الموت على الأرض أو في الشوارع: الولادة وسط الحرب في السودان

طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
TT

الموت على الأرض أو في الشوارع: الولادة وسط الحرب في السودان

طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)

أجبرت الحرب في هذا البلد، الواقع في شمال شرق أفريقيا، النساء الحوامل على التحرك «عبر الجحيم» للوصول إلى عدد متضائل من المستشفيات والعيادات، أو اللجوء إلى القابلات المُنهكات من كثرة العمل، لإنجاب أطفالهن في المنزل.

بعد أيام من اندلاع القتال في السودان، تلقت آمنة أحمد نداء استغاثة عاجلاً من امرأة حامل أخبرتها أنها على وشك الموت. قالت السيدة آمنة أحمد، القابلة البالغة من العمر 42 عاماً، إنها ركضت خلال إطلاق النار الذي اجتاح حيها في أم درمان، شمال العاصمة الخرطوم، للوصول إلى منزل المرأة. وعند وصولها في منتصف الليل، أدركت بسرعة أن الطفل كان عالقاً في قناة الولادة الخاصة بالأم. لكن، لم تكن هناك سيارات إسعاف أو سيارات أجرة لنقلها إلى المستشفى.

وقالت القابلة في مقابلة هاتفية: «كنا نختار ما بين الموت على الأرض أو الموت في الشوارع»، مشيرة إلى اختلاط أصوات القصف مع أنين المرأة: «قالت لي السيدة إن الألم قد أجبر روحها على مغادرة جسدها».

بعد ساعات عدة، ساعدت السيدة آمنة أحمد المرأة على ركوب دراجة نارية، وهرعت بها إلى عيادة قريبة، حيث تمكنت من وضع ابنتها.

مستشفى الندى في أم درمان (نيويورك تايمز)

النساء الحوامل ضحايا الحرب

لقد أجبرت الحرب، التي اندلعت في السودان النساء الحوامل، في جميع أنحاء البلاد، على تفادي القصف المدفعي والسير عبر نقاط التفتيش للوصول إلى العدد المتناقص من المستشفيات وأقسام الولادة التي لا تزال مفتوحة. وتقدر الأمم المتحدة أن عشرات الآلاف غيرهن قد نزحن، أو حوصرن في منازلهن، أو أن أطفالهن قد ولدوا على أيدي القابلات، أو أفراد من أسرهن، أو لا أحد على الإطلاق.

يدخل الصراع شهره الثاني، بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» شبه العسكرية بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو. وقد وافق الجانبان، يوم السبت، على وقف لإطلاق النار لمدة 7 أيام، بدأ سريانه مساء الاثنين، برغم سماع أصوات إطلاق نار وانفجارات متفرقة في أجزاء من العاصمة والمدن المجاورة لها يوم الثلاثاء.

ويقول الأطباء وعمال الإغاثة إن الوضع في السودان، أحد أكبر البلدان الأفريقية، يتجه نحو كارثة إنسانية. وكان السودان قد سجل بالفعل واحداً من أعلى معدلات وفيات الأمهات في العالم قبل اندلاع القتال.

ويُعتقد أن هناك أكثر من 1.1 مليون امرأة سودانية حامل. ومن بين أولئك الذين هن في أمسّ الحاجة إلى المساعدة الإنسانية، 29 ألف امرأة من المتوقع أن يلدن في الشهر المقبل، وفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان. ويُعتقد أن ما لا يقل عن 4300 امرأة مُعرضة لخطر الوفاة ويحتجن إلى رعاية التوليد الطارئة.

مهام انتحارية لإنقاذ الحوامل

وقال الدكتور محمد فتح الرحمن (33 عاماً)، وهو طبيب أطفال ومدير عام «مستشفى الندى» في أم درمان، ويُشرف على قسم الولادة: «إن الآباء كانوا يقودون سياراتهم عبر الجحيم للوصول إلينا، وكأنهم في مهام انتحارية». و«مستشفى الندى» من بين المرافق القليلة المتبقية في الخرطوم الكبرى التي لا يزال يولد فيها الأطفال، والقاعات فيها مكتظة بالنساء الحوامل.

