تجدد القتال في الخرطوم... وتزايد أعداد الفارين إلى مصر وتشاد

استمرار القصف يمنع وصول المساعدات الطبية من «الصحة العالمية» والكويت وقطر

TT

تجدد القتال في الخرطوم... وتزايد أعداد الفارين إلى مصر وتشاد

شاحنة تسير في أحد شوارع الخرطوم مع استمرار القتال (أ.ف.ب)
شاحنة تسير في أحد شوارع الخرطوم مع استمرار القتال (أ.ف.ب)

قال شهود عيان إن الجيش السوداني وجه (الخميس) ضربات جوية مكثفة إلى مناطق متفرقة في العاصمة (الخرطوم)، بالتزامن مع اشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمدفعية في أحياء شمال مدينة بحري.

وبحسب الشهود، شنّ الطيران الحربي للجيش غارات استهدفت معسكر «طيبة»، التابع لقوات «الدعم السريع»، جنوب الخرطوم، وفي منطقة مجاورة للمعسكر اشتبكت قوات «الدعم السريع» مع قوات الشرطة التابعة لفرقة «الاحتياطي المركزي» المجهزة قتالياً.

ووفقاً لمصادر محلية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، سُمع دوي انفجارات قوية بالقرب من جسر «الحلفايا» باتجاه شمال مدينة بحري، حيث توجد قوات «الدعم السريع»، بينما يفرض الجيش سيطرته على الجانب الآخر للجسر باتجاه مدينة أم درمان.

وقال الجيش السوداني، في بيان، إن قواته دخلت في اشتباك نهار الخميس مع «الدعم السريع» في شارع النيل، واستولت على أسلحة.

وتستمر المواجهات المسلحة في الأحياء المأهولة بالسكان على الرغم من توقيع الطرفين على اتفاق «إعلان مبادئ» تم توقيعه في مدينة جدة السعودية، التزما فيه بعدم القيام بهجمات عسكرية تشكل ضرراً للمدنيين.

اتساع المواجهات

تجدد القتال بشكل رئيسي في الخرطوم (الخميس) وكذلك في منطقة دارفور المضطربة (أ.ف.ب)

وتتسع دائرة المواجهات العسكرية بين الجيش و«الدعم السريع» في العاصمة الخرطوم، بينما تواصل الوساطة السعودية - الأميركية جهودها لدفع الطرفين إلى التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار، تعقبه مباحثات سياسية لحل الأزمة بمشاركة الأطراف المدنية.

ويعتمد الجيش بشكل أساسي على القوة الجوية والمدفعية الثقيلة في محاولة طرد قوات «الدعم السريع»، التي انتشرت في مناطق واسعة من الخرطوم ومدينتي بحري وأم درمان اللتين يفصلهما نهر النيل عن العاصمة، بعد اندلاع القتال في 15 أبريل (نيسان). وقال صلاح الدين عثمان (35 عاماً)، وهو من سكان الخرطوم، لوكالة «رويترز»، إن «القصف والاشتباكات لا يتوقفان، ولا مجال حتى للهرب من المنازل»، مضيفاً: «انتهى كل ما نملك من نقود ولم تُصرف المرتبات الشهرية... ونخاف، حتى لو تركنا منازلنا، أن تأتي عصابات لتنهب كل ما في البيت... نحن نعيش كابوسَي الخوف والفقر، ولا توجد كهرباء، ولا حكومة تهتم بنا».

وامتد العنف إلى إقليم دارفور في غرب السودان، وإلى ولاية شمال كردفان ومناطق أخرى من البلاد، لكن الصراع على السلطة يتركز في العاصمة. ويُعتقد بأن قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات «الدعم السريع» الفريق أول محمد حمدان دقلو الشهير أيضاً باسم (حميدتي)، بقيا في الخرطوم طوال القتال. ونشر الجيش، الأربعاء، مقطع فيديو يظهر البرهان وهو يرتدي ملابس عسكرية ويحيي القوات في مقر الجيش، على ما يبدو، في وسط الخرطوم.

