الموت على الأرض أو في الشوارع: الولادة وسط الحرب في السودان

طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
TT

الموت على الأرض أو في الشوارع: الولادة وسط الحرب في السودان

طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)

أجبرت الحرب في هذا البلد، الواقع في شمال شرق أفريقيا، النساء الحوامل على التحرك «عبر الجحيم» للوصول إلى عدد متضائل من المستشفيات والعيادات، أو اللجوء إلى القابلات المُنهكات من كثرة العمل، لإنجاب أطفالهن في المنزل.

بعد أيام من اندلاع القتال في السودان، تلقت آمنة أحمد نداء استغاثة عاجلاً من امرأة حامل أخبرتها أنها على وشك الموت. قالت السيدة آمنة أحمد، القابلة البالغة من العمر 42 عاماً، إنها ركضت خلال إطلاق النار الذي اجتاح حيها في أم درمان، شمال العاصمة الخرطوم، للوصول إلى منزل المرأة. وعند وصولها في منتصف الليل، أدركت بسرعة أن الطفل كان عالقاً في قناة الولادة الخاصة بالأم. لكن، لم تكن هناك سيارات إسعاف أو سيارات أجرة لنقلها إلى المستشفى.

وقالت القابلة في مقابلة هاتفية: «كنا نختار ما بين الموت على الأرض أو الموت في الشوارع»، مشيرة إلى اختلاط أصوات القصف مع أنين المرأة: «قالت لي السيدة إن الألم قد أجبر روحها على مغادرة جسدها».

بعد ساعات عدة، ساعدت السيدة آمنة أحمد المرأة على ركوب دراجة نارية، وهرعت بها إلى عيادة قريبة، حيث تمكنت من وضع ابنتها.

مستشفى الندى في أم درمان (نيويورك تايمز)

النساء الحوامل ضحايا الحرب

لقد أجبرت الحرب، التي اندلعت في السودان النساء الحوامل، في جميع أنحاء البلاد، على تفادي القصف المدفعي والسير عبر نقاط التفتيش للوصول إلى العدد المتناقص من المستشفيات وأقسام الولادة التي لا تزال مفتوحة. وتقدر الأمم المتحدة أن عشرات الآلاف غيرهن قد نزحن، أو حوصرن في منازلهن، أو أن أطفالهن قد ولدوا على أيدي القابلات، أو أفراد من أسرهن، أو لا أحد على الإطلاق.

يدخل الصراع شهره الثاني، بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» شبه العسكرية بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو. وقد وافق الجانبان، يوم السبت، على وقف لإطلاق النار لمدة 7 أيام، بدأ سريانه مساء الاثنين، برغم سماع أصوات إطلاق نار وانفجارات متفرقة في أجزاء من العاصمة والمدن المجاورة لها يوم الثلاثاء.

ويقول الأطباء وعمال الإغاثة إن الوضع في السودان، أحد أكبر البلدان الأفريقية، يتجه نحو كارثة إنسانية. وكان السودان قد سجل بالفعل واحداً من أعلى معدلات وفيات الأمهات في العالم قبل اندلاع القتال.

ويُعتقد أن هناك أكثر من 1.1 مليون امرأة سودانية حامل. ومن بين أولئك الذين هن في أمسّ الحاجة إلى المساعدة الإنسانية، 29 ألف امرأة من المتوقع أن يلدن في الشهر المقبل، وفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان. ويُعتقد أن ما لا يقل عن 4300 امرأة مُعرضة لخطر الوفاة ويحتجن إلى رعاية التوليد الطارئة.

مهام انتحارية لإنقاذ الحوامل

وقال الدكتور محمد فتح الرحمن (33 عاماً)، وهو طبيب أطفال ومدير عام «مستشفى الندى» في أم درمان، ويُشرف على قسم الولادة: «إن الآباء كانوا يقودون سياراتهم عبر الجحيم للوصول إلينا، وكأنهم في مهام انتحارية». و«مستشفى الندى» من بين المرافق القليلة المتبقية في الخرطوم الكبرى التي لا يزال يولد فيها الأطفال، والقاعات فيها مكتظة بالنساء الحوامل.