وقال فتح الرحمن في مقابلة عبر الهاتف: «تأتي السيارات إلى المستشفى عندنا مغطاة بثقوب الرصاص. هؤلاء النسوة قلقات للغاية، ويتعرضن لضغوط شديدة، والعديد منهن في مرحلة متقدمة من المخاض».

وقال إنه أخرج لتوه من المستشفى امرأة وصلت بحالة ولادة معكوسة، بعد أن أمضت ساعات في نقطة تفتيش تسيطر عليها القوات شبه العسكرية، التي كانت تستجوب زوجها. وأضاف الدكتور فتح الرحمن: «بكل أسف، لم تصل إلينا في الوقت المناسب، ولم تُكتب للطفل النجاة».

ممرضة أطفال تقوم بمعالجة مولود جديد في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)

ارتفاع عدد المواليد

وأضاف أن عدد الأطفال الذين ولدوا قبل الأوان في المستشفى قد ارتفع بنسبة الثلث تقريباً منذ بدء القتال في 15 أبريل (نيسان) الماضي. وبوجود طاقم ضئيل، قدّر أن قسم الولادة قد ولّد أكثر من 600 مولود جديد خلال الشهر الماضي، أي 20 ضعف العدد المعتاد. وفي الأسابيع القليلة الأولى من الصراع، كانوا يجرون ما يصل إلى 50 عملية قيصرية في اليوم، وغالباً مع طفلين حديثي الولادة يتشاركان الحاضنة نفسها.

وقال فتح الرحمن إنه تمكن من الحفاظ على سير عمل المستشفى عبر التمويل الدولي من جمعية الأطباء الأميركيين السودانيين. وقد موّلت الجمعية كل عملية قيصرية منذ بدء النزاع، وسمحت للدكتور فتح الرحمن بأن يقدم لموظفيه المتبقين أجوراً أعلى لمنعهم من الفرار.

وأيد روايته عمال إغاثة من منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة «كير»، و«الهيئة الطبية الدولية»، ومنظمة «أطباء بلا حدود»، و«منظمة إنقاذ الطفولة»، الذين قالوا لصحيفة «نيويورك تايمز» إن الأزمة التي تؤثر على النساء الحوامل تمثل رمزاً لانهيار نظام الصحة العامة في جميع أنحاء السودان منذ بدء القتال.

وقال أديف جوزيف إيجي سيريكي، المستشار العالمي للصحة الجنسية والصحة الإنجابية في «الهيئة الطبية الدولية»، التي تعمل على تدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية في جميع أنحاء السودان: «هذا الأمر سوف يزداد سوءاً».

ويترتب على الوضع الصحي المتردي للأمهات عواقب أيضاً على الأطفال المولودين قبل الأوان. وقال سيريكي: «الأطفال المبتسرون أكثر عرضة للإصابة بعيوب تستمر طوال الحياة، بما في ذلك الإعاقات الذهنية، والشلل الدماغي، وضعف السمع والبصر».

وحتى قبل اندلاع النزاع الحالي، كان السودان يعاني من نظام صحي هش يفتقر إلى البنية التحتية والمعدات الكافية، ونقص في المهنيين الصحيين المهرة، وسلسلة إمداد محدودة. ووفقاً للأمم المتحدة، بلغ معدل وفيات الأمهات في السودان نحو 270 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، مقارنة بـ21 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية في الولايات المتحدة.

60 في المائة من المستشفيات أغلقت

وفي ولاية الخرطوم، التي يسكنها نحو 10 ملايين شخص، أغلقت نحو 60 بالمائة من مرافق الرعاية الصحية أبوابها الآن، مع 20 في المائة فقط من المرافق العاملة بالكامل، وفقاً للأمم المتحدة. وفي «الجنينة»، عاصمة إقليم غرب دارفور، أغلقت كافة المرافق الصحية أبوابها.

وتحولت المستشفيات نفسها إلى مسارح للقتال العنيف. وطردت الجماعات المسلحة 8 مرضى كانوا يتلقون الرعاية في مركز صحي في الخرطوم من أجل استخدامها قاعدة، حسبما ذكرت «منظمة إنقاذ الطفولة» غير الربحية. وتعرض العديد من الأطباء والممرضين الذين بقوا في البلاد للتهديد والاعتقال.

