الموت على الأرض أو في الشوارع: الولادة وسط الحرب في السودان

طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
TT

الموت على الأرض أو في الشوارع: الولادة وسط الحرب في السودان

طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)

أجبرت الحرب في هذا البلد، الواقع في شمال شرق أفريقيا، النساء الحوامل على التحرك «عبر الجحيم» للوصول إلى عدد متضائل من المستشفيات والعيادات، أو اللجوء إلى القابلات المُنهكات من كثرة العمل، لإنجاب أطفالهن في المنزل.

بعد أيام من اندلاع القتال في السودان، تلقت آمنة أحمد نداء استغاثة عاجلاً من امرأة حامل أخبرتها أنها على وشك الموت. قالت السيدة آمنة أحمد، القابلة البالغة من العمر 42 عاماً، إنها ركضت خلال إطلاق النار الذي اجتاح حيها في أم درمان، شمال العاصمة الخرطوم، للوصول إلى منزل المرأة. وعند وصولها في منتصف الليل، أدركت بسرعة أن الطفل كان عالقاً في قناة الولادة الخاصة بالأم. لكن، لم تكن هناك سيارات إسعاف أو سيارات أجرة لنقلها إلى المستشفى.

وقالت القابلة في مقابلة هاتفية: «كنا نختار ما بين الموت على الأرض أو الموت في الشوارع»، مشيرة إلى اختلاط أصوات القصف مع أنين المرأة: «قالت لي السيدة إن الألم قد أجبر روحها على مغادرة جسدها».

بعد ساعات عدة، ساعدت السيدة آمنة أحمد المرأة على ركوب دراجة نارية، وهرعت بها إلى عيادة قريبة، حيث تمكنت من وضع ابنتها.

مستشفى الندى في أم درمان (نيويورك تايمز)

النساء الحوامل ضحايا الحرب

لقد أجبرت الحرب، التي اندلعت في السودان النساء الحوامل، في جميع أنحاء البلاد، على تفادي القصف المدفعي والسير عبر نقاط التفتيش للوصول إلى العدد المتناقص من المستشفيات وأقسام الولادة التي لا تزال مفتوحة. وتقدر الأمم المتحدة أن عشرات الآلاف غيرهن قد نزحن، أو حوصرن في منازلهن، أو أن أطفالهن قد ولدوا على أيدي القابلات، أو أفراد من أسرهن، أو لا أحد على الإطلاق.

يدخل الصراع شهره الثاني، بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» شبه العسكرية بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو. وقد وافق الجانبان، يوم السبت، على وقف لإطلاق النار لمدة 7 أيام، بدأ سريانه مساء الاثنين، برغم سماع أصوات إطلاق نار وانفجارات متفرقة في أجزاء من العاصمة والمدن المجاورة لها يوم الثلاثاء.

ويقول الأطباء وعمال الإغاثة إن الوضع في السودان، أحد أكبر البلدان الأفريقية، يتجه نحو كارثة إنسانية. وكان السودان قد سجل بالفعل واحداً من أعلى معدلات وفيات الأمهات في العالم قبل اندلاع القتال.

ويُعتقد أن هناك أكثر من 1.1 مليون امرأة سودانية حامل. ومن بين أولئك الذين هن في أمسّ الحاجة إلى المساعدة الإنسانية، 29 ألف امرأة من المتوقع أن يلدن في الشهر المقبل، وفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان. ويُعتقد أن ما لا يقل عن 4300 امرأة مُعرضة لخطر الوفاة ويحتجن إلى رعاية التوليد الطارئة.

مهام انتحارية لإنقاذ الحوامل

وقال الدكتور محمد فتح الرحمن (33 عاماً)، وهو طبيب أطفال ومدير عام «مستشفى الندى» في أم درمان، ويُشرف على قسم الولادة: «إن الآباء كانوا يقودون سياراتهم عبر الجحيم للوصول إلينا، وكأنهم في مهام انتحارية». و«مستشفى الندى» من بين المرافق القليلة المتبقية في الخرطوم الكبرى التي لا يزال يولد فيها الأطفال، والقاعات فيها مكتظة بالنساء الحوامل.