تزايد أعداد الفارين

سودانيون يستعدون لركوب عبّارة على نهر النيل إلى أبو سمبل جنوب مصر الخميس (إ.ب.أ)

ووفقاً لأحدث التقديرات، نزح أكثر من 840 ألف شخص داخل السودان، وفرّ ما يربو على 220 ألفاً إلى دول الجوار: مصر وإثيوبيا وتشاد. وألحقت الحرب أضراراً كبيرة بالمرافق الخدمية الحيوية، وخرجت الغالبية العظمى من المستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه في العاصمة (الخرطوم) من الخدمة بنسبة كبيرة.

من جهتها، قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الخميس، إن أحدث الإحصاءات الواردة من وزارة الخارجية المصرية تظهر ارتفاع عدد القادمين إلى البلاد، فراراً من الصراع في السودان منذ 15 أبريل الماضي، إلى 113 ألفاً و190 شخصاً حتى يوم أمس. وذكر مكتب مفوضية اللاجئين في مصر، عبر حسابه الرسمي على «تويتر»، أن من بين هؤلاء 107 آلاف و286 سودانياً، بالإضافة إلى 5 آلاف و364 شخصاً من جنسيات أخرى. وكانت المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين قد تحدثت من قبل عن فرار 860 ألف شخص من السودان، بينهم 580 ألف سوداني، مشيرة إلى أن دولتي مصر وجنوب السودان ستشهدان أكبر تدفق للاجئين من البلد المجاور لهما.

واندلعت الاشتباكات في منتصف أبريل الماضي، عقب خلافات حادة بين الجيش وقوات «الدعم السريع» بشأن عملية الإصلاح الأمني والعسكري ودمج «الدعم السريع» بالجيش، في جيش مهني واحد.

وعطّل الاقتتال بين القوتين العسكريتين، في العاصمة (الخرطوم) وولايات أخرى، وصول العملية السياسية الجارية إلى اتفاق سياسي نهائي بين القوى المدنية والعسكرية لبدء مرحلة انتقالية جديدة في البلاد؛ لإنهاء الأزمة المستمرة منذ انقلاب الجيش في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

جنود سودانيون في منطقة تفتيش في الخرطوم الخميس (أ.ف.ب)

ارتفاع عدد قتلى دارفور

ورجحت «لجنة أطباء السودان» صحة تقدير صادر عن حاكم ولاية غرب دارفور، يشير إلى ارتفاع عدد القتلى في الولاية إلى 500 قتيل منذ اندلاع المعارك في السودان بين قوات «الدعم السريع» والجيش، الشهر الماضي. وقال الدكتور علاء الدين نقد، عضو «لجنة الأطباء المركزية» في السودان، الخميس، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إن «اللجنة أحصت 150 قتيلاً غرب دارفور، ولكن نظراً لانقطاع الاتصالات مع المصادر الصحية والأطباء على الأرض، وتدمير عدد من المستشفيات في غرب دارفور، فإن إحصاء سلطات الولاية، التي قدرت إجمالي عدد القتلى في غرب دارفور منذ اندلاع الحرب عند 500 شخص، هو الأقرب إلى الدقة».

وكانت «لجنة أطباء السودان المركزية» قد أعلنت، يوم الأحد الماضي، مقتل 150 مدنياً، وإصابة عشرات آخرين خلال تجدد الاشتباكات في مدينة الجنينة في غرب دارفور، منذ اندلاع المعارك في 15 أبريل الماضي.

تعطل توزيع المساعدات

وبخصوص المساعدات الطبية، أكد نقد أن «المساعدات الطبية التي تم توزيعها حتى الآن هي مساعدات الصليب الأحمر الدولي فقط، التي وصلت إلى ميناء بورتسودان في 30 أبريل الماضي». وقال إن المساعدات الطبية التي أرسلتها منظمة الصحة العالمية والكويت وقطر لم يتم توزيعها على المستشفيات، رغم أنها وصلت إلى مخازن وزارة الصحة الاتحادية، ومنظمة الصحة العالمية في ميناء بورتسودان، معللاً تباطؤ التوزيع «باستمرار القصف مما يشكل تهديداً لحركة النقل».

وقال برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، إنه يعكف على تكثيف عملياته في 6 ولايات على الأقل في السودان، لمساعدة 4.9 مليون شخص معرضين للخطر، فضلاً عن مساعدة أولئك الذين يفرون إلى تشاد ومصر وجنوب السودان.