وقال فتح الرحمن في مقابلة عبر الهاتف: «تأتي السيارات إلى المستشفى عندنا مغطاة بثقوب الرصاص. هؤلاء النسوة قلقات للغاية، ويتعرضن لضغوط شديدة، والعديد منهن في مرحلة متقدمة من المخاض».

وقال إنه أخرج لتوه من المستشفى امرأة وصلت بحالة ولادة معكوسة، بعد أن أمضت ساعات في نقطة تفتيش تسيطر عليها القوات شبه العسكرية، التي كانت تستجوب زوجها. وأضاف الدكتور فتح الرحمن: «بكل أسف، لم تصل إلينا في الوقت المناسب، ولم تُكتب للطفل النجاة».

ممرضة أطفال تقوم بمعالجة مولود جديد في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)

ارتفاع عدد المواليد

وأضاف أن عدد الأطفال الذين ولدوا قبل الأوان في المستشفى قد ارتفع بنسبة الثلث تقريباً منذ بدء القتال في 15 أبريل (نيسان) الماضي. وبوجود طاقم ضئيل، قدّر أن قسم الولادة قد ولّد أكثر من 600 مولود جديد خلال الشهر الماضي، أي 20 ضعف العدد المعتاد. وفي الأسابيع القليلة الأولى من الصراع، كانوا يجرون ما يصل إلى 50 عملية قيصرية في اليوم، وغالباً مع طفلين حديثي الولادة يتشاركان الحاضنة نفسها.

وقال فتح الرحمن إنه تمكن من الحفاظ على سير عمل المستشفى عبر التمويل الدولي من جمعية الأطباء الأميركيين السودانيين. وقد موّلت الجمعية كل عملية قيصرية منذ بدء النزاع، وسمحت للدكتور فتح الرحمن بأن يقدم لموظفيه المتبقين أجوراً أعلى لمنعهم من الفرار.

وأيد روايته عمال إغاثة من منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة «كير»، و«الهيئة الطبية الدولية»، ومنظمة «أطباء بلا حدود»، و«منظمة إنقاذ الطفولة»، الذين قالوا لصحيفة «نيويورك تايمز» إن الأزمة التي تؤثر على النساء الحوامل تمثل رمزاً لانهيار نظام الصحة العامة في جميع أنحاء السودان منذ بدء القتال.

وقال أديف جوزيف إيجي سيريكي، المستشار العالمي للصحة الجنسية والصحة الإنجابية في «الهيئة الطبية الدولية»، التي تعمل على تدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية في جميع أنحاء السودان: «هذا الأمر سوف يزداد سوءاً».

ويترتب على الوضع الصحي المتردي للأمهات عواقب أيضاً على الأطفال المولودين قبل الأوان. وقال سيريكي: «الأطفال المبتسرون أكثر عرضة للإصابة بعيوب تستمر طوال الحياة، بما في ذلك الإعاقات الذهنية، والشلل الدماغي، وضعف السمع والبصر».

وحتى قبل اندلاع النزاع الحالي، كان السودان يعاني من نظام صحي هش يفتقر إلى البنية التحتية والمعدات الكافية، ونقص في المهنيين الصحيين المهرة، وسلسلة إمداد محدودة. ووفقاً للأمم المتحدة، بلغ معدل وفيات الأمهات في السودان نحو 270 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، مقارنة بـ21 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية في الولايات المتحدة.

60 في المائة من المستشفيات أغلقت

وفي ولاية الخرطوم، التي يسكنها نحو 10 ملايين شخص، أغلقت نحو 60 بالمائة من مرافق الرعاية الصحية أبوابها الآن، مع 20 في المائة فقط من المرافق العاملة بالكامل، وفقاً للأمم المتحدة. وفي «الجنينة»، عاصمة إقليم غرب دارفور، أغلقت كافة المرافق الصحية أبوابها.

