جزائريون يواجهون الطرد من منازلهم بسبب دعاوى ورثة فرنسيين

سكان متضررون: أخذنا أملاكاً من محتلٍ اغتصب أرضنا

TT

جزائريون يواجهون الطرد من منازلهم بسبب دعاوى ورثة فرنسيين

مبنى المحكمة العليا (الشرق الأوسط)
مبنى المحكمة العليا (الشرق الأوسط)

في يونيو (حزيران) من سنة 2016 أبلغت محكمة بوهران، كبرى مدن الغرب الجزائري، سكان عمارة بوسط المدينة بقرار إخلاء شققهم، بحجة أنها ملك لفرنسيين ولدا في الجزائر وغادراها في بداية الاستقلال. كما أطلق في العاصمة عدد من الفرنسيين إجراءات قضائية لاستعادة عمارة توجد في أكبر شوارع المدينة، يقيم بها منذ سنين أطر وزارة الخارجية الجزائرية.

ويطلق على أصحاب مسعى استعادة الأملاك العقارية، التي تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي بالجزائر (1830 - 1962)، «الأقدام السوداء»، وهم فرنسيون ولدوا بالجزائر، لكنهم غادروها بعد إعلان نتائج استفتاء تقرير المصير الذي نظم في الثالث من يوليو (تموز) 1962، وقد ترك الآلاف منهم مباني وأراضي زراعية وشركات، صادرتها الحكومة الجزائرية الناشئة، واستولى عليها لاحقاً كبار المسؤولين آنذاك، شارك كثير منهم في حرب التحرير ضد الاستعمار. وقد أعطت الحكومة وقتها مهلة لـ«الأقدام السوداء» لتثبيت وتأكيد ملكيتهم للعقارات والأراضي، لكن عدداً قليلاً منهم تقيد بالإجراءات، حيث كانت الأغلبية تتخوف من الظروف الأمنية الجديدة التي دخلت فيها البلاد، بعد حرب ضروس دامت 7 سنوات، وخلفت مئات الآلاف من القتلى. وقد نصت «اتفاقات إيفيان»، التي أفضت إلى الاستقلال، على أن كل فرنسي يمكنه أن يستعيد أملاكه في حال عاد بعد الاستقلال بفترة معينة، تحديداً حتى الفاتح من أكتوبر (تشرين الأول) 1963.

نزع أملاك «الحركى» بالقانون

وقع الرئيس الراحل أحمد بن بلة سنة 1963 مرسوماً ينص على تأميم المستثمرات الزراعية، التي يملكها «الأقدام السوداء». وقبل ذلك كان الرئيس قد أعلن عن وضع أملاك «الحركى»، وهم الجزائريون الذين تعاونوا مع الاستعمار ضد الثورة، تحت حماية الدولة، وذلك وفق مرسوم رئاسي، ما يعني مصادرتها. ولا يعرف إن كان القرار شمل «الحركى»، الذين بقوا في الجزائر، وإجمالي عددهم كان يتراوح وقتها ما بين 200 ألف و400 ألف، حسب مؤرخين جندتهم فرنسا في جيشها لمواجهة ثورة التحرير.

صورة أرشيفية لـ«الحركى» (الشرق الأوسط)

وبعد سنة 1963، أعلنت السلطات الجزائرية أن عقارات وأراضي وشركات الفرنسيين، «أملاك شاغرة» فباتت تحت تصرفها، وعلى هذا الأساس احتفظت بقطاع منها بعنوان «أملاك الدولة»، ومنحت قطاعاً آخر منها لوجهاء في النظام آنذاك. وفي زمن لاحق، سنت قانوناً يتيح لشاغلي «أملاك الدولة» تملّكها مقابل مبلغ تحدده مديريات أملاك الدولة التابعة لوزارة المالية.

لكن تحت إلحاح الحكومات الفرنسية المتعاقبة، التي طالبت بتمكين الفرنسيين، ممن بقوا أحياء، أو أبنائهم، من أملاكهم، أدخلت الجزائر تغييراً على تشريعاتها بهذا الخصوص في سياق الانفتاح الديمقراطي، الذي شهدته بعد انتفاضة الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) 1988. وبذلك ألغت «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني) عشرات القرارات الخاصة بوضع أملاك الفرنسيين تحت حماية الدولة، ما فتح المجال لعودتها إلى أصحابها. لكن على الأرض وجد عدة فرنسيين صعوبات في الدخول إلى أملاكهم من جديد.