مقالات ذات صلة

السودان... «الهدنة» تسابق «المسيرات»

تحليل إخباري جانب من الاجتماع التشاوري بشأن السودان في جنيف 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

السودان... «الهدنة» تسابق «المسيرات»

بين قاعات الاجتماعات الدولية وسماء المدن السودانية، يتسارع سباق غير متكافئ... وساطات تحاول انتزاع هدنة... ومسيّرات توسّع رقعة القصف.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا قوات حفظ السلام الأممية (يونيسفا) في أثناء محاولات إطفاء النيران في سوق النعام بمنطقة أبيي (الأمم المتحدة - «فيسبوك»)

الخرطوم تنفي مسؤولية الجيش عن «مجزرة أبيي»

نفت الحكومة السودانية أي صلة للجيش بهجوم الطائرة المسّيرة الذي استهدف سوق النعام بمنطقة أبيي الحدودية مع دولة جنوب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز) p-circle

الأمم المتحدة تدين «الحصيلة المروعة» للهجمات بالمسيّرات في السودان

أدانت الأمم المتحدة، الجمعة، التصعيد الدامي في استخدام الطائرات المسيّرة في السودان خلال هذا الشهر، مشيرة إلى أنها وثقت مقتل أكثر من 300 شخص جراء هذه الهجمات.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)

«سد النهضة»: السيسي يرفض «الأمر الواقع» ويضع شروطاً للتعاون مع إثيوبيا

الرئيس السيسي أكد أن مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي أكد أن مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه (الرئاسة المصرية)
TT

«سد النهضة»: السيسي يرفض «الأمر الواقع» ويضع شروطاً للتعاون مع إثيوبيا

الرئيس السيسي أكد أن مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي أكد أن مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه (الرئاسة المصرية)

وسط توترات متصاعدة بين القاهرة وأديس أبابا بسبب نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التأكيد على رفض بلاده سياسة «الأمر الواقع»، وحدد شروطاً للتعاون مع إثيوبيا، مؤكداً أن التعويل على تفريط مصر في أمنها المائي «رهان خاسر».

وقال السيسي في كلمة مسجلة خلال افتتاح «أسبوع القاهرة التاسع للمياه»، الأحد، إن مصر «اختارت طريق التعاون والحوار، اختياراً واعياً، يستند إلى الثقة في عدالة قضيتها وقانونية موقفها (في إشارة إلى سد النهضة)، وتوقن بأن حماية مصالح شعبها مسؤولية لن تتهاون في الوفاء بها».

وتابع: «أقول بوضوح إن أي رهان على قبول مصر بفرض الأمر الواقع أو التفريط في أمنها المائي... هو رهان خاسر».

وبحسب بيان المتحدث باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي، أشار الرئيس السيسي إلى أنه «من هذا المنطلق؛ تظل يد مصر ممدودة لأشقائها لتعاون يقوم على قواعد القانون الدولي والتشاور والتنسيق، وحسن الجوار وعدم الإضرار، فنحن أسرة واحدة يجمعها النيل، ومصالحنا المشتركة أكبر من خلافاتنا، وحوضنا يمتلك موارد وإمكانات واسعة، يمكن بحسن إدارتها وتنميتها، أن تلبى احتياجات شعوبنا وتطلعاتها».

وانطلق «أسبوع القاهرة التاسع للمياه»، الأحد، تحت عنوان «المياه حافزاً للسلام والازدهار المشترك وكوكب مستدام»، ويستمر حتى 29 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري بحضور وفود دولية ومنظمات أممية.

ويمتد النزاع بين مصر وإثيوبيا لنحو 15 عاماً بشأن «سد النهضة» الذي افتتحته أديس أبابا على رافد نهر النيل الشرقي، وتخشى مصر أن يؤثر على حصتها المائية، ومنذ تجميد المفاوضات عام 2024 توترت العلاقات بين البلدين.

جانب من «أسبوع القاهرة للمياه» الأحد (وزارة الري المصرية)

وقال السيسي في كلمته، إن «مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه، وقد ترجمنا هذا الموقف عملياً من خلال التعاون مع أشقائنا بشأن المشروعات المطروحة، ضمن برامج الاستثمار بدول حوض النيل الجنوبي، في مجالات الطاقة والزراعة والري».