كما تفشت أعمال السلب والنهب، ونُهبت العديد من المستشفيات والصيدليات والمخازن. وقالت نقابة الأطباء السودانية إن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة، مثل السرطان أو أمراض القلب أو السكري، لم يتمكنوا من الحصول على الأدوية لأسابيع، في حين أغلقت عشرات مراكز غسيل الكلى أبوابها.

لكنَّ مجالات قليلة من النظام الصحي في السودان تأثرت بنفس الحدة التي تأثرت بها شبكات رعاية الأمومة. فبمجرد بدء القتال، بدأت القابلات في جميع أنحاء البلاد بتلقي نداءات للمساعدة من الأمهات الحوامل.

وقالت رانيا حسن، رئيسة فريق الصحة الإنجابية في منظمة الأمم المتحدة في السودان، التي تساعد في دعم شبكة من 400 قابلة مجتمعية على الأقل في البلاد: «صارت هؤلاء النساء شريان الحياة الحيوي بصورة متزايدة لأولئك النساء العالقات في المنازل». وأضافت أن عملهن «يكتسب أهمية خاصة في المنطقة داخل الخرطوم وحولها، حيث كان القتال أكثر ضراوة، وحيث تفضل العديد من النساء الولادة في مرافق الرعاية الصحية».

وتنتشر القابلات في مختلف المدن والقرى، ويدخلن إلى منازل النساء لتوليد الأطفال حديثي الولادة، وغالباً ما يستجبن لطلبات مجموعات الدردشة في الأحياء أو الخطوط الساخنة للطوارئ.

وتساعد السيدة آمنة أحمد، التي كانت تركب مع المرأة الحامل على الدراجة النارية، في تنسيق فريق من 20 قابلة في أم درمان. وقد ساعدن سوياً في توليد نحو 200 طفل منذ اندلاع القتال.

وأشارت إلى أن القابلات لا يتحدين العنف فحسب، بل غالباً ما يُجبرن على العمل من دون الوصول إلى الهواتف أو الإنترنت، وهي الخدمات التي تدهورت كثيراً بسبب الاشتباكات.

وقالت السيدة آمنة أحمد إنها ولّدت 8 أطفال خلال الصراع، لكن الفوضى جعلت من الصعب الوصول إلى النساء والحصول على الإمدادات الطبية.

وردّد روايتها نساء أخريات، مثل أحلام عبد الله حميد، القابلة البالغة من العمر 27 عاماً، التي ولّدت 6 أطفال في مدينة بحري، شمال الخرطوم.

وقالت حميد في مقابلة هاتفية: «الوضع عسير للغاية»، مضيفة أنها انتقلت للمساعدة بعد أن تابعت سلسلة من الطلبات من النساء الحوامل على قناة «واتساب» في الحي الذي تقيم فيه.

وفي حين أن جميع ولاداتها كانت ناجحة، قالت إنها بدأت تشعر بالقلق إزاء التحرك وسط قتال الشوارع الذي يزداد سوءاً ويصعب التنبؤ به ليلاً، وهو الوقت الذي تستجيب فيه عادة للمكالمات.

لكنها لا تزال مستعدة للمخاطرة، بحسب قولها، مُضيفة أنها تشعر بإحساس قوي بالمسؤولية للمساعدة في كل مرة تسمع فيها نداء من امرأة في حالة حرجة.

وقالت أخيراً إن «دعوات النساء لي بالخير تجعلني أشعر بالحزن»، متسائلة: «كيف يمكنني المغادرة وهن يطلبن المساعدة باستمرار؟».

خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون يعملون في مزرعة مجتمعية بالقرب من مخيم فرشانا (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال شهرين

حذَّر «برنامج الأغذية العالمي»، التابع للأمم المتحدة، اليوم (الخميس)، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين؛ بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)
البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)
TT

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)
البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، الجمعة، إن «معركة الكرامة لا تزال مستمرة، ولن تنتهي إلا بانتهاء التمرد وكل من يدعمه»، مؤكداً أن الشعب السوداني «لن يقبل بفرض أي حلول أو قيم من أي جهة أو شخص»، في وقت حذّر فيه برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرَين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين من الجوع الشديد بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب. ودعا البرهان، خلال لقائه أهالي بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم، السودانيين إلى التماسك والتكاتف من أجل حماية البلاد، في ظل استمرار الحرب الدائرة منذ نحو ثلاثة أعوام.

