تقارير: «الدعم السريع» تحتجز ناجين من الفاشر للحصول على فِدى

مستشار حميدتي نفى واتهم مجموعة منافسة... ولجنة تحقق فيما يزيد على 100 حالة انتهاك

نازحون سودانيون فروا من الفاشر بعد سقوط المدينة في قبضة «قوات الدعم السريع» في 26 أكتوبر (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون فروا من الفاشر بعد سقوط المدينة في قبضة «قوات الدعم السريع» في 26 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

تقارير: «الدعم السريع» تحتجز ناجين من الفاشر للحصول على فِدى

نازحون سودانيون فروا من الفاشر بعد سقوط المدينة في قبضة «قوات الدعم السريع» في 26 أكتوبر (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون فروا من الفاشر بعد سقوط المدينة في قبضة «قوات الدعم السريع» في 26 أكتوبر (أ.ف.ب)

قال شهود وموظفو إغاثة وباحثون إن «قوات الدعم السريع»، التي حاصرت مدينة الفاشر في دارفور قبل اجتياحها في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحتجز ناجين من الحصار بشكل منهجي، وتطلب فدى لإطلاق سراحهم، وتقتل أو تضرب من لا تستطيع أسرته دفعها، حسب تقرير لوكالة «رويترز».

ولم تحدد «رويترز» عدد المحتجزين لدى «قوات الدعم السريع» والفصائل المسلحة المتحالفة معها في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وفي محيطها، لكن الروايات تشير إلى أن مجموعات كبيرة محتجزة في عدة قرى على بعد 80 كيلومتراً من الفاشر، وأن آخرين أعيدوا إلى المدينة، حيث تطالب «قوات الدعم السريع» بدفع مبالغ مالية تقدر بآلاف الدولارات من أقاربهم.

صورة بالأقمار الاصطناعية لمستشفى الأطفال تعرض للدمار في الفاشر 30 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويُظهر احتجاز الناجين المخاطر التي يواجهها أولئك الذين لم يتمكنوا من الخروج من الفاشر التي كانت آخر معقل كبير ضد «قوات الدعم السريع» في إقليم دارفور بغرب السودان قبل سقوطها. ووصف الشهود عمليات انتقام جماعية منذ سيطرة «الدعم السريع»، والتي تضمنت الإعدام بإجراءات موجزة والعنف الجنسي.

ويسلط ذلك الضوء أيضاً على محنة بعض من عشرات الآلاف الذين ما زالوا في عداد المفقودين في الوقت الذي تسعى فيه وكالات الإغاثة إلى دخول منطقة الفاشر المنكوبة بالمجاعة وضواحيها، والتي أصبحت نقطة محورية في الحرب المستمرة منذ عامين ونصف عام، بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني.

الدفع أو القتل

وتقول «رويترز» إنها أجرت مقابلات مع 33 محتجزاً سابقاً و10 من موظفي الإغاثة والباحثين الذين قدموا تفاصيل لم يتم الإبلاغ عنها من قبل حول العنف الذي واجهه المحتجزون، والمواقع التي احتُجِزوا فيها، وحجم الاعتقالات.

وتحدث ناجون عن دفع فدى تراوحت بين خمسة ملايين جنيه سوداني (1400 دولار) و60 مليون جنيه سوداني (17 ألف دولار)، وهي مبالغ طائلة بالنسبة لسكان مثل هذه المنطقة الفقيرة.

وقال 11 ناجياً إن عدداً من الذين لم يتمكنوا من الدفع تعرضوا لإطلاق النار من مسافة قريبة أو تم قتلهم في مجموعات، في حين تعرض آخرون منهم للضرب المبرح.

وحسب الوكالة، فقد تم رصد ناجين فروا عبر الحدود إلى تشاد وعلى أجسادهم آثار إصابات بدا أنها ناجمة عن الضرب والطلقات النارية. وأشارت إلى أنها لم يتسن لها التحقق من رواياتهم بالكامل.

وقال محمد إسماعيل، الذي تحدث إلى «رويترز» عبر الهاتف من طويلة، وهي مدينة قريبة من الفاشر لكنها تخضع لسيطرة قوات محايدة، إن «قوات الدعم السريع» تمهل أسرة المحتجز ثلاثة أو أربعة أيام، وإذا لم ترسل تحويلاً مالياً يقتلونه.

وأضاف أنه غادر الفاشر مع سيطرة «قوات الدعم السريع» على المدينة في 26 أكتوبر لكن «قوات الدعم السريع» ألقت القبض عليه في قرية أم جلبخ ضمن مجموعة من 24 رجلاً. وأوضح أنه أُجبر هو وابن شقيقه على جمع 10 ملايين جنيه سوداني من أسرته قبل أن يُطلق سراحهما. وقال إن تسعة رجال آخرين قُتلوا أمامهما.