وقال فتح الرحمن في مقابلة عبر الهاتف: «تأتي السيارات إلى المستشفى عندنا مغطاة بثقوب الرصاص. هؤلاء النسوة قلقات للغاية، ويتعرضن لضغوط شديدة، والعديد منهن في مرحلة متقدمة من المخاض».

وقال إنه أخرج لتوه من المستشفى امرأة وصلت بحالة ولادة معكوسة، بعد أن أمضت ساعات في نقطة تفتيش تسيطر عليها القوات شبه العسكرية، التي كانت تستجوب زوجها. وأضاف الدكتور فتح الرحمن: «بكل أسف، لم تصل إلينا في الوقت المناسب، ولم تُكتب للطفل النجاة».

ممرضة أطفال تقوم بمعالجة مولود جديد في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)

ارتفاع عدد المواليد

وأضاف أن عدد الأطفال الذين ولدوا قبل الأوان في المستشفى قد ارتفع بنسبة الثلث تقريباً منذ بدء القتال في 15 أبريل (نيسان) الماضي. وبوجود طاقم ضئيل، قدّر أن قسم الولادة قد ولّد أكثر من 600 مولود جديد خلال الشهر الماضي، أي 20 ضعف العدد المعتاد. وفي الأسابيع القليلة الأولى من الصراع، كانوا يجرون ما يصل إلى 50 عملية قيصرية في اليوم، وغالباً مع طفلين حديثي الولادة يتشاركان الحاضنة نفسها.

وقال فتح الرحمن إنه تمكن من الحفاظ على سير عمل المستشفى عبر التمويل الدولي من جمعية الأطباء الأميركيين السودانيين. وقد موّلت الجمعية كل عملية قيصرية منذ بدء النزاع، وسمحت للدكتور فتح الرحمن بأن يقدم لموظفيه المتبقين أجوراً أعلى لمنعهم من الفرار.

وأيد روايته عمال إغاثة من منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة «كير»، و«الهيئة الطبية الدولية»، ومنظمة «أطباء بلا حدود»، و«منظمة إنقاذ الطفولة»، الذين قالوا لصحيفة «نيويورك تايمز» إن الأزمة التي تؤثر على النساء الحوامل تمثل رمزاً لانهيار نظام الصحة العامة في جميع أنحاء السودان منذ بدء القتال.

وقال أديف جوزيف إيجي سيريكي، المستشار العالمي للصحة الجنسية والصحة الإنجابية في «الهيئة الطبية الدولية»، التي تعمل على تدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية في جميع أنحاء السودان: «هذا الأمر سوف يزداد سوءاً».

ويترتب على الوضع الصحي المتردي للأمهات عواقب أيضاً على الأطفال المولودين قبل الأوان. وقال سيريكي: «الأطفال المبتسرون أكثر عرضة للإصابة بعيوب تستمر طوال الحياة، بما في ذلك الإعاقات الذهنية، والشلل الدماغي، وضعف السمع والبصر».

وحتى قبل اندلاع النزاع الحالي، كان السودان يعاني من نظام صحي هش يفتقر إلى البنية التحتية والمعدات الكافية، ونقص في المهنيين الصحيين المهرة، وسلسلة إمداد محدودة. ووفقاً للأمم المتحدة، بلغ معدل وفيات الأمهات في السودان نحو 270 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، مقارنة بـ21 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية في الولايات المتحدة.

60 في المائة من المستشفيات أغلقت

وفي ولاية الخرطوم، التي يسكنها نحو 10 ملايين شخص، أغلقت نحو 60 بالمائة من مرافق الرعاية الصحية أبوابها الآن، مع 20 في المائة فقط من المرافق العاملة بالكامل، وفقاً للأمم المتحدة. وفي «الجنينة»، عاصمة إقليم غرب دارفور، أغلقت كافة المرافق الصحية أبوابها.