وأفادت مصادر محلية بأن قوات الجيش السوداني، مدعومة بفصائل من «القوة المشتركة» التابعة لحركات مسلحة من إقليم دارفور، حققت تقدماً في عدد من البلدات بولاية جنوب كردفان، مما قرّبها من مدينة الدبيبات، الخاضعة بالكامل لسيطرة «قوات الدعم السريع». في المقابل، تكبّد الجيش خسائر فادحة خلال معارك دارت، الخميس، في منطقة هبيلا بولاية جنوب كردفان. وقالت «قوات الدعم السريع» إنها أفشلت جميع محاولات الجيش ومخططاته للاختراق العسكري في تلك المناطق.

تورك يتفقد أوضاع النازحين

من جانبه، يواصل المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، زيارته إلى السودان، حيث تفقد، الجمعة، مخيم النازحين في منطقة العفاض شمال كردفان.

وقالت «وكالة السودان للأنباء» إن تورك التقى أعداداً كبيرة من النازحين، واطّلع على الجهود التي تبذلها الحكومة السودانية تجاه المتضررين من القتال، مشيرة إلى أن الوفد الأممي يرافقه أعضاء من «الآلية الوطنية لحقوق الإنسان». وخلال زيارته إلى مدينة دنقلا، الخميس، أشار تورك إلى أن كثيراً من النازحين يفتقرون إلى المأوى المناسب، في حين تواجه النساء صعوبات في الوصول إلى خدمات الدعم، داعياً إلى بذل «جهد شامل» من جانب السلطات السودانية والمجتمع الدولي، لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية الحيوية.

من جهتها، حذّرت حكومة «تأسيس» الموالية لـ«قوات الدعم السريع»، الجمعة، من أي محاولات للالتفاف على «المبادرة الرباعية» أو فتح مسارات جانبية بديلة، لافتة إلى أن ذلك من شأنه تغذية استمرار الحرب وإعاقة التوصل إلى سلام عادل وشامل. وأعربت في بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي، عن أسفها لعدم صدور موقف معلن عن اجتماع «الآلية التشاورية» الخامس الذي عُقد في القاهرة، الأربعاء الماضي، بشأن وقف الحرب، رغم مشاركة أطراف دولية وإقليمية فاعلة.

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض في ولاية شمال كردفان 12 يناير 2026 (رويترز)

وكان وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، قد جدّد تأكيد موقف بلاده الرافض لتشكيل أي سلطة موازية في السودان خارج إطار مؤسسات الدولة الرسمية، مشدداً على التزام مصر بدعم وحدة السودان وسلامة أراضيه. كما أكد استمرار العمل ضمن «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات، بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية شاملة تفضي إلى وقف مستدام لإطلاق النار. في المقابل، قالت حكومة «تأسيس»، التي تتخذ من مدينة نيالا عاصمة لها، إنها «ليست سلطة موازية»، بل «تعبير سياسي وأخلاقي عن إرادة ملايين السودانيين الذين تُركوا بلا دولة منذ اندلاع الحرب».

تحذير أممي

من جهته، حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال شهرين، بسبب نقص حاد في التمويل، رغم معاناة ملايين الأشخاص من الجوع الشديد. وأكد البرنامج أنه اضطر إلى تقليص الحصص الغذائية إلى «الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، محذراً من أن مخزونه الغذائي سينفد بالكامل بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل، ما لم يتم توفير تمويل إضافي فوري.

المفوض الأممي لشؤون اللاجئين برهم صالح متفقداً أحوال النازحين السودانيين في مخيم أدري على الحدود مع تشاد 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وأوضح أن نحو 21 مليون شخص في مختلف أنحاء السودان يعانون من الجوع الشديد، في حين يحتاج البرنامج إلى 700 مليون دولار لاستكمال عملياته حتى يونيو (حزيران) المقبل. وكان تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، المدعوم من الأمم المتحدة، قد أكد انتشار المجاعة في مدينتي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي بجنوب كردفان، محذراً من أن سكان 20 مدينة أخرى يواجهون ظروفاً مشابهة، في ظل صعوبات التحقق من البيانات بسبب الحصار وانقطاع الاتصالات.