وتحولت المستشفيات نفسها إلى مسارح للقتال العنيف. وطردت الجماعات المسلحة 8 مرضى كانوا يتلقون الرعاية في مركز صحي في الخرطوم من أجل استخدامها قاعدة، حسبما ذكرت «منظمة إنقاذ الطفولة» غير الربحية. وتعرض العديد من الأطباء والممرضين الذين بقوا في البلاد للتهديد والاعتقال.

كما تفشت أعمال السلب والنهب، ونُهبت العديد من المستشفيات والصيدليات والمخازن. وقالت نقابة الأطباء السودانية إن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة، مثل السرطان أو أمراض القلب أو السكري، لم يتمكنوا من الحصول على الأدوية لأسابيع، في حين أغلقت عشرات مراكز غسيل الكلى أبوابها.

لكنَّ مجالات قليلة من النظام الصحي في السودان تأثرت بنفس الحدة التي تأثرت بها شبكات رعاية الأمومة. فبمجرد بدء القتال، بدأت القابلات في جميع أنحاء البلاد بتلقي نداءات للمساعدة من الأمهات الحوامل.

وقالت رانيا حسن، رئيسة فريق الصحة الإنجابية في منظمة الأمم المتحدة في السودان، التي تساعد في دعم شبكة من 400 قابلة مجتمعية على الأقل في البلاد: «صارت هؤلاء النساء شريان الحياة الحيوي بصورة متزايدة لأولئك النساء العالقات في المنازل». وأضافت أن عملهن «يكتسب أهمية خاصة في المنطقة داخل الخرطوم وحولها، حيث كان القتال أكثر ضراوة، وحيث تفضل العديد من النساء الولادة في مرافق الرعاية الصحية».

وتنتشر القابلات في مختلف المدن والقرى، ويدخلن إلى منازل النساء لتوليد الأطفال حديثي الولادة، وغالباً ما يستجبن لطلبات مجموعات الدردشة في الأحياء أو الخطوط الساخنة للطوارئ.

وتساعد السيدة آمنة أحمد، التي كانت تركب مع المرأة الحامل على الدراجة النارية، في تنسيق فريق من 20 قابلة في أم درمان. وقد ساعدن سوياً في توليد نحو 200 طفل منذ اندلاع القتال.

وأشارت إلى أن القابلات لا يتحدين العنف فحسب، بل غالباً ما يُجبرن على العمل من دون الوصول إلى الهواتف أو الإنترنت، وهي الخدمات التي تدهورت كثيراً بسبب الاشتباكات.

وقالت السيدة آمنة أحمد إنها ولّدت 8 أطفال خلال الصراع، لكن الفوضى جعلت من الصعب الوصول إلى النساء والحصول على الإمدادات الطبية.

وردّد روايتها نساء أخريات، مثل أحلام عبد الله حميد، القابلة البالغة من العمر 27 عاماً، التي ولّدت 6 أطفال في مدينة بحري، شمال الخرطوم.

وقالت حميد في مقابلة هاتفية: «الوضع عسير للغاية»، مضيفة أنها انتقلت للمساعدة بعد أن تابعت سلسلة من الطلبات من النساء الحوامل على قناة «واتساب» في الحي الذي تقيم فيه.

وفي حين أن جميع ولاداتها كانت ناجحة، قالت إنها بدأت تشعر بالقلق إزاء التحرك وسط قتال الشوارع الذي يزداد سوءاً ويصعب التنبؤ به ليلاً، وهو الوقت الذي تستجيب فيه عادة للمكالمات.

لكنها لا تزال مستعدة للمخاطرة، بحسب قولها، مُضيفة أنها تشعر بإحساس قوي بالمسؤولية للمساعدة في كل مرة تسمع فيها نداء من امرأة في حالة حرجة.

وقالت أخيراً إن «دعوات النساء لي بالخير تجعلني أشعر بالحزن»، متسائلة: «كيف يمكنني المغادرة وهن يطلبن المساعدة باستمرار؟».

خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

أعلن الجيش السوداني أنه كثّف ضرباته في عدد من محاور القتال ضد «قوات الدعم السريع»، مؤكداً إلحاق خسائر بالأفراد والعتاد.