وأكد أن هذه التجربة أثبتت أن «الإخطار المسبق وتبادل الدراسات والتشاور، أدوات عملية، تدعم المضي قدماً في حشد التمويل للمشروعات، وتبنى الثقة، وتحفظ مصالح الجميع»، وليست «وسيلة لتعطيل التنمية، أو فرض الوصاية على أي دولة، وهي تجربة تؤكد أن التعاون الحقيقي ممكن... متى توفرت الإرادة».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، رخا أحمد حسن، يرى أن كلمة الرئيس السيسي تحمل «رسائل سياسية هامة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الرسائل من حيث النظرة الكلية تؤكد على تمسك مصر بالمسار الدبلوماسي وفق شروط، وأنها تدعم حق دول حوض النيل في التنمية، وأن القاهرة لن تتهاون في حقوقها المائية».

وفي كلمته بالجلسة الافتتاحية لـ«أسبوع القاهرة»، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن مصر «تعتز بانتمائها الأفريقي، وتعتز على وجه الخصوص بانتمائها إلى أسرة حوض النيل، التي تجمع شعوبها روابط تاريخية ومصالح مشتركة»، مشيراً إلى «أننا لا نريد أن تُختزل علاقاتنا في الخلافات المائية أو أن يتحول الحوض إلى ساحة للتنافس بين دول المنبع والمصب، وإنما نريده مجالاً للشراكة والتنمية واحترام مصالح الجميع».

مصطفى مدبولي خلال كلمته في «أسبوع القاهرة للمياه» (مجلس الوزراء المصري)

وشدد مدبولي على أن «مصر لم تحجر يوماً على حق أي دولة في تحقيق التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية، بل على العكس كانت سباقة دوماً إلى مد يد العون والمُساعدة إلى أشقائها الأفارقة».

ويعتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية محمد حجازي، أن الرسائل المصرية تؤكد على محددات ثابتة لموقف القاهرة، ويؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن «كلمة الرئيس السيسي شاملة ومحددة للموقف الراهن»، موضحاً أنه «على إثيوبيا أن تعي دلالات الرسائل والشروط المصرية، وأنه لا بديل عن التعاون وفق اتفاق قانوني شامل وملزم».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

من جهته، أكد وزير الري المصري هاني سويلم، في كلمته، الأحد، أن مصر «تمد يدها إلى أشقائها في دول الحوض لتبادل الخبرات وتعزيز فرص التنمية المشتركة»، مشيراً إلى أهمية «مواصلة الحوار والتشاور لبناء إطار توافقي جامع يراعي مصالح جميع الدول».

وتطرقت مديرة «البرنامج الأفريقي» في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» أماني الطويل، إلى الهدف من «الرسائل المصرية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أن الرسائل المصرية التقليدية نفسها، فإنها تهدف إلى التأكيد على أن القاهرة تحترم القانون الدولي وتلتزم بالمسار الدبلوماسي»، مؤكدة أن الرسائل أعادت «تسويق الموقف المصري سياسياً في (قضية السد الإثيوبي) أمام الوفود الدولية والإقليمية المشاركة بـ(أسبوع القاهرة للمياه)».


ليبيا تتأهب لموجة أمطار جديدة وسط مخاوف

صورة أرشيفية نشرتها «وكالة الأنباء الليبية» لأحد السدود
صورة أرشيفية نشرتها «وكالة الأنباء الليبية» لأحد السدود
TT

ليبيا تتأهب لموجة أمطار جديدة وسط مخاوف

صورة أرشيفية نشرتها «وكالة الأنباء الليبية» لأحد السدود
صورة أرشيفية نشرتها «وكالة الأنباء الليبية» لأحد السدود

تستعد السلطات الليبية لموجة جديدة من الأمطار قد تكون غزيرة في مناطق متفرقة من البلاد، مع تشديد إجراءات مراقبة السدود ومجاري الأودية، ورفع جاهزية فرق الإنقاذ والطوارئ، في اختبار لقدرة المؤسسات الخدمية على التعامل مع تداعيات التقلبات الجوية، بعد أيام من فيضانات شهدتها العاصمة طرابلس أودت بحياة شخصين.