بورصة التوقعات تشتعل... هل اقترب موعد التغيير الوزاري في مصر؟

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )
TT

بورصة التوقعات تشتعل... هل اقترب موعد التغيير الوزاري في مصر؟

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )

بانعقاد البرلمان المصري بتشكيله الجديد، ارتفعت بورصة التوقعات والتكهنات حول موعد «التغيير الوزاري» في مصر، وكذلك طبيعة التعديلات المنتظرة وحجمها.

ورجَّح سياسيون وبرلمانيون مصريون، إجراء «تغيير وزاري»، على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي الحالية، لكن تباينت تقديراتهم حول موعد الحركة الوزارية، ما بين إجرائها خلال الأيام المقبلة، أو خلال أشهر عدة.

وأدى مصطفى مدبولي اليمين لتولي رئاسة الحكومة في يونيو (حزيران) 2018، ومنذ ذلك الحين يقبع في منصبه مع إدخال أكثر من تعديل وزاري، وبعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة مجدداً.

ورغم ازدياد التوقعات بإجراء التغيير الوزاري، فإن مصدرَين حكوميَّين، تحدثت معهما «الشرق الأوسط»، أشارا إلى «عدم وجود مؤشرات لتعديل وزاري قريب داخل الحكومة». وقال مصدر داخل إحدى الوزارات الخدمية، إنه «لم يرد إليه شيء بخصوص تعديل مرتقب».

وقال مصدر حكومي آخر، إنه «من غير المرجح حدوث حركة وزارية قبل شهر رمضان المقبل، والذي يستدعي جهوداً مكثفة وتنسيقاً بين وزارات وجهات حكومية مختلفة»، مشيراً إلى أنه «إذا كانت هناك حركة وزارية فربما تكون خلال شهر أو اثنين».

بموازاة ذلك، رجَّح عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، «إجراء تغيير وزاري شامل لحكومة مدبولي خلال الأيام المقبلة». وقال إنه «من المتوقع تشكيل حكومة جديدة بوزراء جدد في معظم الحقائب الوزارية».

وقال بكري في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «من المتوقع تغيير نحو 20 وزيراً في الحكومة الجديدة»، مشيراً إلى أن «الأولوية في التغيير ستكون للحقائب الوزارية ضمن المجموعة الاقتصادية، باعتبار أن الملف الاقتصادي من الأولويات التي تعمل عليها الحكومة المصرية حالياً».

ولا يختلف في ذلك، عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية من البرلمان)، ورئيس حزب «المصريين الأحرار»، عصام خليل، وقال: «إن التغيُّرات العالمية، سياسياً واقتصادياً، تفرض ضرورة تشكيل حكومة جديدة حالياً في مصر، لا سيما مع تشكيل برلمان جديد»، وقال: «التغيير بات ضرورة حتى يتم عرض برنامج حكومي جديد أمام البرلمان في بداية الفصل التشريعي».

وتوقَّع خليل في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «يشمل التعديل الوزاري تغييراً في السياسات الحكومية من الأساس، بحيث يواكبه دمج بعض الوزارات، واستحداث وزارات أخرى، وفق أولويات العمل الحكومي». وأشار إلى «ضرورة استحداث وزارة للاقتصاد، ووضع سياسات جديدة».

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية)

ودعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مجلس النواب للانعقاد، صباح الاثنين الماضي، لافتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثالث، وأنهى المجلس الجديد انتخاب رئيسه ورؤساء اللجان النوعية، الأربعاء الماضي، قبل رفع جلساته لأجل غير مسمى.

وربط بعض المراقبين رفع جلسات مجلس النواب لأجل غير مسمى باقتراب إجراء تغيير وزاري، إلا أن عضو مجلس النواب المصري ونائب رئيس حزب «المؤتمر»، مجدي مرشد، قال إنه «لا يمكن التعويل على هذه المقاربة، خصوصاً أنه لا توجد نصوص دستورية أو قانونية تلزم الرئيس المصري بتشكيل حكومة جديدة مع انتخاب مجلس النواب».