وتحولت المستشفيات نفسها إلى مسارح للقتال العنيف. وطردت الجماعات المسلحة 8 مرضى كانوا يتلقون الرعاية في مركز صحي في الخرطوم من أجل استخدامها قاعدة، حسبما ذكرت «منظمة إنقاذ الطفولة» غير الربحية. وتعرض العديد من الأطباء والممرضين الذين بقوا في البلاد للتهديد والاعتقال.

كما تفشت أعمال السلب والنهب، ونُهبت العديد من المستشفيات والصيدليات والمخازن. وقالت نقابة الأطباء السودانية إن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة، مثل السرطان أو أمراض القلب أو السكري، لم يتمكنوا من الحصول على الأدوية لأسابيع، في حين أغلقت عشرات مراكز غسيل الكلى أبوابها.

لكنَّ مجالات قليلة من النظام الصحي في السودان تأثرت بنفس الحدة التي تأثرت بها شبكات رعاية الأمومة. فبمجرد بدء القتال، بدأت القابلات في جميع أنحاء البلاد بتلقي نداءات للمساعدة من الأمهات الحوامل.

وقالت رانيا حسن، رئيسة فريق الصحة الإنجابية في منظمة الأمم المتحدة في السودان، التي تساعد في دعم شبكة من 400 قابلة مجتمعية على الأقل في البلاد: «صارت هؤلاء النساء شريان الحياة الحيوي بصورة متزايدة لأولئك النساء العالقات في المنازل». وأضافت أن عملهن «يكتسب أهمية خاصة في المنطقة داخل الخرطوم وحولها، حيث كان القتال أكثر ضراوة، وحيث تفضل العديد من النساء الولادة في مرافق الرعاية الصحية».

وتنتشر القابلات في مختلف المدن والقرى، ويدخلن إلى منازل النساء لتوليد الأطفال حديثي الولادة، وغالباً ما يستجبن لطلبات مجموعات الدردشة في الأحياء أو الخطوط الساخنة للطوارئ.

وتساعد السيدة آمنة أحمد، التي كانت تركب مع المرأة الحامل على الدراجة النارية، في تنسيق فريق من 20 قابلة في أم درمان. وقد ساعدن سوياً في توليد نحو 200 طفل منذ اندلاع القتال.

وأشارت إلى أن القابلات لا يتحدين العنف فحسب، بل غالباً ما يُجبرن على العمل من دون الوصول إلى الهواتف أو الإنترنت، وهي الخدمات التي تدهورت كثيراً بسبب الاشتباكات.

وقالت السيدة آمنة أحمد إنها ولّدت 8 أطفال خلال الصراع، لكن الفوضى جعلت من الصعب الوصول إلى النساء والحصول على الإمدادات الطبية.

وردّد روايتها نساء أخريات، مثل أحلام عبد الله حميد، القابلة البالغة من العمر 27 عاماً، التي ولّدت 6 أطفال في مدينة بحري، شمال الخرطوم.

وقالت حميد في مقابلة هاتفية: «الوضع عسير للغاية»، مضيفة أنها انتقلت للمساعدة بعد أن تابعت سلسلة من الطلبات من النساء الحوامل على قناة «واتساب» في الحي الذي تقيم فيه.

وفي حين أن جميع ولاداتها كانت ناجحة، قالت إنها بدأت تشعر بالقلق إزاء التحرك وسط قتال الشوارع الذي يزداد سوءاً ويصعب التنبؤ به ليلاً، وهو الوقت الذي تستجيب فيه عادة للمكالمات.

لكنها لا تزال مستعدة للمخاطرة، بحسب قولها، مُضيفة أنها تشعر بإحساس قوي بالمسؤولية للمساعدة في كل مرة تسمع فيها نداء من امرأة في حالة حرجة.

وقالت أخيراً إن «دعوات النساء لي بالخير تجعلني أشعر بالحزن»، متسائلة: «كيف يمكنني المغادرة وهن يطلبن المساعدة باستمرار؟».

خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

حرب المسيّرات في السودان

شمال افريقيا دبابتان متضررتان خلال الموجهات العسكرية أمام مبنى المصرف المركزي في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

حرب المسيّرات في السودان

لقي مدنيان حتفهما وأصيب آخرون بهجوم طائرة مسيّرة استهدف محطة وقود بمدينة ربك بولاية النيل الأبيض، وواصلت المسيّرات غاراتها على مدينة الأبيض بشمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانيون يملأون أوعية بالماء في مركز توديع مجاني بالعاصمة الخرطوم (أرشيفية-أ.ب)

بعد انقطاع الكهرباء... العطش يحاصر سكان «الأُبَيِّض» بكردفان

تشهد الأوضاع الإنسانية في مدينة الأُبَيِّض، كبرى مدن شمال كردفان، بوسط السودان، تدهوراً مستمراً، بعدما دمّر قصف جوي محطة الكهرباء الرئيسية.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا جنود تابعون للجيش السوداني خلال دورية في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة متطورة شمال دارفور

أعلن الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيَّرة معادية من طراز «FH - 95» صينية الصنع شمال بلدة الطويشة بولاية شمال دارفور

أحمد يونس (كمبالا)
تحليل إخباري الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

تحليل إخباري «إخوان» السودان... أمام مفترق الطرق

يشهد السودان مرحلة بالغة التعقيد، في ظل تبدل التحالفات العسكرية والسياسية داخل الجيش السوداني وإعادة تشكيل موازين القوى، ما يضع التيار الإسلامي أمام مفترق طرق.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا أشخاص يملأون حاويات مياه في نقطة توزيع وسط أزمة مياه في الخرطوم - السودان 18 مايو 2026 (أ.ب)

أميركا تحذّر من خطر «فظائع جماعية» وشيكة في مدينة الأُبيض السودانية

أعربت الولايات المتحدة، الاثنين، عن قلقها البالغ إزاء «المؤشرات المقلقة التي تشير إلى احتمال وقوع فظائع جماعية وشيكة» في مدينة الأُبيِّض السودانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

المغرب: سجن سياسيَين بارزَين 10 و12 عاماً في قضية مرتبطة بالمخدرات

سعيد الناصري وعبد النبوي بعيوي (من مواقع التواصل الاجتماعي)
سعيد الناصري وعبد النبوي بعيوي (من مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

المغرب: سجن سياسيَين بارزَين 10 و12 عاماً في قضية مرتبطة بالمخدرات

سعيد الناصري وعبد النبوي بعيوي (من مواقع التواصل الاجتماعي)
سعيد الناصري وعبد النبوي بعيوي (من مواقع التواصل الاجتماعي)

قضت محكمة مغربية ليل الخميس بإدانة رئيس مجلس جهة الشرق سابقا عبد النبي بعيوي، والبرلماني والرئيس السابق لنادي الوداد البيضاوي سعيد الناصري، بالسجن 12 و10 أعوام توالياً، في قضية تهريب دولي للمخدرات المسماة «إسكوبار الصحراء».

وهذه المرة الأولى التي يحاكم فيها سياسيان بارزان في المغرب في قضية مماثلة، ما خلف صدمة واهتماما إعلاميا واسعا في المغرب. وهما موقوفان منذ نهاية 2023.

وكانا متّهمين بتهم عدة أبرزها «الاتجار الدولي في المخدرات والتزوير والارشاء»، ضمن ملف ضخم ضم أكثر من 20 متهما، في محاكمة استغرقت عامين منذ افتتاحها رسميا في مايو (أيار) 2024.