وأمرت إدارة السدود بوزارة الموارد المائية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برفع درجة الاستعداد، وتعزيز أعمال القياس والرصد في سدود المنطقة الغربية، تحسباً لتدفق مياه الأمطار من مناطق التجميع العليا إلى بحيرات التخزين أمام السدود.

وقال مدير إدارة السدود المكلف، محمد الديلي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الليبية»، إن هذه الإجراءات تأتي استجابة للتوقعات الجوية التي تشير إلى احتمال هطول أمطار متوسطة إلى غزيرة وجريان الأودية، مع التشديد على التنسيق المستمر بين الفرق الفنية والجهات المختصة وغرفة متابعة السدود.

وتأتي هذه الاستعدادات وسط مخاوف من تكرار ما حدث في طرابلس مؤخراً، في وقت يتوقع فيه «المركز الوطني للأرصاد الجوية» استمرار التقلبات الجوية على مناطق شمال ليبيا، مع ازدياد احتمالات هطول أمطار غزيرة محلياً، يومي الاثنين والثلاثاء، نتيجة امتداد منخفض جوي متمركز جنوب إيطاليا.

اختناق مروري وتعطل حركة السير وسط طرابلس بسبب السيول (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتشمل المناطق المتوقع تأثرها بالأمطار، الساحل الغربي الممتد من رأس إجدير إلى سرت، ومناطق الجبل الغربي، إلى جانب مناطق الخليج وسهل بنغازي وأجزاء من الشمال الشرقي.

وحذر «المركز الوطني للأرصاد الجوية»، من احتمال تجمع المياه في المناطق المنخفضة وعلى الطرق وجريان الأودية المحلية، ودعا المواطنين إلى تجنب عبور الأودية والطرق المغمورة بالمياه.

تمركز صهاريح شفط المياه بطرابلس (وزارة الموارد المائية بحكومة «الوحدة«)

وفي إطار الاستعدادات الميدانية، رفع «جهاز الإسعاف والطوارئ» درجة التأهب إلى القصوى، ووجّه فروعه ومكاتبه بتفعيل فرق الرصد لمراقبة ارتفاع مناسيب المياه في السدود والأودية، وإحالة المعلومات الميدانية إلى غرفة العمليات المركزية لضمان سرعة الاستجابة لأي طارئ.

كما بحثت مديرية أمن طرابلس، بمشاركة جهات أمنية وخدمية وفنية، إجراءات مواجهة تداعيات الحالة الجوية، واتُّفق على تشكيل لجنة مشتركة لتنفيذ جولات ميدانية على مجاري الأودية، والتأكد من خلوها من العوائق التي قد تعرقل تصريف المياه.

وكثفت «الشركة العامة للمياه والصرف الصحي»، الأحد، جولاتها الميدانية في مواقع حيوية بطرابلس للتأكد من جاهزيتها للتعامل مع تجمعات المياه المحتملة.

وسبق ذلك تمركز صهاريج لشفط مياه الأمطار في نقاط مختارة بالعاصمة وتاجوراء، إلى جانب جولة للجنة الطوارئ والأزمات بمديرية أمن طرابلس على «سد وادي المجنين» ومجرى الوادي والعبارات المرتبطة به، بمشاركة جهات أمنية وخدمية وفنية للتحقق من جاهزيتها لاستقبال مياه الأمطار.

وتعيد التحذيرات الحالية إلى الواجهة تداعيات الأمطار الغزيرة التي ضربت طرابلس في 13 من الشهر الحالي، عندما غمرت المياه طرقاً وشوارع ومساكن، وتسببت في تعطل حركة المرور واحتجاز مركبات، وسط صعوبات في تصريف المياه؛ ما أسفر عن وفاة شخصين.

أرشيفية لإغلاق طريق بني وليد - ترهونة بسبب السيول (مديرية أمن بني وليد)

وأظهرت تلك التداعيات حجم التحديات التي تواجهها خدمات تصريف مياه الأمطار والبنية التحتية في العاصمة، وهو ما دفع السلطات إلى بحث جاهزية المرافق الخدمية وآليات التنسيق بين البلديات والجهات التنفيذية.

