مدن دارفور تحت القصف... والأمم المتحدة تتحدث عن «جرائم حرب»

اتساع رقعة الصراع في السودان مع دخول الحرب شهرها الثالث

 جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)
TT

مدن دارفور تحت القصف... والأمم المتحدة تتحدث عن «جرائم حرب»

 جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)

شهدت عدة مدن في ولايات دارفور غربي السودان، الأربعاء، احتدام المعارك، مع تمدد لنطاق الصراع الذي دخل شهره الثالث في البلاد، بينما تجاوز عدد الأشخاص الذين فروا من منازلهم بسبب العنف، مليوني شخص.

وعبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه البالغ من تزايد البعد الطائفي للعنف، وكذلك من التقارير الخاصة بالعنف الجنسي، فيما أشار موفده إلى السودان، فولكر بيرتس، إلى أن بعض أعمال العنف قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية».

وشهدت مدينة «الجنينة»، عاصمة ولاية غرب دارفور، أعنف المعارك، ما أدى إلى فرار السكان. وطالب خميس أبكر، والي ولاية غرب دارفور، المجتمع الدولي بالتدخل لوقف ما وصفه بأنه «إبادة جماعية».

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رويترز)

قتل عشوائي

وقال أبكر: «المواطنون يُقتلون بطريقة عشوائية جداً وبأعداد كبيرة». وأضاف أنه رغم أن قوات «الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة معها كانت في البداية تستهدف مناطق في «الجنينة»، يعيش فيها أفراد من قبيلة «المساليت» الأفريقية، فإن هذه الهجمات امتدت الآن إلى المدينة بأكملها. وتابع: «لم نشاهد خروج قوات الشعب المسلحة من ثكناتهم على الأقل للدفاع عن المواطنين».

كما شهدت مدينة «نيالا»، عاصمة ولاية جنوب دارفور، اشتباكات أيضاً. وقالت هيئة محامي دارفور، وهي جماعة محلية تراقب العنف، الأربعاء، إن قصفاً مدفعياً أصاب منازل مدنيين في «نيالا». وقال صلاح الأمين (39 عاماً)، لوكالة «رويترز» إن «الهجوم يمكن أن يبدأ مرة أخرى في أي لحظة، ونحن لا نشعر بالأمان». وأضافت الهيئة أن مدينة «زالنجي»، عاصمة ولاية وسط دارفور، هي حالياً تحت الحصار.

ويسود الهدوء نسبياً مدينة «الفاشر»، عاصمة ولاية شمال دارفور، لكن مدينة «كتم» التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع» تشهد موجة نزوح.

وقال متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن الأمين العام «قلق للغاية من تزايد البعد الطائفي للعنف، وكذلك من التقارير الخاصة بالعنف الجنسي».

الأمم المتحدة تحذر

وعبر رئيس بعثة الأمم المتحدة في السودان (يونيتاميس)، فولكر بيرتس، في بيان الأربعاء، عن قلق عميق لاستمرار تدهور الوضع الأمني في دارفور، وبشكل خاص في مدينة «الجنينة»، في أعقاب موجات العنف التي اتخذت أبعاداً عرقية.

وأضاف أن الأمم المتحدة تواصل جمع تفاصيل إضافية بشأن هذه التقارير، مشيراً إلى أن هناك نمطاً ناشئاً من الهجمات واسعة النطاق التي تستهدف المدنيين على أساس هوياتهم العرقية، التي يزعم أنها ارتكبت من قبل ميليشيات عربية وبعض الرجال المسلحين الذين يرتدون أزياء قوات «الدعم السريع».

فولكر بيرتس رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى السودان (رويترز)

وقال بيرتس إن هذه التقارير مقلقة للغاية، وإذا تم التحقق منها، فقد ترقى إلى مستوى «جرائم ضد الإنسانية».

وأدان بيان الأمم المتحدة جميع الهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية، مهما كان شكلها وأياً كان مرتكبوها المزعومون، داعياً قوات الأمن والجهات المسلحة غير الحكومية إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، واحترام الحق في الحياة والامتناع عن الهجمات ضد المدنيين.