الدعم ينفي ويحقق

المستشار القانوني لـ«قوات الدعم السريع» محمد مختار، قال لـ«رويترز»، إن معظم حالات الاحتجاز والابتزاز التي تعرض لها أشخاص من الفاشر نفذتها مجموعة منافسة يرتدي أعضاؤها زياً يشبه «قوات الدعم السريع».

المستشار القانوني لـ«قوات الدعم السريع» محمد المختار النور (الشرق الأوسط)

وتحقق لجنة من «قوات الدعم السريع» فيما يزيد على 100 حالة انتهاك مزعومة يومياً في الفاشر، حيث تم اعتقال عدد كبير من المشتبه بهم، وأدين تسعة منهم، حسبما قال رئيس اللجنة أحمد النور الحلا لـ«رويترز».

وكانت السيطرة على الفاشر بعد حصار دام 18 شهراً نقطة تحول في الحرب التي اندلعت بسبب صراع على السلطة بين الجيش و«الدعم السريع»، وتسببت فيما وصفته الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في العالم. ويواجه الطرفان اتهامات بارتكاب جرائم حرب.

وقال ناجون من احتجاز «قوات الدعم السريع» في الفاشر وما حولها لـ«رويترز»، إنهم كثيراً ما سُئلوا عن القبيلة التي ينتمون إليها وهوجموا بألفاظ عنصرية.

وتقدر المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 100 ألف شخص فروا من الفاشر منذ سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها. وتقول وكالات الإغاثة إن أكثر من 15 ألفاً منهم وصلوا إلى طويلة، ونحو 9500 آخرين عبروا الحدود إلى تشاد، لكن معظمهم ما زالوا في قرى تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في محيط الفاشر، منها قرني وكورما وأم جلبخ وشقرة وحلة الشيخ وجبل وانا وطرة.

لاجئون سودانيون من الفاشر في مخيم للاجئين شرق تشاد - 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

ولم يتضح للباحثين عدد من بقوا داخل الفاشر نفسها. وقالت منظمات الإغاثة إن بعض السكان لم يتمكنوا من الفرار لأنهم لم يستطيعوا دفع تكاليف الخروج من المدينة، أو لأنهم مرضى أو مصابون لدرجة لا تسمح لهم بالسفر.

مفاوضات مع أسر المحتجزين

قال ياسر حمد علي (36 عاماً)، وهو متحجز سابق وصل إلى تشاد، إن أفراداً من «قوات الدعم السريع» ألقوا القبض عليه في 29 أكتوبر مع 16 رجلاً آخرين بعد فراره من الفاشر، مضيفاً أنهم أوسعوه ضرباً قبل المطالبة بمبلغ 150 مليون جنيه سوداني للإفراج عنه.

وفي حديثه لـ«رويترز» من مستشفى في طينة بالقرب من حدود تشاد مع السودان، قال إن القوات استخدمت جهازاً للإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية من ستارلينك مثبتاً على سيارتهم من طراز «تويوتا لاند كروزر» للاتصال بأسرته عبر «فيسبوك ماسنجر».

وتعاني مساحات شاسعة من الأراضي التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» من انقطاع الاتصالات منذ بداية الحرب، مما أدى إلى انتشار أجهزة ستارلينك. ولم ترد «ستارلينك» على طلب للتعليق.

وقال علي إن أسرته تفاوضت معهم حتى وصلوا بالمبلغ إلى خمسة ملايين جنيه قاموا بتحويلها عبر محفظة (بنكك) الافتراضية السودانية، وفقاً لإيصالات تحويل اطلعت عليها «رويترز».

أطفال سودانيون فروا مع عائلاتهم من جراء العنف بمدينة الفاشر في أحد المخيمات القريبة منها (رويترز)

وقال رجل آخر في طينة يدعى إبراهيم كيتر (30 عاماً) إن أسرته اقترضت بضمان منزلها في مدينة عطبرة لدفع فديته التي بلغت 35 مليون جنيه، معبراً عن اعتقاده بأنهم لن يتمكنوا من سداد هذا القرض.

وقال شقيقه الحاج التيجاني كيتر (31 عاماً) إن المقاتلين وضعوا مسدساً على رأسه وضربوه ضرباً مبرحاً في أثناء محادثة فيديو مع أسرته، وهو أسلوب مشابه لما تستخدمه العصابات على طرق تهريب المهاجرين في ليبيا المجاورة، والتي يتصل أفرادها بأقارب المهاجرين المحتجزين ويظهرون إساءة معاملتهم في محاولة لانتزاع فدى أعلى.