أحمد يونس (كمبالا)

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
TT

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

اختتم أعضاء مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» في ليبيا جولة ثالثة من الاجتماعات المباشرة في العاصمة طرابلس، بالمطالبة بمراجعة «جوهرية» لمشروع قانون العدالة الانتقالية الحالي، وضمان إبعاد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان عن المشهد السياسي.

وأدرجت بعثة الأمم المتحدة، في بيان، مساء السبت، المناقشات التي انتهت الخميس الماضي، في إطار «الحوار المهيكل» برعاية الأمم المتحدة، لوضع «خريطة طريق» لـ«المساءلة عن تجاوزات الماضي وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة كركيزة أساسية للوصول إلى انتخابات وطنية سلمية».

وشدّد المشاركون في توصياتهم الختامية على أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية» لتلافي «إخفاقات الماضي» التي غذّتها الانقسامات السياسية والمعاملة غير المتساوية للضحايا.

«الحقيقة والعدالة»

واعتبرت هانا تيتيه، رئيسة البعثة الأممية، أن أي تحول ذي مصداقية في ليبيا «يجب أن يتجذر في الحقيقة والعدالة والكرامة للضحايا وعائلاتهم»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن استدامة المصالحة الوطنية دون مقاربة قائمة على الحقوق بقيادة وملكية ليبية».

وشملت التوصيات الرئيسية الصادرة عن الاجتماع ضمان استقلال هيئة تقصي الحقائق والمصالحة المزمع إنشاؤها، واعتماد إطار شفاف لجبر الضرر ومنح الأولوية لعودة النازحين، بالإضافة إلى إنهاء ممارسات الاحتجاز التعسفي وحماية الفضاء المدني والصحافيين، وتعزيز تمثيل المرأة والمكونات الثقافية في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، استعرض المشاركون نتائج استطلاع للرأي العام المحلي شمل نحو 6 آلاف ليبي، عكس حالة من عدم الرضا الشعبي والمخاوف الأمنية؛ حيث أيّد 82 في المائة من المستطلعين استبعاد الشخصيات المتورطة في الانتهاكات والمتسببة في الانقسام من مناصب السلطة.

كما أظهر الاستطلاع أن 67 في المائة من المشاركين لا يزالون يخشون الاعتقال أو الانتقام، ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير في البلاد التي تعاني عدم استقرار مزمناً منذ سنوات.

وأكّد سفراء وممثلون عن «مجموعة عمل القانون الدولي الإنساني» المنبثقة عن «عملية برلين»، الذين انضموا إلى اليوم الختامي لمناقشات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان»، على ضرورة استقلال القضاء الليبي كضمانة وحيدة لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.

الدبيبة يتوسط ليبيات خلال فعاليات إحياء «اليوم الوطني للمرأة الليبية» 26 أبريل (مكتب الدبيبة)

اليوم الوطني للمرأة

على صعيد آخر، حضر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الأحد، في العاصمة طرابلس، فعاليات الاحتفاء بـ«اليوم الوطني للمرأة الليبية»، المخصص هذا العام للمرأة العاملة بالقطاع الحكومي.

وأكّد الدبيبة خلال كلمته «استمرار دعم الحكومة لبرامج تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار، بما يضمن حضوراً أكثر فاعلية داخل مؤسسات الدولة».

وأشاد بالدور الذي تضطلع به المرأة العاملة في مختلف القطاعات، معتبراً أنها ركيزة أساسية في استقرار المؤسسات واستمرار أدائها، مؤكداً «أن ما حققته من إنجازات يعكس قدرتها على تحمل المسؤولية والمساهمة في دفع عجلة التنمية».

وقالت المبعوثة الأممية، التي التقت مع بعض الليبيات بهذه المناسبة، إنه «رغم التحديات والعقبات، تواصل النساء في ليبيا التقدم للمساهمة في بناء وطنٍ يسوده السلام والازدهار للجميع»، مؤكدة أن النساء «عنصر أساسي في تعزيز وحدة المجتمع الليبي واستقراره وجعله أكثر عدلاً».


وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».