ولا توجد نصوص دستورية أو قانونية، تقضي بتغيير الحكومة مع تشكيل البرلمان الجديد، في حين بيّنت المادة 146 من الدستور المصري، آلية اختيار رئيس الوزراء، ونصَّت على أن «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء، بتشكيل الحكومة وعرض برنامجها على مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء المجلس، خلال ثلاثين يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية، رئيساً للوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد البرلمان».

ورغم ترجيح مرشد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إجراء تغيير وزاري في مصر، فإنه «لا يتوقع حدوثه في القريب العاجل». وقال إنه «من المتوقع تغيير حكومة مدبولي خلال شهر أو شهرين، وليس في الفترة الحالية، مثلما جرى في آخر تعديل وزاري، في يوليو (تموز) 2024، والذي جاء بعد 3 أشهر من أداء الرئيس المصري اليمين الدستورية لفترة رئاسية جديدة».

وفي 3 يوليو 2024، أدت حكومة مدبولي اليمين الدستورية لآخر حركة تعديل تضمَّنت تغيير عدد من الحقائب الوزارية. وتضم الحكومة الحالية 30 وزيراً، بينهم 4 وزيرات.


مقديشو تواجه تحدياً جديداً بعد مهلة غوبالاند بشأن انتخابات الرئاسة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

مقديشو تواجه تحدياً جديداً بعد مهلة غوبالاند بشأن انتخابات الرئاسة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

تصعيد جديد من قِبل رئيس ولاية غوبالاند، أحمد مدوبي مع الحكومة الصومالية الفيدرالية، حيث «توعد بإقامة انتخابات منفردة» حال انقضت مهلة تصل لنحو 20 يوماً، ولم يستجب رئيس البلاد حسن شيخ محمود، لمطالب الإقليم بشأن عدم الذهاب لانتخابات رئاسية مباشرة قبل التوافق، وسط خلافات متصاعدة السنوات الأخيرة.

تلك الأزمة التي تأتي بعد الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال» يراها خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تمثل تحدياً جديداً للصومال، وستواجهه مقديشو وفق 3 سيناريوهات «الأول الحوار والاحتواء وهو المرجح، والثاني الخلاف المنضبط دون صدام، والثالث الأخطر والأضعف احتمالاً القطيعة وإجراء انتخابات منفردة وإضعاف الدولة الصومالية».

وتُعدّ ولاية غوبالاند «سلة غذاء» الصومال، وعاصمتها «كسمايو»، والتي تضم ميناءً مهماً من الناحية الاستراتيجية، وتحد ساحلها منطقة بحرية متنازع عليها بشدة، مع وجود مكامن نفط وغاز محتملة، و«يزعم كل من الصومال وكينيا السيادة على هذه المنطقة»، وفق «رويترز».

وحذَّر مدوبي خلال كلمة في افتتاح الدورة الجديدة لبرلمان غوبالاند، الخميس، من إبعاد الإدارات الفيدرالية عن أدوارها الدستورية؛ ما يهدّد توازن الدولة ويقوّض الشراكة الفيدرالية التي قام عليها النظام السياسي بعد 2012.

وأعلن مدوبي، الذي يُعدّ رئيساً للإقليم منذ إنشائه عام 2013، ويُعدّ الأطول بقاءً في كرسي الرئاسة بالمقارنة مع نظرائه في الولايات الإقليمية، مهلة 20 يوماً للحصول على رد من الرئيس حسن شيخ محمود بشأن التراجع عن تلك الخطوات الأحادية للحكومة، محذراً من أنه «في حال عدم الاستجابة، ستباشر غوبالاند عملية انتخابية خاصة بها، قبل الموعد المعلن في 15 مايو (أيار) المقبل المقرر بشأن الانتخابات المباشرة بالبلاد»، مشيراً إلى «خيارات متعددة».