الجزائر: تبون يعيد إلى الواجهة «أزمة اتفاق الشراكة» مع «الأوروبي»

رئيس الجزائر في جناح سلطنة عمان بالمعرض الدولي (الرئاسة)
رئيس الجزائر في جناح سلطنة عمان بالمعرض الدولي (الرئاسة)
TT

الجزائر: تبون يعيد إلى الواجهة «أزمة اتفاق الشراكة» مع «الأوروبي»

رئيس الجزائر في جناح سلطنة عمان بالمعرض الدولي (الرئاسة)
رئيس الجزائر في جناح سلطنة عمان بالمعرض الدولي (الرئاسة)

أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الواجهة الأزمة الحادة التي تجمع بلاده مع الاتحاد الأوروبي منذ عامين، والتي تتعلق بـ«اتفاق الشراكة» ومشكلات الاستيراد التي يطرحها منذ بدء تنفيذه عام 2005. في وقت يسعى فيه الجانبان منذ أشهر إلى تجاوز هذا الخلاف عبر التفاوض، لكن يظل كل واحد منهما متشبثاً بموقفه بشأن إحداث توازن بين «الالتزامات والمنفعة التجارية».

الرئيس تبون ورئيس الوزراء ووزيرة التجارة الداخلية خلال زيارة المعرض الدولي (الرئاسة)

وخلال زيارته «معرض الجزائر الدولي» السنوي، المقام منذ الثلاثاء الماضي بعاصمة البلاد، أعاد تبون إلى الواجهة «أزمة اتفاق الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي، مؤكداً في تصريحات نقلها التلفزيون العمومي، وحملت نبرة تذمر، أنه يتوجب على حكومته «التفاوض مع الجانب الأوروبي لفتح حدوده أمام الحديد والصلب الجزائري»، ومشدداً على أنه «من غير المقبول بتاتاً فرض نظام الكوتا (الحصص) علينا، في وقت لا نضع فيه نحن أي قيود أو حصص على ما نشتريه من الاتحاد الأوروبي».

تبون ينتقد قيود أوروبا

قال الرئيس تبون، وهو محاط بكبار المسؤولين في البلاد، أهمهم الوزير المنتدب للدفاع قائد الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، إن «وارداتنا حتى اللحظة تشكل 85 في المائة من الاتحاد الأوروبي؛ لذا لا يمكن القبول بفرض حصص مجحفة ضدنا»، مبرزاً أن الجزائر «تملك اليوم كافة الحجج والمؤهلات التي تدفع أوروبا للاعتماد على الصلب الجزائري؛ فهو يتمتع بجودة استثنائية، فضلاً عن كونه منتجاً صديقاً للبيئة، ونظيفاً للغاية من حيث انبعاثات الكربون».

رئيس الجزائر وقائد جيشها في المعرض الدولي (الرئاسة)

ووفق ما تقوله الحكومة الجزائرية، تخضع صادرات البلاد من الحديد والصلب نحو الاتحاد الأوروبي لنظام «حصص وقائية» معقد، ومقسم دورياً على أساس ربع سنوي؛ إذ لا تمنح المفوضية الأوروبية للجزائر حصة سنوية ثابتة برقم محدد، بل تدرجها ضمن فئة «باقي الدول» التي تتنافس على حصص جماعية بنظام الأولوية لمن يسجل صادراته أولاً. وفي حال استنفاد هذه الحصص تفرض أوروبا رسوماً جمركية حمائية تصل إلى 25 في المائة على الكميات الإضافية.

ولذلك يثير هذا النظام حفيظة الجانب الجزائري؛ إذ انتقدت الحكومة الجزائرية والمجمعات الصناعية الكبرى مثل «توسيالي» و«بلارة»، في مناسبات عديدة، هذه القيود، عادّةً أنها تشكل عائقاً أمام تدفق المنتج الجزائري عالي الجودة والأقل بصمة كربونية، الذي تحتاجه السوق الأوروبية، وسط مطالب مستمرة من الجزائر بفتح المجال كاملاً لصادراتها ومراجعة هذه الإجراءات الحمائية، بما يتماشى مع حجم الشراكة الاقتصادية بين الطرفين.