وكانت حكومة «الوحدة» قد وجهت الجهات المختصة إلى رفع درجة الجاهزية، وتجهيز مضخات سحب المياه ووضعها في النقاط الحرجة، وتنظيف الشوارع، وفتح مسارات التصريف، فضلاً عن رفع استعداد فرق الطوارئ التابعة للشركة العامة للكهرباء، وتجهيز فرق الإنقاذ والإخلاء.


البرلمان الجزائري يجيز نشر قوات في النيجر وسط تساؤلات بشأن الأهداف الاستراتيجية

عرض عسكري نظمه الجيش الجزائري في 2024 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري نظمه الجيش الجزائري في 2024 (وزارة الدفاع)
TT

البرلمان الجزائري يجيز نشر قوات في النيجر وسط تساؤلات بشأن الأهداف الاستراتيجية

عرض عسكري نظمه الجيش الجزائري في 2024 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري نظمه الجيش الجزائري في 2024 (وزارة الدفاع)

صوّت البرلمان الجزائري، الأحد، على «التماس رئاسي» يجيز إرسال وحدة عسكرية إلى النيجر، بعد أن كان الرئيس عبد المجيد تبون قد أكد، مطلع الشهر الحالي، أن هذا البلد «يواجه تهديداً من جماعة مسلحة» تموّلها، بحسب قوله، «دولة من خارج منطقة الساحل».

وجرى التصويت خلال جلستين مغلقتين منفصلتين، خُصّصت إحداهما لكل غرفة من غرفتي البرلمان، وسط تكتم شديد، إذ مُنعت وسائل الإعلام من متابعة الحدث. وفي حين أيّدت أحزاب الموالاة هذه الخطوة، التزمت أحزاب المعارضة الصمت.

وقال برلمانيون إنهم صوّتوا على «إخطار» وصلهم من الرئيس تبون يخص إرسال وحدة من الجيش إلى النيجر قصد حماية المشروعات الاستثمارية لـ«شركة سوناطراك الدولية للاستكشاف والإنتاج»، وذلك بناءً على طلب من السلطات النيجرية.

من جلسة سابقة لمجلس الأمة (البرلمان)

وأكد صحافيون تجمعوا خارج «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) وسط العاصمة، أنهم شاهدوا وزير الخارجية أحمد عطاف، وهو يدخل إلى المبنى صباحاً، حيث ألقى خطاباً شرح فيه أسباب التفويض الذي طلبه الرئيس من النواب، بخصوص إيفاد الجيش خارج الحدود، وتحديداً إلى النيجر، بحسب ما ذكرته مصادر برلمانية لـ«الشرق الأوسط»، دون تقديم تفاصيل عن مضمون خطاب عطاف.

وأفادت المصادر بأن كل النواب تسلموا، قبل 24 ساعة من جلسة التصويت، «أرضية، تتضمن الخطوط العريضة لقرار محتمل يخص تحرّك القوات المسلحة لشن أو المشاركة في عملية عسكرية في النيجر».

غطاء دستوري

وغادر أعضاء «مجلس الأمة» المكان بمجرد أن انتهت عملية التصويت، التي تمت بإجماع الكتل الحزبية وكتلة «الثلث الرئاسي» المؤيدة لرئيس البلاد، حيث أظهروا حرصاً واضحاً على تفادي طلبات الصحافيين للتصريح. وشهد «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى)، نفس «السيناريو» بعد الظهر، حيث أيدت الأغلبية قرار إيفاد قوات إلى النيجر.

وبتصويت الغرفتين باتت الخطوة تحظى بغطاء قانوني يتماشى مع «المادة 91» من الدستور التي تعطي لرئيس البلاد، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، صلاحية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج البلاد، بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة.

رئيس النيجر يستقبل من طرف نظيره الجزائري منتصف فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

وإن كانت السلطات لم تذكر بشكل رسمي سبب نقل وحدة من الجيش إلى الجارة الجنوبية، ولا الإعلان عن هذه الخطوة، فقد لمّح إلى هذه القضية عمار بلاني المتحدث باسم وزارة الخارجية وسفير الجزائر ببروكسل سابقاً، المحال على التقاعد قبل أشهر قليلة، حيث ذكر، في منشور بحسابه بالإعلام الاجتماعي، أن الجزائر استجابت لـ«طلب سيادي من السلطات النيجرية، وضمن إطار اتفاق ثنائي للتعاون الأمني».