«أملاك الأقدام السوداء» ملف سياسي

ظل «ملف أملاك الفرنسيين بالجزائر» موضع جدل بين البلدين منذ قرابة 60 سنة، وقد حمله معهم كل رؤساء فرنسا عندما زاروا الجزائر. لكن لم ينجح جاك شيراك (2003)، ولا نيكولا ساركوزي (2007)، ولا فرانسوا هولاند (2012) ولا حتى الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، في إيجاد تسوية للقضية مع الرئيسين عبد العزيز بوتفليقة وعبد المجيد تبون.

الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ (الرئاسة الجزائرية)

يقول محامٍ بالعاصمة، تحفظ على نشر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن أحفاد «أقدام سوداء» زاروه في مكتبه عام 2018 بغرض إطلاق إجراءات لاستعادة عمارة من 5 طوابق تقع بشارع بقلب العاصمة، مبرزاً أنهم يحوزون وثائق الملكية وعليها أسماء جدهم وشهادة وفاته لإثبات أحقيتهم في نقل الملكية إليهم. لكن عندما بدأ المساعي القضائية اصطدم بتعقيدات إدارية وقضائية، سببها حسبه أن شقق العمارة يقيم بها موظفون دبلوماسيون تابعون لوزارة الخارجية الجزائرية.

المحامية فاطمة الزهراء بن براهم (من حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

وتذكر فاطمة الزهراء بن براهم، وهي محامية وقانونية، بعض تفاصيل هذه القضية، قائلة: «هذا مشكل عويص لأن اتفاقيات (إيفيان) كانت فيها صراحة كبيرة، وهي اتفاق جزائري فرنسي، وتنص هذه الاتفاقيات على أن كل فرنسي يغادر الجزائر سنة 1962، ويود أن تبقى له أملاكه من العقارات والشقق، يجب أن يعود إليها قبل انتهاء فترة معينة، فيعود وتبقى له كل أملاكه، ولا يمكن لأي شخص أن ينتزع منه أملاكه، ويحرمه من استغلالها بطريقة عادية. لكن إذا غادر الجزائر، وطالت فترة غيابه ولم يرجع إليها، أو جاء بعد قانون تأميم العمارات والشقق الشاغرة، فلا حق له وانتهى الأمر لأنه تخلى عن أملاكه بمحض إرادته».

«أخذنا أملاكاً من محتل اغتصب أرضنا»

يقول المحامي والخبير العقاري أحمين نور الدين، لـ«الشرق الأوسط»: «من حين لآخر نشهد عودة الجدل حول هذه الأملاك، خصوصاً عندما تعرف علاقات البلدين (الجزائر وفرنسا) نوعاً من التقارب، الأمر الذي يعطي لهذه المسألة طابعاً سياسياً أكثر منه قانونياً. ولو كانت هناك إمكانية لاسترجاع أصحاب هذه الأملاك لها عن طريق القضاء لما ترددوا، إلا ربما في بعض الحالات الخاصة».

المحامي نور الدين أحمين (حسابه الشخصي بالإعلام الاجتماعي)

من جهته، يقول البرلماني كمال بن خلوف، إن المعمرين الأوربيين الذين يطالبون باسترجاع ممتلكاتهم، «يبنون القاعدة على باطل. فهم أصلاً احتلوا أرضنا واحتلوا ديارنا وأخذوا أرض الجزائريين، فكيف يمتلكون. هم خرجوا منها مطرودين».

وعلى أرض الواقع، لا تزال بعض العائلات القاطنة بعدد من المباني القديمة في الجزائر العاصمة تواجه تهديدات بالطرد من بيوتها، بعد أن أقام فرنسيون من ورثة مؤجري تلك العقارات دعوى قضائية يطالبون فيها بممتلكاتهم. ولذلك يشكو سكان تلك العقارات، وغالبيتهم مستأجرون لشقق منذ أكثر من 60 سنة، من التهديد الذي باتوا يعيشونه، والذي ازدادت حدته في الأعوام القليلة الماضية.