وأشار البيان إلى أنه منذ اندلاع النزاع بين الجيش وقوات «الدعم السريع» استمرت الأوضاع الأمنية وحقوق الإنسان والوضع الإنساني في التدهور في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في مناطق الخرطوم الكبرى ودارفور وكردفان.

وذكر البيان أن الأمم المتحدة غير قادرة في هذه المرحلة على التحقق من جميع الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان، وأن المعلومات الواردة من كيانات المجتمع المدني وشبكات المدافعين عن حقوق الإنسان ترسم صورة واضحة لنطاق التأثير المدمر على السكان.

وأكد فولكر بيرتس أن البعثة الأممية ستواصل جهودها للانخراط مع جميع الأطراف من أجل التوصل إلى حل سلمي للنزاع، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

وتشهد منطقة دارفور في السودان صراعاً متقطعاً منذ بداية القرن الحالي، وهو الصراع الذي أدى إلى نزوح الملايين ومقتل 300 ألف شخص في هجمات شنتها ميليشيات «الجنجويد» العربية. وولدت قوات «الدعم السريع» من رحم هذه الميليشيات، وأصبحت قوة حكومية قانونية في عام 2017.

ووجّهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات إلى الرئيس المعزول عمر البشير وعدد من مساعديه، بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور. وتسبب الصراع بين الجيش وقوات «الدعم السريع» بأزمة إنسانية في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، مثل «الأبيض» و«نيالا» و«الفاشر» و«الجنينة». وتشير تقديرات إلى أن أكثر من 1100 شخص قتلوا في هذه المدن جراء القتال.

ووفقاً لـ«نقابة أطباء السودان»، ارتفع عدد القتلى من المدنيين إلى 958، وأصيب 4746 شخصاً في جميع أنحاء البلاد. وقالت النقابة (غير حكومية) في بيان الأربعاء، إن هذه الإحصائيات لا تشمل الكثير من حالات القتل والإصابات التي تعثر وصولها إلى المستشفيات لصعوبة التنقل والوضع الأمني في جميع أنحاء البلاد.

«وضع كارثي» في غرب دارفور

وذكرت النقابة أن الوضع في مدينة «الجنينة» في ولاية غرب دارفور، كارثي، وهو الأسوأ على الإطلاق، إذ سقط عدد كبير من الضحايا من بينهم أطفال ونساء وكبار في السن جراء الاقتتال.

وأضافت: «تعذر حصر جميع الضحايا لخروج جميع المستشفيات في المدينة عن الخدمة، وانقطاع الاتصالات، وحصارها بالميليشيات المسلحة».

وقالت مصادر محلية إن طيران الجيش السوداني نفذ غارات جوية ضد مواقع لقوات «الدعم السريع» في أطراف مدينة «الأبيض»، عاصمة ولاية شمال كردفان، فيما شهدت مناطق في العاصمة الخرطوم اشتباكات متفرقة بين الطرفين.

وترددت أنباء عن أن ميليشيات مسلحة مدعومة من قوات «الدعم السريع» تقف خلف أعمال القتل والنهب والتدمير التي طالت المدينة، والتي بدورها، اتهمت الجيش بالوقوف وراء تأزيم الوضع في دارفور والدفع إلى مواجهات ذات طابع قبلي.

اتهامات لـ«فلول النظام البائد»

ودعت قوات «الدعم السريع» في بيان إلى تشكيل لجنة عاجلة من الأطراف القبلية المتقاتلة والإدارة الأهلية، للتواصل والتنسيق معها ومع قوات الجيش لتهدئة الأوضاع، وإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين، مطالبة بتكوين لجنة تقصي حقائق لكشف المتورطين في الأزمة.

وأكد البيان وقوف قوات «الدعم السريع» على الحياد في الأزمة في غرب دارفور، ووفقاً لذلك أصدرت توجيهات صارمة لعناصرها بعدم التدخل والبقاء في مناطق سيطرتها.