ولفت بلاني إلى أنه من «المرتقب أن تتمركز القوات الجزائرية في قاعدة ماداما العسكرية، الواقعة شمال النيجر بالقرب من الحدود الليبية». موضحاً أن هذه القاعدة كانت نقطة ارتكاز عسكرية فرنسية جرى تطويرها في إطار عملية عسكرية شنّتها فرنسا عام 2013 ضد معاقل جماعات دينية متشددة في مالي.

وتكتسي هذه المنشأة أهمية استراتيجية لمراقبة منطقة الساحل والمحاور العابرة للحدود، حسب الدبلوماسي السابق.

رسم بياني للحدود و«قاعدة ماداما» النيجرية (متداولة)

وتقع قاعدة «ماداما» العسكرية في شمال النيجر على بُعد نحو 263 كيلومتراً بخط مستقيم من قاعدة «الويغ» في إقليم فزّان الليبي، وهي موقع عسكري مرتبط بقوات المشير خليفة حفتر، ويُستخدم نقطة إسناد في جنوب غربي ليبيا.

وعلى إثر هذا الخيار غير المألوف في تعامل الجزائر مع التحديات الواقعة خارج حدودها، تُطرح تساؤلات عدة بشأن أهداف نشر قوات من جيشها على امتداد الحدود المشتركة مع النيجر وموريتانيا.

دوافع التموضع الاستباقي

ويأتي ذلك في سياق إقليمي معقّد، خصوصاً في ظل الخلاف الحاد بين الجزائر والمشير خليفة حفتر، الذي لا تعترف به الجزائر سلطةً شرعية في ليبيا، وتتعامل رسمياً مع الحكومة في طرابلس.

حول هذا التطور اللافت في السياسية الخارجية الجزائرية، قال وزير سابق مفضلاً عدم نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط»: «بلادنا لم تعد تكتفي بملء الفراغ الدبلوماسي الذي خلّفه الانسحاب الفرنسي بالمنطقة، بل تسعى إلى بلورة تموضع استباقي على المستويات العسكرية والأمنية والاستثمارية، بما يحول دون تحوّل حزامها الجنوبي إلى مجال نفوذ استراتيجي لقوى إقليمية ودولية منافسة».

في أواخر أغسطس (آب) الماضي، أرسلت الجزائر 4 طائرات مقاتلة تابعة للقوات الجوية، عقب محاولة انقلاب فاشلة في نيامي. وكانت هذه المهمة الأولى من نوعها منذ الاستقلال عام 1962.

وصرّح الرئيس تبون مطلع الشهر الحالي أن محاولة الانقلاب التي استهدفت الرئيس عبد الرحمن تشياني نهاية أغسطس الماضي، عدّتها بلاده «استفزازاً، لأنها جاءت مباشرة بعد زيارة رئيس الوزراء النيجري، علي محمد لمين زين، إلى الجزائر». مؤكداً أن «لدينا مصالح، وقد أبرمنا اتفاقيات في مجالات النفط والمناجم وغيرها. ثم يأتي أحدهم ليُفسد كل شيء في ليلة واحدة. لا ينبغي، مع ذلك، الاستهانة بالأمور إلى هذا الحد. نحن قادرون على الدفاع، أولاً عن أصدقائنا، ثم عن المصالح المشتركة التي تجمعنا». وكان تبون يلمّح إلى جهة أجنبية عن المنطقة، من دون أن يذكر من هي.

رئيس أركان الجيش الجزائري سعيد شنقريحة ووزير الدفاع النيجري (وزارة الدفاع)

وأطلقت الجزائر العديد من مشروعات التعاون مع النيجر، انطلاقاً من رؤيتها القائمة على أن الاستقرار والأمن في منطقة الساحل يمران أساساً عبر التنمية الاقتصادية. ومن أبرز هذه المشروعات إنجاز أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يُفترض أن ينقل الغاز من نيجيريا إلى أوروبا عبر النيجر والجزائر، إلى جانب الاستغلال المشترك، بين شركة «سوناطراك» الجزائرية وشركة النفط النيجرية «سونيديب»، لحقل «كافرا» النفطي الواقع شمال النيجر.