عمارة بأحد أهم شوارع العاصمة الجزائرية تعود إلى أيام الاستعمار (الشرق الأوسط)

ويعرض قاسي حديوش، ممثل سكان الأبنية المتضررين، مجموعة من الوثائق التي تؤكد أنه استأجر شقته من الفرنسيين عندما كانوا يحتلون بلاده، مشيراً إلى أنه يسدد الإيجار إلى الجهات الجزائرية الرسمية. ويقول بهذا الخصوص: «هناك أكثر من 12 عائلة مهددة بالطرد، على الرغم من وجود قانون من المفترض أن يحمينا. هناك قانون واضح صدر في سنة 1962 يمنع أي معاملة أو تحويل للملكية بين المستعمر والجزائري. كما أن الوثائق التي بحوزتنا صادرة من مديرية أملاك الدولة تؤكد أن هذه العمارة وغيرها لا يمكن إلا أن تكون ملك الدولة».

بدوره، يقول حميدة سعيود، وهو أحد المتضررين من مطالبة المعمرين الأوربيين بأملاكهم وورثة المؤجرين الجزائريين: «منذ الاستقلال سنة 1962 ونحن نشغل هذه الشقق مع عائلاتنا، والمستعمر صاحب هذه العمارة آنذاك غادر وهرب إلى فرنسا، تاركاً كل أملاكه. وبعد 60 سنة من الاستقلال يظهر أشخاص يدعون أنهم ورثة صاحب العمارة، ويطالبون بحقهم في تملك هذا العقار. ونحن منذ الاستقلال ندفع مستحقات الإيجار للسلطات، وبعد بحثنا في حقيقة الأمر والوثائق التي يملكها ورثة صاحب العقار، تبين لنا أنه في تلك الفترة تم منع أي نقل ملكية من المستعمر الفرنسي إلى غيره إذا تركها في الجزائر وغادر، بل تصبح ملكاً للدولة الجزائرية».



مصريون يجدون في شبكات النقل الجماعي الحديثة «بديلاً آمناً» بعد غلاء الوقود

القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
TT

مصريون يجدون في شبكات النقل الجماعي الحديثة «بديلاً آمناً» بعد غلاء الوقود

القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)

أجبر غلاء الوقود وارتفاع فاتورة تشغيل السيارات الخاصة شريحة واسعة من المصريين على تغيير نمطهم في التنقل، ليتصدر النقل الجماعي الحديث المشهد باعتباره خياراً يقلص النفقات، ويستفيد من البنية التحتية المتطورة التي دشنتها البلاد في السنوات الأخيرة.

من بين هؤلاء ليلى عبده، التي لم تعد تحمل همَّ الطريق الطويل الذي تقطعه ذهاباً وإياباً إلى العمل، أو تكلفة «تفويلة» البنزين التي كانت تلتهم جزءاً كبيراً من راتبها؛ فهي بدلاً من ذلك تدير محرك سيارتها لدقائق معدودة من مكان إقامتها في مدينة الشروق، بشرق القاهرة، إلى محطة القطار الكهربائي الخفيف (LRT) القريبة من مسكنها.

وبثقة، تترك سيارتها في ساحات الانتظار المجهزة التي وفرتها وزارة النقل مجاناً، وتتجه لركوب القطار الذي ينقلها إلى العاصمة الجديدة، حيث تعمل بوزارة التعليم العالي.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «تقليل تكلفة استهلاك البنزين، وركن السيارة دون رسوم، كانا الحافز الأكبر لاستخدام القطار. كما أن المشروع قلل الزحام، ووفَّر مجهود القيادة اليومية. باختصار هذا هو أفضل مشروع في السنوات الأخيرة».

تطوير منظومة النقل

ويعد القطار الكهربائي الخفيف إلى جانب الأوتوبيس الترددي (BRT) أهم وسائل النقل الجماعي الحديثة التي دشنتها الحكومة المصرية على مدار السنوات الماضية، إلى جانب التوسع في إنشاء مترو الأنفاق الذي يخدم ملايين الركاب يومياً في القاهرة الكبرى، ضمن خطط تطوير منظومة النقل في البلاد، بما يسهم كثيراً في تحسين التنقل، ودعم المدن الجديدة بمحاور ربط إضافية، وتعزيز الاستدامة البيئية، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وفق بيانات صادرة عن وزارة النقل.