محادثات بين وفدَي الاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الجزائرية في مايو الماضي (وزارة الخارجية الجزائرية)

وطُرح هذا الملف العام الماضي بحدة، من قِبل مسؤولي المجمع الجزائري - التركي للحديد والصلب «توسيالي»؛ فرغم الطلب المتزايد على منتجاته التي تصدر لنحو 25 دولة، فإنها تواجه عقبات وعراقيل تنظيمية في الأسواق الأوروبية.

وحقق هذا المركب الصناعي الموجود بوهران، كبرى مدن غرب الجزائر، رقم أعمال قُدر بـ3 مليارات دولار العام الماضي، منها مليار دولار موجّه للتصدير، مع تطلع المجمع لبلوغ 1.5 مليار دولار مع نهاية 2026.

وأوضح مسؤول بالمجمع لـ«الشرق الأوسط» أن الاتحاد الأوروبي يمنحه حصصاً مخصصة لثلاثة أشهر، لكنه يستهلكها، حسبه، بالكامل في الأسبوع الأول فقط، وذلك على الرغم من أن جميع دول الاتحاد الأوروبي ترغب في التموّن بالصلب انطلاقاً من مصنع وهران، وفق نفس المسؤول.

تهديد بـ«المعاملة بالمثل»

أمام استمرار هذا الوضع لسنوات، كان الرئيس تبون أمر رئيس الوزراء سيفي غريب، قبل عام، بـ«مراجعة هذا الأمر بتطبيق مبدأ (المعاملة بالمثل)»، وقال بهذا الخصوص: «نحن نمنح الأفضلية للاتحاد الأوروبي مقارنة بدول أخرى، ولا سيما أن الصلب الذي ننتجه يتمتع بجودة ممتازة». وتعهد الرئيس، يومها، بمعالجة الملف قائلاً: «هذا الأمر سنناقشه مع الاتحاد الأوروبي»، وكان يشير إلى بدء محادثات مع مفوضية الاتحاد الأوروبي بخصوص مراجعة «اتفاق الشراكة»، الذي تراه الجزائر مجحفاً بحقها، بدعوى أنه «يحقق المنفعة لأوروبا بشكل حصري».

وزير خارجية الجزائر مع المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط (وزارة الخارجية الجزائرية)

وكان تبون خلال خوضه في مشكلة «فرض الكوتا الأوروبية على الحديد والصلب الجزائري» ينقل موقفاً قديماً نسبياً يخص التعاون الاقتصادي مع أوروبا؛ إذ ترى الجزائر أن اتفاق الشراكة صار يُثقل كاهلها، ويعوق حريتها في الحركة وتطوير اقتصادها.

وتُعول الجزائر على منجم «غار جبيلات» الواقع بجنوبها الغربي لرفع إنتاجها الوطني من الحديد والصلب، وتطوير قدرات مصانعها التحويلية الكبرى، وبالتالي الرفع من طاقة التصدير نحو الأسواق الدولية، وتأمين خطوط إمداد جديدة بالعملة الصعبة.

ممثل السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

ويمثل هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يضم احتياطياً ضخماً يقدّر بنحو 3.5 مليار طن، ركيزة أساسية لإنهاء التبعية لاستيراد المادة الأولية، وتوفير مئات الملايين من الدولارات للخزينة العمومية؛ إذ مرّ بمراحل متسارعة منذ إطلاقه رسمياً في 30 يوليو (تموز) 2022، تلتها خطوة وضع حجر أساس مصنع المعالجة الأولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023 لتثمين جودة الخام، وصولاً إلى مطلع عام 2026، الذي شهد الشروع الفعلي في الاستعمال المحلي، وتوجيه الشحنات عبر خط السكة الحديدية المنجمي العملاق «تندوف - بشار»، والممتد على مسافة 950 كيلومتراً لنقل الحديد نحو مناطق التصنيع والموانئ في الشمال.