وقال البيان: «لا نستبعد قيام أذرع النظام البائد بتوزيع أزياء الدعم السريع على عناصرهم التخريبية لكسر مخازن الأسلحة وتوزيع السلاح لأحد طرفي الصراع من أجل تأجيج المعارك».

وأشارت قوات «الدعم السريع» في بيانها إلى أن وفدها المفاوض في المحادثات الجارية في مدينة جدة السعودية تقدم بطلب للحصول على موافقة الجيش على فتح مطار «الجنينة» لتسيير جسر جوي لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى مدن دارفور كافة، بالتنسيق مع المجتمعات المحلية.

وقال سكان في مدينة «الأبيض»، التي تقع بين الخرطوم ودارفور، إن الجيش بدأ في شن ضربات جوية وقصف مدفعي على مواقع تابعة لقوات «الدعم السريع». وتسيطر قوات «الدعم السريع» على الطرق المتفرعة من المدينة، واتفقت مع زعماء القبائل المحلية على تأمين المنطقة من العصابات المسلحة.

الدخان يتصاعد في الخرطوم بعد قصف جوي خلال اشتباكات بين طرفي النزاع (رويترز)

وداخل الخرطوم، تحدث سكان عن وقوع ضربات جوية ومدفعية في الأحياء الجنوبية والشرقية من المدينة، اليوم الأربعاء.

استمرار الهجرة

وقالت الأمم المتحدة في وقت متأخر، الثلاثاء، إن نحو 1.7 مليون شخص نزحوا داخلياً، بينما غادر البلاد أكثر من 500 ألف شخص.

وتخضع مدينة بورتسودان لسيطرة الجيش. وتطل المدينة على البحر الأحمر، ويسودها الهدوء، وهي إحدى الوجهات التي يقصدها الفارون من منازلهم. وبدأت اختبارات المدارس الإعدادية في مدينة بورتسودان الأربعاء، وشرع الحجاج في المغادرة إلى مكة لأداء فريضة الحج.

طلاب من الذين فروا من القتال يؤدون امتحاناتهم في مدرسة بمدينة بورتسودان الاثنين (رويترز)

وقال أحمد طه، أحد سكان الخرطوم، لوكالة الصحافة الفرنسية، الأربعاء: «أصبحنا بلا طعام ولا شراب ولا دواء... الرصاص والقذائف في كل مكان». وأضاف: «أي منطقة في السودان الآن أصبحت منكوبة». وقال مواطن في الخرطوم، لوكالة الصحافة الفرنسية، الأربعاء: «لا نعرف ما هي نهاية هذه الحرب... فقط ندعو الله أن يرفع البلاء».

وقالت السودانية سهى عبد الرحمن، التي تقيم في العاصمة: «نحن نعاني. نعاني من ويلات الحرب، ولا يعلم بحالنا إلا الله».

يُشار إلى أن الاتصالات صعبة مع السودان بشكل عام، والمعلومات عما يجري على الأرض غير متوافرة بدقة من مصادر مستقلة، لا سيما في دارفور في غرب البلاد. ويعاني السودانيون من أزمات متعددة من نقص في الوقود والمواد الغذائية والسيولة.

المسيرات على الخط

وفي الخرطوم، قال مسؤول عسكري، طلب عدم الكشف عن اسمه، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن قوات «الدعم السريع» استخدمت في هجومها الثلاثاء على سلاح المدرعات «طائرات من دون طيار، ما يثير شكوكاً حول من أين حصلوا عليها؟».

في المقابل، قال مصدر من قوات «الدعم السريع» لوكالة الصحافة الفرنسية: «حصلنا عليها من مراكز الجيش التي سيطرنا عليها».

ويرى خبير عسكري أن هذا التطور «سيكون له أثر على سير الحرب»، متوقعاً أن تكون قوات «الدعم السريع» قد «حصلت عليها من مصنع اليرموك للصناعات العسكرية» في جنوب الخرطوم.



تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.