عشرات السيارات في إحدى ساحات الانتظار بمحطات القطار الكهربائي الخفيف (وزارة النقل المصرية)

ورفعت الحكومة الشهر الماضي أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرة إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول.

وجاءت هذه الزيادة بعد 4 أشهر فقط من زيادة أخرى أقرّتها الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بنسبة 13 في المائة، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعاً إقليمية جديدة.

وفي إطار التوسع في شبكة النقل الجماعي، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، بجولة تفقدية للأعمال الإنشائية لمشروع محطة «الأهرامات» بمحافظة الجيزة، في إطار المرحلة الأولى من الخط الرابع لمترو الأنفاق، حيث استمع إلى الخطة الشاملة التي تنفذها وزارة النقل لإنشاء شبكة من وسائل النقل الجماعي الأخضر المستدام، ووجَّه بأهمية ربط المناطق ذات الكثافة السكانية العالية بهذه الشبكة.

جودة الخدمة «العامل الحاسم»

ويرى أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، حسن مهدي، أن توسع الدولة في شبكات النقل الجماعي حل عملي لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود، وتكاليف الصيانة، والترخيص، مضيفاً: «المواطن الذي كان يعتمد على سيارته الخاصة بات يجد في المترو والقطار الكهربائي، والأوتوبيس الترددي بديلاً آمناً، وأقل تكلفة، ويخفف عنه أعباء القيادة، والزحام، ويمنحه وسيلة أكثر استقراراً».

واستطرد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «جودة الخدمة هي العامل الحاسم في تغيير سلوك المصريين؛ فالمواطن لن يترك سيارته إذا كانت وسائل النقل العام سيئة، أو غير منضبطة. لكن مع تحسين مستوى الخدمة، وتطوير الشبكات، أصبح الاتجاه إلى النقل الجماعي خياراً طبيعياً لا إجبارياً، حيث إنه يعكس ثقة متزايدة في هذه الوسائل».

مترو الأنفاق يخدم ملايين الركاب يومياً في القاهرة الكبرى (وزارة النقل المصرية)

وبحسب تصريحات أدلى بها وزير النقل، كامل الوزير، خلال الشهر الجاري، فإن وسائل النقل الجماعي «توفر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية، مما يسهل الوصول إلى الخدمات، والمرافق الأساسية، ويعزز من التنمية الاقتصادية المحلية من خلال تسهيل حركة الأفراد، كما تُحسن هذه الوسائل من جودة الحياة، وتدعم النمو العمراني المستدام، بتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، والقضاء على ظاهرة النقل العشوائي من خلال توفير وسائل نقل آمنة، وتنظيم حركة المرور، والحد من التكدسات، ورفع مستوى السلامة على الطرق، وتحسين الصورة الحضارية للمدن».

«أثر تنموي»

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، أن توسع الدولة في شبكات النقل الجماعي وربط المدن الجديدة بها «ليس مجرد مشروع خدمي، بل استراتيجية اقتصادية واجتماعية متكاملة».

وأضاف، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب وسائل النقل الميسّرة كان أحد أسباب عزوف المواطنين عن الانتقال إلى المجتمعات العمرانية الجديدة، بينما ربط هذه المدن بوسائل حديثة، وبتكلفة منخفضة يسهّل تحريك الكثافة السكانية، ويعزز فرص الاستثمار التجاري، والصناعي.

وواصل حديثه: «وزارة النقل شجعت المواطنين على ترك سياراتهم في ساحات الانتظار، واستخدام القطار الكهربائي، والمترو، والمونوريل؛ فهذه الوسائل الحديثة تتميز بسرعة الاستخدام، وانخفاض التكلفة، وتساهم في تخفيف الضغط المروري، ما جعلها خياراً عملياً لشرائح واسعة من المصريين، بعيداً عن الاعتماد على السيارات الخاصة».

وهو يرى أن الأثر الاقتصادي الأبرز لهذا التحول «يتمثل في تقليل فاتورة استيراد السيارات، والوقود، وهو ما يوفر العملة الصعبة، ويخفف الضغط على الموازنة العامة، إلى جانب تسهيل وصول العمال والموظفين إلى مواقع الإنتاج، ويكون لذلك أثر تنموي إيجابي».


تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبِعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان، ولا سيما بالنسبة لصحة الضحايا النفسية.