النيابة الليبية تحقق مع شبكة دولية «متورطة» في الاحتيال وغسل الأموال

النائب العام مجتمعاً مع محافظ المصرف المركزي ورئيس مؤسسة النفط في طرابلس (مكتب الصور)
النائب العام مجتمعاً مع محافظ المصرف المركزي ورئيس مؤسسة النفط في طرابلس (مكتب الصور)
TT

النيابة الليبية تحقق مع شبكة دولية «متورطة» في الاحتيال وغسل الأموال

النائب العام مجتمعاً مع محافظ المصرف المركزي ورئيس مؤسسة النفط في طرابلس (مكتب الصور)
النائب العام مجتمعاً مع محافظ المصرف المركزي ورئيس مؤسسة النفط في طرابلس (مكتب الصور)

أخضعت النيابة العامة الليبية شبكة دولية للتحقيق لاتهامها بـ«غسل الأموال والاحتيال والنصب على المواطنين، واستهداف عملاء المصارف التجارية»، فيما أمرت بـ«تعقّب مثل هذه الأعمال في عموم البلاد، والتصدي لها قبل أن توقع بمزيد من الضحايا».

وأعلن جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب في العاصمة طرابلس، أن إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية المالية في ليبيا تمكنت، بالتعاون مع وحدة التحري بالجهاز، من «رصد وتتبع وتفكيك شبكة إجرامية منظمة عابرة للحدود، متورطة في تنفيذ عمليات احتيال ممنهجة تستهدف عملاء المصارف الليبية».

وأوضح جهاز مكافحة الجرائم، مساء الأربعاء، أن التحريات الفنية والميدانية «كشفت عن أساليب متقدمة استخدمتها الشبكة في تنفيذ جرائمها، بما في ذلك الاستغلال غير المشروع للأنظمة الإلكترونية المالية، واستهداف الضحايا عبر وسائل رقمية متعددة».

وقال مصدر بالنيابة العامة لـ«الشرق الأوسط» إن التحقيقات أثبتت «تمدد العلاقات والنشاط الإجرامي للشبكة دولياً بين ليبيا وثلاث دول أخرى، هي ألمانيا وفرنسا والإمارات»، مشيراً إلى أنه «تبيّن للمحققين ترابط الشبكة هيكلياً بشكل دقيق ومنظم، وتضم متخصصين في إنشاء صفحات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي».

وأوضح المصدر أن النائب العام شدد على «ضرورة استباق مثل هذه المخططات المجرّمة، والتصدي لتلك الشبكات، وتوعية المواطنين بمثل هذه العمليات التي تسلبهم ثرواتهم».

أسهمت حالة الانفلات الأمني في انتشار الشبكات الإجرامية في ليبيا (رويترز)

وكانت النيابة الليبية قد صعّدت عملياتها لتعقّب متهمين فرّوا من البلاد بعد ارتكابهم جرائم الاتجار بالمخدرات، وتبييض الأموال والقتل، مشيرة إلى أنها تسعى لإدراج 137 شخصاً في «النشرة الحمراء».

وبشأن «طبيعة الأنشطة الإجرامية المثبتة»، تحدث جهاز مكافحة الجرائم المالية عن تنفيذ الشبكة «عمليات احتيال باستخدام بيانات بطاقات مصرفية دولية مسروقة، تم الحصول عليها عبر منتديات غير قانونية على شبكة الـDark Web».

كما تبين للجهاز «اختبار صلاحية البطاقات المسروقة عبر منصات دفع إلكترونية متعددة»، بالإضافة إلى «إنشاء صفحات مصرفية وهمية على منصات التواصل الاجتماعي، واستدراج الضحايا عبر تطبيقات المراسلة الفورية».

وتحدث الجهاز عن «تحويل وتبييض عائدات الأنشطة الإجرامية عبر العملات الرقمية المشفرة، وخاصة عملة USDT، باستخدام محافظ رقمية مجهولة الهوية»، وانتهت تحريات الجهاز إلى «ضبط المشتبه به الرئيسي، وإحالته إلى نيابة النظام العام لاستكمال الإجراءات القانونية، وفقاً للتشريعات النافذة».