وتختلف الحكومة الصومالية وغوبالاند في ملفات عدة محل نقاشات مستمرة منذ سنوات، وخلاف مع المعارضين، وفي مقدمتها قضية استكمال الدستور المؤقت في 2012، قبل أن يوافق برلمان الصومال أواخر مارس (آذار) 2024، على تعديلات دستورية، تشمل تغيير نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي، واعتماد نظام الاقتراع العام المباشر، وتمديد الفترة الرئاسية من 4 إلى 5 سنوات. واشتدت الخلافات، بعد تأسيس حسن شيخ محمود في 13 مايو الماضي حزب «العدالة والتضامن»، وتسميته مرشحاً له في الانتخابات المباشرة المقبلة، في غياب مدوبي.

رئيس ولاية غوبالاند أحمد مدوبي (وكالة الأنباء الصومالية)

يرى الخبير في الشأن الأفريقي، المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن «مقديشو تواجه تحدياً سياسياً جديداً بعد تصعيد غوبالاند، لكن خطورة هذا التحدي تعتمد على طريقة تعامل الرئيس حسن شيخ محمود معه خلال الأيام المقبلة»، موضحاً أن «إعلان مهلة زمنية وتهديد بإجراء انتخابات منفردة يُضعف صورة الدولة الاتحادية ويعيد إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين المركز والولايات».

ونبَّه إلى أن «أي انتخابات أحادية قبل 15 مايو المقبل، قد تفتح الباب أمام تعدد المسارات الانتخابية وتشكيك في شرعية الانتخابات القادمة وانتقال الأزمة من سياسية إلى دستورية».

ولم تعلق مقديشو رسمياً على هذه المهلة، لكن حسن شيخ محمود قاد أخيراً اتصالات مع زعيم معارض بارز مقرب من مدوبي.

وفي أوائل يناير (كانون الثاني) الحالي، شهدت مقديشو لقاءً غير مسبوق بين شيخ محمود، وشريف شيخ أحمد، الزعيم المعارض البارز، رئيس «منتدى الإنقاذ». وخلال اللقاء حثّ زعيم المعارضة، الرئيس الصومالي على «المصالحة مع الأطراف المتنازعة، لا سيما رئيسي غوبالاند وبونتلاند»، بينما أبدى شيخ محمود «مرونةً، معرباً حينها لشريف عن استعداده للتوصل إلى اتفاق شامل؛ نظراً لتفاقم الوضع المتعلق بوحدة البلاد»، حسبما ذكرت تقارير محلية.

ولا يستبعد الخبير في الشأن الأفريقي أن يبدأ حسن شيخ محمود حواراً مباشراً أو غير مباشر مع أحمد مدوبي، منبهاً إلى أن الرئيس الصومالي معروف بتفضيله الحلول السياسية لا الأمنية، فضلاً على أن المجتمعَين الدولي والإقليمي يضغطان باتجاه الحوار وليس المواجهة. وحذَّر أنه لا مصلحة لأي طرف في انفجار الأزمة، خاصة في ظل الحرب ضد الشباب والوضع الاقتصادي الهش وتعقيدات الانتخابات المباشرة، منبهاً إلى أن الحوار قد يتم ولكن قد يتأخر؛ حتى لا يفهم كأنه تنازل سياسي وفي ظل وجود أطراف داخل الحكومة ترى في مدوبي خصماً يجب تحجيمه.

وهناك 3 سيناريو، حسب عبد الولي جامع بري، الأول الحوار والاحتواء وهو الأرجح بفتح قنوات تفاوض مباشرة أو عبر وسطاء وإيجاد تفاهم حول الانتخابات المحلية والرئاسية. والسيناريو الثاني سيكون التصعيد السياسي المنضبط، وفيها ستمضي غوبالاند بخطوات انتخابية رمزية، وسط رفض مقديشو؛ ما يطيل أمد الأزمة ويضعف الدولة دون صدام، بخلاف السيناريو الثالث والأخير، وهو الأخطر والأضعف احتمالاً وهو إجراء انتخابات منفردة وحدوث قطيعة سياسية كاملة وتدخل إقليمي أو تدويل الأزمة.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، قررت ولاية غوبالاند تعليق العلاقات والتعاون مع مقديشو عقب إجراء الانتخابات الرئاسية للولاية، وفوز مدوبي بولاية ثالثة، بالمخالفة لتشريع صومالي جديد ينص على «الانتخابات المباشرة» وليس المحاصصة.