ويشهد السودان، منذ أبريل (نيسان) 2023، حرباً ضارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أوقعت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت بنزوح نحو 11 مليون شخص، وسط تصاعد حادّ في أعمال العنف الجنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكشفت منظمة «أطباء بلا حدود»، في تقرير الشهر الماضي، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طلب ما لا يقل عن 3396 من الناجين من العنف الجنسي، جميعهم تقريباً من النساء والفتيات، الرعاية الصحية في المرافق التي تُدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، مندّدة بهذه الجرائم التي أصبحت «علامة مميّزة» للنزاع في السودان.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل، بالتأكيد، سوى «قمة جبل الجليد».

وقالت أفني أمين، مسؤولة وحدة العنف القائم على النوع الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، إن «الوصول إلى خدمات الدعم بعد التعرض للاغتصاب أمر صعب للغاية»، متحدثة، خلال فعالية نُظّمت، الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بجنيف حول الوضع الإنساني والصحي المُلحّ في السودان.

وأشارت أفني، بشكل خاص، إلى انعدام الأمان وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية العاملة، بالإضافة إلى «الوصمة الشديدة» التي تلاحق الضحايا، ونقص الطواقم الصحية المدرَّبة لرعايتهم.

وقالت: «مقابل كل امرأة تتكلم، هناك، على الأرجح، ثماني أو تسع نساء أخريات تعرضن للاغتصاب وسيعانين في صمت».

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

«لا أمان إطلاقاً»

وصفت نعمت أحمدي، من «مجموعة عمل نساء دارفور»، الظروف المروِّعة التي يعيشها الضحايا في بحثهم عن الرعاية بعد تعرضهم لجرائم اغتصاب جماعي عنيفة تتسبب، في غالب الأحيان، بمضاعفات طبية خطيرة.

وأعربت عن أسفها قائلة إنه حتى في أوقات السلم، لم يكن هناك في دارفور سوى عدد ضئيل من الأطباء يمكنهم التعامل مع مثل هذه الحالات، و«اليوم باتوا غير موجودين تماماً».

كما شددت على أن الذين يضطرون للانتقال إلى مراكز الرعاية لا يحظون بـ«أي أمان على الإطلاق»، مؤكدة أن الضحايا يترددون في طلب العلاج بالمستشفيات المتبقية؛ لأنها غالباً ما تكون تحت سيطرة الأطراف المتحاربة.

ووصفت نعمت أحمدي كيف اقتحم مقاتلون من قوات «الدعم السريع» مستشفى في دارفور وأقدموا على اغتصاب وقتل إحدى العاملات بمجال الصحة فيه.

وأشارت إلى أن هذا الوضع تفاقم مع انسحاب المنظمات الإنسانية الدولية في ظل الأوضاع الأمنية والاقتطاعات الحادة في التمويل الإنساني.

وأوضحت أن هذا الأمر يُرغم الهيئات الصغيرة التي تُديرها النساء، مثل منظمتها، على الكفاح من أجل إيجاد موارد، بينما «يموت الناس».

الانتحار خوفاً من الاغتصاب

وأكدت شوكو أراكاكي، مديرة قسم الاستجابة الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان، أنه من «الأساسيّ للغاية» أن يتلقى ضحايا العنف الجنسي الرعاية السريرية في غضون 72 ساعة.

وأضافت: «لكننا لا نملك خدمات ولا أدوية» في السودان، لافتة كذلك إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي في ظل ازدياد أعداد الضحايا الذين يعانون مشاكل حادة في الصحة العقلية.

وأقرّت أراكاكي بأن «معدلات الانتحار مرتفعة». ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، قالت أحمدي أيضاً إنها على علم بإقدام عدد كبير من النساء على الانتحار في ولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة الخرطوم؛ خوفاً من التعرض للاغتصاب.

وقالت أفني أمين إنه «يجب دمج دعم الصحة العقلية»، مشيرة إلى «العواقب الطويلة الأمد»، سواء بالنسبة للضحايا أم للذين يشهدون هذه الفظاعات.

وأضافت: «نحن نعلم من نزاعات أخرى أن التبِعات لا تقتصر على المدى الطويل، بل تنتقل من جيل إلى جيل» منوهة: «علينا أن نستعدّ لذلك».


حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».