كما أفاد الجهاز بأنه «تم تحديد أحد المتعاونين الرئيسيين في الشبكة؛ وهو مصري الجنسية ومتخصص في إنشاء وإدارة الصفحات الوهمية»، مبرزاً أن التحقيقات كشفت عن أن الشبكة الإجرامية «تورطت في غسل ما يقارب 10 ملايين دينار ليبي من عائدات هذه الأنشطة غير المشروعة، عبر قنوات مالية ورقمية متعددة، بهدف إخفاء مصدرها الحقيقي» (الدولار يساوي 6.42 دينار في السوق الرسمية، فيما يصل إلى 8.47 دينار في السوق الموازية).

تستغل الشبكات الإجرامية الدولية في ليبيا حالة الانقسام الأمني وعدم السيطرة الكاملة على المنافذ والحدود المترامية (الشرق الأوسط)

وتجد مثل هذه الشبكات الدولية في ليبيا مناخاً لأنشطتها غير المشروعة، مستغلة حالة الانقسام الأمني والحكومي، وعدم السيطرة الكاملة على المنافذ والحدود المترامية.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، كشف جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب عن تورط عدد من الموظفين بأحد المصارف التجارية العاملة في ارتكاب وقائع اختلاس وتلاعب بالحسابات المصرفية الخاصة بأحد العملاء.

وسبق للنائب العام الصديق الصور تفكيك وضبط عصابات إجرامية دولية، تسللت إلى ليبيا ومارست فيها إجراماً منظماً في 20 سبتمبر (أيلول) 2024، مبرزاً أنها «كونت شبكات وهياكل انخرط فيها مئات المهاجرين غير النظاميين، لتحقيق أغراض مشتركة بين هذه العصابات ومنظمات المافيا النشطة في دول البحر المتوسط».

وأمر النائب العام بحبس مساعد مدير عام «مصرف الصحارى»، ومسؤول إدارة الائتمان في المصرف، وقال، في بيان، الأربعاء: «إنهما أخلّا بقواعد الائتمان المصرفي وضوابطه عند إجازتهما صرف 800 مليون دينار، في صورة ائتمان مُنح لتمويل عمليات إنتاجية واستثمارية دون توافر الضمانات العينية للوفاء به».

وأمرت النيابة العامة بحبس المتهمَيْن احتياطياً على ذمة التحقيق، واستردت 300 مليون دينار من المبالغ الممنوحة بالمخالفة، ومنعت النيابة العامة أيضاً التصرف في بقية الأموال المتتبَّعة، ووجهت بملاحقة بقية المُسهمين.

وسمح الانفلات الأمني، الذي ضرب ليبيا طوال الـ15 عاماً الماضية، بهروب متهمين على ذمة عدد من القضايا من البلاد، وتحدث النائب العام في مؤتمر صحافي سابق عن ملف الهاربين، وسبل تفعيل العقوبات بشأنهم، قائلاً إن النيابة العامة أحالت 137 طلب نشرة حمراء إلى المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، في حين أشارت النيابة إلى أن هذه الإجراءات تستهدف «إنهاء عمليات الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكَبة»، إنصافاً للعدالة وتفعيلاً للقانون.

شكشك خلال لقائه السفير البريطاني لدى ليبيا (ديوان المحاسبة الليبي)

وكان خالد شكشك، رئيس ديوان المحاسبة، قد بحث مع السفير البريطاني لدى ليبيا مارتن رينولدز عدداً من الموضوعات المتعلقة ببناء القدرات المؤسسية وبرامج التعاون الفني، إلى جانب استعراض عدد من المبادرات الهادفة إلى دعم مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتعزيز النزاهة والشفافية وتطوير الأداء الرقابي.

وأدرج ديوان المحاسبة اللقاء «في إطار التزامه بتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين، بما يعزز قدراته المؤسسية ويدعم جهوده للنهوض بنظام الرقابة، وتحقيق أعلى معايير النزاهة والشفافية».