات.

ووسط هذا الجدل، كانت دعوة «المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان» كلاً من حكومة «الوحدة» والسلطة التشريعية، إلى احتواء الأزمة عبر حوار مباشر مع القطاعات المتضررة، ومراجعة منظومة الأجور على أسس عادلة وشفافة، مع إعطاء التعليم والصحة والخدمات الأساسية أولوية.