وكثيراً ما جندت «قوات الدعم السريع» مقاتلين أو فصائل مسلحة على وعد بالنهب بدلاً من الحصول على راتب ثابت، وتقع عمليات نهب واسعة النطاق في المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع».

غير أن موظفي إغاثة قالوا إن طلب فدى ضخمة مثل تلك التي تُطلب في محيط الفاشر يمثل ظاهرة جديدة.

وتُظهر صور الأقمار الاصطناعية لقرية قرني في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) مئات الملاذات المؤقتة الجديدة التي تم تشييدها خلال الشهر الماضي. وقال اثنان من موظفي الإغاثة إن ذلك يشير إلى إمكانية احتجاز الناس هناك لفترة طويلة.

الاحتجاز في الفاشر

ذكرت وكالة «رويترز» أنه كان يتم الفصل بين الرجال والنساء عند وصولهم إلى قرني. لكن النساء يحتجزن هناك أيضاً. وقالت إحدى النساء إنها تعرضت لعصب عينيها واغتصابها هناك لعدة أيام، في حين قالت امرأة أخرى إنها كانت شاهدة على عمليات اغتصاب بهذا الأسلوب.

سودانيات نزحن من الفاشر يتلقين مساعدات داخل مخيم في بلدة العفاض شمال السودان (أ.ف.ب)

وقالت المرأة الثانية وهي تبكي خلال حديثها عبر الهاتف من طويلة إن أفراد «قوات الدعم السريع» هددوها بالقتل عندما حاولت التدخل.

وتحدث ثمانية من المحتجزين السابقين عن إعادتهم إلى الفاشر قائلين إنهم احتُجزوا مقابل فدى في مبانٍ من بينها منشآت عسكرية ومساكن جامعية.

وقال رجل يعمل معلماً ويبلغ من العمر 62 عاماً، طالباً عدم الكشف عن هويته، إنه وجد نفسه في مستشفى الفاشر للأطفال مع مئات الرجال الآخرين.

وأوضح أنهم كانوا مكدسين في صفوف، ولم يكن لديهم ما يشربونه، فأخذوا الماء من بركة راكدة في المستشفى واكتشفوا فيما بعد أنها كانت مياه صرف صحي. وقال المعلم إن نحو 300 رجل لقوا حتفهم. وقدم باحثان في مجال حقوق الإنسان، تحدثا إلى شهود، تقديرات مماثلة لـ«رويترز».

وقال مجاهد الطاهر (35 عاماً) الذي كان محتجزاً في الفاشر إنه تم إطلاق سراحه بعد تعرضه للضرب بفدية قدرها 30 مليون جنيه، ليتم احتجازه مرة أخرى في زالنجي، حيث أجبر خاطفوه أسرته على دفع ستة ملايين جنيه أخرى.

وأضاف لـ«رويترز» في نجامينا بتشاد أنه رأى في الطريق جثث سبعة رجال كان قد فرّ معهم، وقد أصيبوا بطلقات نارية في رؤوسهم وصدورهم. وعرض الطاهر صورة لقدميه وقد أصابتهما التقرحات بسبب المشي حافياً بعد أن أخذت «قوات الدعم السريع» حذاءه.

ومنذ سيطرتها على الفاشر، تنشر «قوات الدعم السريع» مقاطع مصورة، وتبث على الهواء لقطات لأشخاص يتلقون الطعام والرعاية الطبية في المدينة.

وقالت ممرضة، قالت إنها كانت محتجزة لدى «قوات الدعم السريع»، لـ«رويترز»، إن أفراد القوات صوروها وهي تتلقى الطعام وتقول إنها تلقى معاملة حسنة. لكنها أضافت أنهم يعذبون الناس ثم يظهرونهم في اللحظة التالية على الهواء.


مقالات ذات صلة

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

شمال افريقيا وزارة الخزانة الأميركية (رويترز) p-circle

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم (الجمعة)، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

رغم الجهود المتواصلة لإنهاء الحرب في السودان، فإنها تدخل عامها الرابع دون مؤشرات تدل على وجود أي رغبة من طرفيها الجيش و«الدعم السريع» في التوصل لحل سلمي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

مستشار لترمب: لا ننحاز لأحد في حرب السودان ونركّز على الجانب الإنساني

قال مسعد ​بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية اليوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة ‌لا ‌تنحاز ​لأي ‌طرف ⁠في ​الحرب الدائرة ⁠في السودان.

«الشرق الأوسط» (برلين - الخرطوم)
شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.